برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب الثامن

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الملوك 

الفصل السّادِس

إنجلترا في القرن الخامس عشر

1399 - 1509

1- الملوك

وما كاد يجلس هنري الرابع على العرش، حتى تحدته الثورة. فلقد تخلص أوين جلن دُوير من السيطرة الإنجليزية في ويلز إلى حين (1401-1408)، ولكن هنري الذي أصبح فيما بعد الملك هنري الخامس، وكان يوم ذاك أمير ويلز، تغلب عليه بخطة عسكرية مباغتة، ومات أوين جلندوير، بعد لحظات من تبليغه العفو الكامل عنه، من المنتصر الشهم وذلك بعد أن أمضى ثماني سنوات مطارداً في حصون ويلز ونجادها. وقاد هنري برسي ايرل نورثمبرلند، بعض نبلاء الشمال في ثورة، أراد لها أن تساير في الزمن ثورة أوين جلندوير، ضد ملك لم يستطع أن يفي بالعهود التي قطعها لهم على نفسه، في مقابل معونتهم إياه على خلع رتشارد الثاني؛ وقاد هاري، الابن المستهتر للايرل، الملقب "بالمهماز الحاد" (وهو الذي صورة شكسبير شخصية محبوبة بلا مبرر) قوة عسكرية مترددة غير كافية ضد الملك في شروزبري (1403)، وهناك مات الفتى في بطولة حمقاء، وأبلى هنري الرابع في الصفوف الأولى من القتال بلاءً حسناً، وأطهر ابنه "أمير هل" المرح المتلاف شجاعة جديرة بالظفر بأجنكورت وفرنسا. ولم تترك هذه الثورات وغيرها من المتاعب لهنري إلا فسحة ضئيلة من الوقت أو الحماسة للسياسة، وكانت موارده أقل من نفقاته، كما اختلف بلا كياسة مع البرلمان، وختم ملكه بين الفوضى المالية وأصابته بمرض الجذام، وهبوط المستقيم والمرض التناسلي. قال هولنشد "إنه انتقل إلى جوار ربه في السادسة والأربعين من عمره.. في ارتباك عظيم ومتاع قليل".

وتذهب الروايات ويذهب شكسبير إلى أن هنري الخامس قد أمضى شباباً طليقاً ماجناً، وأنه تآمر للاستيلاء على العرش، حتى على أب، أقعده المرض وإن تشبث بالسلطان. ويكتفي المؤرخون المعاصرون بمجرد الإشارة إلى ملذاته، ولكنهم يؤكدون لنا، أنه بعد توليه العرش "تحول إلى رجل آخر، ودرس كيف يكون أميناً شجاعاً مهذباً". وهذا العابث مع السكارى والخليعات، يقف نفسه الآن، على قيادة عالم مسيحي موحد ضد الأتراك الزاحفين، وأضاف إلى ذلك أنه يجب أولاً أن يغزو فرنسا ولقد حقق غايته القريبة بسرعة مذهلة، وهكذا جلس أحد الملوك الإنجليز على عرش فرنسا لحظة مضطربة. وقدم له الأمراء الألمان فروض الولاء وفكروا في تنصيبه إمبراطوراً. وقد نافس قيصر بصورة مجملة في وضع خطط المعارك، وإمداد جيوشه بالمئونة، وحب جنده له. وفي تعريض نفسه لجميع الوقائع والأجواء. ومات فجأة بالحمى في بوادي فنسن (1422) ولما يزل شاباً في الخامسة والثلاثين.

وأنقذ موته فرنسا، وكاد يقوض أركان إنجلترا. وربما كانت شيعته تغري، دافعي الضرائب بإنقاذ الحكومة من الإفلاس، ولكن ابنه هنري السادس كان، عند توليه العرش، في الشهر التاسع من عمره فقط، وكانت النتيجة السيئة أن أغرق نواب الملك الفاسدون والقادة غير الأكفاء، الخزانة في دين تعجز عن تسديده. كما كان الحاكم الجديد أقصر باعاً من الملك، فهو دارس دقيق عصبي المزاج شغوف بالدين والكتب، ترتعد فرائصه من فكرة الحرب، وندب الإنجليز حظهم العاثر الذي أفقدهم ملكاً وأكسبهم قديساً.. وفي عام 1452 أصيب هنري السادس بالجنون على منوال شارل السادس ملك فرنسا. ووقع وزراؤه بعد عام واحد، صلحاً يعترف بهزيمة إنجلترا في حرب المائة عام.

وحكم رتشارد، دوق يورك، عامين باعتباره حامياً للملك. وصرفه هنري عن منصبه (1454) في لحظة من لحظات التعقل، فادعى الدوق الغاضب، العرش لأنه من نسل إدوارد الثالث، واتهم الملوك من أسرة لانكستر بأنهم مغتصبون، وانظم سالسبوري ووروك وغيرهم من البارونات في حرب الوردتين-الوردة الحمراء تمثل آل لانكستر والبيضاء آل يورك-التي ظلت إحدى وثلاثين سنة (1454-1485) يتحرش فيها النبيل بالنبيل وكأنما تقدم الأرستقراطية الأنجلو نورماندية على انتحار متواصل، وتركت إنجلترا فقيرة ومنعزلة، وكان لا بد أن يسرح الجنود نتيجة لسلام غير مألوف لهم، فكرهوا أن يعودوا إلى زمر الفلاحين، وانظموا إلى كل من الفريقين، ونهبوا القرى والمدن، وقتلوا بلا وازع من ضمير كل من يقف في طريقهم. وقتل دوق يورك في موقعة عند ويكفيلد التي ذكرها جولد سمث في روايته المشهورة (1460)، ولكن ابنه إدوارد ايرل مارش، استمر في الحرب بلا رحمة، وذبح جميع الأسرى، المنتسبين وغير المنت"بين، بينما قادت مرجريت أميرة أنجو، والزوج العقيم لهنري الطيب، آل لانكستر في دفاعهم عن حوزتهم في وحشية لا تعترف بالحياء وانتصر مارش في توتن (1461)، فقضى بذلك على أسرة لانكستر الماكلة، وأصبح أول ملك من أسر يورك، وتلقب بإدوارد الرابع.

ولكن الرجل الذي حكم إنجلترا في واقع الأمر، السنوات الست التالية، هو رتشارد نيفيل، اريل وروك. وهو رأس عشيرة غنية كبيرة العد، وكانت له شخصية آسرة محببة، كما كان داهية في السياسة، بارعاً في الحرب، فإن الفضل إنما يرجع إلى "وروك صانع الملك" في الانتصار في توتن، وهو الذي أجلس إدوارد على العرش. ووقف الملك التي استراح من الصراع، نفسه على النساء، في حين أحسن وروك الحكم حتى إن إنجلترا بأسرها جنوبي تاين وشرقي ستون (لأن مارجريت كانت لا تزال تحارب) أسبغت عليه جميع ألقاب التشريف ما عدا لقب الملك. ولما ثار إدوارد على الواقع وناصبه العداء، انظم وروك إلى مارجريت وطرد إدوارد من إنجلترا وأعاد هنري السادس إلى السلطة الإسمية (1470) وأخذ يحكم مرة أخرى. ولكن إدوارد نظم جيشاً بمعونة برجنديا. وعبر إلى هل، وهزم وروك وقتله في بارنت وهزم مارجريت في توكسبري (1471) وأمر بقتل هنري السادس في القلعة، وعاش سعيداً في آخر حياته بعد ذلك.

وكان إذ ذاك لا يزال في الواحدة والثلاثين من عمره. ولقد وصفه كومين بقولهِ "كان من أجمل رجال عصره، لا متعة له غير النساء والرقص والتسلية والقنص". ولقد أفعم خزانته بمصادرة ضياع آل نيفيل، وبقبول رشوة من الملك لويس الحادي عشر في مقابل الصلح معه مقدارها مائة وخمسة وعشرون ألف كراون مع وعد بخمسين ألفاً أخرى كل سنة. وبلغ من طمأنينته أن تجاهل البرلمان، الذي كانت فائدته بالنسبة إليه، الموافقة على ما يريد من المال. وأحس بالاستقرار، فاستسلم مرة أخرى للترف والخمول، ولبس الفاخر من الثياب، وأصبح سميناً مرحاً، ومات في الواحدة والأربعين من عمره، وقد بلغ أوج سلطانه واكتملت جوانب شخصيته (1483).

وخلف ولدين: إدوارد الخامس البالغ من العمر اثنتي عشرة سنة، ورتشارد، دوق يورك، في التاسعة. وكان عمهما رتشارد، دوق جلوسستر، خدم الدولة في السنوات الست التي خلت رئيساً للوزارة، في جد وورع وبراءة، حتى إنه لما نصب نفسه نائباً للملك، وافقت إنجلترا عليه بلا معارضة، على الرغم من أطرافه المشوهة وظهره المقوس وملامحه الجافية وكتفه اليسرى المرتفعة على كتفه اليمنى. وسواء أكان الباعث نشوة السلطان أو مجرد الشك في تدبير المؤامرات لخلعه، فإن رتشارد سجن عدداً من الأعيان، وأعدم أحدهم. وفي السادس من يوليو عام 1483 توج نفسه ملكاً باسم رتشارد الثالث، وفي الخامس من الشهر نفسه قتل الأميران الصغيران في القلعة، ولم يعرف أحد من الذي قتلهما. وثار النبلاء مرة أخرى، يقودهم في هذه المرة، هنري تيودور، ايرل رتشمند. ولما التقت قواتهم الصغيرة، بجيش الملك، المتفوق في العدد إلى حد كبير في بوسورث (1485)، رفض معظم جنود رتشارد القتال، ومات في مطاردة يائسة، مفتقراً إلى الملك وإلى جواد.. وانتهت بذلك أسرة يورك المالكة، وبدأ ايرل رتشمند، أسرة تيودور وتلقب بالملك هنري السابع، وهي الأسرة التي تنتهي بإليزابث.

ومارس هنري، تحت وطأة الضرورة، الفضائل والرذائل التي تصور له أن منصبه يتطلبها. ولقد رسم له هلبين صورة جدارية في هوايت هول يبدو فيها طويلاً، ممشوقاً لا لحية له، مفكراً عطوفاً. لا تكاد تنم ملامحه على التدبير الماكر الغامض، والكبرياء العبوس الثابتة، والعزيمة المرنة وإن كانت صلبة في مصابرتها، وهي الصفات التي نقلت إنجلترا من الانحلال والفقر، في عهد الملك هنري السادس، إلى الثروة والسلطة المركزة في عهد هنري الثامن. ويقول بيكون أنه كان يحب "ما تجلبه الخزائن المفعمة للناس من غبطة"، لأنه عرف قدرتها على الإقناع في السياسة. فبرع في فرض الضرائب على الأمة، واستنزف دماء الأغنياء بالصدقات والهدايا بالإكراه، واستغل الغرامات في شراهة لتكون مورداً لخزانته ورادعاً للجريمة، وكان يبتهج كلما رأى القضاة يلائمون بين الغرامة وبين جيب المحكوم عليه، لا بينها وبين المخالفة. وهو أول ملك إنجليزي منذ عام 1216 جعل نفقاته في حدود دخله، وصدقاته وهباته تخفف من وطأة شحه. ووقف نفسه بإخلاص على شؤون الإدارة، وقلل من ملاهيه ليستكمل عمله: وأظلم الشك الدائم حياته، ولم يكن ذلك بغير سبب، فلم يثق في أحد، وكان يخفي أغراضه، ويحقق أهدافه بوسائل مشروعة أو غير مشروعة. وأنشأ محكمة ستارتشمبر لمحاكمة النبلاء المشاغبين، الذين بلغ سلطانهم حداً يخشى منه على التأثير في القضاة المحليين والمحلفين. وذلك في جلسات سرية. واستطاع عاماً بعد عام أن يخضع الأرستقراطية المتخلفة، وطبقة رجال الدين الخائنة للملكية. وعارض بعض الأفراد الأقوياء، القضاء على الحرية وتعطيل البرلمان، ولكن الفلاحون صفحوا، عن ملك كبح جماح سادتهم، وأثنى الصناع والتجار عليه، لعمله الحكيم على النهوض بالصناعة والتجارة. ولقد وجد إنجلترا في فوضى إقطاعية، وحكومة جد فقيرة، لا سمعة لها بحيث تحصل على الطاعة والولاء، وخلف لهنري الثامن دولة محترمة منظمة، مؤتمنة موحدة وفي حالة سلم.

 

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> نمو الثروة الإنجليزية

 2- نمو الثروة الإنجليزية

من الواضح أن ثورة عام 1381 العظيمة لم تسفر عن كسب ما. فلم يزل الكثير من فروض العبودية يؤخذ قسراً، بل إن مجلس اللورادت قد رفض بعد ذلك بزمان، في عام 1537 قانوناً يقضي بالتحرير الكامل لعبيد الأرض. وازداد الضيق على "العامة"، وأصبح آلاف من رقيق الأرض المتحررين عمالاً يدويين في المدن لا يملكون شيئاً، وقال توماس مور، إن الأغنام كانت تأكل الفلاحين.. وكانت هذه الحركة طيبة من بعض الوجوه: فقد كانت الأغنام الراعية للكلأ، تسمد الأرض المشرفة على البوار, وما إن جاء عام 1500 حتى كان واحد في المائة من السكان فقط عبيد أرض. فنشأت طبقة من الفلاحين الملاك، الذين يزرعون أرضها بأنفسهم وهي التي منحت تدريجياً للرجل الإنجليزي العادي، الشخصية المستقلة القوية التي صهرت الكومنولث وكونت دستوراً غير مكتوب لحرية غير مسبوقة.

ولم يعد النظام الإقطاعي مجدياً، لأن الصناعة والتجارة ارتقيتا بحيث اتخذتا الطابع القومي، وتحولتا إلى اقتصاديات المال المنقول المرتبطة بالتجارة الخارجية. فحينما كان رقيق الأرض ينتج لسيده، لم يكن عنده إلا حافز ضئيل للتوسع أو الإقدام، ولكن عندما يستطيع الفلاح المتحرر والتاجر، أن يبيعا إتناجهما في السوق الحر، فإن الرغبة الملحة في الربح تبعث الحياة الاقتصادية في الأمة، وأخذت القرى ترسل مزيداً من الطعام إلى المدن، وتنتج المدن مزيداً من السلع للوفاء بثمن هذا الغذاء، هكذا تجاوز تبادل الفائض، حدود البلديات القديمة وقيود النقابات لتغمر إنجلترا، وتصل إلى ما وراء البحر.

وتحولت بعض النقابات إلى "شركات تجار" صرح الملك لها أن تبيع المنتجات الإنجليزية في الخارج. وكانت معظم التجارة الإنجليزية تحمل في القرن الرابع عشر على سفن إيطالية، أما الآن فإن البريطانيين يبنون سفنهم، ويسيرونها في بحر الشمال والساحل الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. وقاوم تجار جنوه والاتحاد الهنسياتي، هؤلاء الوافدين الجدد، وحاربوهم بالقرصنة ومصدارة السفن، ولكن هنري السابع، اقتنع بأن تقدم إنجلترا يتطلب التجارة الخارجية، فوضع الملاحة الإنجليزية في حماية الحكومة، وأعد مع أمم أخرى، اتفاقيات تجارية، أقرت النظام والأمن البحريين. حتى إذا وافى عام 1500، كان "التجار المغامرون" في إنجلترا، يسيطرون على بحر الشمال. وكان الملك بعيد النظر فأوفد وهو يستشرف التجارة مع الصين واليابان الملاح الإيطالي جيوفاني كابوتو، الذي عاش إذ ذاك في بريستول باسم جون كابوت، ليبحث عن ممر شمالي عبر الأطلنطي (1497). وقنع كابوت، باكتشاف نيوفوندلاند، والساحل من لبرادور إلى ديلاوير في رحلة ثانية (1498)، ومات في تلك السنة، وتحول ابنه سيباستيان إلى خدمة أسبانيا. وربما لم يدرك الملاح والملك أن هذه الرحلات، استهلت التوسع الإمبراطوري البريطاني؛ وفتحت للتجارة الإنجليزية والمستعمرين البريطانيين، إقليماً يمكن أن يصبح على الأيام-القوة الخلاص لإنجلترا.

ودعّمت الرسوم الجمركية الوقائية، الصناعة القومية، وخفض النظام الاقتصادي، سعر الفائدة، تخفيضاً كبيراً بلغ 5% أحياناً، وقضى قانون هنري السابع (1490) بـ:

"على كل رئيس عمل أو عامل أن يكون في عمله، بين منتصف شهري مارس وسبتمبر، قبل الساعة الخامسة صباحاً، وله نصف ساعة فقط لتناول إفطار، وساعة ونصف لغذائه (في الظهيرة) وهو يستطيع النوم، إن وجد فسحة له في تلك الفترة.. وعليه ألا يترك عمله.. إلا بين الساعة السابعة والثامنة مساء..، وعلى كل رئيس عمل وعامل أن يكون في عمله عند انبلاج الصبح وذلك في منتصف سبتمبر إلى منتصف مارس، وألا يغادره إلا بمجيء الليل.. ولا يسمح لأحدهم بالنوم نهاراً".

ومع ذلك فإن العمال كانوا يستريحون ويشربون الخمر أيام الآحاد، إلى جانب إجازة أربع وعشرين يوماً في السنة. ووضعت الدولة أسعاراً عادلة "لكثير من السلع، وقد سمعنا عن اعتقالات حدثت، لتجاوز هذه الأسعار. وكانت الأجور الحقيقية، بالنسبة إلى الأسعار، أعلى بشكل واضح في أواخر القرن الخامس عشر، عما كانت عليه أوائل القرن التاسع عشر.

وأدى ضغط ثورات العمال في إنجلترا، إبان ذلك العصر إلى الحصول على حقوق سياسية والوقوع في أخطاء اقتصادية واستمرت دعوة شبيهة بالشيوعية في كل سنة تقريباً، وذكر العمال مراراً "بأنكم مخلوقون من نفس الطينة والمادة اللتين خلق منهما الأشراف، فلماذا أذن يتريضون ويلعبون، وأنتم تعملون وتكدحون؟-ولماذا يملكون الكثير جداً مما في هذا العالم من ثروات وكنوز، وأنتم تملكون أقل القليل؟" وكانت أعمال الشغب كثيرة، ضد التضييق على الأرض المشاع، كما قامت خلافات موسمية بين التجار والعمال، ولكننا نسمع أيضاً عن قلاقل من أجل الديمقراطية المحلية في المدن، وعن تمثيل العمال في البرلمان وعن تخفيض الضرائب.

وفي شهر يونيه عام 1450، سارت قوة منظمة كبيرة من الفلاحين وعمال المدن إلى لندن، وعسكرت في بلاك هيث. وعرض زعيمهم جاك كيد ظلامتهم، في وثيقة منظمة "إن جميع الناس من العامة، لا يستطيعون أن يعيشوا من كد أيديهم وفلاحتهم، بسبب الضرائب والمغارم وغيرها من المظالم". ولا بد أن يلغى هذا الدستور العمالي، وأن تتألف وزارة جديدة. فاتهمت الحكومة زعيمهم كيد بالدعوة إلى الشيوعية .

والتقى جنود هنري السادس، وأتباع بعض النبلاء، بجيش الثوار في سنفوكس (18 يونيه سنة 1450) ومما أثار دهشة الجميع أن الثوار انتصروا وتدفقوا إلى لندن. وأمر مجلس الملك تهدئة لخواطرهم باعتقال لورد ساي ووليم كرومر، وهما موظفان مكروهان لابتزازهما الأموال وطغيانهما. وفي الرابع من يوليه، سلما إلى الغوغاء الذين حاصروا القلعة، فحاكمهما الثوار، وقد رفضا الدفاع عن نفسيهما وأعدما. ويقول هولنشد: إن الرأسين رفعا على قضيبين، وحملا عبر الطرقات في موكب مرح، وكان فم كل منهما يصفع بقبلة دامية، بين حين وآخر. وتفاوض كبير أساقفة كانتربري وأسقف ونشستر للصلح، الذي منح بعض المطالب ووعد بالعفو العام. ووافق الثوار وتفرقوا. ومع ذلك فقد هاجم جاك كيد قلعة كوينز بورد في شيبي، فاعتبرته الحكومة خارجاً على القانون، وأصيب بجرح مميت وهو يقاوم اعتقاله وذلك في الثاني عشر من يوليه. وحكم على ثمانية من المتواطئين معه بالإعدام وعفا الملك عن الباقين، فابتهج كلفة رعاياه ابتهاجاً عظيماً".

 

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الأخلاق والطباع

 3-الأخلاق والطباع

كتب سفير البندقية حوالي عام 1500، تقريراً إلى حكومته:

"معظم الإنجليز-سواء أكانوا رجالاً أم نساءً، وفي جميع الأعمار-حسان وأجسامهم ممشوقة.. وهم يحبون أنفسهم حباً عظيماً، ويحبون كل شيء يتعلق بهم ويعتقدون، أنه ليس في الناس سواهم، وليس هناك عالم آخر سوى إنجلترا، وكلما رأوا غريباً جميلاً قالوا "إنه يشبه الإنجليزي، ومن الأسف الشديد أنه ليس كذلك".

وقد يجيب الإنجليز، بأن معظم هذا الوصف، بشيء من التعديل الضروري ينطبق على كل الشعوب.. ومن المؤكد أنهم كانوا شعباً قوياً في الجسم والأخلاق والحديث. وهم يقسمون بحرارة حتى إن جان دارك أسمتهم دائماً الملاعين.

وكان النساء أيضاً يتكلمون ببساطة، ويتحدثن عن مسائل فسيولوجية وجنسية بحرية، قد تذهل السفسطائيين اليوم. ومزاجهم كحديثهم خشن مفحش. وطباعهم جافية، حتى عند الطبقة الأرستقراطية، وعليهم أن يدربوا ويستأنسوا، بقانون سلوكي صارم. ولقد نشأت الروح الشهوانية التي اتسم بها الإنجليز في عهد أليزابث في القرن الخامس عشر، نتيجة لحياة يكتنفها الخطر والعنف والقحة. وكان على كل امرئ أن يكون شرطي نفسه، مستعداً أن يقابل الصفعة بالصفعة، وأن يقتل عند الضرورة برباطة جأش. وهؤلاء الحيوانات القوية نفسها يمكن أن تكون كريمة، شهمة ورقيقة في بعض الأحيان. فلقد بكى محاربون جفاة، عندما مات سيرجون تشاندوس وهو فارس مغوار، وتظهر رسالة مارجريت باستون إلى زوجها المريض (1443)، كيف يكون الحب، لا عصر له ولا يضارعه شيء. ويجب أن نذكر أن هذه السيدة نفسها، قد هشمت رأس ابنتها، عندما رفضت أن تتزوج من اختاره أبوها.

ونُشّئت البنات في حصانة رصينة واحتشام، لأن الرجال كانوا حيوانات مفترسة، وكانت العذرة عدة اقتصادية في سوق الزواج. ويعد الزواج حادثاً من أحداث تنقل المتاع. فالفتيات قد يتزوجن زواجاً شرعياً في سن الثانية عشرة، والصبيان في سن الرابعة عشرة، حتى بغير موافقة والديهم، ولكن الخطبة كانت تعد في الطبقات العليا تعديلاً للمعاملات المالية، بواسطة الآباء والأمهات، عقب بلوغ الأطفال السنة السابعة من العمر مباشرة. وما دام زواج الحب شاذاً، والطلاق محرماً، فقد شاع الزنا، وبخاصة في الطبقة الأرستقراطية. ويقول هولنشد: "لقد سادت هناك، الرذيلتان الوبيئتان السكر والزنا، مع الفحش البغيض، وبخاصة عند الملك" واختار إدوارد الرابع، بعد أن مر بتجارب عديدة في الحب، جين شور، لتكون الحظية الأثيرة لديه. وقد خدمته بإخلاص نزق، وأثبتت أنها صديقة رحيمة في البلاط لكثيرين من ذوي الحاجات. ولما مات إدوارد، أرغمها رتشارد الثالث أن تجوب شوارع لندن، في ثوب الندم الأبيض وربما كان ذلك استعراضاً لآثام أخيه، وإخفاء لآثامه هو؛ وعاشت حتى بلغت أرذل العمر، محتقرة من أولئك الذين ساعدتهم.

ولم يحدث في التاريخ المعروف إطلاقاً أن شعباً كان يماثل الإنجليز (الذين يتشبثون بالقانون اليوم) في استهتارهم إذ ذاك بالقانون إلى حد بعيد. ولقد جعلت الحرب المائة سنة الناس قساة مستهترين، واستمر النبلاء بعد عودتهم من فرنسا، يحاربون في إنجلترا، واستخدموا جنوداً مسرحين في منازعاتهم. وشارك أبناء الطبقة العليا، التجار الجشعين الذين داسوا كل فضيلة للحصول على المال. وكانت السرقات لا تحصى. وباع التجار الرديء من السلع واصطنعوا الزائف من الموازين، وكاد التدليس في نوع الصادرات ومقدارها يقضي على تجارة إنجلترا الخارجية، في فترة من الفترات. واستغلت التجارة في البحار القرصنة، وكانت الرشوة عامة أو تكاد: وقلما يحكم القضاة دون أن يحصلوا على "هدايا"، وكان جباة الضرائب يرشون، تيسيراً للتخلص منها، ويطلب إلى الضباط المجندين مثل فولستاف الذي صوره شكسبير، أن يتغاضوا عن مدينة من المدن، فقد استطاع الأعداء، أن يشتروا جيشاً إنجليزياً، كان يغزو فرنسا، واشتد جشع الناس للمال وقتذاك إلى حد الجنون كما هو الآن، وأنكر شعراء مثل تشوسر الجشع في شعرهم، ولنهم مارسوه في واقع حياتهم وكان من الممكن أن يتقوض الكيان الأخلاقي للأمة، لولا أن أسسه قد دعمتها حياة البساطة التي اتسم بها الرجل والمرأة في الطبقة العامة، ففي الوقت الذي كان فيه من هم أفضل منهم، يدبرون الحروب والشرور لذلك العصر، احتفظ هؤلاء العامة بالحياة المنزلية وحافظوا على الجنس.

وعاشت جميع الطبقات، ما عدا التجار والعمال، في الريف أطول مدة يستطيعونها كل سنة. وتحولت القلاع التي لم تعد حصينة، بعد انتشار المدفع، ببطء إلى منازل كبيرة. وحل الآجر محل الحجر، ولكن البيوت المتواضعة، كانت لا تزال تقام من الخشب والطين. وفقدت الردهة الوسطى، مساحتها وفخامتها القديمتين وهي التي كانت تستعمل في يوم من الأيام لجميع الأغراض، وتقلصت إلى دهليز يؤدي إلى غرفة معيشة كبيرة، وغرف صغيرة، وقاعة استقبال للحديث الخاص. وضعت السجاجيد على جدران بيوت الأغنياء، وأضاءت النوافذ، وهي من زجاج ملون في بعض الأحيان المدخل الذي كان مظلماً من قبل. أما دخان المواقد الذي كان يترسب قبلاً من النافذة والباب والسقف، فقد جمع في مدخنة، ومدفأة ضخمة تزين غرفة المعيشة. وقد تعلقت السقوف بالخشب والأرضيات بالبلاط، في حين ظلت السجاجيد قليلة نادرة. إذا نحن صدقنا أقوال إراسموس التي يغلب فيها الجانب الأدبي على الدقة في التصوير.

"كانت جميع الأرضيات تقريباً من الصلصال، مفروشة بحصير من حلفاء المستنقعات، وقليلاً ما تجدد حتى إن الأسس تظل عشرين سنة، تردد أسافلها بالبصاق والقيء من الناس والكلاب والنبيذ والجعة، وبقايا السمك وغيرها من القاذورات التي لا تسمى، ويتصاعد منها، بتغير الفصول، بخار غير صحي في رأيي".

وكانت المخادع فخمة مزينة بالنقوش المحفورة ، ومزودة بالأغطية عليها رسوم أزهار وتعلوها كُنَّة. كما كانت مائدة الطعام، في المنازل المريحة، فنية ضخمة رائعة، بنقوشها البارزة من خشب الجوز أو البلوط ويقوم بالقرب منها، أوفي القاعة بصفة عامة، صوان للأواني أو الفضيات والتحف حيث ترتب للعرض أو الزينة. ونظمت ردهة الجلوس التي أعدت في الأصل للحديث، لتناول الطعام.

وكانوا يتناولون وجبات الطعام الرئيسية نهاراً، وذلك للاقتصاد في زيت الإضاءة و"الغداء" في الساعة العاشرة صباحاً، والعشاء في الخامسة مساءً. وحرص الرجال على ارتداء قبعاتهم عند الجلوس إلى المائدة، ليمنعوا شعورهم الطويلة، من مخالصة الطعام. واحتفظ بالشوك لأغراض خاصة مثل تناول الكامخ أو تجمير الجبن، وظهر استعمال الإنجليز لها على النمط الحديث، أول مرة عام 1463، أما السكين، فقد كان الضيف هو الذي يأتي بها معه، يحملها في جراب، معلق بمنطقته، ويتطلب آداب السلوك إذ ذاك أن يصل الطعام إلى الفم، بواسطة الأصابع. ولم تكن المناديل مستعملة، حتى منتصف القرن السادس عشر، فقد كان على الرجال أن يتمخطوا باليد التي تمسك السكين بدلاً من تلك التي تنقل الطعام إلى الفم. وكانت الفوط غير معروفة، ويحذر الطاعمون بألا ينظفوا أسنانهم بغطاء المائدة، وكانت الوجبات دسمة، ذلك أن الغذاء العادي لواحد من أصحاب الوجاهة، كان يتألف من خمسة عشر أو عشرين صحناً. واحتفظ اللوردات العظام بموائد عظام، فقد كانوا يطعمون يومياً، مائة من الندماء والزوار والحشم، وكان وروك صانع الملك يذبح ستة ثيران كل يوم لمائدته، وأطعم أحياناً خمسمائة مدعو. وكانت اللحم هي الطعام القومي والخضرات نادرة أو غير مجبوبة. والجعة هي الشراب القومي، ولم يكن النبيذ موجوداً أو منتشراً، كما كان الحال في فرنسا أو إيطاليا بيد أن المسموح به من الجعة، هو جالون للفرد كل يوم حتى الراهبات. وقال السير جون فورتسكيو (توفي عام 1470) "لا يشرب الإنجليز الماء، إلا في أوقات معينة لأغراض دينية. أو للتكفير عن الذنب".

وكان الرداء فاخراً عند الطبقة الأرستقراطية. أما البسطاء فكانوا يرتدون جلباباً فضفاضاً وقلنسوة، أو معطفاً قصيراً لايئم العمل، وكلف الموسورون بالقبعات المكسوة بالفراء أو الريش، وأردية مزينة بالزهور، أو سترات مزركشة تنتفخ عند الأكمام، وجوارب طويلة، شكا منها قسيس تنشوسر بقوله "تظهر الساقين في صورة مفزعة منتفخة ينفتق إحداها عن الأخرى بالإضافة إلى أرداف.. وكأنها الجانب الخلفي من قردة في ليلة مقمرة". وارتدى تشوسر نفسه عندما كان تابعاً في حاشية الملك، سترة مشعة وجوربين أحدهما أحمر والآخر أسود. واختفت في القرن الخامس عشر الأحذية المدببة، التي شاعت في القرن الرابع عشر، واستدارت الأحذية واتسعت عند الإصبع الكبير من القدم. أما "زي النساء" فهو يثير السخط، وعلى الرغم من أن محيا بعضهن، ينم على العفة والطيبة الكاملتين، إلا أنهن يبرزن بقلة ردائهن غير المتناسق فتنتهن ودلالهن". ومع ذلك، فإن الصور التي وصلت إلينا، تظهر الجنس المثير، وقد حبس بإحكام في حشد من الملابس من قمة الرأس إلى أخمص القدم.

وتراوحت ألعاب التسلية في الداما والشطرنج، إلى النرد، ومن صيد السمك إلى قنص الوحوش، ومن رمي السهام إلى المبارزة. ودخلت لعبة الورق إلى إنجلترا حوالي نهاية القرن الخامس عشر، وهم لا يزالون يلبسون ملوكهم وملكاتهم، على طراز ذلك العصر. وكان الرقص والموسيقى شائعين كالميسر، وكل إنجليزي تقريباً، يشارك في الأغاني الجماعية، ولقد نافس هنري الخامس جون دستيبل، مع أعاظم الملحنين في ذلك العهد . واعترفت القارة الأوربية بالمغنين الإنجليز. ولعب الرجال التنس، وكرة اليد وكرة القدم وغيرها من ألعاب الكرة القديمة ومي الأطواق، وتصرعوا وتلاكموا، وأعدوا الديكة للعراك، وتراهنوا وتحرشوا بالدببة والثيران. واحتشد الناس لمشاهدة البهلوان والسائرين على الحبال يعرضون فنونهم التي كانت تسري على القدماء، وتدهش المحدثين. واحتفظ الملوك والنبلاء بالمشعوذين والمضحكين والمهرجين، وكان الملك أو الملكة يعينان من يشرف على ألعاب ومشاهد عيد الميلاد، ومنحوه لقب لورد.والنساء يخالطن الرجال في حرية في كل مكان. يحتسين الخمر في الحانات، يركبن وراء كلاب الصيد، ويصدن الصقور، ويصرفن لمشاهدين عن المتصارعين في بعض الدورات، وهن اللائى قادتهن الملكة للتحكيم في رمي الأطواق ومنح التاج الذهبي.

وكانت الرحلة لا تزال مجهدة، وكلن ما من أحد استقر في داره، على ما يبدو-وذلك من مساوئ الزواج من واحدة. والطرق موحلة أو متربة، ولم يميز اللصوص بين عنصر جنس وطبقة أو مهنة. والفنادق بهيجة المنظر على الرغم من قذارتها تزدحم فيها الصراصير والفئران والبراغيث. ويجد كل رجل منهم بائعة هوى، وقلما تجد الفضيلة مخدعاً صالحاً لها هناك. يذهب الفقراء راجلين والأوساط على صهوات الخيل، في جموع مسلحة عادة، ويستعمل الأغنياء عربات، تجرها خيول مطهمة، ونسب ابتكارها إلى رجل مجري في قرية كوكر من أبناء القرن الخامس عشر. وكانت عربات اللوردات مزينة بالنقوش البارزة وموشاة ومذهبة، لها حشيات وستائر وبسط، ومع ذلك فقد كانت أقل راحة من ظهور الإبل، وكانت تترنح كمركب صيد بشراع واحد. ولم تكن السفن خيراً مما كانت عليه في العصر القديم، ولعلها أسوأ حالاً، وأخذت السفينة التي جاءت بالملك جون من بوردو، إلى لندن عام 1357 اثني عشر يوماً.

وانتشرت الجرائم وبلغت المدن من الفقر حداً لا تستطيع معه، إلا أن تستخدم شرطة من المتطوعين غير المأجورين. ولكنه الذكور كان يطلب إليهم جميعاً أن يسهموا في "ملاحقة" مجرم هارب، وكان يبحث عن الموانع في الحكومات الصارمة من أجل القلة الذين يقبض عليهم، وكانت عقوبة السطو الاختلاس والحريق العمد وانتهاك حرمة المعابد المقدسة، كعقوبة القتل والتآمر، وهي الشنق على أقرب شجرة وتترك الجثة ردعاً للآخرين وطعمة الغربان. وانتشر التعذيب-كلل من المتهم والشهود-إبان حكم إدوارد الرابع، واستمر مائتي سنة. وكثر المحامون.

وقد يكون حكمنا على هذا العصر ممعناً في القسوة، متغافلين عن فظائع قرننا المتحضر. ولقد كان سير جون فورتسكيو القوام على العدالة في عهد الملك هنري السادس، أحسن ظناً بعصره، وكتب تمجيداً له مصنفين اشتهر في وقت من الأوقات. وفي محاورة امتدح قوانين إنجلترا. ومجد صحة المحاكمة بواسطة المحلقين، ونعى التعذيب، وكان مثاله، مثل الآلاف الفلاسفة، في تحذير الأمراء الذين يجدر بهم أن يكونوا خدام الشعب المعتصمين بالقانون. ولقد وازن في كتبه "الملكية" أو "حكومة إنجلترا" بين فرنسا وإنجلترا على أساس من العطفة الوطنية: فالناس من فرنسا قد يحكم عليهم بغير محاكمة علنية: وقلما يدعى مجلس الولايات للاجتماع. والملك يفرض الضرائب على الحاجات الضرورية كالملح والخمر. وبعد أن بالغ في تمجيد بلاده على هذا النحو، ختم السير جون كلامه بقوله إن جميع الحكومات، يجب عليها أن تخضع البابا ولو أدى ذلك إلى تقبيل قدميه. 

 

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> اللو لارد

 4- اللولارد  

أعاد أرندل كبير الأساقفة عام 1407، تأكيد سيادة الشريعة أو القانون الكنسي، على كل تشريع وضعي، وحكم بالكبيرة أو الهرطقة الكاملة على رفض أي مرسوم بابوي. وأقامت الكنيسة بعد ويكليف، وازدادت قوتها في إنجلترا، إبان القرن الخامس عشر، وفاضت الثورة المتدفقة على خزائنها. وشاع الاكتتاب الديني: فإن الأشخاص الذين يتوقعون الموت، كانوا يتبرعون لبناء كنيسة، ولإقامة القداس للتعجيل بدخولهم الجنة. وسيطرت الكنيسة على مجلسي البرلمان، فقد كان لها في مجلس الشيوخ حوالي عشرين أسقفاً وستة وعشرين من رؤساء الأديرة، في حين مل يكن في المجلس من غير رجال الدين سوى سبعة وأربعون عضواً. وأصر هنري السابع-وهنري الثامن فيما بعد- لموازنة ذلك الوضع على تعيين أساقفة ورؤساء أديرتها من بين رجال الدين، ويسر اعتماد الرتب الكهنوتية على الملكية، تسليم رجال الدين، لجهود هنري الثامن في سبيل تحقيق السيادة الملكية على الكنيسة الإنجليزية.

وفي الوقت نفسه استقر وعاظ وكيليف المساكين على نشر أفكارهم المناهضة لرجال الدين. ولقد ذكر أحد مؤرخي الأديرة، في فترة مكبرة، 1382 في مبالغة تنم عن الفزع "أنهم كانوا يتكاثرون بسرعة فائقة، كالبراعم، حتى غمروا المملكة بأسرها.. ومن النادر أن تلقى رجلين في الطريق دون أن يكون أحدهما من تلاميذ وكيليف. ولقد وجدوا الجمهور المستعد للاستماع إليهم بين صفوف عمال الصناعة، وبخاصة نساجي نورفولك. وفي عام 1395 أحس جماعة اللولارد، أنهم بلغوا من القوة حداً، أتاح لهم أن يقدموا إلى البرلمان، بياناً جريئاً بمبادئهم. فقد عارضوا عزوبة رجال الدين، واستحالة القربان دم المسيح ولحمه وعبادة الصور وزيارة القديسين والصلوات على أرواح الموتى، وثروة الكنيسة وكثرة الموقوف عليها، واستخدام رجال الكهنوت في وظائف الحكومة وضرورة الاعتراف بالقسس والاحتفال بالتعاويذ، وعبادة القديسين. وأوصوا في بيانات أخرى، بأن الجميع يجب عليهم أن يعكفوا على قراءة الكتاب المقدس، وأن يتبعوا تعاليمه باعتبارها فوق مراسيم الكنيسة. ورفضوا الحرب باعتبارها منقضة للمسيحية، والترف لأنه منافٍ الأخلاق، وطالبوا بإصدار قوانين خاصة بالنفقات، تفرض على الناس العودة إلى البساطة في الغذاء والكساء، وكرهوا الإيمان، ووضعوا في مقابل صفته القسم، حيناً آخر مثل "أنا متأكد أن" و "إنها الحقيقة"، وكان العقل الطهري ووجهة النظر الطهرية، يتخذان شكلهما في إنجلترا قبل ذلك، ولقد مزج نفر من الوعاظ، الاشتراكية بعقيدتهم الدينية،ولكن معظمهم، كان ينفر من مهاجمة الملكية الخاصة، وسعوا إلى تأييد الفرسان والنبلاء إلى جامب تأييد الفلاحين والعمال.

ومهما يكن من شيء فإن الطبقات العليا لم تستطع أن تنسى المأزق الشديد الذي نجت منه ثورة 1381، ووجدت الكنيسة فيهم، استعداداً جديداً لحمايتها، باعتبارهم قوة استقرار في المجتمع. وهدد رتشارد الثاني ممثلي اللولارد في البرلمان بالاعتقال وأجبرهم على الصمت. وطالب أساقفة إنجلترا عام 1397، الملك بإعدام الهراطقة المتعمدين "أسوة بجميع الممالك الخاضعة للدين المسيحي". ولكن رتشارد الثاني، كره أن يسايرهم إلى هذا المدى، ومع ذلك فقد أصدر هنري الرابع وبرلمانه عام 1401 المرسوم المشهور بحرق جميع الأشخاص الذين تحكم عليهم إحدى المحاكم الدينية بأهم هراطقة بالإصرار، وتباد جميع كتب الهرطقة. وفي العام نفسه، أحرق وليام سوتري، وهو قسيس على مذهب اللولارد، بعد أن شد إلى القائمة الخاصة بالإحراق. وقبض على غيره من أنصار المذهب نفسه، وأجبروا على تغيير آرائهم وعوملوا برفق. وقدم أمير ويلز، إلى هنري الرابع عام 1406، عريضة تقضي بأن دعوة اللولارد، وهجومهم على أملاك الأديرة يهددان كيان المجتمع بأسره. وأمر الملك بزيادة التشدد في محاكمة الهراطقة. ولكن انغماس الأساقفة في سياسة البابوية، جرف نشاطهم، عن الهرطقة والهراطقة إلى حين. وفي عام 1410 أدانت الكنيسة جون بادبي، وهو خياط لولاردي، وأحرق في سوق سمثفيلد. وقبل أن تشعل المحرقة، رجا الأمير هال، بادبي، أن يرجع عن آرائه، وأن يمنح في مقابل ذلك الحياة والمال، فأبى الرجل، وارتقى المحرقة حيث لقي الموت.

وجلس الأمير على العرش عام 1413 باسم هنري الخامس ومنح تأييده الكامل لسياسة القمع. وكان أحد أصدقائه هو سير جون ألد كاسل لورد كوبهام، وهو الذي رأى نظارة مسرحيات شكسبير، بعد ذلك، أنه عين فلستاف. ولقد أبلى ألد كاسل البلاء الحسن في الحرب في سبيل الأمة، ولكنه تسامح مع دعاة اللولارد، وبسط عليهم حمايته في ضياعه بهير فوردشاير وكنت. وطالب الأساقفة بمحاكمته ثلاث مرات، وأبى حضور المحاكمة ثلاثاً، ولكنه استسلم بناءً على دعوة مكتوبة من الملك، وقتل أمام الأساقفة (1413) في نفس الموضع من كنيسة سانت بول، حيث حوكم، ويكلف قبل ذلك بست وثلاثين سنة. وأكد اعتقاده السابق في المسيحية، ولكنه لم يقبل التخلي عن آراء اللولارد في الاعتراف أو القربان. فأدين بالهرطقة، وسجن في برج لندن، وأعطي مهلة أربعين يوماً، على أن يعود عن هذه الآراء، ولكنه بدلاً من ذلك، فر هارباً. وما أن بلغ اللولارد الذين كانوا حول لندن، خبر فراره، حتى جهروا بالثورة، وحاولوا أن يقبضوا على الملك (1414). وفشلت المحاولة، وقبض على بعض الزعماء وأعدموا. واختفى الكاسل، ثلاث سنوات في جبال هيرفورشاير وويلز، ثم قبض عليه آخر الأمر، وأعدم بتهمة الخيانة، ثم أحرق بتهمة الهرطقة (1417)، لأن الدولة والكنيسة طالبت كل منهما بحقها.  

ونحن إذا قسنا اضطهاد اللولارد إلى غيرهم، نرى أنه كان معتدلاً، وبلغ عدد الذين أعدموا أحد عشر رجلاً بين عامي 1400، 1485. ولقد سمعنا عن طوائف من اللولارد عاشت إلى عام 1521، وفي سنة متأخرة هي سنة 1518، قتل توماس جان على المحرقة، وهو الذي زعم أنه حول سبعمائة شخص إلى المذهب اللولاردي، وأحرق ستة آخرون عام 1521.

وأما فصل هنري الثامن إنجلترا عن روما، وقابلت الأمة هذا التحويل بلا ثورة، فإن اللولارد من حقهم، أن يزعموا، أنهم مهدوا الطريق إلى هذا التحول إلى حد ما.

ونشر ريجفالد تيلوك، أقف تشيشستر عام 1450 كتاباً، اتخذ له عنواناً، على طريقة العصر المقبلة، كبح جماح اللوم الزائد عن الحدلرجال الدين.

كان رداً صريحاً على المذهب اللولاردي، وقد افترض وجود نزعة قوية ضد رجال الدين بين الناس. واقترح القضاء على هذه الآراء، لا بالسجن في المحرقة، ولكن بالاحتكام إلى العقل فحسب. وأمعن الأسقف المتمحس في الاحتكام إلى العقل، حتى أغرم بالعقل ذاته، وأوقعه ذلك في الهرطقة، وألفى نفسه، بفند بالعقل بعض حجج اللولارد، من الكتاب المقدس. ووضع العقل فوق الكتاب المقدس بصورة قاطعة كميزان للحقيقة، في "رسالة من الاعتقاد"-وهو موقف احتاجت أوربا فيه إلى مائتي سنة لاستعادته. وأضاف مؤلف "كبح جماح اللوم الذي لم يكبح جماحه" أن آباء الكنيسة لا يوثق بهم دائماً، وأن أرسطو ليس ثقة لا يناقش، وأن الرسل، لا يد لهم في العقيدة، وأن هبة قسطنطين كانت انتحالاً. وطالب الأساقفة الإنجليز بيكوك المعجب بنفسه بالمثول أمام محكمتهم (1457)، وخيروه بين الرجوع عن آرائه أو الإعدام حرقاً. وكان يكره الإحراق، وقرأ علانية بالرجوع عن أقواله، وشلح عن رتبته الكنسية، واعتزل الناس في دير كنيسة تورني إلى آخر حياته (1460).

  

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الفن الإنجليزي

 5-الفن الإنجليزي  

1300-1506  

كانت الكنيسة، على الرغم من الهرطقة واللاكهنوتية، من القوة والثراء، بحيث استطاعت أن ترفع فن العمارة الإنجليزية إلى مستوى من التفوق رفيع إلى حد ما. ولقد مول: نمو التجارة وغنائم الحرب: الكاتدرائيات والقلاع والقصور، وأسبغت على أكسفورد وكمبردج جلالاً بما شيدت من دور جميلة للعلم لا تضارع. ولقد أخذت مواد البناء في إنجلترا من رخام بربك ومرمر نوتنجهام إلى غابات شرود وأجر أي مقاطعة، ثم تحولت إلى صروح النبلاء وأبراج اللوردات ذوات الأطراف الدقيقة، والسقوف الخشبية التي كانت تماثل في متانتها وجمالها القباب القوطية من الحجر. واستبدلت بالدعائم القبيحة التي تربط السقف، والتي تصل الجدار بالآخر في صورة متكلفة، الدعائم البارزة المطروقة، تحمل بأكتاف ضخمة من خشب البلوط، والعقد المرتفع فوقها، وبهذه الطريقة، قوصرت بعض من أجمل كنائس إنجلترا صحونها. وهكذا حصلت كاتدرائية سلبي على سقف من خشب البلوط مضلع ومعقد، تضارع الرسوم التي على شكل عقد ومروحة، مما يسقف كنيسة "باث" ومنصة التريتل في "إلي"-والجناح الجنوبي لكنيسة جلوسستر بأحجار متداخلة.

وأعطت نماذج من الزخارف الحجرية المفرغة في النوافذ، ومن تغليف الجدران وحواجز المرتلين، أسماءها لطرز معمارية متعاقبة، تتداخل في الزمان وتختلط عادة في بناء واحد. واصطنع الطراز القوطي ذو الزخارف الهندسية (حوالي عام 1250-1315) الأشكال الإقليمية، كما هو الشأن في كاتدرائية اكستر.وانصرف الطراز القوطي الذي توسل بالأقواس في الزخرف (حوالي 1315-1380)، عن الرسوم المحدودة، إلى الخطوط التي تتماوج بحرية، التي سبقت في شيء من التحفظ، طراز فرنسا المشع، كما هو الحال في النافذة المستديرة الجنوبية في لكولن. وركز الطراز القوطي الرأسي (حوالي عام 1330-1530)، على الخطوط الأفقية والرأسية في داخل العقد، كما في كنيسة هنري السابع في دير وستمنستر. وخفف الألوان الزاهية، التي اتسم بها الزجاج الملون في القرن الثالث عشر، بأصباغ أخف أو بصباغ فضي أو رمادي شاحب، ونافست صور الفروسية الآفة، الأساطير المسيحية، على هذه النوافذ. وبلغ الفن القوطي بذلك أوجه فاضمحلاله.

وقلما عرفت أوربا هذا الشغف بالبناء. فلقد جهدت ثلاثة قرون (1376-1517) لكي تشيد الصحن الحالي في دير وستمنستر، ونحن نستطيع أن نحس إحساساً ضيقاً في الهوادج الطوال لتلك السنوات، جهد العقل واليد الذين اشتركا في معل مقام لا يضارع العبقريات الإنجليزية، في خير أعمالها. ويعد تجديد بناء وندسور أقل روعة؛ فلقد ابتنى ادوراد الثالث هناك على مساحة ضخمة، البرج المدور الكبير (1344)، وبدأ ادوارد الرابع (1473) تشييد كنيسة سانت جورج بمنصاتها الجميلة للمرتلين وعقدها الذي على شكل مروحة وزجاجها الملون. وصمم الن دي ولسنجهام، على الطراز القوطي المتوسل بالأقواس في الزخرف، كنيسة رائعة للعذراء وبرج "مصباح" لأيلي. وزودت كاتدرائية جلوسستر ببرج ويسط وعقد للمرتلين ونافذة شرقية ضخمة، وأروقة متسعة، وتعد سقوفها التي على شكل مروحة من عجائب إنجلترا. ووسعت ونشستر صحنها الكبير وزينت واجهتها الجديدة بالطراز الرأسي. وشيدت كفنتري، على هذا النحو الكاتدرائية، التي لم ينفذ منها في الحرب العالمية الثانية، سوى برجها المدبب الفخم. وأقامت ببتر بره، عقدها الشاهق على شكل المروحة، وأكملت يورك منستر صحنها، وأبراجها الغربية ومنصة المرتلين فيها. وكانت الأبراج هي المجد الذي يتوج العصر، تسبغ النبل على كليتي مرتن والمجدلية في أكسفورد ودير فاونتين أبي وكنتربري وجلاستبري ودربي وتونتن وغيرها من مئات الأضرحة. واستعمل وليام الويكهامي الطراز الرأسي في تصميم كلية أكسفورد الجديدة، واتبع هذا النهج وليم وينفليت، وهو معمر آخر في التسعين، في "المربع الكبير" بكلية ايتون، وختمت كلية الملك وكمبردج، العصر بكنيسة قد تغري بنوافذها وعقدها ومنصات مرتلين كاليبان بالعلم وتيمون الأثيني بالصلاة.

وفي الطراز القوطي الرأسي طابع دنيوي واقعي يناسب تماماً عمارة الكليات والقلاع والحصون وأبنية النقابات والبلديات. وشيد أمراء وروك على هذا الطراز في القرنين الرابع والخامس عشر، قلعتهم المشهورة بالقرب من ليمنجتن. وشيدت الجيلد هول في لندن وهي مفخرة الطبقة التجارية في العاصمة، بين عامي 1411، 1435 ولكنها أحرقت في عام 1666. فأعاد كريستوفرورن بناءها، وأضيف إليها الجزء الداخلي الجديد عام 1866 وهو الذي انهار تحت وطأة القنابل في الحرب العالمية الثانية. كما اتخذت دكاكين المدينة، في قوائم نوافذها نموذجاً من الطراز الرأسي، وهي تخلب مع رؤوسها المنقوشة وأفاريزها وطنفها البارزة، ألبابنا بسحر مجد بائد.

ولقد احتفظ فن النحت الإنجليزي في هذا العصر بالسمعة التي غلبت عليه ذلك لأن التماثيل لواجهات الكنائس قد تخلف كثيراً عن العمارة التي كان الغرض منه أن يزينها كما هو الحال في لنكولن واكستر. واستخدمت حواجز المذبح الكبير في كاتدرائية وستمنستر ودير سانت البان، قوالب للتماثيل ولكن هذا شيء لا يؤبه له لكي نضيفه إلى قصتنا. وأجود الأمثلة على هذا الفن إنما توجد في الآثار الجنائزية. ولقد حفرت صورة جميلة لادوارد الثاني على المرمر في كاتدرائية جلوسستر، وللسيدة البانوربرس في بيفرلي منستر واهنري الرابع والملكة جان في كنتر بري، ولرتشادر بوشان في وروك. وبلغ المثالون الإنجليز أوج براعتهم في عرض أزهار أرضهم الخضراء ونباتها. وكان الحفر الجيد يمارس على الخشب: وتبهر منصات المرتلين في ونشستر ولنكولن ونوروتش الأنفاس بالجمال الذي بذل في إظهاره غاية الجهد.

وكان الرسم لا يزال فناً ثانوياً في إنجلترا، تخلف كثيراً عن معاصره في فلاندرز وفرنسا وظل تزيين الكتب القديمة فناً محبباً، ولقد دفع ادوارد الثالث مبلغ ستة وستين جنيهاً في مقابل مجلد مزين للقصص الخيالي. وقدم روبرت من أورمزبي إلى كاتدرائية نوروتش، نسخة مزينة من المزامير تعدها مكتبة بدليان "أجمل مخطوطة إنجليزية" بين مجموعاتها. واضمحل فن المنمنمات بعد عام 1450 بظهور الرسوم الجدارية واللوحات الحائطية، وأفل نجم هذا الفن في القرن السادس عشر قبل ظهور معجزة الطباعة الطريفة.

  

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> كاكستون ومالوري 

 

6- كاكستون ومالوري

في تاريخ مجهول من القرن التاسع عشر، أنشأ مؤلف، لا يعرف اسمه الآن، أشهر المسرحيات الأخلاقية الإنجليزية، فإن تمثيلية "كل إنسان" عبارة عن مجاز وأخلاقه تجريدات منفرة منفذ البداية، مثل المعرفة والجمال والمقولات الخمسة والرشد والقوة والفضل والمآثر والصداقة القرابة الاعتراف والموت وكل إنسان والله. ونحن نجد في استهلال، أن الله غاضب، لأن وصاياه يتجاهلها تسعة من عشرة أشخاص في ستة أيام من كل أسبوع، فيرسل الموت، ليذكر سكان الأرض، بأنهم لا بد أن يبادروا بالعودة إليه، وأن يقدموا حساباً عن أعمالهم. وهبط الموت من السماء إلى الأرض، في مساحة خط واحد، فوجد كل إنسان قد امتلأ فكره بالنساء والذهب، فما كان منه إلا أن أمره بالانتقال إلى الأبدية. فاحتج كل إنسان بعدم الاستعداد، وطالب بفسحة من الوقت، وقدم ألف جنيه على سبيل الرشوة، ولكن الموت يمنحه مسكناً واحداً-وهو أن يصطحب معه إلى الأبدية صديقاً يختاره. فأخذ الرجل يطلب المزاملة في هذه المغامرة العظيمة، ولكن من طلب مزاملته يعتذر عن نفسه بشجاعة قائلاً:

 

 "إن كنت ستتناول الطعام، وتحتسي الشراب وتبتهج، 

أو تغنم معاً صحبة المرأة الشهية،   

فإنني لا أتركك.... 

فيجيبه كل إنسان: إذاً فتعال معي في رحلتي الطويلة.   

الزميل: قسماً بإيماني، لن أذهب معك الآن. 

إلا إذا قتلت رجلاً: وأزهقت روحه، 

عند ذاك أعاونك صادقاً. 

 

فالتجأ كل إنسان إلى قريبه، إلى ابن عمه÷ الذي رفض الدعوة بحجة "أنني مصاب بتقلص في إصبع رجلي". فناشد الرجل، الفضل لمعاونته، ولكنه كان حبيساً ليست عنده الحرية لتقديم أي مساعدة. فتوسل الرجل آخر الأمر بالمآثر فابتهجت، لأنه لم ينسها تمام النسيان، فقدمته إلى معرفة، التي قادته إلى الاعتراف، الذي طهره. ثم هبطت المآثر معه إلى قبره، ورحبت أناشيد ملائكية بدخول الآثم المطهر إلى الجنة.

ولقد انتصر المؤلف في معظم الأحيان-ولا تقول انتصر تماماً-على قالب درامي عصبي. فإن تشخيص صفة من الصفات، لا يمكن أن يكون لها من الوصف ما للشخص، ذلك لأن كل إنسان عبارة عن تناقض مركب متفاعل، وهو فريد إلا إذا كان واحداً من جماعته، والفن العظيم يجب أن يصور العام عن طريق الخاص كما في هاملت أو كيخوتة، أو أديب أو بانبرج واحتاجت التجربة والعبقرية قرناً آخر، لكي تحول المسرحية الأخلاقية الفاترة، إلى المسرحية الإليزابيثية، التي تصور ، الإنسان المتغير إلى ما لا نهاية.

والحادث الأدبي العظيم في إنجلترا إبان القرن الخامس عشر، إنما هو إنشاء أول مطبعة إنجليزية. ولقد هاجر وليم كاكستون، المولود في كنت إلى بروجس للتجارة. وترجم في أوقات فراغه عن الفرنسية، مجموعة من القصص الخيالي الفرنسي. وطلب أصدقاؤه نسخاً من هذه المجموعة، فكان ينسخها لهم بنفسه، ولكنه يخبرنا بأن يده "كلت ولم تعد تستطيع الكتابة الكثيرة بسرعة". وعشيت عيناه من النظر الطويل على الورق الأبيض. ولعله رأى في زياراته إلى كولونيا، إنشاء المطبعة هناك (1466) على يد أولرتش زل، الذي تعلم هذا الفن الجديد في مينز. وأسس في أيام 1471 كولاردمانسيون، مطبعة في بروج ولجأ كاكستون إليها، باعتبارها وسيلة لإخراج نسخ كثيرة من ترجمته. وفي عام 1476 عاد إلى إنجلترا وأنشأ بعد ذلك بسنة في وستمنستر الحروف-ولعلها المطابع-التي أحضرها معه من بروج. وكان قد بلغ إذ ذاك الخامسة والخمسين من عمره، ولم يبقَ له من حياته سوى خمس عشرة سنة، بيد أنه طبع في هذه الفترة ثمانية وتسعين كتاباً، ترجم أكثرها بنفسه عن اللاتينية أو الفرنسية. وكان لاختياره عنوان كتبه، ولأسلوب مقدماته الطريف الخلاب، طابع لا يمحى على الأدب الإنجليزي. ولما توفي (1491) تابع زميله الإلزاسي وينكين دي ورد هذه الثورة.

ولقد حقق كاكستون ونشر عام 1485 نصاً من أروع نصوص النثر الإنجليزي وهو-التاريخ الشريف للملك ارثر وعدد معين من فرسانه. وكان مؤلفها العجيب قد مات وربما كان ذلك في السجن-قبل ذلك بحوالي ست عشرة سنة. فلقد خدم السير توماس مالوري، في حرب المائة سنة، كواحد من حاشية ريتشارد دي بوشان أمير وروك، ومثل وروك في البرلمان عام 1445، ولما شعر بالوحدة في إجازة الحرب، اقتحم دار هيوسمث، واغتصب زوجة الرجل، وسلب بالإكراه مائة شلن من مارجريت كنج ووليم هيلز، ثم اقتحم دار هيوسمث مرة أخرى واغتصب زوجته ثانية. وسرق سبعة بقرات وعجلين وخمساً وثلاثين وثلاثمائة من الغنم، وانتهب كنيسة الرهبان البندكتيين في كومب مرتين، ووضع في غياهب السجن مرتين. ويبدو من غير المعقول أن يؤلف مثل هذا الرجل، تلك الأغنية الرقيقة التي تترنم بالفروسية الإنجليزية وهي التي نسميها الآن "موت الملك آرثر"، وبعد أن اشتد الخلاف، حول مؤلفها قرناً من الزمان، أصبح من المجمع عليه أنها من تأليف السير توماس مالوري إبان سجنه.

وأخذ معظم القصص من الرويايات الفرنسية عن الأساطير المتعلقة بالملك آرثر، فرتبها في سياق مقبول، وصاغها بأسلوب محبب خلاب. وأصدرها لطبقة أرستقراطية تفقد ماضي فروسيتها من فظائع الحرب وأهوالها، ودعا من أجل إلى العودة إلى القيم العليا التي اتسم بها فرسان الملك آرثر متناسياً مظالمهم ومظالم نفسه. ومل آرثر الفسق والفجور فاستقر مع صاحبته الجميلة الجريئة جينفير، وحكم إنجلترا-بل كان أوروبا في الحقيقة-من عاصمته في كاميلون (ونشستر) وطلب إلى فرسانه مائدته المستديرة المائة والخمسين أن يقطعوا على أنفسهم عهداً: "ألا ينتهكوا حرمة أو يقتلوا نفساً... وألا يكونوا غلاظاً بأي حال من الأحوال، وأن ريحموا من يطلب الرحمة... وأن يغيثوا النساء الضعيفات، ولو واجهوا الموت دون ذلك.

والحب والحرب هما الموضوعان الممتزجان في كتاب يردد وقائع فرسان لا ضريب لهم، من أجل سيدات وفتيات يفقن الصوف جمالاً وفتنة وكان تريسترام ولانسيلون يجعلان من كل من ملوكهما ديوثاً، ولكنهما يمثلان رغم ذلك الشرف والشجاعة. ولما التقيا وقد تحصن كل منهما بالدرع والخوذة واللامة، تبارزا، وقد اختفت شخصية كل منهما أربع ساعات حتى كل سيفاهما وثلما.

ثم انبرى لانسيلو آخر الأمر قائلاً: أيها الفارس، إنك تبلى في النزال، النبلاء الحسن كأعظم ما رأيت من الفرسان، لذلك أطلب إليك أن تتفضل فتخبرني باسمك. فأجاب تريسترام: سيدي لقد أقسمت ألا أبوح باسمي لأحد. فقال سير لانسيلو، الحق أنني إذا طلبت فلا يحول قسم بيني وبين البوح باسمي. فقال سيرتريسترام، أحسنت، ولذلك فأنا أطلب إليك أن تبوح باسمك. فقال: أيها الفارس الوسيم، إن اسمي سير لانسيلو دي ليك. فقال: سير تريسترام: يا عجباً، ما الذي فعلت؟ فأنت أحب رجال العالم إلي. فقال السير لانسيلو أيها الفارس الوسيم، أخبرني باسمك. فأجاب حقاً، إن اسمي سير تريسترام دي ليون. فقال سير لانسيلو، يا للمسيح، أي مغامرة مرت بي.. وهنا ركع سير لانسيلو وسلمه سيفه. وهنا ركع سير تريسترام بدوره وسلمه سيفه.... واصطحبا إلى صخرة، وجلسا عليها وخلعا خوذتيهما... وقبل كل منهما الآخر مائة مرة".

وأي قفزة هذه، من تلك المملكة الخيالية، التي لا يعمل فيها أحد من أجل العيش.. كل النساء فيها "منعمات" إلى مادة الواقع الحقيقي إلى رسائل باستون وهي تلك الرسائل الحية التي جمعت أسرة مفرقة على الحب والمال في إنجلترا، إبان القرن الخامس عشر!! ونحن نجد هنا جون باستون، الذي مارس القانون في لندن أو ضواحيها، في حين أخذت مارجريت تربي أطفالها وتدير أملاكه في نوروتش، إن نفسه كلها للعمل وهو جاد، لاذع نزاع إلى المنافسة، أما هي فكلها استسلام، زوجة متواضعة، قادرة، شديدة الحياء، ترتعد لمجرد التفكير في أنها أساءت إليه. وهكذا كان آل جنيفر في صميم العالم الواقعي. ومع ذلك فنحن نجد هنا أيضاً العواطف الرقيقة، والهموم المشتركة بل الخيال، وتعترف مارجريت بروز لسير جون باستون الثاني أنها تحبه، وأنها تأسف، لأن الصداق، الذي تستطيع أن تقدمه له، أقل بكثير من مكانته، "ولكن إن كنت تحبني، كما أثق أنك حقاً كذلك، فإنك لن تتركني لهذا السبب" وهو الذي آلت إليه ثروة آل باستون، فيتزوجها على الرغم من اعتراض أهله، ويموت في غضون سنتين. وهكذا نجد قلوباً رقيقة، تحت السطح الجافي لهذا العصر المضطرب.

 

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> إنجلترا في القرن الخامس عشر -> الإنسانيون الإنجليز 

7-الإنسانيون الإنجليز

 يجدر بنا ألا ندهش من أن وفرة الدراسة للكلاسيات في إيطاليا لعهد كوزيمو ولورنزو دي مدتشي، لم تثر إلا صدى ضئيلاً في إنجلترا، التي كان تجارها لا يعبأون بالأدب إلا قليلاً، والتي كان نبلاؤها لا يخجلون من أميتهم على الرغم من ثرائها. ورأى السير توماس مور: في مطلع القرن السادس عشر أن أربعين في المائة من الشعب الإنجليزي فقط يستطيعون القراءة. وكانت الكنيسة، والجامعات التي تسيطر عليها، هي التي ترعى الدارسين وحدها. وإلى إنجلترا يرجع الفضل في أن رجالاً أمثال جروسيني وليناكر ولانيمير وكوليت: استطاعوا، في هذه الظروف، وتحت وطأة الحرب المدمرة الضارية، أن يقتبسوا من الشعلة الإيطالية: وأن يحملوا قدراً كافياً من ضوئها وحرارتها إلى إنجلترا، فيجعل ذلك رجلاً مثل أرازمس الحكم الفيصل في الأدب يشعر بأنه في وطنه عندما هبط الجزيرة عام 1499. ووقف الإنسانيون أنفسهم، على دراسة الثقافتين الوثنية والمسيحية على السواء، فأنكرتهم قلة غير ناضجة من "الطرواديين" الذين خافوا أن تأتي هؤلاء اليونان "بالنفائس من إيطاليا، ولكنهم وجدوا من يدافع عنهم بشجاعة ومن يصادقهم بين أكابر رجال الكنيسة، أمثال وليم الوينفليتي، أسقف ونشستر ووليم ورهام رئيس أساقفة كانتربري وجون فيشر، أسقف روشستر، وفيما بعد توماس كاردينال وُلـْسي، رئيس قضاة إنجلترا.

واستشعر بعض الدارسين من الإنجليز، منذ زيارة مانويل شريسو لوراس، (1408) لإنجلترا بحمى لا يطفئها في نظرهم غير الرحلة إلى إيطاليا للدراسة أو المجون، ولقد عاد همفري، دوق جلوسستر، من إيطاليا، مغرماً بالمخطوطات، وجمع مكتبة، أثرت فيما بعد، مكتبة بودليان. ودرس جون تيتوفت، إيرل جوارينو الفيروني في فيرارا وجون أرجيرو بولوس في فلورنسه.ثم عاد إلى إنجلترا وبين يديه من الكتب أكثر مما في نفسه من الفضائل. ودرس الراهب وليام تيلي من عام 1464-1367 في بادوا وبولونيا وروما، وأحضر معه كثيراً من الآثار الكلاسية، ثم أخذ يدرس اللغة اليونانية في كانتربري.

وكان توماس ليناكر أحد تلاميذه المتحمسين هناك. ولما عاد تيلي، (1487) إلى إيطاليا، اصطحبه ليناكر معه، وظل اثنتي عشرة سنة. ودرس في فلورنسة على بوليتيان وشالكوند يليز وحقق كتباً يونانية لالدس مانوتيوس، وعاد إلى إنجلترا متبحراً في فروع مختلفة من المعرفة، حتى استدعاه الملك هنري السابع، ليؤدب آرثر، أمير ويلز. وأوجد مع جروسين ولاتيمر في أكسفورد "حركة أكسفورد" لإحياء اللغات والآداب القديمة، فألهمت محاضراتهم جون كولت وتوماس مور، واجتذبت أرازمس نفسه. وكان ليناكر أشهر الإنسانيين الإنجليز، يجيد اللغتين اليونانية واللاتينية، وترجم جالينوس، وارتقى بالطب العلمي، وأسس الكلية الملكية الأطباء وأوقف ثروته على تمويل كراسي أستاذية الطب في أكسفورد وكمبردج. وقال أرازاموس، إن الفضل يرجع إليه، في أن الدراسة الجديدة، بلغت من الاستقرار في بريطانيا، حظاً لا يحتاج معه أي إنجليزي إلى أن يرحل إلى إيطاليا في سبيل العلم.  

وكان وليم جروسين قد بلغ الأربعين عندما انضم إلى ليناكر في فلورنسه. فلما عاد إلى إنجلترا عام 1492، استأجر غرفاً في كلية أكستر وفي أكسفورد وكان يحاضر عن اللغة اليونانية، على الرغم من احتجاج المحافظين الذين كانوا يرتعدون خشية، أن تقضي النسخة اليونانية الأصلية للعهد الجديد على ترجمة جيروم اللاتينية الشائعة وهي التي ظلت الحجة ألف سنة، ولكن جروسين أكد من جديد، أنه صحيح المعتقد، مستقيم إلى حد التزمت. ولم ينشأ في نفس الإنسانيين الإنجليز أي عداء للمسيحيين حتى العداء المضمر الخفي، كما حدث لبعض الدارسين في عصر النهضة الإيطالية، ولقد حرص هؤلاء الإيطاليون على التراث المسيحي، وجعلوه مقدماً على جميع عناصر التربية العقلية، ولم يجد أشهر هؤلاء، حرجاً من تولي منصب نائب مطران كنيسة سانت بول.

ولقد كان جون كولت أكبر أبناء سير هنري كولت، وهو تاجر غني أنجب أثنين وعشرين طفلاً وتولى منصب عمدة لندن مرتين. وفي أكسفورد مست الشاب، جذوة الإنسانيين من ليناكر وجروسين "فالتهم بشغف" كتب أفلاطون وأفلوطين وشيشيرون روحل عام 1493 إلى فرنسا وإيطاليا، وقابل أرازمس وبوديه في بالريس، وتأثر بسافونارولا تأثراُ عميقاً في فلورنس، وهاله نزق الكرادلة والبابا اسكندر السادس وتحررهم في روما. ولما عاد إلى إنجلترا، ورث ثروة أبيه، وأصبح من اليسير عليه أن يحرز مكانة مرموقة في السياسة، ولكنه آثر حياة الدرس في أكسفورد وتجاهل التقليد القديم الذي يجعل تدريس علوم الدين وقفاً على القساوسة وأخذ يحاضر أهل روما عن إنجيل القديس بولس، فأحل النقد والشرح للنص الشائع، محل الحذلقة والجدل، وانتعشت جماهيره الغفيرة بطرافة منهجه، وبتركيزه على الحياة الفاضلة باعتبارها أسمى علوم الدين، ولقد وصفه أرازموس الذي رآه في أكسفورد عام 1499، بأنه قديس تغريه الشهوة والترف دائماً، ولكنه "احتفظ بزهرة عذرته إلى وفاته" واحتقر الحياة اليسيرة التي يعيشها الرهبان في زمانه، وأوصى بثروته للأعمال الدينية والخيرية.

وكان يمثل معارضة الكنيسة مع ولائه لها، فقد أحبها على الرغم من أخطائها. وتسائل عن الصدق الحرفي لسفر التكوين، ولكنه قبل القول بأن الكتاب المقدس منزل بالوحي. وسبق المصلحين الدينيين بتأكيده صحة الكتب المقدسة على روايات الكهنوت وأشكاله، ورفضه أن تكون الفلسفة المدرسية للقرون الوسطى، المزيج العقلي المخفف للمسيحية البسيطة، وشكه في قدرة القسس على التطهير بالاعتراف، ووجود المسيح بالفعل في القربان، وفي استنكار الحياة الدنيوية التي يعيشها رجال الدين:

"ولو أن الأسقف الأكبر، الذي نسميه البابا... كان أسقفاً بحق، لما فعل شيئاً بنفسه، ولكن الله فيه هو الذي يفعل. فإن حاول شيئاً بنفسه، فإنه يكون نافث سم.... لقد حدث هذا كثيراً بالفعل منذ سنوات طوال، وازداد في هذه الأيام زيادة كبيرة، حتى سيطر على جميع أعضاء الكنيسة المسيحية، وإذا لم يقبض المسيح بيده على كنيستنا الممعنة في الاضطراب فإنها تشرف على الموت.....، إن أولئك القساوسة اليائسين، الذين يوجد منهم في هذا العصر كثرة هائلة ليترددون في الفجور الشنيع، فهم لا يخشون الخروج من بطن بغي حقيرة إلى هيكل الكنيسة وإلى مذبح المسيح وإلى الأسرار الإلهية.. ولسوف تحل عليهم نقمة الله في يوم من الأيام.  

وفي عام 1504 نصب كولت نائباً امطران كنيسة سانت بول، ومن هذا المنبر الرفيع عارض بيع الأسقفية، والفساد الناجم عن قوامة رجل واحد على موارد كنائس متعددة. وأثار بآرائه هذه معارضة عنيفة، ولكن ورهام كبير الأساقفة، عمل على حمايته. وكان ليناكر وجروسين ومور، قد استقروا وقتذاك في لندن وقد برئوا من جمود أكسفورد وتعصبها القديم، وشحذت عقولهم زيارات أرازموس وسرعان ما حظوا بتأييد الملك هنري الثامن. وبدا أن كل شيء ممهد لنهضة إنجليزية، ستتحرك مصطحبة، إصلاحاً دينياً سليماً.

خريطة الموقع

برامج : برامج خدمية العاب الكمبيوتر برامج ملتيميديا برامج حماية برامج الإنترنت برامج تصميم برامج مكتبية برامج الجوال برامج متنوعة اخبار البرامج.