برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب الثامن

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> بلاد الغال الخالدة -> لويس الحادي عشر

الفصل الخامس  

بلاد الغال الخالدة

 1453 - 1515

1- لويس الحادي عشر

1461 - 1483

 وكان ابن شارل السابع وولي عهده متعباً على غير العادة. ولقد زوج وهو في الثالثة عشرة من عمره، رغم إرادته (1436) من مارجريت صاحبة اسكتلندا، وكان عمرها إذ ذاك إحدى عشرة سنة، فانتقم لنفسه بإهمالها واتخاذ الخليلات. وأغرمت مارجريت بالشعر، ووجدت السلام الأبدي في الموت المبكر (1444) وقالت وهي تلفظ أنفاسها "تباً للحياة..امسكوا الحديث عنها.." وانتقض لويس على أبيه مرتين، وفر إلى فلاندرز بعد المحاولة الثانية، وانتظر نافذ الصب أن يؤول السلطان إليه. وأعانه شارل على بلوغ مأربه، بأن انقطع عن الطعام إلى أن مات (1461)، وحكم فرنسا بذلك واحد من أعجب الملوك وأعظمهم طيلة اثنتين وعشرين سنة.

وكان إذ ذاك في الثامنة والثلاثين، نحيلاً غليظ القلب، غير منغمس في الترف، له عينان مرتابتان وأنف طويل، أقرب إلى الفلاح في مظهره، يتخذ زي الحاج الزاهد الذي يتألف من رداء أغبر خشن وقبعة رثة من اللباد، وكان يصلي كالقديس، ويحكم كأنما قرأ كتاب "الأمير" قبل أن يولد مكيافلي.. واحتقر أبهة الإقطاع، ة وسخر من التقاليد والمراسيم، وبحث في شرعية مولده، وأذهل جميع العروش ببساطته. وعاش في قصر دي تورنل الكئيب بباريس، أو قصر بلسية ليه تور، بالقرب من مدينة تور، كالأعزب، وإن تزوج مرتين، وكان شحيحاً وإن كان يمتلك فرنسا، ولم يحتفظ من الخدم إلا بالنفر الذين كانوا معه في النفي، ولا يأكل من الطعام إلا بمقدار ما يتاح لأحد الفلاحين، ولم يكن مظهره ينبئ عن شيء، وإن كان ملكاً في كل شيء.

فلقد أخضع كل عنصر في شخصه لأرادته المصممة، وكان على فرنسا، أن تتحول بمطرقتهِ، من التمزق الإقطاعي إلى وحدة ملكيو ودولة موحدة، إذ يجب على هذه الحكومة الملكية المركزية أن ترفع فرنسا من رماد الحرب إلى حياة جديدة وبأس جديد، ووقف لوس فكره أثناء الليل وأطراف النهار، على هدفه السياسي، بعقل واضح ماكر، لا يهدأ، مثله في ذلك مثل قيصر، يرى أنه ما من شيء يتحقق، ما دامت له بقية تحتاج إلى عمل. "أما السلام فلا يكاد يحتمل مجرد التفكير فيه"، كما قال كومينيس. ومع ذلك فلم يكن موفقاً في الحرب، وآثر الدبلوماسية والتجسس، والرشوة على استعمال القوة، وجمع الناس حوله لتأييد أهدافه بالإقناع والتملق والتخويف، واحتفظ بحشد كبير من الجواسيس في خدمته في داخل البلاد وخارجها، وكان يدفع مرتبات سرية بانتظام لوزراء ملك إنجلترا ادوارد الرابع. ويستطيع أن يستسلم ويحتمل الإهانة ويتظاهر بالخضوع، وينتظر فرصة للنصر أو الانتقام. ووقع في أخطاء جسام، ولكنه تخلص منها ببراعة مذهلة غير هيابة. ولقد عني بكل ما يتصل بالحكومة من تفاصيل، ولم يكن ينسى شيئاً. وادخر مع ذلك فسحة من الوقت للآداب والفن، فقرأ بنهم، وجمع المخطوطات، وفطن إلى الثورة التي ترهص بها المطبعة، واستمتع بصحبة المثقفين، وبخاصة إذا كانوا "بوهيميين" بالمفهوم الباريسي. وانظم وهو في منفاه بفلاندرز إلى كونت شاروليه، في تأليف أكاديمية للعلماء، الذين أساغوا حذلقتهم بحكايات مرحة على منهج بوكاشيو، ولقد جمع انتوان دي لارسال، بعضها في مصنفه "مائة حكاية جديدة" واشتدت وطأة الملك على الأغنياء، ولم يحفل بالفقراء، وكان معادياً لنقابات العمال، وآثر الطبقة الوسطى باعتبارها أقوى مؤيد له، ولم يرحم الذين يعارضونه أياً كانت طبقتهم وأمر، بعد ثورة بربينيان، بأن تجب مذاكير، كل ثائر منفي، يجسر على العودة. وفي حروبه مع النبلاء حبس بعض الأعداء أو الخونة السنوات الطوال في أقفاص من حديد طولها ثمانية أقدام وعرضها مثل ذلك وارتفاعها سبعة، وهي وسائل ابتكرها أسقف فردان، الذي شغل قفصاً منها بعد ذلك أربع عشرة سنة. واشتد إقبال لويس في الوقت نفسه على الكنيسة، لحاجته إلى معونتها ضد النبلاء والدول، وكانت معه مسبحة لا تكاد تفارق يده، يردد عليها الصلاة الربانية وينقطع لصلاة العذراء، انقطاع راهبة في سكرات الموت، ولقد افتتح عام 1472 صلاة التبشير-وهي صلاة ظهر للعذراء من أجل سلم المملكة. وزار الأضرحة المقدسة، وسجل الآثار الدينية، ورشا القديسين ليقوموا بخدمته، وأخذ العذراء معه في حروبه. ولما قضي، عرض كقديس على حامل في كنيسة في مدينة تور.

وخلق بأخطائه هذه فرنسا الجديدة إذ وجدها مجموعة منحلة من الإمارات الإقطاعية والكهنوتية، فجعل منها أقوى أمة في العالم المسيحي اللاتيني. واجتلب نساجي الحرير من إيطاليا. وعمل المناجم من ألمانيا، وعمل على تحسين الموانئ ووسائل المواصلات، وحماية السفن الفرنسية، وفتح أسواقاً جديدة للصناعة الفرنسية، وجعل حكومة فرنسا حليفة للبرجوازية التجارية والمالية الناهضة. ورأى أن التوسع في التجارة عبر الحدود المحلية والقومية في حاجة إلى إدارة قوية مركزية. ولم يعد الإقطاع ضرورياً لحماية الزراعة والإشراف عليها، وكانت طبقة الفلاحين تحرر نفسها ببطء من العبودية الجامدة، ولقد مضى الزمن الذي كان فيه الأمراء الإقطاعيون يشرعون القوانين الخاصة بهم، ويضربون سكتهم، ويمارسون السيادة على ولاياتهم، وألزمهم شارل بوسائل صالحة وطالحة بالخضوع والنظام واحداً بعد واحد.

وقيد حقهم في الاعتداء على أملاك الفلاحين في صيدهم، وأنشأ إدارة بريد حكومية تخترق ولا ياتهم (1464)، وحرم عليهم، أن يخوضوا حروباً خاصة بهم، وطالبهم بالمتأخر من الالتزامات التي أخفقوا في دفعها لسادتهم في الإقطاع وهم ملوك فرنسا.

ولم يكن الأمراء الإقطاعيون يحبونه. فاجتمع ممثلون لخمسمائة أسرة نبيلة في باريس وألفوا جبهة الصالح العام (1464) ليبسطوا أيديهم على امتيازاتهم بشعار الصالح العام. وانظم كونت شاروليه إلى هذه الجبهة، فقد جعلته وراثته لعرش برجنديا مشوقاً لضم شمال شرقي فرنسا إلى دوقيته. ورحل شارل دوق بري وهو شقيق الملك لويس نفسه، إلى بريتاني وتزعم الثورة... فتجمعت الأعداء والجيوش من كل جانب ضد الملك، ولو استطاعوا أن يتحدوا لقضوا على الملك، وكان أمله الوحيد أن يهزمهم مترفقين فرادى. فاندفع جنوباً عبر نهر آلييه، وأكره قوة معادية على التسليم، وأسرع عائداً إلى الشمال في الوقت المناسب ليحول بين جيش برجندي وبين دخول عاصمته. وادعى كل فريق أنه انتصر في معركة مونتلهيري، وانسحب البرجنديون، ودخل لويس باريس وعاد البرجنديون مع حلفائهم وحاصروا المدينة. ولم يشأ لويس أن يخاطر بدفع الباريسيين إلى الثورة عليه، وهم الذين يأبى عليهم ذكائهم أن يموتوا جوعاً فسلم بمقتضى معاهدة كنفلان (1465) كل ما كان يطلبه أعداؤه تقريباً-الأرض-والمال والمناصب، وأخذ أخوه شارل نورمانديا. ولم يذكر شيء عن صالح الشعب، وكان لا بد من فرض ضرائب على جميع الناس لجمع الأموال المطلوبة. وانتظر لويس وقته الملائم.

وسرعان ما انزلق شارل إلى محاربة الدوق فرنسيس صاحب بريتاني، الذي أسره، وسار لويس إلى نورماندي واستعادها بلا إراقة دماء. ولكن فرنسيس، الذي توقع بحق، أن لويس يطلب بريتاني أيضاً، تحالف مع كونت شاروليه- وكان قد أصبح وقتذاك الدوق شارل الجسور صاحب برجنديا- في معاهدة هجومية، ضد الملك الذي لا رادع له. وشحذ لويس كل وسيلة من وسائل الدبلوماسية، فعقد صلحاً منفرداً مع فرنسيس، واتفق على حضور مؤتمر شارل في بيرون. وكانت نتيجة ذلك، أن سجنه شارل، وأرغمه على التنازل عن بيكاردي والاشتراك في تطويق لييج.وعاد لويس إلى باريس وقد بلغ الحضيض من السمعة والسلطان، بل إن الببغاوات دربت على السخرية منه (1468). وبعد عامين، من تبادل الخيانة والغدر، انتهز لويس فرصة انشغال شارل في جلدرلاند، وسير جيوشه إلى سانت كونتان وأمين وبوفيه. فألح شارل على ادوارد الرابع أن يتحد معه على فرنسا، ولكن لويس أبعد إدوارد عن هذا المشروع بالمال. وكان يعرف كلف إدوارد بالنساء، فدعاه إلى الحضور، ليلهو مع نساء باريس، كما أبدى استعداده أن يعين لادوارد، كاردينال بوربون، ليكون صاحب كرسي الاعتراف الملكي، الذي "يسره أن يحله، إن اقترف خطيئة ما بواسطة الحب والشهامة". واحتال حتى جعل شارل يقع في حرب مع سويسرا، حتى إذا قتل شارل لم يأخذ لويس بيكاردي فحسب وإنما برجنديا نفسها أيضاً (1477). وهدّأ من سورة النبلاء البرجنديين بالذهب، وأرضى الشعب بأن اتخذ له خليلة برجندية.

وأحس عندئذ أنه أصبح من القوة بحيث يستطيع أن يواجه البارونات الذين طالما حاربوه، وقلما لبوا نداءه، أن يخرجوا للحرب من أجل فرنسا. وكان أكثر الأمراء الذين تآمروا عليه عام 1465 قد ماتوا، أو أقعدتهم الشيخوخة.وتعلم خلفاؤهم أن يخشوا ملكاً، يقطع رؤوس الخونة من الأرستقراطية ويصادر ضياعهم، ملكاً أنشأ جيشاً قوياً من المرتزقة، وأنه مستعد على الدوام لجمع الأموال الطائلة لشراء الضمائر ودفع الرشى. وآثر لويس أن ينفق أموال شعبه لا أرواحه، فاشترى سردينيا وروسيلون من أسبانيا. وحصل على روشل بموت أخيه، وأخذ النسون وبلوا عنوة، وألح على رينييه أن يتنازل عن بروفنس للتاج الفرنسي (1481)، وبعد ذلك بعام عادت أنجوومين إلى الملكية، وفي عام 1483 تنازلت فلاندرز، وكانت تنشد معنونة لويس ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة، عن كونتية ارتوا مع المدنيتين المزدهرتين اراس ودواي. وهكذا قهر لويس البارونات وسيطر على مجالس البلديات والولايات فأنجز بذلك لفرنسا تلك الوحدة القومية والإرادة المركزية التي أنجز مثلها بعد عشر سنوات هنري الرابع، لإنجلترا، فرديناند وايزابلا لأسبانيا، واسكندر السادس للولايات البابوية. وهذا الصنيع وإن أحل طغيان أفراد كثيرين، إلا أنه كان في ذلك الوقت حركة تقدمية، توطد النظام في الداخل والأمن في الخارج، وتثبت العملة والمقاييس، وتذيب اللهجات في لغة واحدة، وتعين على نمو أدب وطني لفرنسا. ولم تكن الملكية مطلقة، فقد احتفظ النبلاء بسلطات كبيرة، وكانت موافقة مجلس الولايات ضرورية، في العادة لإقرار الضرائب الجديدة. وأعفى النبلاء والموظفون ورجال الدين من الضرائب. أعفى النبلاء على أساس أنهم حاربوا من أجل الشعب، والموظفون لأنهم كانوا يبخسون في الأجر والرشوة، ورجال الدين لأنهم يحمون الملك والوطن بصلواتهم. وكان الرأي العام والعرف السائد يحدان من سلطة الملك، وكانت المجالس المحلية لا تزال تزعم أن أي مرسوم ملكي بقانون لا يصبح نافذاً في مناطقهم إلا إذا وافق الأعضاء عليه ووثقوه. ومهما يكن من شيء فقد فتح الطريق للملك لويس الرابع عشر ونظام "أنا الدولة".

وأخذ لويس نفسه بين هذه الانتصارات جميعاً يذوي جسماً وعقلاً. فسجن نفسه في بليسيه- ليه- تور، خوفاً من الاغتيال، وارتاب في الجميع، وقلما رأى إنساناً، وعاقب على الأخطاء والنقائض بقسوة، وارتدى بين الحين والآخر حللاً تناقض فخامتها أرديته الخشنة في مطلع حكمه وأصبح نحيلاً شاحباً حتى الذين رأوه تعذر عليهم أن يصدقوا أنه على قيد الحياة. وكابد الآلام سنوات من البواسير. وأصيب الفالج في بعض الأحيان. وفي الخامس والعشرين من أغسطس عام 1483، أصابته نوبة من الفالج أفقدته النطق، وما لبث خمسة أيام حتى مات.

فابتهج رعاياه، لأنه أجبرهم على أن يدفعوا ما لا طاقة لهم به من تكاليف هزائمه وانتصاراته، مما زاد الشعب فقراً، وفرنسا عظمة ومجداً، في كنف سياسته التي لا ترحم. ومع ذلك فإن العصور التي جاءت بعده، أفادت من إخضاع النبلاء، وإعادة تنظيم المالية والإدارة والدفاع، ورقيه بالصناعة والتجارة والطباعة، وتكوينه دولة موحدة حديثة. ولقد كتب كومنيس "إذا أحصيت جميع أيام حياته وعقدت موازنة بين المسرات والمباهج وبين آلامه ومتاعبه، فستكون النتيجة، عشرين يوماً محزناً في مقابل يوم واحد بهيج. ولقد دفع هو وجيله ثمن ازدهار فرنسا وأبهتها في المستقبل".

  

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> بلاد الغال الخالدة -> المغامرة الإيطالية

2- المغامرة الإيطالية

 وكان شارل الثامن في الثالثة من عمره عندما مات أبوه فلبثت أخته آن دي بوجيه، ولم تكن تكبره بغير عشر سنين، تحكم فرنسا بتعقل ثمان سنوات. فخفضت نفقات الحكومة، وأعفت الشعب من ربع ضريبة الرؤوس، وأعادت كثيرين من المنفيين، وأطلقت سراح كثيرين من المسجونين، ووفقت في مقاومة محاولات البارونات، "الحرب الحمقاء" (1485)، لاستعادة سيادتهم المحلية التي انتزعها لويس. ولما اشتركت بريتاني مع أورليان ولورين وانجوليم وأورانج ونافار في عصيان آخر، استطاعت بدبلوماسيتها وقيادة لويس دي لاترمويل أن تهزم الجميع، وكانت مظفرة في وضع حد لهذه المشكلة بأن أعدت لزواج شارل من آن صاحبة بريتاني، التي قدمت دوقيتها العظيمة صداقاً لتاج فرنسا (1491). وعندئذ اعتزلت نائبة الملك الحكم وعاشت بقية حياتها، وهي إحدى وثلاثين سنة آمنة في زوايا النسيان.

أما الملكة الجديدة، وإن اتفقت معها في الاسم إلا أن شخصيتها كانت مختلفة تمام الاختلاف، فلقد كانت قصيرة مسحاء نحيفة عرجاء، غليظة الأنف واسعة الفم على وجه قوطي طويل، ولها عقلها الخاص بها، وفيها من الدهاء والبخل ما كان في كل بريتاني. ومع أنها كانت بسيطة في ثيابها، بحلتها وقلنسوتها السوداوين، إلا أنها كانت في المناسبات الرسمية-تتلألأ بالجواهر والثياب الموشاة بالذهب، وهي لا شارل التي قربت الفنانين والشعراء، وكلفت جان بورديشون أن يصور "صلوات آن أميرة بريتاني". ولم تنسَ قط موطنها الحبيب بريتاني وطرائقها في الحياة، فغلفت كبريائها بالتواضع، وعكفت على حياكة الثياب، وكافحت من أحل إصلاح أخلاق الملك وحاشيته.

ويقول برنتوم الثرثار "إن شارل يشغف بالنساء أكثر مما تحتمله، بنيته النحيلة". واقتصر بعد زواجه على خليلة واحدة. ولم يكن يستطيع أن يشكو من منظر زوجته، فلقد كان هو نفسه طويل الرأس أحدب، قسماته تنم عن السذاجة، عيناه واسعتان بلا لون، قصير النظر، وشفته السفلى غليظة ومتدلية، وتردد في الحديث، ويداه ترتعشان في تشنج. ومع ذلك كان حسن الطبع، رحيماً مثالياً في بعض الأحيان. ويقرأ قصص الفروسية، وامتلأ رأسه بفكرة إعادة فتح نابلي لفرنسا وبيت المقدس للعالم المسيحي. وظلت أسرة انجو، تبسط يدها على مملكة نابلي (1268-1435) إلى أن انتزعها منهم ألفونسو صاحب أراجون، وانتقلت مطالبة دوقات انجو بملكها إلى لويس الحادي عشر بالوراثة، ثم جهر شارل بالمطالبة. واعتقد مستشاروه أنه آخر إنسان في العالم يستطيع أن يقود جيشاً في حروب كبيرة، ولكنهم أملوا أن تمهد الدبلوماسية طريقه، وأن الاستيلاء على نابلي، سيسمح للتجارة الفرنسية، أن تتحكم في البحر الأبيض المتوسط. وتركوا أرتوا فرانش- كونتيه إلى ماكسمبليان صاحب النمسا وسردينيا وروسيلون لفرديناند ملك أسبانيا وذلك لحماية أطراف المملكة، ورجوا أن يحصلوا على نصف إيطاليا من أجل الأجزاء التي اقتطعت من فرنسا واستطاع لودوفيكو نائب الملك في ميلان أن يجمع جيشاً قوامه أربعون ألف رجل، ومائة مدفع حصار وست وثمانون سفينة حربية. وذلك بفضل الضرائب الباهظة والجواهر المرهونة والقروض التي سحبت من رجال المال في جنوا.

وخرج شارل مبتهجاً (1494)، ولعله لم يرَ بأساً من أن يخلف وراءه أخته وزوجته. فقوبل في ميلان بالترحيب (وكان بينهما وبين نابلي حزازة تريد أن تحسمها). ولم يجد عند سيادته مقاومة ما وخلف بعد مسيره جمعاً من الأبناء غير الشرعيين، ولكنه أبى في شهامة أن يمس عذراء ناشزة جلبها وصيفه لإمتاعه، وما كان منه إلا أن أرسل يطلب حبيبها، ورأس بنفسهِ حفل خطوبتهما، ومنحها صداقاً مقداره خمسمائة كراون. ولم تكن عند نابلي قوة عسكرية تقاوم جيشه فانتصر عليها في يسر ودخلها (1495)، واستمتع بجمال مناظرها، ومطاعمها ونسائها، ونسي بيت المقدس.

ومن الواضح أنه كان من الفرنسيين السعداء، الذين لم يصابوا بذلك المرض التناسلي الذي سمي فيما بعد "بالداء الغالي" لأنه انتشر بسرعة في فرنسا بعد عودة الجنود إليها. وعقدت "محالفة مقدسة" بين الإسكندر السادس والبندقية ولودوفيكو صاحب ميلان (الذي تحول عن ولائهِ السابق) فأرغموا شارل على الجلاء عن نابلي والانسحاب عبر إيطاليا التي تناصبه العداء. وحارب جيشه الآخذ في النقصان معركة غير حاسمة في فورنوفو (1495)، وعاد مسرعاً إلى فرنسا، حاملاً معه مقومات النهضة فيما حمل من أسباب العدوى.

وفي فورنوفو أبدى بيير تيراي سيد بايار، لأول مرة وكان إذ ذاك في الثانية والعشرين من عمره، شجاعة أكسبته نصف اللقب المشهور الذي عرف به وهو "الفارس الذي لا يخاف ولا يلام": ولقد ولد في قصر بايار بإمارة ولي العهد، وهو من أسرة نبيلة، لم يمت رئيس من رؤسائها طوال قرنين إلا في حومة القتال، ولعل بيير أراد في هذا اللقاء، أن يواصل ذلك التقليد. ونفق من تحته جوادان، وظفر بأحد ألوية العدو، فجعله مليكه فارساً تقديراً لبسالتهِ. واستطاع أن يحتفظ في عصر انتشرت فيه الفظاظة والعبث والخيانة بجميع فضائل الفروسية-فقد كان، في غير تظاهر شهماً، مخلصاً في غير خنوع. شريفاً في غير تيه، وخاض اثني عشر حرباً بروح رحيمة مرحة حتى لقبه معاصروه "الفارس الطيب"، وسنلقاه مرة أخرى.

وعاش شارل بعد رحلته إلى إيطاليا ثلاث سنوات. وذهب لمشاهدة مباراة تنس في امبواز فصفع رأسه باب غير محكم، ومات من نزيف في المخ بالغاً من العمر ثمانية وعشرون سنة. ولما كان أبناؤه قد ماتوا قبله، فقد تحول العرش إلى ابن أخيه دوق أورليان، ا لذي أصبح الملك لويس الثاني عشر (1498) والذي ولد لشارل صاحب أورليان، وهو شاعر عندما كان في السبعين من عمره، وكان لويس عند توليه العرش في السادسة والثلاثين سقيم البنية منذ أمد. وكانت أخلاقه مهذبة على غير عادة ذلك العصر، وسجاياه صريحة توحي بالمحبة، حتى لقد تعلمت فرنسا أن تحبه، رغم حروبه التي لا نفع فيها وكان يبدو متهماً بعدم اللياقة، لأنه طلق عام تتويجه جان دي فرانس، ابنه لويس الحادي عشر، ولكن ذلك الملك العنيد في مرونة ولين هو الذي أرغمه على الزواج من تلك الفتاة التي لا جاذبية لها، عندما بلغ الحادية عشر من عمره فقط. ولم يكن يستطيع أن يحبها، فهو الآن يطلب إلى الإسكندر السادس أن يلغي ذلك الزواج على أساس قرابة العصب، وأن يقر بناءه بالأرملة آن صاحبة بريتاني- في مقابل عروس فرنسية وكونتية ومعاش لابن البابا: قيصر بورجيا-وحملت آن معها دوقيتها كجزء من جهاز العروس. واتخذا مسكنهما في بلوا، وأعطيا فرنسا نموذجاً ملكياً للحب الإخلاص المتبادلين.

ويمثل لويس الثاني عشر سيادة الشخصية على الفكر. ولم يكن في دهاء لويس الحادي عشر، بيد أن له النية الطيبة والرزانة الحسنة، والفطنة، التي تتيح له أن يجسم الكثير من قوته في أعوانه الذي أحسن اختيارهم. وترك الإدارة، ومعظم السياسة، إلى صديق عمره جورج، كاردينال امبواز، فأدار هذا الكاهن الحكيم الطيب، الأمور بحذق، حتى أن الشعب المقلب كان كلما جد أمر، هز كتفيه، وهمس "دع جورج ينهض به". وتعجبت فرنسا عندما وجدت الضرائب المفروضة عليها تخفض، خفض أولاً الثلث ثم العشر. وافق الملك الذي نشأ في النعيم أقل ما يمكن على نفسه وعلى بلاطه، ولم يسمن على حسابه مقربون. وألغى بيع الوظائف، وحرم على الحكام قبول الهدايا، وأباح البريد الحكومي للجمهور. وقيد نفسه بأن يختار، لكل منصب إداري شاغر، واحداً من ثلاثة، تعينهم الهيئة القضائية، وألا يفصل موظفاً من موظفي الدولة إلا بعد محاكمة علنية وثبوت عدم النزاهة أو الكفاية عليه. وسخر بعض الهزليين ورجال البلاط من اقتصادياته ولكنه كان يقابل مزاحهم بروح متسامحة. وقال "قد يقولون لنا بين بذاءاتهم حقائق نافعة، دعهم يسلون نفسهم، وعليهم أن يحترموا شرف النساء... وخير لي أن أجعل رجال البلاد يضحكون من تقتيري، على أن أجعل شعبي يبكي من تبذيري"، وكانت أفضل وسيلة تسري عنه هي أن تدله على طريقة جديد تنفع الشعب، عن اعترافهم بالجميل له بأن لقبوه "بأبي الشعب" ولا تذكر فرنسا في تاريخها مثل هذا الازدهار.

ومن المؤسف، أن هذا الحكم السعيد تلطخ صحيفته بغزوة أخرى لإيطاليا. وربما نهض لويس وغيره من الملوك بهذه الهجمات، ليشغلوا النبلاء المشاغبين ويتخلصوا منهم، وهم بغير ذلك يزعجون فرنسا بالحروب الداخلية، مهددين بذلك الملكية والوحدة القومية اللتين لم تستقرا بعد. وكان على لويس بعد اثني عشر عاماً من النصر في إيطاليا، أن يسحب جنوده من شبه الجزيرة، ثم خسر معركة مع الإنجليز في جوينجيت، (1513)، وهي التي أطلق عليها الوصف الساخر "معركة المهاميز" لأن الفرسان الفرنسيين، فروا من المعركة بسرعة غير عادية. ووقع لويس صلحاً، وقنع بعد ذلك بأن يكون ملك فرنسا فحسب.

وزاد موت آن (1514) من أحزانه، ولم تنجب له وريثاً للعرش، وزوج، وهو غير راضٍ تمام الرضى، ابنته كلود إلى فرنسيس، كونت انجوليم، ويعد الثاني في ولاية العرش. وألح عليه مساعدوه، أن يتخذ زوجة ثالثة، وكان في الثانية والخمسين، وأن يحجب فرنسيس، الثائر بإنجاب ولد. فقبل ماري تيودور، أخت هنري الثامن، البالغة من العمر ست عشرة سنة، فجعلت الملك يسير في حياة مرحة منهكة وتشبثت بكل ما يجب للجمال والشباب. وتوفي لويس في الشهر الثالث من زواجه (1515) فخلف لزوج ابنته، فرنسا المزدهرة، التي ظلت تذكر بالحب أبا الشعب على الرغم من هزيمتها في عهده.

 

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> بلاد الغال الخالدة -> نهضة القصور

 3- نهضة القصور

 أحس الفن الفرنسي الآن كله، اللهم إلا العمارة الدينية، تأثير الملكية الآخذة بأسباب القوة وفتوحها الإيطالية ذلك لأن الكنيسة تشبثت بالطراز القوطي المشع، في العمارة معبرة عن اضمحلالها بالزينة المسرفة والتفاصيل المبالغ فيها، ولكن هذا الطراز، كان يحتضر، مثله في ذلك، مثل امرأة خليعة تجمع وهي تجود بأنفاسها كل المظاهر النسوية، من رقة وزينة ورشاقة. ومع هذا كله بدأ تشييد بعض الكنائس الفخمة في هذا العصر: سانت ولفرام في ابيفيل، سانت أتين دي مون في باريس، والمزار الصغير المتقن الذي شيدته مرجريت أميرة النمسا في برو، تخليداً لزوجها فيلبرت الثاني ملك سافوي. وأدخلت على المباني القديمة، زخارف جديدة، ووصفت كاتدرائية روين، بابها الشمالي باسم "الباب المكتبي" نسبة إلى حوامل الكتب في صحن الكنيسة، وأنفقت المبالغ التي جمعت للانغماس في أكل الزبد في لنت، على إقامة البرج الجنوبي الرائع، وهو البرج الذي أسمته الفكاهة الفرنسية: "برج الزبدة"، واستطاع كاردينال امبواز أن يحصل على أموال يشيد بها الواجهة الغربية، على الطراز المشع نفسه. ومنح بوفيه، جناح الكنيسة الجنوبي، رائعتها التي لم تتم. ويفوق بابها ونافذتها الوردية معظم الواجهات الرئيسية، وحسّن سينلس، وتور وترويس هياكلها، وشيد جان لوتكسبيه في شارترز، برجاً شمالياً غربياً مشرفاً، وحاجزاً ضخماً للمرتلين، وقد ظهرت فيها أفكار عصر النهضة التي تغلب الخطوط القوطية. أما برج سانت جاك الرائع في باريس، فهو البقية المـَرمَّمة من كنيسة، أقيمت في هذا العهد لسانت جيمس الأعظم.

وأفصحت مباني النبلاء المدنية عن الصراع والفوضى في ذلك العصر وأنشئت البلديات للمدن في أراس ودواي وسانت-أومر ونويون وسانت كنتان وكومبيين ودرين وايفريه وأورليان وسومور-وشيدت جرينوبل "دار القضاء" عام 1505، وشيدت روين داراً أكثر بهاءً عام 1494، صممها روبرت انجو ورولان ليرو على الطراز القوطي المزخرف، وأعاد القرن التاسع عشر زخرفتها. ثم جاءت الحرب الثانية فخربتها.

وهذا هو القرن الأول الذي ظهر فيه القصر ذو الطابع الفرنسي، ذلك لأن الكنيسة أخضعت للدولة، فغلب الاستمتاع بالحياة في الدنيا على الاستعداد للآخرة، وأصبح الملوك يستطيعون أن يكونوا آلهة، وأن ينشئوا، تزجية لفراغهم، فردوساً على طول نهر اللوار. وتحول "القصر المنيع" أو القلعة بين عامي 1490، 1530 إلى "قصر الملذات". وطلب شارل الثامن بعد أن عاد من حملته على نابولي، إلى معمارييه، أن يشيدوا له قصراً، في فخامة ما شاهده في إيطاليا. وكان قد أخضر معه المعماري الإيطالي فراجيوفاني جيوكوندو، والمثال الرسام جيدوماتزوني، والنقاش على الخشب دومينيكوبر نابي "بوكادور"، وتسعة عشر فناناً إيطالياً آخرين، وكان بينهم معماري تخصص في المباني الخلوية هو دومينيكو باتشيلو. وهو الذي أصلح قبل ذلك قلعة أمبواز القديمة، وكلف الملك هؤلاء الرجال، يعاونهم بناءون وعمال فرنسيون، أن يحولوها إلى مسكن مترف يليق بالملك "على الطراز الإيطالي". وكانت النتيجة بالغة الفخامة: فقد نهضت بجلال، على منحدر يشرف على النهر الوديع، مجموعة من الأبراج، والقباب والطنف، وزخارف من الرفارف ومخادع وشرفات. وهكذا ولد نوع جديد من العمارة.

فضايق هذا الطراز الوطنين والمحفظين على القديم، بالمزاوجة بين الأبراج القوطية وبين قصور عصر النهضة، وبإحلال الأشكال والتفاصيل الكلاسية، محل الزخرف المشع. وظلت الجدران، والأبراج الأسطوانية والأسقف العالية المنحدرة، والشرفات الخاصة بالدفاع والخنادق العارضة، تتسم بطلع القرون الوسطى، تذكر بالوقت، الذي كان فيه دار المرء، يجب أن تكون قلعته وحصنه في وقت واحد، ولكن الروح الجديدة أخرجت المسكن من غلافه العسكري الكثيف، وعرضت النوافذ وحددتها بخطوط مستقيمة لتسمح بدخول أشعة الشمس، وجملتها بأطر من الحجر المنقور، وزينت الداخل بأنصاف عمد كلاسيكية مربعة وأفاريز وزينات مدلاة وتماثيل ونقوش عربية وزخارف بارزة، وأحاطت البناء بالبساتين والنوافير والأزهار وغابة للصيد أو سهم بسام. ولقد أخلى الظلام في هذه الدور المترفة مكانه للنور، كما انقشع الخوف والكآبة، اللذان اتسمت بهما القرون الوسطى وحل محلها اطمئنان عصر النهضة وجرأته ومرحه. وأضحى حب الحياة طرازاً معمارياً.

ونحن نبالغ في الحكم على هذه القصور في عصرها الأول إذا ألحقنا بها أصلها أو إذا عرضنا لتطورها الكامل. فإن كثيراً منها كان موجوداً قبل ذلك في صورة القلاع، ولم يحدث فيها غير مجرد التعديل، وأكمل القرنان السادس عشر والسابع عشر، هذا الشكل الفني حتى بلغا به الانسجام الأرستقراطي، وغير القرن الثامن عشر هذا الاتجاه وأحل ملحمة فرساي العظيمة، محل روح القصور الغنائية المرحة. وكان قصر شينون الحصين، قديماً، عندما استقبل فيه شارل السابع، جان (1429)، كما مر لوشي بتاريخ طويل باعتباره مرقاً ملكياً وسجناً، عندما وفد عليه لودوفيكو المورو سجيناً (1504) وذلك بعد أن استولى لويس الثاني عشر على ميلان للمرة الثانية. وأصلح جا بوريه، وهو وزير لويس الحادي عشر حوالي عام 1460، قلعة لانجيه، التي أنشئت في القرن الثالث عشر، في شكل، يتسم أساساً بطابع القرون الوسطى، وإن كانت من أحسن القصور الباقية إلى الآن. ويشد شارل دامبواز حوالي عام 1473، في شومون، قصراً آخر على نهج القرون الوسطى، وأقام أخوه الطاردينال في جايون، قصراً حصيناً فخماً (1497-1510) أتلفته الثورة الرعناء. ورمم دينوا وهو نبيل "ابن سفاح من أورليان" قصر شاتودن (1464)، وأضاف كاردينال أورليان لونجفيل، جناحاً جديداً لهذا القصر، على الطراز الذي يزاوج بين القوطي وعصر النهضة. ولا تزال في قصر بلوا، أجزاء على نمط القرن الثالث عشر، وقد أنشأ له لويس الثاني عشر، جناحاً شرقياً، في وحدة متجانسة من الآجر والحجر، ومن الأبواب القوطية ونوافذ عصر النهضة، ولكن ذروة فخامته كانت تنتظر فرنسيس الأول.

وكانت المرحلة الأخيرة للنحت القوطي رائعة إلى أقصى حد بالزخرف المنقور ببراعة في المقابر، وبالمحفة في كنيسة برو، حيث تبدو سيبيل أجرّبا، في شكل لا يقل جمالاً عما هي في شارترز أو ريمز. ولكن الفنانين الإيطاليين كانوا يعيدون في الوقت نفسه، صياغة النحت الفرنسي على طراز عصر النهضة، استقلالاً وانسجاماً ورشاقة. وزاد الاتصال بين فرنسا وإيطاليا بفضل زيارة رجال الدين والسفراء والتجار والرحلة، وقامت الأشياء الفنية الإيطالية المستوردة وبخاصة الأدوات الصغيرة المصنوعة من لبرونز، مقام المبعوثين من عصر النهضة من الذوق والشكل الكلاسيين. وتحولت الحركة، بمجيء شارل الثامن وجورج وشارل صاحب امبواز، إلى تيار كتدفق والفنانون الإيطاليون هم الذين أنشأوا "مدرسة امبواز" ذات التأثير الإيطالي في المقر الريفي للملوك. وتعد مقابر الملوك الفرنسيين، في كنيسة سانت دينيس، سجلاً أثرياً، للتحول، ومن جلال النحت القوطي الجهم، إلى الأناقة الرقيقة والزخرف الذي ينم على المرح، الذين اتسم بهما تصميم عصر النهضة، معلنة المجد محتفلة بالجمال حتى في انتصار الموت.

ويتجسم هذا التحول في شخص ميكيل كولومب. ولد عام 1431، ووصف عام 1467 بأنه "أعظم نحات في المملكة الفرنسية قبل أن تغزو فرنسا إيطاليا وتبتلعها بزمن طويل. وكان النحت الغالي من الآن فصاعداً، كله تقريباً من الحجر، فاستورد كولومب رخام جنوا، وحفر عليها صوراً لا تزال عابسة جامدة بمسحة قوطية واضحة، لكنها وضعت في أطر زاخرة بالزينة الكلاسيكية. لقد نقش لقصر جايون، نقشاً بارزاً مرتفعاً يمثل "القديس جورج والتنين"-في صورة فارس لا حياة فيه على صهوة جواد ناشط خفيف الحركة، وهما محاطان بأعمدة وأفاريز ورفرف في تصميم عصر النهضة. وبدأ في "عذراء العمود" المنقوشة على الحجر، لكنيسة سانت جالمييه، وأن كولومب حقق الوداعة الكاملة التي يتسم بها الأسلوب الإيطالي في بساطة الملامح ولطفها، وفي الخطوط الناعمة للشعر المرجل. وربما كان كولومب هو الذي نقر، في شيخوخته "المدفن الشرقي" (1496) في سرداب كنيسة سولزمس .

وتأثرت فرنسا في التصوير بالأراضي الواطئة، كما تأثرت بإيطاليا فقد بدأ نيكولاس فرومنت بواقعية هواندية في صورته "بعث لازارو"" ولكنه انتقل عام 1476 من أفنيون إلى ايكس آن بروفانس ورسم لرينيه صاحب انجو الصور ثلاثية الطيات "علـّيقة موسى"، وتظهر الصورة الرئيسية فبها، وهي العذراء على العرش، سمات إيطالية مهادها، وفي العذراء السمراء، وموسى المهيب، والمـَلَك الفاتن، وكلب الصيد المتحفز والأغنام المخلصين، وهنا أحرزت إيطاليا انتصاراً كاملاً. وطبع تطور مماثل في الأسلوب أعمال "أستاذ مولان"، ولعله جان بريال. فلقد ذهب إلى إيطاليا مع شارل الثامن ثم مع لويس الثاني عشر، فرجع ومعه نصف فنون عصر النهضة في سجل مؤهلاته- فكان رسام منمنمات ونقوش جدارية ومصور أشخاص ومثالاً ومعمارياً. وصمم في نانت- ونقش كولومب على الحجر- المقبرة الرائعة لفرنسيس الثاني دوق بريتاني، وخلد في مولانذكر أوليئه آن وبيير البيجومي، مع الرسوم الجميلة للأشخاص التي توجد الآن في اللوفر.

ولم تحتفظ الفنون الصغيرة بالامتياز الذي كان لها في القرون الوسطى المتأخرة. فقد تحول المزخرفون الفلمنكيون، منذ زمن طويل إلى الموضوعات الدنيوية والمناظر الأرضية. وتمثل منمنمات جان بورديشون في "صلوات آن أميرة بريتاني" (1508) العودة إلى البساطة والتقوى اللتين تتسم بهما القرون الوسطى مثل الأساطير المحببة عن العذراء وطفلها، ومأساة جلجوثا وانتصار القديسين، والرسم رديء والمهاد كلاسية واللون قوي صاف، كل هذا في جو هادئ من التأنق والشعور النسويين. واتخذ الزجاج الملون في هذا العصر-وقد يكون ذلك على سبيل المقابلة- واقعية فلمينكية عند النظرة الأولى لا تلائم النوافذ التي تدخل الضوء الساطع على أرضية الكاتدرائيات، ومع ذلك فإن الزجاج الذي نقش في هذا العصر لاوخ وروين وبوفيه، فيه آثار من روعة القرن الثالث عشر. وأعادت ليموج إشعال أفرانها، التي خمدت طوال قرن كامل، ونافست إيطاليا والبلاد الإسلامية، في طلاء الأواني بالميناء الصافية. ولم يفقد الحفارون على الخشب حذقهم، وذهب رسكين إلى أن مواضع الممثلين في كاتدرائية أمين هي خير ما في فرنسا بأسرها، وأثارت السجاجيد الملونة التي يعود تاريخها إلى نهاية القرن الخامس عشر، انتباه جورج صاند في قصر بريساك (1847)، وأصبحت ذخيرة متحف كلوني في باريس، وفي متحف جوبلنز سجاجيد رائعة (حوالي 1500) تصور موسيقيين يعزفون في حديقة أزهار السوسن.

وكان القرن الخامس عشر مجدباً بصورة عامة في الفن الفرنسي باستثناء عمارة القصور. فلقد حرثت أقدام الجنود الأراضي وأخصبتها بدماء الحروب، ولكن ختام هذه المرحلة، هو الذي شاهد رجال عندهم الوسائل والفراغ نثروا البذور التي استطاع فرنسيس الأول أن يجني ثمارها. فإن صورة فوكيه لنفسه إنما تنم على عصر خنوع وبأس، وتعكس منمنمات تلميذه بورديشون، السلام العائلي في الزواج الثاني للويس الثاني عشر، والطمأنينة المبتسمة للأرض المسترجعة. فقد تجاوزت فرنسا أسوأ عهودها، ويوشك أحسنها أن يجيء.

 

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> بلاد الغال الخالدة -> فرانسوا فيون

4-فرانسوا فيون

1431-1480

ومهما يكن من شيء، فإن هذا القرن من الصراع والفوضى قد أفزع، شاعراً فحلاً ومؤرخاً كبيراً. وكانت إحدى النتائج الطبيعية للاقتصاد القومي والحكومة مركزية، أن استعمل الأدب الفرنسي لغة باريس، أياً كان موطن المؤلف: برجنديا أو بريتاني أو بروفانس. وكأنما أثرها فيليب دي كومين على اللاتينية، ليثبت أن الفرنسيين قد نضجوا، وسجل بها مذكراته. وا"تعار لقبه من كومين في فلاندر"، حيث ولد. وهو من أ"رة ممتازة، لأن الدوق فيليب الخامس كان اشبينه، ونشأ في البلاط البرجندي، ولما بلغ السابعة عشر (1564) كان بين موظفي كونت شاروليه. حتى إذا أصبح الكونت، شارل الجسور، وأسر لويس الحادي عشر في بيرون، لم يرضَ كومين عن سلوك الدوق، ولعله تنبأ بسقوطه، فتحول راشداً إلى خدمة الملك. فجعله لويس حاجباً له وأسبغ عليه الإقطاعيات، وأرسله شارل الثاني في وفادات دبلوماسية هامة. وأنشأ كومين في الوقت نفسه أثرين كلاسيين من الأدب التاريخي: أحدهما مذكرات وتاريخ الملك لويس الحادي عشر، وثانيهما تاريخ الملك شارل الثامن-وهما سرد نثري بلغة فرنسية واضحة بسيطة كتبهما رجل عرك الدنيا وشارك في الأحداث التي وصفها.

وهذان الكتابان شاهدان على الثروة غير العادية الأدب الفرنسي في المذكرات. ولهما أخطاؤهما: فالحرب تكاد تستغرقهما وليس فيهما من الطرافة والحياة ما في فرواسار أو فيلاارودين أو جوانفيل، وفيهما كثير جداً من عبارات حمد الله والثناء عليه، ذلك عند الإعجاب بسياسة لويس الحادي عش الغاشمة. وكثيراً ما ينقطع عن السرد ويتعثر في سقطات من اللغو. وعلى الرغم من هذا كله فإن كومين هو أول مؤرخ فلسفي: فهو يبحث عن العلاقة بين العلة والمعلول، ويحلل الشخصيات والحوافز والمزاعم ويحكم على الأخلاق حكماً موضوعياً ويدرس الأحداث والوثائق الأصلية ليوضح طبيعة الإنسان والدولة. ولقد سبق بهذه الملاحظات ميكافلي وجويكشيارديني في تقديره المتشائم للإنسانية في قوله: "لا الفعل الفطري، ولا معرفتنا، ولا حبنا لجارنا ولا شيء آخر غير هذا، يكفي دائماً لأن يمنعنا من استعمال العنف بعضنا مع بعض أو يحول بيننا وبين الاحتفاظ بما كان معنا. أو يصرفنا عن اغتصاب أملاك الآخرين بكل الوسائل الممكنة.. والأشرار يصبحون أكثر شراً على معرفتهم، أما الأخيار فيزداد صلاحهم إلى أقصى حد".

وكان عنده، مثل مكيافلي، أمل في أن كتابه يعلم الأمراء الحيلة أو حيلتين قال:

" ولعل السفلة لا يزعجون أنفسهم بقراءة هذه المذكرات، أما الأمراء... فقد يقبلون عليها، ويجدون بعض المعارف التي تكافئهم على متاعبهم... لأنه على الرغم من أن الأعداء والأمراء ليسوا دائماً سواء، فإن، أعمالهم واحدة في العادة، ومن المفيد دائماً أن تخبر عما مضى.. فإن من أعظم الوسائل التي تجعل الإنسان حكيماً، أن يدرس التواريخ.. وأن يتعلم كيف يحدد ويلائم بين أحاديثنا وأعمالنا وبين النموذج والمثال اللذين كان عليهما أسلافنا. وما حياتنا إلا فترة قصيرة، غير كافية لتمدنا بالتجربة عن أشياء جد كثيرة".

واتفق شارل الخامس، أحكم الحكام المسيحيين في عصره، مع ديكومين ووصف "المذكرات" بأنها كتاب صلواته.

وفضل الجمهور القصص الخيالي والمسرحيات الهزلية والهجائيات وفي عام 1508 ظهرت النسخة الفرنسية من "أماديس دي جول" واستمرت حوالي عشر فرق تعرض مسرحيات الخوارق والأخلاقيات والهزليات والمساخر وهي حماقات تسخر من كل إنسان حتى القسس والملوك. وكان بيير جرنجور من أساتذة هذا الفن يكتب ويمثل هذه المساخر بحماسة ونجاح طوال جيل كامل. وأقدم مسرحية هزلية في الأدب الفرنسي هي "السيد بيير باتيلان، ولقد مثلت أول مرة حوالي عام 1464 كما مثلت بعد ذلك بأمد طويل عام 1872.وباتيلان محام فقير يتلهف على القضايا. وهو يلح على بائع صوف أن يبيعه ستة أذرع من الثياب ويدعوه إلى الغداء معه في ذلك المساء ليتسم الثمن. فلما جاء التاجر، كان باتيلان في فراشه يئن من حمى مزعومة. ويصرح أنه لا يعرف شيئاً عن أذرع الثياب والغذاء. فينصرف التاجر مشمئزاً، فيلعن راعي أغنامه، ويتهمه بالتصرف سراً في بعض الخراف، ويجره أمام القاضي. وهنا يبحث الراعي عن محامٍ زهيد الأجر فبعثر على باتيلان، الذي دربه على أن يمثل دور الأبله وأن يجيب على جميع الأسيئلة بثغاء "الشاه" باء، وتحير القاضي من هذا الثغاء وارتبك من خلط التاجر في شكواه بين الراعي والمحامي، فأعطى فرنسا كلمة مأثورة تدعو فيها كل فريق وهي "فلنعد إلى هذه الأغنام" ولما يئس من الحصول على دليل منطقي في هذه الضجة، رفض القضية وطالب باثيلان المنتصر بأجره ولكن الراعي أجابه بثغاء الشاة "با"، ومكر الأبله بالمحتال البارع. وتتكشف لبقصة بكل ما في الروح الغالية من مهاترة. ولعل رابيليه قد ذكر باتيلان عندما فكر في بانورج، وموليير قد تقمص جرنجور والمؤلف المجهول لهذه المسرحية.

والشخصية التي لا تنسى في الأدب الفرنسي في القرن الخامس عشر هي شخصية فرانسوا فيون. فلقد كذب وسرق وغش وارتكب الفاحشة وقتل، مثله في ذلك مثل ملوك عصره ونبلائه، ولكنه كان أكثر تعقلاً. وبلغ الفقر منه مبلغاً جعله لا يملك حتى اسمه. ولقد ولد فرنسوا دي مونتكوربييه (1431) ونشأ في غمرات الطاعون والبؤس بباريس، وتبناه قسيس طيب اسمه جويوم دي فيون، فأخذ فرانسوا لقب هذا "الكفيل" فلطخه بالعار وأسبغ عليه الخلود في وقت واحد، وصبر جويوم على فرار الصبي من المدرسة وعبثه ودفع له نفقات تعليمه في الجامعة، واستراح في زهو عندما حصل فرنسوا على درجة ماجستير في الآداب (1452)، وزوده بالطعام والمسكن في أروقة كنيسة سانت بنوا ثلاث سنوات بعد ذلك منتظراً أن يبلغ الأستاذ مرحلة النضج.  

وليس من شك في تحول فرنسوا من التقوى إلى الشعر ومن علوم الدين إلى السرقة قد أحزن جويوم وأم فيون وكانت باريس تزخر بالخلعاء والبغايا والدجالين والنشالين والشحاذين وحماة العاهرات والقوادين والسكارى، فما كان من الشاب المستهتر إلا أن اتخذ له أصدقاء في كل طائفة، وعمل ديوثاً فترة من الزمان. ولعله حصل من الدين فوق ما يطيق، ولم يسغ الحياة في الدير، فمن العسر بوجه خاص أن يستجيب ابن رجل الدين للوصايا العشر. وفي الخامس من يونيه عام 1455 بدأ "قسيس يدعى فيليب شرموي، العراك مع فرنسوا (كما يقول بنفسه)، وقطع شفته بمدية، فما كان من فيون إلا أن أصابه بجرح عميق في فخذه، ولم يمضِ أسبوع حتى كان فيليب قد أسلم الروح وأصبح بطلاً بين رفاقه، وخارجاً على القانون يطارده الشرطة، ففر الشاعر من باريس، وظل حوالي سنة مختفياً في الريف.

وعاد هزيلاً شاحباً، جامد الملامح وخشن البشرة، ساهر العين حذر الشرطة، يحطم الأقفال حيناً والجيوب أحياناً، يستشعر الجوع إلى الطعام والحب. وأصبح عاشقاً لصبيه بورجوازية، احتملته حتى تجد فارساً أخيراً منه، يتغلب عليه، فزاد حبه لها، ولكنه سجل ذكراه بعد ذلك بأنها "سيدتي ذات الأنف الأعوج". وأنشأ حوالي ذلك الوقت (1456) "العهد الصغير"، وهو أقصر وصاياه، الشعرية فقد كان عليه أن يفي بديون كثيرة وأن يصلح أخطاء كثيرة أيضاً، ولا يستطيع أن يتنبأ متى يختم حياته على حبل مشنقة. وهو يهجو عشيقته على قلة لحمها، ويبعث بجوربه الطويل إلى روبرت فاليه، "لكي يلبس خليلته رداء أكثر احتشاماً"، وأوصى لبرنيه مارشان "بثلاث حزم من القش أو العشب الجاف، ليضعها فوق الأرض العارية لينام عليها، ويمارس لعبة الحب"، ويمنح حلاقه "أطراف شعري وقصاصاته"، ويترك قلبه، محزوناً شاحباً ميتاً لا إحساس فيه، إلى التي "أبعدت عينها عني".

وبعد أن تجرد من كل هذه الثروة، وجد نفسه مفتقراً إلى الخبز واشترك ليلة عيد الميلاد عام 1460 مع ثلاثة آخرين في السطو على كلية نافار، وسرقت العصابة حوالي خمسمائة كراون. ولما اطمأن فرنسوا إلى نصيبه الكبير من هذه المغامرة استأنف إقامته في الريف. واختفى عن نظر التاريخ عاماً واحداً، ثم نجده في شتاء عام 1457 بين الشعراء الذين أكرم وفادتهم، شارل صاحب أورليان، في بلوا... وأسهم فيون في مباراة شعرية هناك، ولا بد أنه قد أمتع، لأن شارل أبقاه ضيفاً عليه أسابيع، وأفعم كيس الشاب الخاوي بالمال ، ثم حدثت بينهما مشادة أو مشاجرة قضت على صداقتهما، وعاد فرانسوا إلى عرض الطريق، ينظم قصيدة اعتذار. وتجول جنوباً إلى بورجس، واستبدل بقصيدة هدية من الدوق جون الثاني أمير بوربون، وطوف حتى بلغ روسلون. ونحن نتصوره من شعره، رجلاً يعيش على الهبات وتاديون، على الفاكهة والجوز والدجاج يلتقطها من المزارع على طوال الطريق، يتحدث إلى الفتيات الريفيات وبنات الهوى في الحانات. مغنياً أو مصفراً على الطريق الكبيرة، يراوغ الشرطة في المدن. ثم لا نقع له على أثر مرة أخرى، وإذا به يظهر فجأة بأحد السجون في أورليان (1460) وقد حكم عليه بالإعدام.

ولسنا نعرف ما الذي أوصله إلى هذا المصير، وكل ما نعرفه أن ماري أميرة أورليان ابنة الدوق الشاعر، دخلت في يولية من هذا العام المدينة رسمياً، وأن شارل احتفل بهذه المناسبة بأن أعلن عفواً عاماً عن المسجونين. فانتقل فيون من الموت إلى الحياة في نشوة من الفرح. وسرعان ما استبد به الجوع فعاد إلى السرقة، فقبض عليه وحوسب على فراره المتنكر قبل ذلك- وزج به في سجن ينفذ منه المطر في قرية مونج- سير- لوار بالقرب من أورليان. وعاش هناك شهوراً مع الجرذان والضفادع يعض على شفتهِ الممزقة، ويقسم ليثأر من عالم يعاقب اللصوص ويترك الشعراء يموتون جوعاً. ولم يكن العالم كله قاسياً. فقد أصدر لويس الحادي عشر، وهو يمر في أورليان، عفواً عاماً آخر. وأختير فيون أنه أصبح حراً، فرقص على حصير السجن الفاند انجو . واندفع إلى باريس أو قريباً منها ونظم إذ ذاك وهو عجوز أصلع مفلس في الثلاثين. أعظم قصائده، التي أسماها ببساطة "الأناشيد"، وأطلق أعقابه عليها، وقد ودجدوا الكثير منها يصاغ مرة أخرى في صورة وصايا تهكمية با"م "العهد الكبير" (1461-1462).

وهو يهب نظارته إلى المستشفى للمكفوفين المعوزين حتى يميزوا "إن استطاعوا" الطيب من الخبيث والعظيم من الوضيع، بين العظام في مدافن الأبرياء. وسرعان ما استولت عليه إبان حياته فكرة الموت. فتفجع على زوال الجمال وتغنى بأنشودة جميلات الأمس:

 

قل لي أين، وفي أي أرض للظلال، 

تقيم فلورا الجميلة من روما، وأين 

تاييس وارشيبياد، 

 بنتا العم بجمالهما النادر 

والصدى، وجماله الخارق 

 وهو الذي كلما ناداه المرء عند تدفق نهره 

أو سار، أجاب من خارج الأرض؟ 

 وماذا صار إليه جليد العام الماضي؟ 

 

وهو يرى خطيئة الطبيعة التي لا تغتفر، أن تفتننا بالمحبة ثم تذيبها بين أذرعنا. وأشد قصائد مرارة "مرثية الجميلة صانعة الخوذات":  

أين ذلك الجبين الواضح البلوري؟ 

والحاجبان المقوسان والشعر الذهبي؟ 

العينان البراقتان، أين هذا الآن،   

وقد فتن أحكم الحكماء؟ 

الأنف الصغير المستقيم الجميل، 

والأذن الصغيرة الرقيقة البديعة، 

أين الذقن الذي له طابع الحسن، وأين   

والشفتان المضمومتان الحمراوان الواضحتان؟ 

ويستمر الوصف من فتنة إلى فتنة، ولم يترك شيئاً، ثم تذوي كل واحدة منها صلاة مرددة حزينة...  

وتغصن النهدان وانقشعا، 

 وانسحب الردفان كالنهدين 

ولم يعد الفخذان فخذين، 

لقد ذبلت جميعاً كما ذبلت العضلات 

ومن العجيب أنها تعني هنا المنبار المحشو، وهكذا لم يعد فيون يعشق الحب أو الحياة، فيوصي بجمسه إلى التراب:

  إنني أهب جسمي، أيضاً 

إلى الأرض، جدتنا 

وستجد الديدان فيه مع ذلك غنيمة صغيرة؟ 

فقد أنهكه الجوع أعواماً طوالاً.   

ويترك كتبه إلى أبيه الذي تبناه معترفاً بجميلهِ، وهدية وداعه لأمه العجوز، أنشودة متواضعة ينظمها للعذراء. وهو يطلب الرحمة للجميع إلا الذين زجوا به في السجن: الرهبان والراهبات والمهرجين والمغنين والحشم والشجعان، "أيها الماجنون الذين يبرزون كل مفاتنهم.. أيها المشاغبون والمحتالون والبهلوانات المرحة، والمهرجون يعرضون قردهم، وينشرون سجاجيدهم... الطيبون البسطاء الأحياء منهم والأموات-إنني أدعوا بالرحمة الشاملة، لكل فرد منكم وللجميع". وهكذا..  

 

وهنا ختام عهد فيون (الكبير والصغير معاً). 

ختام عهد فيون المسكين.. فعندما يطويه الموت، 

أناشدكم أن تحضروا جنازته، 

عندما يصلصل الجرس فوق الرؤوس.. 

أيها الأمير، الرقيق كصقر محول، 

اسمع ما صنعه مع آخر زفراته، 

لقد احتسى رشفة طويلة من رحيق النبيذ الأحمر، 

عندما شعر باقتراب منيته. 

 وعلى الرغم من هذه الوصايا وتحيات الوداع، فإنه لا يستطيع أن يفرغ كأس الحياة متعجلاً. وفي عام 1462 عاد إلى جويوم دي فيون وأروقة الدين، وابتهجت به أمه. ولكن القانون لم يغفل عنه. وطلبت كلية نافار أن يقبض عليه، ووافقت على إخلاء سبيله يشرط أن يدفع نصيبه من السرقة، منذ ست سنوات-أي أن يدفع أربعين كراون سنوياً لمدة ثلاث سنوات. وكان سيئ الطالع في ليلة إخلاء سبيله. لوجوده مع اثنين من رفاقه المجرمين القدامى، عندما دفعهم السكر إلى شغب طعن فيه أحد القساوسة. ويبدو أن فيون كان لا مؤاخذة عليه في هذا الأمر، فانسحب إلى غرفته، وصلى ينشد الطمأنينة، ومع ذلك فقد فبض عليه مرة أخرى، فعذب بصب الماء في حلقه حتى كاد ينفجر، ومما أدهشه أن يحكم عليه بالإعدام شنقاً. ولبث في سجن ضيق، أسابيع، بين اليأس والرجاء وتوقع الموت لنفسه ولصاحبيه فأنشأ وداعاً مؤثراً للعالم:

 

 أيها الناس، أيها الاخوة الذين يعيشون بعدنا، 

لا تجعلوا قلوبكم جد قاسية علينا، 

فإنكم إن منحتمونا نحن المساكين بعض حسراتكم، 

فإن الله سرعان ما يأخذ عنكم هذه الحسرات.   

نحن هنا خمسة أو ستة معلقون، كما ترون، 

وهنا اللحم، الذي كان كله حسن الغذاء، 

مأكولاً متعفناً قطعته بعد، مقطعاً ممزقاً، 

ونحن العظام نصير مع الجمع إلى تراب ورماد، 

لا تدعوا أحداً يضحك علينا نحن الأشقياء،   

بل ادعوا إلى الله أن يغفر لنا جميعاً.. 

 لقد غمرنا المطر وغسلنا نحن الخمسة جميعاً، 

وجففتنا الشمس وأحرقتنا، نعم، هلكنا، 

فالغربان والجوارح بمناقيرها التي تشوه وتمزق، 

قد سلمت أعيننا، وانتزعت لحانا وحواجبنا 

أجراً لها، لن نكون أحراراً أبداً، 

ولا مرة واحدة، لنستريح، وإنما تتعجلنا هنا وهناك 

وتستاقنا بإرادتها الغشوم الرياح المتقلبة، 

وتنقرنا الطيور أكثر مما تنقر الفاكهة على أسوار البساتين، 

أيها الناس، أقسم عليكم بحب الله، ألا تدعوا كلمة سخر تقال هنا، 

ولكن ادعوا الله أن يغفر لنا جميعاً. 

 

وكان لا يزال عنده بصيص من الأمل، فألح فيون على سجانه أن يحمل رسالة إلى أبيه الذي تبناه، ليحمل إلى محكمة البرلمان استئنافاً لحكم واضح الظلم. وتدخل جويوم دي فيون من أجل الشاعر مرة أخرى، وهو الذي يستطيع أن يغفر للناس مرات ومرات، فلا بد أن تكون للشاعر بعض الفضائل تشجع على حبه. وفي الثالث من يناير عام 1463، نطقت المحكمة بحكمها وأمرت بالآتي: .. يلغى الحكم السابق، وبعد أن وضعت في الاعتبار سوء خلق فيون المذكور-ينفى عشر سنوات من المدينة.. وكونتية وباريس. فشكر فرانسوا المحكمة في نشيد مرح، والتمس مهلة ثلاثة أيام "للإعداد لرحلتي ووداع قومي". فسمح له بذلك، وأغلب الظن أنه رأى أباه وأمه للمرة الأخيرة. وجمع أمتعته، وأخذ زجاجة النبيذ وكيس النقود اللذين أعطاهما إياه جويوم الطيب، وتلقى بركاته وخرج من باريس ومن التاريخ. ولم نعد نسمع عنه شيئاً بعد ذلك.

كان لصاً، ولكنه كان لصاً مطرباً، والعالم في حاجة إلى الطرب. وكان يستطيع أن يكون فظاً مريراً كما في أنشودة "ماجو البدينة" ورمى النساء اللائى لا يستجبن لرغباته بالأوصاف المفحشة، وكان يتجاوز الحد في تصريحه بتفاصيل الجسم الإنساني. ونحن نستطيع أن نغتفر هذا كله من أجل الآثام التي اقترفت في مقابل آثامه، والرقة المنبعثة من روحه دائماً، الموسيقى الشجية في شعره. ولقد دفع عقوبة ما كان عليه، وخلف لنا المثوبة فقط.

خريطة الموقع

برامج : برامج خدمية العاب الكمبيوتر برامج ملتيميديا برامج حماية برامج الإنترنت برامج تصميم برامج مكتبية برامج الجوال برامج متنوعة اخبار البرامج.