برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانتالكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر |
|
برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> فرنسا تحاضر -> المشهد الفرنسي الفصل الرّابع فرنسا تحاصر 1300 - 1461 1- المشهد الفرنسي لم تكن فرنسا عام 1300 المملكة العظيمة التي تصل إليها حدودها اليوم من القناة الإنجليزية إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن الفوج والألب إلى المحيط الأطلسي. وكانت تصل شرقاً إلى نهر الرون فقط. ولقد ضمت في الجنوب الغربي، مساحة كبيرة-جوين وجاسكونيا-إلى التاج الإنجليزي بزواج هنري الثاني من اليانور من أسرة اكويتين (1152)، وفي الشمال أخذت إنجلترا إقليم بونثيو، ومعه ابيفيل، ومع أن الملوك الإنجليز استولوا على هذه الأراضي باعتبارها إقطاعيات، تابعة للملوك الفرنسيين إلا أنهم فرضوا عليها سيادتهم الكاملة. أما بروفانس والدوفينية والكونتية الحرة فقد كانت تابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكان أباطرتها من الألمان في العادة. ولقد حكم الملوك الفرنسيين حكماً غير مباشر، عن طريق أقربائهم الإمارات، فالوا وأنجوا وبوربون وأنجوليم. وحكموا حكماً مباشراً الربوع الآتية باعتبارها التزاماً ملكياً، وهي نورمانديا وبيكاردي وشامباني، وبواتو وأوفرن ومعظم لانجويدوك، وجزيرة فرنسا-وهي "الجزيرة" التي على الجانب الشمالي من وسط فرنسا وتتركز حول باريس. وكانت أرتو وبلوا ونيفبر وليموج، وأرمانياك ووفالنتينوا يحكمها سادة إقطاعيون يخضعون لملوك فرنسا خضوعاً اسمياً حيناً ويحاربونهم حيناً آخر. وكانت بريتاني وبرجنديا وفلاندرز إقطاعيات فرنسية، ولكنها كانت كما أسماها شكسبير "أقرب إلى الدوقيات الملكية"، تتصرف كأنها دول مستقلة في الواقع. ولم تكن فرنسا قد أصبحت فرنسا بعد. وكانت أهم الإقطاعات الفرنسية وأكثرها تقلباً، في مستهل القرن الرابع عشر، كونتية فلاندرز. ولم تنافس إيطاليا في تقدمها الاقتصادي في أوربا بأسرها شمالي جبال الألب، سوى فلاندرز. وكانت حدودها تتذبذب في غير انتظام في الزمان والمكان، وحسبنا أن نشير إليها، بأنها الإقليم الذي يضم بروج وجنت وبيرز وكورتراي. وتوجد شرقي شيلد، دوقية برابانت، التي كانت تضم وقتذاك انتورب وميشلين (مالين) وبروكسل وتورناي ولوفين. وتقع جنوبي فلاندرز الأسقفيتان المستقلتان: لييح وكامبراي، وكونتية هانو حول فالنسين. وتضم فلاندرز ومع التوسع برابانت ولييج وكامبراي وهانو. وتقع إلى الشمال سبع مقاطعات صغيرة، تؤلف تقريباً هولندا كما نعرفها اليوم. ولم تستطع هذه الأقاليم الهولندية أن تبلغ أوجها حتى القرن السابع عشر، عندما اتسعت إمبراطوريتها، إذا صح التعبير، من رمبرانت إلى بتافيا. وكانت فلاندر وبرابانت عام 1300 قد خنقتها الصناعة والتجارة وحرب الطبقات ووصلت قناة، طولها اثنا عشر ميلاً بروجيس ببحر الشمال، تمخرها مائة سفينة كل يوم، تأتي بالتجارة من مائة ميناء في ثلاث قارات، ويعد اينياس سيلفيوس، مدينة بروجيس، واحدة من أجمل المدن الثلاث في العالم. وألف صاغة بروجيس، فرقة كاملة من حرس المدينة، ونساجو جنت، سبعة وعشرين فرقة من قواتها العسكرية، التي بلغ مجموعها 189.000 رجل. وكانت المنظمة النقابية في القرون الوسطى، وهي التي منحت الصانع كرامة الحرية، والاعتزاز بالحذق، تفسح الطريق في صناعات النسيج والمعادن في فلاندرز وبرابانت لنظام رأسمالي يمد فيه الممول رأس المال والمواد والآلات إلى عمال المصانع الذين يأخذون أجرهم بالقطعة، ولم تعد النقابة تحميهم وأصبح الالتحاق بالنقابة باهظاً، وأصبح آلاف العمال رجال تراحيل-عمال اليومية-يتنقلون من بلد إلى آخر، ومن مصنع إلى مصنع، ولا يجدون إلا عملاً مؤقتاً ويحصلون على أجور تفرض عليهم العيش في مساكن قذرة. ولا تسمح لهم إلا بالقليل من المتاع لا يتجاوز الملابس التي يرتدونها. وظهرت أفكار شيوعية بين العمال والفلاحين، وتساءل الفقراء، لماذا فرض عليهم أن يعيشوا جائعين وصوامع النبلاء ورجال الدين تطفح بالغلال؟ وحكم على جميع اللذين لا يعملون بأيديهم بأنهم من الطفيليين. وشكا أصحاب الأعمال بدورهم، من الخطر الذي يتهدد أموالهم، ومن عدم الاستقرار في الحصول على مواد الصناعة وموسميتها، ومن تعرض شحناتهم للغرق، وتذبذب الأسعار في السوق، ومن الحيل التي يلجأ إليها المتنافسون، والإضراب المتكرر الذي يرفع الأجور والأسعار، واضطربت العملة، فقلت أرباح رجال الأعمال، إلى حد العجز عن الوفاء بالديون. وناصر لويس دي نيفير أمير فلاندرز، أصحاب الأعمال. فثار العامة في بروجز وبيرز يؤيدون الفلاحين المجاورون، وخلعوا لويس، ونهبوا الكنائس، وذبحوا نفراً من أصحاب الملايين. فما كان من الكنيسة إلا أن أصدرت قراراً بحرمان المناطق الثائرة، ومع ذلك فقد أرغم الثائرون القساوسة على ترتيل القداس، وانتحل أحد الزعماء نشيداً يسبق ديودورو بأربعمائة وخمسين سنة، يقسم بأنه لم يقنع حتى يشنق آخر قسيس.. واستغاث لويس بمولاه، ملك فرنسا، فجاء فيليب السادس، وهزم القوات الثائرة في كاسل (1328)، وشنق عمدة بروجز، وأعاد المقاطعة، وجعل فلاندرز تابعة لفرنسا. وكانت فرنسا على وجه العموم أقل تصنيعاً بكثير من فلاندرز، وبقيت أغلب صناعاتها في مرحلة العمل اليدوي، ولكن ليل ودوراي وكمبراي وأميين اقتبست صناعة النسيج من المدن الفلمنكية القريبة. وعوقت الطرق السيئة والمكوث الإقطاعية التجارة الداخلية، بيد أنها أفادت من القنوات والأنهار التي ألفت شبكة من الطرق الطبيعية الكبيرة عبر فرنسا. وكانت طبقة رجال الأعمال النامية، المتحالفة مع الملوك، قد وصلت عام 1300 إلى مكانة رفيعة في الدولة، وإلى درجة من الثراء أذهلت الإقطاعيين، والنبلاء الفقراء جميعاً. وحكمت قلة من التجار المدن، وسيطرت على النقابات، وأمضت في تقييد الإنتاج والتجارة. وحدثت هنا، كما حدث في فلاندرز، ثورة كادحين في المدن. فقد انتفض عام 1300 فلاحون فقراء، عرفوا في التاريخ بالرعاة، واصطخبوا في المدن، لما حدث عام 1251، وأخذوا يجمعون في انتفاضتهم العمال الكادحين المتمردين. وساروا جنوباً، يتزعمهم راهب ثائر، وأغلبهم حفاة عراة من السلاح، معلنين أن القدس غايتهم. ودفعهم الجوع إلى انتهاب الدكاكين والحقول، ولما تعرضوا للمقاومة، استطاعوا أن يحصلوا على الأسلحة، ويؤلفوا جيشاً. حتى إذا بلغوا باريس حطموا أبواب السجن، وهزموا قوات الملك. فحبس فيليب الرابع نفسه في اللوفر، وانسحب النبلاء إلى معقلهم، وجبن التجار في دورهم. وواصل الحشد سيره، وزاد عدد أفراده بانضمام المعدمين في العاصمة إليهم، حتى بلغوا أربعين ألفاً من الرجال والنساء ومن الأوباش والأتقياء. وذبحوا فردن وأوخ وتولز جميع من وقع في أيديهم من اليهود. ولما تجمعوا في ايجوز مورت، على البحر الأبيض المتوسط، أحدق بهم عمدة كاركاسون بقواته، وقطع عنهم المؤن، ولبث كذلك حتى مات جميع الثوار من الجوع أو الوباء، وشنق القليلين الذين بقوا منهم. وأي نوع من الحكومة ذلك الذي يترك فرنسا، تحت رحمة الثروة الجشعة، والفقر الذي لا يعبأ بقانون؟ ولقد كانت حكومة فرنسا أقدر حكومة في أوربا من نواح كثيرة. فإن ملوك القرن الثالث عشر الأقوياء، أخضعوا أمراء الإقطاع للدولة. وأنشأوا محكمة وإدارة قويتين، بموظفين مدنيين مدربين، واستدعوا للاجتماع في مناسبات مجالس مقاطعات أو مجالس عامة وكانت في الأصل تجمعاً عاماً لأصحاب المقاطعات، ثم أصبحت مجلساً استشارياً يتألف من مندوبين عن النبلاء ورجال الدين، والطبقة الوسطى. وأعجبي أوربا كلها بالبلاط الفرنسي، حيث اختلط الأمراء والنبلاء والفرسان الأقوياء بالنساء ذوات الأردية الحريرية، في الحفلات الطريفة، والمجون الرشيق، والمبارزات الصاخبة في برجاس لامع، ببريق الفروسية، ولقد وصف جون ملك بوهيميا باريس بأنها "أعظم مقر للفروسية في العالم" وجاهر بأنه لا يستطيع أن يعيش خارجها. أما بترارك الذي زارها عام 1331 فكان وصفه إياها أقل خيالاً: قال: "إن باريس مدينة عظيمة من غير شك ولو أنها دائماً أقل من شهرتها، وتدين كثيراً لأكاذيب أهلها عنها، والحق أنني لم أشهد مكاناً أقذر منها سوى افينيون. وتضم في الوقت نفسه أعلم الرجال، وهي كالسلة العظيمة تجمع فيها، أندر الثمرات في العالم. ولقد مر على الفرنسيين حين من الدهر، وصفوا فيه بأنهم برابرة لشراستهم. أما الآن، فقد تغير الحال تماماً. فإنهم يمتازون بمزاج مرح، وحب للمجتمعات، وسهولة وتلاعب في الحديث..وهم ينتهزون كل فرصة لإظهار امتيازهم، وشن الحرب على جميع الأعباء بالتندر والضحك، والغناء والأكل والشراب. وخلف، فيليب الرابع، لابنه عام 1314 خزانة خاوية أو تكاد على الرغم من مصادرته التي تشبه القرصنة لأموال الداوية واليهود، ومات لويس العاشر بعد حكم قصير (1316) ولم يخلف وريثاً للعرش، وإنما خلف زوجة حاملاً. وما هي إلا فترة حتى توج أخوه باسم فيليب الخامس. وظهر فريق منافس يطالب بالعرش لابنته لويس جان، البالغة من العمر أربع سنوات، ولكن مجلساً من النبلاء ورجال الدين أصدر عام 1316 قراره المشهور الخاص بتوارث العرش وهو "أن القوانين والعادات المرعية بين الفرنج تستبعد البنات من وراثة العرش". ومات فيليب (1322) بلا ولد يخلفه، فطبقت القاعدة مرة أخرى لتحول بين ابنته وبين ولاية الملك، ونودي بأخيه ملكاً باسم شارل الرابع. والراجح أن القرار استهدف أيضاً أن يستبعد عن وراثة العرش إيزابل شقيقة فيليب الرابع، وهي التي تزوجت من إدوارد الثاني ملك إنجلترا، وأنجبت إدوارد الثالث عام 312، لأن الفرنسيين صمموا ألا يحكم فرنسا ملك إنجليزي. ومات شارل الرابع بلا خلف من الذكور (1328) فانتهت بموته دولة الملوك من أسرة كابيتان وعرض إدوارد الثالث، الذي اعتلى عرش إنجلترا قبل ذلك بعلم، على مجلس النبلاء في فرنسا، مطالبته بالعرش الفرنسي، باعتباره حفيداً لفيليب الرابع، وأقرب الأعقاب الأحياء لهيوكابت، فرفض المجلس، على أساس أن أم إدوارد لا تستطيع أن تنقل إليه تاجاً استبعدت هي نفسها عنه بقرار التوريث الذي صدر عامي 1316، 1322. وفضل البارونات عليه ابن أخ لفيليب الرابع، وهو الكونت فالو، وبذلك يكون فيليب الرابع هو الذي بدأ أسرة فالو المالكة، التي حكمت فرنسا، إلى أن استهل هنري الرابع أسرة البربون عام 1589. واعترض على هذا الاختيار إدوارد، ولكنه جاء إلى "أمين" عام 1329، وأعلن خضوعه وأقسم يمين الولاء لفيليب الرابع باعتباره مولاه الإقطاعي على جاسكونيا وجويين وبونثيو. ولما أنضجت إدوارد السنون، وزاد دهاؤه، ندم على خضوعه وحلم مرة أخرى بالجلوس على عرشين في وقت واحد. وأكد له مستشاروه، بأن فيليب الجديد مستضعف، يدبر وشيكاً للخروج في حملة صليبية إلى الأراضي المقدسة. وظهر أن الوقت مناسب للبدء في حرب المائة عام.
برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> فرنسا تحاضر -> الطريق إلى كريسي 2- الطريق إلى كريسي 1337 - 1347 وطالب إدوارد عام 1337 رسمياً من جديد بالعرش وكان رفض طلبه السبب المباشر للحرب. وأصبحت نورمانديا، بعد فتحها إنجلترا تابعة للملوك الإنجليز، مائة وثمانية وثلاثين عاماً، وأعاد فيليب الثاني فتحها باس م فرنسا (1204) ورأى كثير من النبلاء الإنجليز، الذين انحدروا من أصل نورماندي، في الحرب المقبلة محاولة لاستعادة موطنهم الأصلي واقتطع فيليب الرابع وشارل الرابع جزءاً من مقاطعة جوين الإنجليزية التي كانت عامرة بالكروم، وكانت تجارة النبيذ في بوردو مورداً ثميناً لإنجلترا حتى مات في الدفاع عنها إلى حين عشرة آلاف إنجليزي. أما اسكتلندا فكانت شوكة في جنب إنجلترا، وتحالف الفرنسيون مراراً معها في حروب مع إنجلترا. وكان بحر الشمال عامراً بالسمك، فادعى الأسطول الإنجليزي السيادة على هذه المياه في القناة وخليج بسكاى واستولى على السفن الفرنسية التي سولت لنفسها أن تسخر هذا الادعاء الأول بالسيادة الإنجليزية على البحار. وكانت فلاندرز منفذاً حيوياً للصوف البريطاني، وأنف النبلاء الإنجليز الذين يجز الصوف من أغنامهم والتجار الذين يصدرون هذا الصوف، أن تعتمد سوقهم الأساسية على النية الطيبة لملك فرنسا. وأمر كونت فلاندرز عام 1336 بحبس جميع البريطانيين هناك، ويبدو أن فيليب السادس أيد هذا العمل وقاية من الدسائس الإنجليزية. فرد إدوارد الثالث على ذلك بأن أمر بالقبض على جميع الفلمنكيين في إنجلترا.وتحريم تصدير الصوف إلى فلاندرز وما هو إلا أسبوع حتى توقفت المغازل الفلمنكية لافتقارها إلى المادة الخام، وتزاحم العمال في الطرقات مطالبين بالعمل. واتحد العمال اليدويون والآليون في جنت معلنين خروجهم عن طاعة الكونت، وانتخبوا متآمرا دعيا هو جاكوب فان ارتفليد حاكماً على المدينة، وأيدوا سياسته التي تنشد صداقة إنجلترا وصوفها (1337) فألغى إدوارد الحظر، وفر الكونت إلى باريس، وأقر أهل فلاندرز جميعاً ديكتاتورية أرتفيلد ووافقوا على الانضمام إلى إنجلترا في حربها مع فرنسا. وفي نوفمبر عام 1337 سار إدوارد الثالث على تقاليد الفروسية وأرسل إلى فيليب السادس إعلاناً رسمياً بأن إنجلترا ستشرع في الحرب بعد ثلاثة أيام. وكان أول لقاء له أهميته في حرب المائة سنة، معركة بحرية في سلويز بعيداً عن الساحل الفلمنكي (1340)، حطم فيها الأسطول الإنجليزي مائة زاثنتين وأربعين سفينة من المائة والاثنتين والسبعين التي تؤلف الأسطول الفرنسي ثم تركت في العام نفسه جان أميرة فالوا أخت فيليب وحماة إدوارد، ديرها في فونتنل، وألحت على الملك الفرنسي أن يوفدها رسول سلام. فتعرضت في طريقها إلى معسكر القادة الإنجليز لأخطار كثيرة، فوافقوها على عقد مؤتمر وأقنع توسطها البطولي الملكين بأن يعقدا هدنة لمدة تسعة أشهر. وساد السلام بفضل الجهود التي بذلها البابا كليمنت السادس إلى عام 1346. ولكن حرب الطبقات احتلت المسرح في فترة الصفاء هذه. وكان النساجون المنظمون في جنت يؤلفون أرستقراطية العمل في الأراضي الواطئة. ورفضوا الخضوع لأرتفيلد باعتباره طاغية قاسياً، ومبدداً للأموال العامة، وأداة طيعة في يد إنجلترا والبرجوازية. واقترح أرتفيلد أن تنادي فلاندرز بأمير ويلز حاكماً عليها فجاء إدوارد الثالث إلى سلويز تأكيداً للاتفاق.حتى إذا رجع أرتفيلد من سلويز إلى جنت وجد داره محاطة بجمهور ساخط ودافع عن حياته مؤكداً أنه وطني فلمنكي أصيل، ولكنه سحل وضرب إلى أن فاضت روحه (1345). وأنشأ النساجون ديكتاتورية عمالية في جنت، وبعثوا مندوبين عنهم في أنحاء فلاندرز يدعون العمال للثورة. فاشتبك القصارون مع النساجين وأجلوهم عن الحكم وقتل كثير منهم، وضاق الشعب بالحكومة الجديدة وبسط لويس دي ميل، وكان قد أصبح كونت فلاندرز، سلطانه على جميع مدنها. وما أن انتهت الهدنة، حتى غزا إدوارد الثالث نورمانديا واجتاحها. وفي السادس والعشرين من أغسطس عام 1346، التقى الجيشان: الإنجليزي والفرنسي، وتأهبا للمعركة الفاصلة. واستمع القادة والرجال من الجانبين إلى القداس، وأكلوا جسم المسيح وشربوا دمه وطلبوا معونة في إجهاز أحدهما على الآخر. ثم تحاربا في شجاعة ووحشية بلا هوادة. واكتسب إدوارد، الأمير الأسود، في ذلك اليوم ثناء والده المنتصر، وصمد فيليب السادس في حومة الوغى، حتى لم يبق من رجاله إلا ستة جنود. وهلك في تلك المعركة الواحدة، ثلاثون ألف رجل، كما ذهب إلى ذلك فرواسار في تقديره غير الدقيق. وأشرف الإقطاع على الموت هناك أيضاً: فوقف فرسان فرنسا الراكبون، المسلحون في رشاقة بالحراب القصار، بلا حول ولا قوة، أمام حائط من الرماح الإنجليزية الطوال المصوبة إلى صدور أفراسهم، بينما نشر حملة القسى من الإنجليز عند الجناحين، الموت بين الفرسان الفرنسيين. وكادت شمس الفروسية تأفل في يوم الحصاد الطويل الذي تنفس فجره قبل ذلك ادريانوبل بتسعمائة وثماني وستين سنة، وجاءت المشاة إلى المقدمة، وضعُفت سيادة العسكرية الأرستقراطية. واستعملت المدفعية في كرسي على نطاق ضيق، وجعلتها صعوبة النقل وحاجتها إلى إعادة التعمير أكثر مشقة وأقل جدوى، ولذلك قصر فلاني فائدتها على صخبها . وقاد إدوارد جيشه من كريسي إلى حصار كاليه، واستخدم المدفع في تحطيم الأسوار (1347). وصمدت المدينة عاماً كاملاً، حتى ألحت المجاعة عليها، فأذعنت لشروط إدوارد، وهو أن يخرج الباقون على قيد الحياة بسلام، إذا توجه ستة من أعيان المدينة إليه، والحبال حول أعناقهم، وفي أيدهم مفاتيح المدينة. وتطوع ستة منهم بالفعل ولما مثلوا أمام الملك، أمر بشنقهم. فجثت ملكة إنجلترا أمامه، تتوسل الإبقاء على حياتهم، فاستجاب لها، وأرسلت الرجال مخفورين إلى دورهم بسلام. وللنساء في التاريخ فضل أعظم من الملوك وهن يخضن بشجاعة معركة يائسة لتحويل الرجال من جفوة التوحش إلى صقل الحضارة. وهكذا أصبحت كاليه، جزءاً من إنجلترا، ولبثت إلى عام 1558، منفذاً استراتيجياً لبضائعها وجيوشها على القارة. وثارت عام 1348، فحاصرها إدوارد مرة أخرى وحارب بنفسه متنكراً في المعمعة. واستطاع فارس فرنسي، اسمه أوستاس دي ريبومونت، أن يطعن إدوارد مرتين، ولكنه غلب على أمره وأسر، ولما استعاد إدوارد المدينة دعا أسراه النبلاء إلى الغذاء، ووقف اللوردات الإنجليز وأمير ويلز على خدمتهم، وقال إدوارد للفارس الذي طعنه ريبومونت "ياسير أوستاس، إنك أشجع فارس رأيته في العالم المسيحي يهاجم عدوه..ولذلك فأنا أمنحك تقدير الشجاعة وأجعلك فوق جميع رجال بلاطي". ونزع الملك الإنجليزي عن رأسه إكليلاً نفيساً ووضعه على رأس الفارس الفرنسي، قائلاً: "أيها السيد أوستاس، إنني أهديك هذا الإكليل..وأرجوك أن تضعه على رأسك هذا العام في محبتي. وإني لأعلم أنك مقبل على الحياة، نزاع إلى الغزل، مغرم بصحبة السيدات والآنسات، لذلك قل، أينما ذهبت، إنني أعطيتك إياه. وأنا أمنحك حريتك أيضاً بلا فدية، ولك أن تذهب حيث شئت". وعاشت الفروسية هنا وهناك، بين الجشع والقتل، واقتربت وكادت أساطير أرثر تشبه التاريخ الحي على صفحات فرواسارت.
برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> فرنسا تحاضر -> الموت الأسود وغيره 3- الموت الأسود وغيره 1348 - 1349 لقد كان الطاعون العظيم محايداً حين دهم إنجلترا العامرة بالغنائم الفرنسية وفرنسا التي أصابتها الهزيمة بالخراب. ووباء الطاعون حدث مألوف في تاريخ العصور الوسطى، فلقد أزعج أوربا اثنتين وثلاثين سنة من القرن الرابع عشر، وإحدى وأربعون سنة من الخامس عشر، وثلاثين سنة من السادس عشر، وهكذا تعاونت الطبيعة وجهل الإنسان، هذان وهما عاملان ثابتان متوسيان من ناحية، مع الحرب والمجاعة من ناحية أخرى، على الحد من استغراق الإنسان في النسل. وكان الموت الأسود شر هذه النوازل، ولعله أنوح ملمة طبيعية تعرض لها الإنسان في عصور التاريخ.ولقد وفد على برفانس وفرنسا من إيطاليا، ولعله جاء مباشرة من الشرق الأدنى بوساطة الجرذان الشرقية التي ترسي على مارسيليا. وذهبت رواية، غير محققة في ناربون، إلى أن ثلاثين ألف شخص ماتوا في هذا الوباء، وفي باريس خمسين ألفاً وفي أوربا خمسة وعشرين مليوناً، وربما كان المجموع "ربع سكان العالم المتحضر" وعجزت مهنة الطب أمامه، فلم تكن تعلم سبب المرض (ولقد اكتشف كيتا زاتو، برسن، باسيليات الطاعون الدملي عام 1894)، وكل ما كانت توصي به هو، المعضدات، ومطهرات الجوف، والمنعشات، ونظافة المسكن والجسم، والتبخير ببخار الخل(7).ورفض عدد قليل من الأطباء والقساوسة علاج المرضى، خوفاً من العدوى، ولكن أكثرهم واجهوا المحنة برجولة، وضحى آلاف من الأطباء ورجال الدين بحياتهم. وكان على قيد الحياة ثمانية وعشرون كاردينالا عام 1348 توفي منهم تسعة بعد ذلك بعام واحد، ومن الثمانية والأربعين رئيساً للأساقفة، مات خمسة وعشرون، ومن الخمسة والسبعين والثلثمائة أسقف مات سبعة ومائتان. وكان للوباء آثاره على جميع نواحي الحياة وطبيعي أن يموت الفقراء، بنسبة أكبر من الأغنياء، فأدى ذلك إلى نقص في العمال، وهجرت آلاف الأفدنة بلا فلاحة، ونفقت ملايين الأنعام. واكتسب العمال قدرة جديدة على المساومة إلى حين، فرفعوا أجورهم، ونفضوا عن كواهلهم كثيراً من الأعباء الإقطاعية، وقاموا بثورات جعلت النبلاء، لا يستطيعون النيل منهم مدى نصف قرن، بل أضرب القسس أنفسهم، من اجل زيادة رواتبهم. وهجر عبيد الأرض، المزارع إلى المدن، واتسعت الصناعة، وحصلت طبقة رجال الأعمال على مغانم جديدة من الأرستقراطية التي تملك الأرض. ونالت الصحة العامة قسطاً من الإصلاح المعتدل. وأضعفت شدة الألم والمأساة عقول الكثيرين، فأدت إلى أمراض عصيبة معدية، ويبدو أن جماعات بأسرها قد جُنَّت مثل "الفلاجلان" الذين ساروا عام 1349، كما فعلوا في القرن الثالث عشر، في طرقات المدينة عراة أو يكادون، يضربون أنفسهم في ندم، ويعظون بيوم الحساب، والمدن الفاضلة، ويدعون إلى ذبح اليهود. واستمع الناس بانتباه أكثر من المألوف إلى قراء الأفكار، ومفسري الأحلام، والعرافين، والدجالين وغيرهم من المشعوذين. وضعفت العقيدة الصحيحة وانتشرت الخرافة. وأرجع حدوث الطاعون إلى أسباب عجيبة. فنسبه بعضهم إلى اتصال في غير أوانه بين زحل والمشتري والمريخ، وآخرون إلى تسميم المجذومين أو اليهود للآبار. فقتل اليهود في حوالي خمسين مدينة، يميد من بروكسل إلى برسلو بين عامي 1348-1349، وكاد يقضي على النظام الاجتماعي، بموت آلاف من رجال الشرطة، والقضاة وموظفي الحكومة، والأساقفة والقسس. بل إن صناعة الحرب قد تعرضت للاضمحلال، وتلكأت حرب المائة عام، بين حصار كاليه ومعركة بواتييه (1356) في هدنة متراخية، بينما عوض النقص الهائل في صفوف المشاة، برجال بلغ منهم الفقر مبلغاً، جعلهم يرون الحياة تفضل الموت ببضعة شلنات! وتأسى فيليب السادس، عن الطاعون والهزيمة، بالزواج، وهو في السادسة والخمسين، من بلانش أميرة نافار، البالغة من العمر ثماني عشرة سنة، وهي التي كان ينوي خطبتها لابنه. وتوفي بعد ذلك بسبعة أشهر فقط. وكان هذا الابن، جون الثاني "الطيب" (1350-1364)، طيباً حقاً مع النبلاء، وأعفاهم من الضرائب، ومنحهم الأموال ليصيدوا الإنجليز عن أرضهم، وأبقى على أشكال الفروسية ومزاياها جميعاً وخفض سعر العملة، كوسيلة قديمة، للوفاء بديون الحرب، وزاد الضرائب مراراً، على الطبقتين الدنيا والوسطى، وسار في أبهة ليلتقي بالإنجليز عند بواتييه. وهناك أبيد رجاله الخمسة عشر ألفاً من الفرسان والاسكتلنديين، والحشم وذبحوا وأسروا، على يد سبعة آلاف من رجال الأمير الأسود، بل إن الملك نفسه، الذي حارب بعنف، وقاد جيشه بحماقة، كان بين الأسرى هو وابنه فيليب، وسبعة عشر ايرل، وعدد لا يحصى من البارونات، والفرسان، والأعيان. وسمح لمعظمهم أن يفتدوا أنفسهم على الفور، وأطلق سراح كثيرين، بعد أن وعدوا بإحضار الفدية إلى بوردو في عيد الميلاد وعامل الأمير الأسود الملك بما يليق بمقامه من إجلال، واصطحبه على أكف الراحة إلى إنجلترا.
برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> فرنسا تحاضر -> الثورة والتجديد 4-الثورة والتجديد 1357-1380 أصيبت فرنسا كلها بالفوضى بعد محنة بواتييه. وكان من نتائج عدم النزاهة والكفاءة في الحكومة، ونقص سعر العملة إلى حد كبير، والمبالغ الباهظة التي دفعت فدية للملك والفرسان، والخراب الذي جره الحرب والطاعون، والضرائب غير المشجعة التي فرضت على الزراعة والصناعة والتجارة، أن قامت الأمة بثورة يائسة. ودعا ولي العهد دوفان وهو شارل صاحب فالوا البالغ من العمر تسع عشرة سنة، مجلس الطبقات للولايات الشمالية إلى الانعقاد في باريس. وذلك ليفرض ضرائب جديدة، فأخذ على عاتقه أن ينشئ حكومة برلمانية في فرنسا. وكان لباريس وغيرها من المدن برلمانات منذ عهد طويل، ولكنها كانت جماعات صغيرة معينة، معظمها من رجال القضاء عادة، ومهمتها محصورة في الاستشارة القانونية للحاكم المحلي أو الملك، وتسجيل مراسيمه باعتبارها جزءاً من القانون الفرنسي. واستجوب هذا المجلس، الذي سيطر عليه تحالف مؤقت بين رجال الدين والبرجوازية، مجلس البلاط، لماذا أدت المبالغ الكبيرة التي جمعت للحروب، إلى وجود فرق غير منظمة وهزيمة منكرة، وأمر باعتقال اثنين وعشرين من عملاء الحكومة، كما أمر مديري الخزانة أن يعيدوا المبالغ التي اتهموا باختلاسها. وفرض قيوداً على امتيازات التاج، بل إنه فكر في خلع جون الطيب، وإبعاد أبنائه عن ولاية العهد، وإسناد عرش فرنسا إلى الملك شارل السيء صاحب نافار، وهو من أعقاب هيوكابت. بيد أن المجلس تأثر من خضوع ولي العهد وحكمته، ونادى به نائباً للملك، وأجمعوا رأيهم على إعطائه نفقات، ثلاثين ألف رجل مدججين بالسلاح، ولكن المجلس طالبه في الوقت نفسه أن يطرد الموظفين الفاسدين أو الجهلاء، وحذره من العبث بسعر العملة، وعين لجنة من ستة وثلاثين رجلاً للرقابة على أعمال الحكومة ونفقاتها. وأدان القضاة لإسرافهم على حاشيتهم، وتراخيهم في العمل، فقد كان تقويمهم القضائي متأخراً عشرين سنة، وفرض عليهم أن يفتتحوا جلساتهم عند شروق الشمس، في نفس الوقت الذي يبادر فيه المواطنون الأمناء بالذهاب إلى محال أعمالهم، أو حقولهم. وهذا "القانون العظيم" الذي صدر عام 1357، حرم على النبلاء أيضاً مغادرة فرنسا، أو شن حرب خاصة بهم، ووجه تعليماته إلى السلطات المحلية للمدن، أن تعتقل كل نبيل، يخرج على هذا المرسوم. وتصبح الأرستقراطية بتنفيذه خاضعة للعامة، والنبلاء لطبقة رجال الأعمال وعلى الملك والأمير والبارون أن يطيعوا المندوبين الذين اختارهم الشعب. وكأنه قد قدر لفرنسا أن تحصل على حكومة دستورية، قبل الثورة بأربعة قرون. ووقع ولي العهد هذا القانون في شهر مارس ولكنه بدأ يتملص منه في أبريل. وطالب الإنجليز بفدية عن أبيه، يؤدي الوفاء بها إلى الخراب، وتوعدوا بالتقدم إلى باريس. وتباطأ الناس في دفع الضرائب، متذرعين بالقاعدة الجديدة التي تقول أنه لا يفرضها غير مجلس الطبقات. وألحت الحاجة الماسة إلى المبادرة بالدفع، ودعا شارل هذا المجلس إلى الاجتماع ثانية في أول فبراير عام 1358، وأنقص في الوقت نفسه سعر العملة ليزيد مورده. وكان لاتين مارسل، التاجر الغني، شأن عظيم في الثاني من فبراير إذ أسهم بنصيب كبير، باعتباره رئيساً لنقابة التجار في صياغة "القانون العظيم" وأتيح له أن يحكم باريس لمدة سنة، فقاد فرقة مسلحة من المواطنين-يرتدون جميعاً قبعات بلوني المدينة الرسميين، الأزرق والأحمر-إلى القصر الملكي وأنب شارل على عدم طاعته لأوامر "القانون العظيم" ولما لم يعلن الأمير طاعته، دفع مارسيل رجاله، فقتلوا اثنين من الحجاب اللذين كانا يحرسان ولي العهد، حتى انتثرت دمائهما على الرداء الملكي. وأخذ مجلس الطبقات يثير الفزع بهذا العنف الجريء، ومهما يكن من شيء فقد سبق الثورة الفرنسية بأن سن قانوناً _مايو عام 1358) يحصر مهمة التشريع لفرنسا في هذا المجلس، ويفرض على الملك ألا يتصرف في الأمور الهامة إلا بموافقة الولايات، ففر عدد كبير من النبلاء ورجال الدين من فرنسا، وترك كثيرون من الموظفين الإداريين مناصبهم خوفاً على حياتهم. فما كان من مارسيل إلا أن عين مكانهم جماعة من الأهالي. وحاول تجار باريس أن يحكوا فرنسا فترة من الزمان. والتجأ ولي العهد مع النبلاء إلى بيكاردي، وألف جيشاً، ونادى أهل باريس، أن يسلموا إليه زعماء الثورة، وأعد مارسيل العاصمة للدفاع، وأحاطها بأسوار جديدة، واحتل اللوفر، وكان وقتذاك مقر الملك ورمزه. وفي الوقت الذي احتلت فيه الثورة مدينة باريس، رأى الفلاحون في الريف، أن الفرصة مواتية، للثأر من سادتهم. وكان معظمهم عبيد أرض، تفرض عليهم الضرائب لينعم سادتهم بأسباب الترف ولدفع الفدية عنهم، وينتهبهم الجند وقطاع الطريق، ويعذبون ليشفوا عن مدخراتهم. ولما أهلك الطاعون عدداً عظيماً منهم، وعرضتهم الحروب للمجاعة، ثاروا في عنف لا حد له، وشقوا طريقهم في قلاع الإقطاع، ودقوا أعناق النبلاء التي وصلت إليهم خناجرهم، ووجدوا الخلاص من جوعهم وظمئهم في مخازنهم وأقبيتهم. وكان النبلاء يطلقون على مثال الفلاح الطيب اللقب التقليدي " جاك المغفل"، ونفذ صبر آلاف من هؤلاء، فاندفعوا في أعمال وحشية، وذبحوا سادتهم، واغتصبوا السيدات، وقتلوا الذراري، وألبسوا زوجاتهم حلي اللائى توفين. وأرسل مارسيل ثمانمائة من رجاله لمعاونة الفلاحين أملاً أن تصرف هذه الثورة الريفية ولي العهد عن مهاجمة باريس. واشتد ساعدهم، وساروا إلى ميوكس التي التجأ إليها أميرات أورليان ونورمانديا، وكثيرات من سيدات الطبقات الراقية، فشاهدن حشداً من عبيد الأرض والمستأجرين يتدفق على المدينة، واستسلمن، معتقدات أنهن فقدن الشرف والحياة. وإذا بفرقة من الفرسان كأنها معجزة من بعض أساطير أرثر، تدخل ميوكس عائدة من الحروب الصليبية وتباغت الفلاحين، وتحصد آلافاً منهم، وتلقي بهم أكواماً في الجداول المجاورة فخرج النبلاء من مخابئهم، وفرضوا الغرامات على القرى عقاباً لها. وساروا في أنحاء الريف، وأعملوا القتل في عشرين ألف فلاح، ولم يفرقوا بين ثائر وبريء (يونيه 1358). واقتربت قوات ولي العهد من باريس، وقطعت عنها المؤن، ويئس مارسيل من المقاومة بجميع الوسائل، فأهدى التاج إلى شارل السيء، ومهد لرجاله دخول المدينة وأنكر جان مايلادن، صديق مارسيل ويده اليمنى، هذا الصنيع وعده خيانة، فعقد اتفاقاً سرياً مع ولي العهد، وفي الواحد والثلاثين من شهر يولية قتا جان وآخرون مارسيل بضربة فأس. فدخل ولي العهد باريس على رأس النبلاء المسلحين. وكان معقولاً حذراً في تصرفه وعكف على افتداء أبيه، واستعادة الروح المعنوية، والحياة الاقتصادية لفرنسا، وانسحب الرجال الذين حاولوا أن يخلقوا سيادة برلمانية، في صمت وغموض. والتف النبلاء المعترفون بالجميل حول العرش، وأصبح مجلس الطبقات أداة طيعة في يد ملكية زادت شوكتها. وفي نوفمبر عام 1359 نزل إدوارد الثالث إلى البر بجيش جديد في كاليه. وتنكب باريس، مقدراً الأسوار الجديدة التي شيدها مارسيل، ولكنه أخضع الريف المحيط بها من ريمز إلى شارترز بإبادة المحاصيل، حتى اجتاحت المجاعة باريس مرة أخرى. وطلب شارل الصلح بشروط مهينة. فعلى فرنسا أن تسلم جاسكونيا وجوين إلى إنجلترا بريئة من كل التزام إقطاعي عليها لملك فرنسا، وأن تتنازل أيضاً عن بواتو وبريجوري وكويرسي وسانتونج ورورج وكاليه وبونثيو وأونيس وإنجوموا وأجنوا وليموزين وبيجور وأن تدفع، ثلاثة مليون كراون، ليعود مليكها. وفي مقابل ذلك يتنازل إدوارد، وجميع أعقابه، عن كل ادعاء، في عرش فرنسا، ووقعت معاهدة بريتاني هذه في الثامن من مايو عام 1360، وهكذا ابتلي ثلث فرنسا بالحكم البريطاني، واستشاط منه غضباً. وأرسل اثنان من أبناء الملك جون وهما-دوق انجو ودوق بري-إلى إنجلترا، رهينتين على إخلاص فرنسا للمعاهدة. وعاد جون إلى باريس، وسط قرع الأجراس، وابتهاج النبلاء والدهماء. ولما خرج الدوق انجو على كلمة الشرف، وفر للحاق بزوجته، عاد الملك جون إلى إنجلترا بنفسه، ليكون رهينة في مكان ابنه، مناشداً الدخول في مفاوضات من أجل صلح أخف وطأة. فاستقبله إدوارد على أنه ضيف لا أسير، وكرمه كل يوم على أنه زهرة من زهريات الفروسية. ومات جون في لندن عام 1364، ودفن في كنيسة سانت بول، أسيراً في موته. وأصبح ولي العهد البالغ ستة وعشرين سنة ملكاً على فرنسا باسم شارل الخامس. واستحق لقب "الحكيم"، الذي أسبغه شعبه عليه، لهذا السبب وحده، وهو أنه عرف كيف ينتصر في معارك، دون أن يحرك يداً. فلقد كانت يده اليمنى، متضخمة دائماً، وذراعه مترهلة، ولم يكن يستطيع أن يرفع حربة، وقيل أن شارل السيء دس له السم. وإذا كان قد فرض عليه أن يعيش مقيداً، فقد أحاط نفسه بمستشارين حكماء. فأعاد تنظيم كل إدارة، وأصلح الجهاز القضائي، وأعاد تكوين الجيش، وشجع الصناعة، وثبت سعر العملة، وأيد الأدب والفن، وجمع في اللوفر المكتبة الملكية، التي زودت النهضة الفرنسية باللصوص القديمة والترجمات، وكانت نواة المكتبة القومية. وسلم للنبلاء الحق في استعادة المكوس الإقطاعية، ولكنه تخطاهم وعين-قائداً عاماً للجيوش الفرنسية-رجلاً بريتانياً اسمه برتراند دي جويسكلين. وهو رجل أسمر، أفطس الأنف، غليظ العنق، ضخم الرأس. ولقد ساعد الاعتقاد، في تفوق هذا "النسر البريتاني" على جميع القادة الإنجليز، على تصميم الملك، استرداد فرنسا من الحكم الإنجليزي. فأرسل عام 1369، إلى إدوارد الثالث إعلاناً رسمياً بالحرب. وكان رد الأمير الأسود، أن ×ضع ليموج، وأعمل السيف في ثلاثة آلاف بين رجل وامرأة وطفل، وهذا هو مذهبه في التربية السياسية. وثبت أنه لم يكن موفقاً فقد تحصنت كل مدينة في طريقه، وتزودت بالجند، واختزنت المؤن للمقاومة الناجحة، واضطر الأمير إلى أن يقنع، بتخريب الريف، وإحراق المحاصيل، واقتلاع منازل الفلاحين الخاوية، ولم يشأ دي جويسكلان أن يخوض معركة، ولكنه ناوش مؤخرة الأمير، وأسر العلافين، وانتظر أن تشرف القوات الفرنسية على الموت جوعاً. وحدث ما توقعه فانسحبت، وتقدم دي جويسكلان، وأخذت الولايات تعلن تخلصها الواحدة بعد الأخرى من التبعية، وبعد عامين من القيادة الممتازة، والولاء المشترك بين القائد والملك، طرد الإنجليز من فرنسا بأسرها باستثناء بوردو وبرست وشرير، وكاليه، وبلغت فرنسا لأول مرة جبال البرانس. ومات الملك وقائده في العام نفسه (1380) في ذروة النصر.
برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> فرنسا تحاضر -> الملك المجنون 5-الملك المجنون 1380-1422 الملكية الوراثية تشبه لعبة الميسر، تضع المغفل المحبوب، في مكان الحاكم القدير، فلقد كان شارل السادس في الثانية عشر من عمره عندما توفي أبوه، فعمل أعمامه أوصياء على الملك حتى بلغ العشرين، وسمحوا له أن ينغمس في مجون لا يعرف المسئولية، في الوقت الذي سار فيه نصف أوربا، إلى حافة الثورة. وكان صناع بروجس وعلى رؤوسهم قبعات حمراء، قد اقتلعوا في عام 1359 دار البلدية التاريخية في ثورة جامحة. وفي عام 1366 ثارت الطبقة الدنيا في بيرس، معلنة الحرب المقدسة على الأغنياء. وفي عام 1378 أنشأ الكيومين في فلورنسا، ديكتاتورية الكادحين. وفي عام 1379 بدأ الفلاحون الجائعون في لانجدوك- جنوبي فرنسا- حرب عصابات، استمرت ست سنوات، ضد النبلاء ورجال الدين، تحت لواء قائد أمرهم قائلاً "اقتلوا جميع أصحاب الأيدي الناعمة" وثار العمال في ستراسبورج عام 1380، وفي لندن عام 1381، وفي كلونيا عام 1396. وقامت في جنت، حكومة ثورية من عام 1379 إلى عام 1382. وتوجت ثورة من عمال مدينة روين، بزازاً قوياً وقتل الشعب في باريس، جباة الضرائب التابعين للملك بمطارق من الرصاص (1382). وأمسك شارل السادس بأزمة الحكم في يديه عام 1388، وحكم أربع سنوات، حكماً صالحاً، فاستحق بذلك لقب "المحبوب" ولكنه جن في عام 1392. فلم يعد يعرف زوجته، وطلب إلى المرأة الغريبة عنه. أن تمسك عن توسلاتها. وسرعان ما انفض جميع الناس من حولهِ ولم يكترث به سوى أحط الخدم. ولبث خمسة أشهر لا يبدل ثيابه، ولما رؤى أخيراً أن يغتسل احتاج الأمر إلى اثني عشر رجلاً للتغلب على مقاومتهِ، ولبس تاج فرنسا ثلاثين سنة، أبله يرثى له، بينما تأهب ملك إنجليزي شاب شهم لغزو فرنسا من جديد. ولقد أبـحر هنري الخامس من إنجلترا في الحادي من أغسطس عام 1415، في ألف وثلاثمائة سفينة، وإحدى عشر ألف رجل. فوضعوا مراسيهم في الرابع عشر بالقرب من هارفلير، عند مصب نهر السين. وقاومت هارفلير ببسالة، ولكن بلا جدوى. وسار الإنجليز، تغمرهم العزة بالنصر، ويسرع بهم داء الزرب إلى كاليه. والتقى بهم فرسان فرنسا في اجنكورت، بجوار كريسي (25 أكتوبر). وكأنما لم يتعلم الفرنسيون شيئاً من معركتي كريسي، وبواتييه، إذ ظلوا يعتمدون على الفرسان. ولم يستطع أكثر أفراسهم الحركة بسبب الأحوال، أما الذين استطاعوا التقدم، فقد واجهوا الأوتاد المسننة، التي غرسها الإنجليز، على زاوية الأرض، حول حملة القسى. فارتدت الخيل المتحيرة، وحملت على جيشها، ونزل الإنجليز على هذا الحشد المضطرب، بالقضبان الفؤوس، والسيوف، وقادهم مليكهم هال، ببسالة، وتوتر شديد من الخوف، وكان انتصارهم مذهلاً. ويقدر المؤرخون الفرنسيون، خسائر الإنجليز بألف وستمائة رجل، وخسائر الفرنسيين بعشرة آلاف رجل. وعاد هنري إلى فرنسا عام 1417، وحاصر روين وأكل المواطنون ما ادخروه من طعام، ثم التهموا جيادهم، وكلابهم وقططهم. وألقى بالنساء والأطفال والطاعنين بالسن، خارج أسوار المدينة، توفيراً للطعام، فبحثوا عن معبر في خطوط الإنجليز، فلم يسمح لهم بالمرور، وظلوا كذلك بلا طعام ولا مأوى بين أقربائهم وأعدائهم، فهلكوا جوعاً، ومات خمسون ألف فرنسي من الجوع، في هذا الحصار الذي لم يرحم. ولما استسلمت المدينة، كبح هنري جماح جيشه من تقتيل الذين بقوا على قيد الحياة، ولكنه فرض عليهم غرامة مقدارها ثلثمائة ألف كراون، ووضعهم في السجن حتى يتسلم حصيلة المبلغ وفي عام 1419، تقدم نحو باريس التي لم يبقَ منها سوى الفساد، والانحلال، والتوحش، وحرب الطبقات. وتجاوز لإذلال ما حدث عام 1360 فقد سلمت فرنسا، بمقتضى معاهدة ترويس (1420)، كل شيء حتى الشرف. وقدم شارل السادس ابنته كاترين، زوجة لهنري الخامس، وتعهد بأن يورثه العرش الفرنسي، ونقل إليه قيادة فرنسا، ولإزالة كل التباس لم يقر ببنوة ولي العهد. ولم تدافع الملكة ايزابيل عن هذا الاتهام بالفسق في مقابل أربعة وعشرين ألف فرنك كل سنة، والواقع أنه لم يكن من السهل على المرأة في البلاط الملكي، لذلك الزمان، أن تعترف من هو والد ابنها على التحقيق. وأنكر ولي العهد المعاهدة، وكان يبسط نفوذه على جنوب فرنسا، ونظم فرق جاسكونيا وأرمانياك امواصلة الحرب. بيد أن ملك إنجلترا بدأ يحكم من اللوفر. وبعد سنتين مات هنري الخامس بداء الزرب (الدوسنطاريا)، فإن الميكروبات لم توقع المعاهدة، ولما لحق به شارل السادس (1422) توج هنري السادس ملك إنجلترا على فرنسا، وكان دون السنة الأولى من عمره، فحكم دوق بدفورد وصياً عليه. وكان قاسياً في حكمهِ، ولكنه عادل مثل كل إنجليزي، يقدر له أن يحكم فرنسا. فأمن السفر بأن شنق عشرة آلاف رجل من قطاع الطريق في سنة واحدة، وأخذ يراقب منذ ذلك أحوال البلاد. وعاث الجنود المسرحون بالطرق الرئيسية فساداً، وأفزعوا حتى المدن الكبيرة مثل باريس، وديجون. واكتسحت الحرب، نورمانديا بالخراب، من الأمام ومن الخلف، كتيار قاتل خبيث، بل هلك ثلث سكان لانجدوك، وهي تعد أحسن حظاً، وهرب الفلاحون إلى المدن، واعتصموا بالكهوف، أو تحصنوا بالكنائس، كلما اقتربت الجيوش أو أحزاب الإقطاع أو عصابات اللصوص. ولم يعد الكثيرون من الفلاحين إلى ممتلكاتهم المضطربة وإنما عاشوا بالتكفف والسرقة، أو هلكوا من الجوع أو الطاعون. وأقفرت الكنائس، والمزارع ومدن بأسرها وتركت للبلي. وقد كان في باريس وحدها عام 1422، أربعة وعشرون ألف بيت مقفر، وثمانون ألف متسول من مجموع السكان الذي يبلغ عددهم ثلثمائة ألف نسمة. وأكل الناس لحم الكلاب وامعائها. وملأت الطرقات صيحات الأطفال المشرقين على الموت جوعاً.
برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> فرنسا تحاضر -> الحياة بين الأطلال 6- الحياة بين الأطلال كانت الأخلاق، كما يتوقع المرء في كل إقليم يصاب بالشلل الطويل المحزن في الاقتصاد والحكومة. ولقد ألف جيوفري دي لاتور لاندري، حوالي عام 1372، كتابين يرشد بهما أطفاله في هذه الفوضى، ولم يبقَ منهما غير ما وجهه إلى بناتهِ. وهو مجلد رقيق لطيف عامر بالحب الأبوي، مشوب بالهم على عفة غير آمنة وبخاصة، في زمن اقترفت فيه نساء كثيرات، الخطايا بلا جزع مما أوقعهن في فضائح مزرية. ورأى الفارس الطيب أن يقاوم هذه المغريات، وذهب إلى أن خير وقاية هي الإكثار من الصلاة. ويعرض الكتاب لعصر، لم يزل متشبثاً بالمشاعر المصقولة، والحس الأخلاقي. ونحن نلتقي بعد ذلك بسبعين سنة بشخصية منكرة، هي شخصية المارشال دي ريز أورتز، وهو رجل غني عظيم وسيد بريتاني. واعتاد أن يدعو الأطفال إلى قلعتهِ. بحجة تدريبهم على الترتيل الكنسي، ثم يقتلهم الواحد بعد آخر ويقدمهم قرباناً للشياطين، التي كان ينشد عندها القوى السحرية. ولكنه قتل من أجل المتعة أيضاً و(لقد أنبئنا) أنه كان يضحك على صياح مرتليه المعذبين أو المحتضرين. واتبع هذا النهج أربع عشر سنة، حتى اجترأ، والد أحد ضحاياه، باتهامه، فاعترف بهذه التفاصيل كلها، وشنق عام 1440 ولولا أنه أساء إلى دوق بريتاني، لما اقتص منه، ذلك لأن الرجال من طبقته قلما كانوا يقدمون إلى ساحة القضاء، مهما كامن جرائمهم ومع ذلك، فإن الأرستقراطية التي ينتمي إليها، كثيراً ما أخرجت الأبطال أمثال الملك جون صاحب بوهيميا، أو جاستون فيوبس دي فوا، الذي أحبه فرواسارت وأثنى عليه. وفي هذه الأوحال الأزهار الأخيرة للفروسية. وأسهمت أخلاق الشعب في هذا الانحلال. فأصبحت القسوة والخيانة والفساد أمراضاً متوطنة. وكان السوقي والحاكم سواء في قبول الرشوة. وانتشر المجون، وشكا الوزير جرسون من أن أقدس الأعياد تنفق في لعب الورق والميسر والتجديف في الرين. وكان المحتالون والمزيفون واللصوص والصعاليك والشحاذون يسدون الطرقات بالنهار، ويجتمعون بالليل ليستمتعوا بحصادهم، في باريس، في ساحات المعجزات، التي سميت كذلك لأن المتسولين الذين يبدون في المظهر مقعدين، يظهرون هناك فجأة وكل عضو من أعضاء جسمهم في صحة مذهلة. وفشا اللواط، وشاعت الدعارة، وكاد المجون يصبح عاماً. ودعت فرقة "الآدميين" في القرن الرابع عشر، إلى مذهب العري، وظلت تمارسه علناً إلى أن منعته محاكم التفتيش. وكانت الصور الفاحشة المخلة بالآداب، رائجة كما هي الآن، ويروي جرسون، أنها كانت تباع حتى في الكنائس وأيام الأعياد الدينية. ونظم شعراء مثل ديشان قصائد غرامية للسيدات النبيلات. ووصف نيقولا دي كليمانج كبير شماسة باييه، دير منطقته بأنه معبد مخصص للقيام بشعائر فينوس. وكان من المألوف أن يتخذ الملوك والأمراء، خليلات لهم، وكان الكثير من الزيجات الملكية-وزيجات النبلاء ينطوي على أغراض سياسية، ولذلك لم تكن هذه الزيجات جديرة بالحب. واستمرت السيدات، ذوات الحسب والنسب، في مناظرات رسمية، حول جواز العلاقات الجنسية، وأنشأ فيليب الجسور ، صاحب برجنديا، في باريس محكمة حب عام 1401. ولقد وجدت وسط هذا الخضم من الاستهتار أو في كنفهِ سيدات فضليات، ورجال شرفاء ونحن نجد لمحة عابرة عن هؤلاء، وفي كتاب عجيب ألفه حوالي عام 1393،رجل مجهول الاسم في الستين من عمرهِ، عرف بأنه مدير باريس: "أعتقد أنه عندما يزف اثنان شريفان طيبان، أحدهما إلى الآخر. فإن كل حب يزول.. إلا حب كل منهما للآخر. وأرى أنهما عندما يصطحبان، يهتم كل منهما بالآخر، أكثر من اهتمامهِ بغيرهِ، ويربط كل منهما على الآخر ويمسك بهِ، ولا رغبة لهما في الحديث أو الإشارة إلا لبعضهما.. وكل متعتهما الخاصة ورغبتهما الكبرى وسرورهما الكامل، إنما هو يمتع أحدهما الآخر ويطيعه". وأضيف إلى صور هذا العصر اضطهادات اليهود (1306، 1384، 1396) والمجذومين (1321)، ومحاكمة الحيوانات وإعدامها، لإيذاء الناس وتسافدها معهم، والشنق علناً، الذي يدعو إلى حشد متطلع. وكانت الناس تنبش القبور في جبانة الأبرياء في باريس، كلما سقط لحم الميت عن عظمهِ، لإفساح المجال لأموات جدد، وتجمع العظام في غير نظام، في مدافن خاصة بها، على طول الأروقة، التي كانت مع ذلك، أماكن مألوفة، للقاء العاشقين، فأنشئت هناك الدكاكين، ودعت البغايا الزبائن. ورسم أحد الفنانين، مدة شهور على حائط الدير، صورة لرقصة الموت عام 1424، تبدو الشياطين وهي تدور حول نفسها مع الرجال والنساء والأطفال المسوقين في خطوات مرحة متعاقبة إلى الجحيم. وأصبحت هذه الصورة مضموناً رمزياً لعصر يائس، ومثلته إحدى المسرحيات في بروجس عام1449، وصوره ديرل، وهلبين، وبوش في آثارهم الفنية. وغلب التشاؤم على نصف شعر هذا العصر. وهجا ديشان الحياة في كل جوانبها تقريباً، وبدت الدنيا له، كشيخ واهن جشع، مضطرب منحل ولقد ختم كلامه بقولهِ "إن كل شيء سيئ السيرة". ووافقه جرسن قائلاً: "إننا نعيش في شيخوخة الدنيا"، وإن يوم القيامة لقريب. واعتقدت امرأة عجوز، أن كل وخزة ألم في أصابع قدميها، تعلن ذهاب إحدى الأرواح إلى الجحيم، وكان تقديرها معتدلاً، فإن الاعتقاد الشائع وقتذاك أنه لم يدخل الجنة أحد من الناس في الثلاثين سنة الماضية. وماذا عسى أن يصنع الدين، في تصدع أمة مغلوبة على أمرها؟ لقد كان الباباوات الحبيسون في افنيون يتلقون حماية الملوك الفرنسيين، وأوامرهم في السنوات الأربعين الأول من حرب المائة عام، وكانت معظم الموارد، التي يجمعها ألئك الباباوات من أوربا، تذهب إلى هؤلاء الملوك، تمويلاً لحرب الحياة أو الموت مع بريطانيا، واستطاعت الكنيسة أن تجمع للملكية في إحدى عشر سنة (1345-1355) مبلغ 3.392.000 فلورن (84.800.000 دولار؟) وحاول الباباوات مراراً أن يضعوا حداً للحرب ولكنهم فشلوا. وعانت الكنيسة مشقة مضنية، من جراء الخراب الطويل الذي منيت به فرنسا قرناً من الزمان، فأفقرت مئات الكنائس والأديرة أو خربت، وشاركت الطبقة الدنيا من رجال الدين فيما اتسم به العصر من انحلال الأخلاق. وتجاهل الفرسان والمشاة الدين لا يذكرونه إلا عند المعركة أو الوفاء، ولا بد أنهم ارتابوا، في العقيدة بسبب عدم اكتراث السماء، الذي يدعو إلى الجنون، واعتصم الناس في عصيانهم أوامر الدين بالكنيسة والعقيدة مفزعين، وجملوا أمولهم وهمومهم إلى مزارات العذراء تسكيناً لروعهم، وكانوا يصابون في القداس، بوجد ديني، عندما يستمعون إلى العظات المخلصة للراهب رتشارد أو القديس فنسانت فرر. وابتدعت في بعض البيوت، تماثيل صغيرة تفتح بطونها بلمسة من اليد، فينكشف الثالوث. وكان معظم قادة الفكر للكنيسة، في هذا العصر، من الفرنسيين. ولم يكن بيير دايلي واحداً من العلماء، أصحاب الرأي فحسب، وإنما كان من أقدر زعماء الكنيسة وأبعدهم عن الفساد، وأحد السياسيين من الرجال، الاكليروس، الذين عالجوا في مجمع كنستانس، الفرقة في البابوية. وكان بين تلاميذه، وهو مدير كلية نافار في باريس، شاب، أصبح فيما بعد، أعلم علماء الدين في جيله. وزار جان دي جرسون الأراضي الواطئة، فأعجب كثيراً من تصوف ريوزبرويك، والورع الجديد عند "أخوة الحياة العادية". فلما أصبح مديراً لجامعة باريس (1395)، فكر في إدخال هذا النوع من التقوى إلى فرنسا على الرغم من نقده أنانية المذهب الصوفي وما فيه من القول بوحدة الوجود واقتنع أخواته الست بقدوته وحججه، ولقد أنبئنا أنهن ظللن عذارى إلى نهاية حياتهن. وذم جوسر، خرافات الدهماء، ودجل التنجيم والسحر والطب، ولكنه اعترف بأن الرقي، ربما يكون لها تأثير بالتسلط على المخيلة (74). ورأى أن معرفتنا بالنجوم، ممعنة في النقص، حنى إننا لا نستطيع، أن نتصور تنبؤات محددة، بل إننا لا نستطيع أن نعين بالضبط مدى سنة شمسية، ولا يمكننا أن نخبر عن الموضع الحقيقي للنجوم، لأن أضواءها تتكسر، في سيرها إلينا، عبر أوساط متعددة. ودعا جوسون إلى ديمقراطية مقيدة، وإلى سيادة المجامع، في الكنيسة، بيد أنه حبذ ملكية قوية في فرنسا، ولعل الأحوال السائدة في بلاده تبرر تناقضه، وهي التي كانت أحوج إلى النظام منها إلى الحرية. وكان رجلاً عظيماً في طرازه وجيله، وكانت فضائله خاصة به، أما أوهامه فمن عدوى عصره،كما يجب أن يقول جيته. وتزعم الحركة التي استهدف التخلص من الباباوات المتنازعين، وقصدت إصلاح الكنيسة، وأسهم في إرسال جون هس وجيروم البراغي إلى الموت. وأخذت الطبقات العليا، تمدح أشخاصها، وتزين دورها، وسط مظاهر الفاقة التي يعانيها شعبها. وارتدى أفراد العامة البسيط من السترات، والقمصان، والسراويل، والأحذية ذوات الرقاب، وقلدت الطبقات الوسطى الملوك، على الرغم من القوانين الخاصة بالنفقات، فارتدى أفرادها، الأردية الطويلة، وربما كانت قرمزية اللون أو محفوفة بالفراء، كما ارتدى السادة النبلاء الصديريات، والجوارب الطويلة، والألفعة الأنيقة والقبعات الرائشة التي تمسح الأرض عند الانحناءات المهذبة ووضع بعض الرجال قروناً على أصابع نعالهم، لتطابق ما على رؤوسهم من رموز غير جلية. وآثرت سيدات من ذوات الحسب، القبعات المخروطية كأبراج الكنيسة، وكن يشددن أجسامهن بسترات ضيقة وسراويل زاهية اللون، وتنورات من الفرو، تتدلى أطرافها على الأرض في جلال ويظهرن صدورهن بينما يزدن من جمال وجوههن بإسدال النقاب عليها. وبدأت الأزرار تستعمل لحبك الملابس(40)، وكانت قبل ذلك مجرد حلي، ونحن نعكس هذه الحركة الآن. وكن يتلألأن، حتى البدينات منهن، بالحرائر والأنسجة المذهبة والمطرزة، والأشرطة والجواهر على الشعر وعلى الرقبة واليدين والرداء والحذاء، وتحت هذا البريق الوقائي، كثرت عند كل نساء الطبقة العليا تقريباً. وظلت دور الفقراء كما كانت في القرون السابقة، إلا أن النوافذ من الزجاج شاعت فيها، أما القصور الصغيرة وبيوت الأغنياء في المدن فلم تعد سجوناً مظلمة، كانت قصوراً مريحة حسنة التأثيث بساحات فسيحة بها نوافير ماء، ودرجات محواة عريضة، وطنف معلقة، وسقوف شديدة الانحدار تناطح السماء وتغوص في الثلج، وقد زودت بغرف للخدم، ومخازن، وغرفة للحراسة وأخرى للبواب، وغيرها للبياضات، ومغسل، وقبو للخمر ومخبز، بالإضافة إلى القاعة وغرف النوم لأسرة صاحب البيت. وكانت بعض القصور، كالتي يملكها بيير فوند (1390) وشاتودن (حوالي 1450) ارهاصاً بقلاع اللوار الملكية. وتعد دار الرأسمالي الكبير جاك كور في بورجس، أصون قصور ذلك العهد، وهي عمارة كاملة لها برج قوطي من الحجر المنقوش، وأفاريز وطنف مزخرفة، ونوافذ على طراز عصر النهضة، ولقد أخبرنا، أنه قد تكلف كله حوالي 4.000.000 دولار، بحساب النقد في أيامنا. وأثثت بالفاخر من الطنافس: مدافئ فخمة، تدفئ على الأقل، جانباً من الغرفة وسكانها، ومقاعد ومناضد متينة، دأب الصانع على نقشها بالحفر، دون كلل، وأرائك عليها حشيات على طول الجدران مبطنة بقماش(57) مزركش، وخزائن تحف وصواوين ضخمة تعرض الصحاف الذهبية والفضية، تليها أكواب زجاجية أبهى منها، وسجاجيد سميكة، وأرضيات من البلوط المصقول أو قرميد مطلي بالميناء، ومخادع معرشة مرتفعة وعريضة تتسع للسيد وزوجته وطفل أو اثنين. ولقد نام على هذه السرر المريحة رجال القرنين الرابع عشر والخامس عشر ونساءهما، عراة، ولم تكن قمصان النوم قد أصبحت ضرورة لا غنى عنها.
برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> فرنسا تحاضر -> الآداب 7-الآداب ولقد واصل الرجال والنساء تأليف الكتب بين هذه الأطلال ومنها الرسائل الباقية (1322-1331) التي وضعها نيقولا من ليرا، وقاموا بإضافات محققة لفهم نصوص الكتاب المقدس، فمهدت الطريق لـ"العهد الجديد" لأرازمس ولترجمة لوثر الألمانية. وغلبت على قصص هذا العصر، الحكايات الغرامية الخفيفة مثل مائة حكاية جديدة التي ألفها انتوان دولاسال أو قصص خيالية عن الفروسية مثل فلور وبلانشفلير. أما الكتاب الذي ألف جيهان ذو اللحية وهو طبيب يسمى السير جون ماندفيل فلا يقل عنها خيالاً، ولقد نشر (حوالي 1370) وصفاً لرحلاته المزعومة في مصر وآسيا وبولنده. وادعى جون أنه زار جميع الأماكن التي وردت أسماؤها في الأناجيل، "الدار التي ذهبت إليها مريم العذراء للتعلم"، والموضع الذي سخنت فيه الماء التي غسل بها إلهنا أقدام الرسل، والكنيسة التي فرت إليها مريم لتدر اللبن من صدرها الجليل، وفيها عمود من الرخام، اتكأت عليه، ولا يزال مرطباً بلبنها، ولم تزل الأرض لينة بيضاء حيث تساقط لبنها الأمثل، وبلغ جون ذو اللحية أوجه في وصفه الصين، فلم تكن فصاحة مقيدة بالعلم إلا قليلاً. ولكنه كان يدنو من العلم، بين الحين والحين، كما هو الحال في قوله كيف ظل أحد الناس يتجه ناحية الشرق إلى أن عاد إلى وطنه الجديد، مثل مستر باسبارتو في رواية جيل فيرن. وشرب مرتين من "نبع الشباب"، ولكنه عاد إلى أوربا كسيحاً بداء النقرس، الذي ربما أصيب به لعدم مغادرته ليبج على الإطلاق. ولقد ترجمت هذه الرحلات إلى مائة لغة وكان لها وقع أدبي عظيم بين الناس أواخر القرون الوسطى. وأروع ما أنتجه الأدب الفرنسي، في لبقرن الرابع عشر فيما نعلم هو كتاب "التواريخ" الذي نظمه جان فرواسار. هذا المؤلف ولد في فالنسيين عام 1338، وعكف على نظم الشعر في بواكير حياته، حتى إذا بلغ الرابعة والعشرين، عبر البحر إلى لندن، ليضع أشعاره، عند قدمي فيليبا أميرة هانو، زوجة الملك إدوارد الثالث. فأصبح كاتم سرها، ولقي أشراف الإنجليز، وأعجب بهم إعجاباً صريحاً، جعله غير محايد في تاريخه. وسرعان ما انتزعه غرامه بالرحلة، فساقه إلى اسكتلتد، وبردو وسافوي وإيطاليا. ولما عاد إلى هانو أصبح قسيساً وكاهن شيماي. وهناك صمم على أن يعيد تأليف كتابه نثراً، وأن يتوسع فيه من أوله ومن آخره. ورحل مرة أخرى إلى إنجلترا وفرنسا، يجمع المواد في مثابرة ودأب. حتى إذا عاد إلى شيماي وقف على إتمام هذا التاريخ "النبيل الممتع.. الذي ستشتد الحاجة إليه بعد وفاتي.. ليشجع كل القلوب الباسلة، ويعطلها على مثل شريفة". وليست هناك قصة خيالية أروع منها، والقارئ الذي يبدأ هذه الصفحات، المسهبة، الألف والمائتين، وهو ينوي أن يقفز من قمة إلى قمة، سيجد الأدوية مشوقة أيضاً، وسيسير في القراءة في بهجة وأناة إلى النهاية. ولم يشغف هذا القسيس-مثله في ذلك مثل يوليوس الثاني-بغير الحرب. وفتن بالحركة والشهامة والأرستقراطية، أما العامة فلم يلجوا صفحاته إلا باعتبارهم ضحايا النزاع الذي شجر بين الأشراف. ولم يبحث في الحوافز، واعتمد في ثقة بالغة على الروايات المزوقة والمنحازة، ولم يزعم أنه يفلسف الأخبار. فقد كان إخبارياً فحسب بل إنه أعظم الإخباريين جميعاً. وتحدد المسرحية العصر الذي تمثل فيه، ولقد احتلت المسرحيات الدينية والأخلاقية التي عرفت باسم "المعجزة" كما احتلت الفواصل والهزليات المسارح المؤقتة التي تشيد في المدن. وأخذت الموضوعات غير الدينية تزداد على الأيام واقترن المرح بالفحش في العادة، بيد أن الموضوعات الدينية ظلت مسيطرة، ولم يستشعر الناس الملل قط من المناظر التي تمثل آلام المسيح. ولقد تخصصت أهم فرقة تمثيلية في هذا العصر وهي فرقة الإخوان الباريسية التي تمثل آلام السيد المسيح في تمثيل قصة الفترة القصيرة التي قضاها المسيح في أورشليم. وبلغت إحدى هذه المسرحيات التي ألفها "أرنول جريبان" خمسة وثلاثين ألف سطر. وكانت للشعر جماعاته أيضاً. فقد أنشأت تولوز عام 1323 أكاديمية للعلم البهيج، وعملت المباريات العامة تحت رعايتها على إحياء فن الشعراء الجوالين "التروبادور" وطابعهم. وتألفت جمعيات أدبية مماثلة في أمين ودواي وفالنسين، وهي التي مهدت الطريق للأكاديمية الفرنسية التي أنشأها ريشيليو. واتخذ الملوك والسراة لهم شعراء مثلما اتخذوا منشدين ومهرجين يلحقون بحاشيتهم. وضم "رينيه الطيب" دوق انجوواللورين، وملك نابلي بالاسم فقط، رهطاً من الشعراء والفنانين إلى بلاطه في كل من نانسي وتاراسكوان وايكس ان بروفنس، ونافس أحسن ناظم للقوافي، حتى لقب "بآخر التروبادور". وبسط شارل الخامس رعايته على أوستاش ديشان، الذي شبب بالنساء، وتزوج ثم شهر بالزواج في قصيدة عنوانها مرآة الزواج، تبلغ اثني عشر ألف بيت ونعى على عصره الشقاء والخسة:
يا عصر الرصاص، أيها الزمن المفسود، أيتها السماء من النحاس، أيتها الأرض بلا ثمر، مجدبة لا خير فيها، أيها الناس الملعونون، بكل أسى مفجع.. أليس من الحق أن أندبكم جميعاً؟ لأنني لا أرى شيئاً في عالم الغد، المفعم بالحزن الممعن في الاضطراب. ويشمل في فعاله كل شر. واليوم يحل زمن البلاء.. ونشأت كريستين دي بيزان في باريس، على أنها ابنة الطبيب الإيطالي لشارل الخامس، فلما ترملت كان عليها أن تعول ثلاثة أطفال أقارب فوفقت إلى ذلك بأعجوبة بقرض الشعر الرائع وتأليف التاريخ الوطني، وهي تستحق منا تحية عابرة بوصفها أول امرأة في أوربا الغربية استطاعت أن تعيش بقلمها. أما ألين شارتيه فكان أسعد حظاً، فإن قصائده في الحب مثل قصيدته "الفاتنة بلا رحمة" ذات الإيقاع الحسن التي زجر فيها النساء على إخفاء مفاتنهن-قد أسرت الطبقة الأرستقراطية، حتى قيل أن مارجريت أميرة اسكتلندا، التي أصبحت ملكة فرنسا بعد ذلك، قبلت شفتي الشاعر وهو نائم على إحدى الأرائك. وسرد أتين باسكييه، هذه الأسطورة، في قصص خلاب، بعد مرور قرن من الزمان.. لقد أعجب الكثيرون من هذا الصنيع ولكي أقول الحقيقة فإنني أقرر أن الطبيعة، قد وضعت روحاً جميلة في جسم ممعن في القبح-وهنا قالت السيدة أنهم ألا يعجبوا من هذا الغموض، فليس الرجل، هو الذي رغبت في تقبيلهِ ولكنني قبلت الشفتين اللتين نطقتا بهذه الكلمات الذهبية. ولم يكن مقدراً على أرق شعراء فرنسا في هذا العصر أن يقول الشعر، إذ كان ابن أخي شارل السادس ووالد لويس الثاني عشر. ولكن شارل دوق أورليان أسر في أجنكور، وأمضى خمساً وعشرين سنة (1415-1440) معتقلاً اعتقالاً ليناً بإنجلترا. فغمر الهم قلبه وتأسى بنظم الشعر الرقيق في الغزل ومحنة فرنسا. ولبثت فرنسا بأسرها تنشد أغنيتين في الربيع:
لقد بدل العام وشاحه البارد. وشاح الريح والمطر والهواء المرير، وسار مؤتزراً حلة من الذهب. حلة من الشمس الضاحكة والفصل الجميل، وما من طائر أو وحش من وحوش الغابة أو الفلاة إلا ويعلن بصياحه أو غنائه، إن العام يطوي وشاحه البارد. بل إن إنجلترا كان فيها فتيات جميلات، فنسي شارل أحزانه عندما مر به الحب الهادئ:
يا إلهي.. ما أجمل أن أراها، يا إلهي الرحيم الودود العادل.. إن كل فضيلة من الفضائل المختارة التي فيها لجديرة بالمديح النادر. ومن ذا الذي يمل جمالها، النضر كل يوم نضرة لا تضارع؟ يا إلهي.. ما أجمل أن أراها، يا إلهي الرحيم الودود العادل.. وسمح له آخر الأمر أن يعود إلى فرنسا، فجعل من قلعته في بلوا، موئلاً بهيجاً للأدب والفن، حيث استقبل فيللون على الرغم من فقرهِ وجرائمه، ولما بلغ شارل من العمر أرذله، ولم يعد قادراً على المساهمة في مرح أصدقائه الشبان، نظم اعتذاره إليهم في أبيات رقيقة، تصلح أن تكتب على قبرهِ:
حي بالنيابة عني جميع الصحاب الذين تلقاهم الآن في ألفة، وقل كم أكون سعيداً إذا أصبحت واحداً من ثلتهم لو كان ذلك ممكناً، فإن الشيخوخة تقتلني. ولقد تحكم الشباب في حياتي مرحاً في زمن طال به العهد ولكنه الآن ولى وذهب. وكنتُ عاشقاً، ولن يقدر لي أكثر من ذلك أبداً، ولقد عشتُ في باريس حياة ممعنة في الحرية. وداعاً فلن أشهد بعد ذلك أياماً طيبة.. حيّ بالنيابة عني جميع الصحاب.
برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> فرنسا تحاضر -> الفن 8- الفن كان فنانو فرنسا لهذا العهد أكثر تفوقاً من شعرائها، ولكنهم شقوا أيضاً بإمحالها. ولم تقدر لهم هناك رعاية كريمة يعتمدون عليها في المدينة أو الكنيسة أو عند الملك. "والولايات التي عبرت عن كرامة طوائفها، بالمعابد الضخام، وتسامت بهذا التعبير إلى عقيدة لا يرقى الشك إليها، أضعفها وقضى عليها ازدياد سلطان الملك إلى جانب التوسع في الاقتصاد من المجال المحلي إلى المحال القومي ولم تعد الكنيسة الفرنسية تمول أو تلهم، مثل المباني الهائلة، التي ارتفعت على أرض فرنسا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. ولقد انحطت العقيدة، كما اضمحلت الثروة، وتبدد الأمل الذي دفع في هذه القرون إلى الحروب الصليبية، وتشييد الكاتدرائيات في وقت واحد أي العمل والصلاة التي تحث عليه-فقد نشوته المنتجة وكان الأمر يحتاج في العمارة إلى طاقة أكبر من طاقة القرن الرابع عشر، ليتم ما بدأه عصر أشد فتوة. وعلى الرغم من هذا فقد أنجز جان رافي كاتدرائية نوتردام في باريس (1351)، وأضافت "رون" كنيسة صغيرة للعذراء عام (1302) إلى كاتدرائية سبق أن أنشئت باسمها، وشيدت بواتييه لكاتدرائيتها عام (1379) واجهتها الغربية الشامخة. وأخذ الطراز المشع للتخطيط القومي (1275)، يسلم قيادة شيئاً فشيئاً، إلى طراز قوطي هندسي، يعتمد على أشكال اقليدية بدلاً من الخطوط المشعة. وعلى هذا النحو شيدت بودو، كاتدرائيتها (1320-1325) وأقامت كان عام (1308) برجاً رشيقاً، مستدق الطرف، على كنيسة سان بيير، ولقد تحطم هذا البرج في الحرب العالمية الثانية، وزودت اكسير كاتدرائيتها بصحن جديد عام (1355)، وأضافت كوتانس عام (1371-1386) وأمين عام (1375)، كنائس صغيرة رائعة إلى مزاريهما التاريخيين، وأكدت رون مجدها المعماري بإقامة الكنيسة المجيدة لسانت أوين (1318-1545). ولما تصورت فرنسا أنها منتصرة، في الرابع الأخير من القرن الرابع عشر، أظهر معماريوها طرازاً قوطياً جديداً، مرحاً في روحهِ، مسرفاً في تفاصيل النقوش المحفورة، معقداً مبهرجاً في تفريقاته الزخرفية، مسرفاً إلى حد غير معقول في الزينة. وأصبح العقد القوطي، أو العقد المدبب لقوس متصل، وقتذاك عقداً مخروطياً لقوس مقلوب، كلسان اللهب الذي أعطى هذا الطراز اسمه (المشع). ولم تعد تستعمل تيجان العمد، وتلولبت العمد أو خططت، وأفرط في حفر أماكن المرتل، وحجبت بستائر حديدية من شرائط دقيقة، وأصبحت الزخارف المدلاة كأعمدة الثلج الجامد المتدلي من سقوف المغاور والكهوف، وصارت القباب تيهاً من الأضلاع التي تتراوح بين الظهور الخفاء، وابتدعت فواصل النوافذ، عن الأشكال الهندسية القديمة الجامدة، وفاضت في رشاقة فاتنة وتعمد لا يوصف، وبدت الأبراج وكأنها شيدت من الزخرف، واختفى البناء خلف الزينة. وكانت غرة هذا الطراز الجديد في الكنيسة الصغيرة التي شيدت باسم القديس يوحنا المعمدان عام (1375) في كاتدرائية أمين، وما أن جاء عام 1475)، حنى كان هذا الطراز قد غلب على فرنسا، وبدأ عام 1436، يحقق إحدى معجزاته الرقيقة، وهي كنيسة سان ماكلو في رون. وربما ساعد، على انتصار الطراز المشع في النصف الأول من القرن الخامس عشر، استرداد الثقة وبعث الروح العسكرية على يد جان دارك وشارل السابع، ونمو الثروة التجارية، كما يمثلها جان كير، ونزوع الطبقة البرجوازية، الصاعدة إلى الزينة المترفة. وظل الطراز القوطي في هذا الشكل النسوي، إلى أن أعاد الملوك والنبلاء الفرنسيون من حروبهم في إيطاليا، أفكار عصر النهضة المعمارية الكلاسيكية. ويحمل نمو العمارة المدنية في أعطافهِ، ظهور الطابع الدنيوي لهذا العصر. ورأى الملوك والأمراء، أن هناك ما يكفي من الكنائس، فابتنوا لأنفسهم قصوراً، تكون فتنة للشعب، ومأوى لحظياتهم، وأنفق الأغنياء من نواب المقاطعات، ثروات طائلة على دورهم وأعلنت المجالس البلدية عن غناها بتشييد دور البلدية الفخمة، وصممت بعض المستشفيات مثل مستشفى بون تصميماً جميلاً طليقاً لا بد أنه قد أسبغ الصحة على المرضى. وجمع الباباوات والكرادلة، حشداً منوعاً من الفنانين، وعضدوهم، بيد أن بنائي فرنسا ورساميها مثاليها، كانوا يلتفون حول نبيل أو ملك. وشيد شارل الخامس قصر فنسن عام (1364-1373)، والباستيل عام (1369)، واستقدم الفنان واسع الأفق أندريه بونيفو ليحفر صوراً لفيليب السادس، وجون الثاني وشارل نفسه للمقابر الملكية، المصففة، الرائعة، التي تزحم ممشى كنيسة سانت دينيس وسردابها عام (1364). وشيد لويس أمير أورليانز قصر بيرفوند، وكان جون دوق بري، على الرغم من قسوتهِ على الفلاحين، واحداً من أعظم رعاة الفنون في التاريخ. وهو الذي صور له بونيفيه عام 1402 كتاب المزامير. وهو ليس إلا واحداً من سلسلة المخطوطات المزوقة، الموضوعة بالقرب من القمة، فيما يمكن أن يسمى غرفة الموسيقى، في فنون الرسم. ولهذا السيد الفطن نفسه، صور جاك دي هسدن "الساعات الصغيرة" و "الساعات الجميلة" و "الساعات الكبيرة"، وهي تمثل كتب "الساعات" للصلوات اليومية الكنيسة. وأخرج الإخوان بل جيهنانيكان وهرمان مالويل من لمبورج، الساعات الغنية (1416) وهي خمس وستون منمنمة تصور الحياة في فرنسا ومناظر منها: النبلاء يصيدون، والفلاحون يعملون، ومنظر ريفي يضفي عليه الجليد صفاء. وتعد هذه الساعات الغنية المستورة الآن، حتى عن أعين السائحين، في متحف كونديه في شانتلي، والمنمنمات التي صورت للملك الطيب، رينية صاحب انجو آخر انتصارات فن التزويق، ذلك لأن هذا الفن قد نافسه في القرن الخامس عشر الحفر على الخشب وانتشار المدارس الموفقة في الرسم على الجدران واللوحات في فونتنبلو وأمين وبورجس، وتورومولان وافنيون وديجون إذا لم تتحدث عن أساتذة الفن الذين كانوا يعملون لدوق برجنديا. وأدخل بونيفيه وفان ايكس، طرز التصوير الفلمنكية إلى فرنسا، وكذلك عن طريق سيمون مارتيني وغيره من الإيطاليين في افنيون، وعن طريق الدولة الإنجيفية في نابلي عام (1368-1435). ولقد أثر الفن الإيطالي في الفرنسي، قبل أن تغزو الجيوش الفرنسية إيطاليا بزمن طويل. حتى إذا جاء عام 1450، كان الفن الفرنسي، قد نهض على قدميه، وسجل انتسابه إلى هذا العصر بصورة الورع لفيلينوف وهي بلا توقيع، وتوجد الآن في اللوفر. ويعد جان فوكيه، أول شخصية واضحة، في فن التصوير الفرنسي، ولقد ولد في تور عام (1416)، وتعلم سبع سنوات في إيطاليا (1440-1447)، وعاد إلى فرنسا، وهو متحيز للمهاد المعمارية الكلاسية التي أصبحت في القرن السابع عشر، هوساً، على يد نيكولاس بوسان وكلود لورين. ومهما يكن من شيء، فقد رسم صوراً متعددة لأشخاص وهي تكشف بقوة عن مقومات شخصياتهم: مثل جوفينال كبير أساقفة أورسان وحاكم فرنسا- وهو عبوس حازم، وليس ممعناً في التقوى إلى الحد الذي جعله غير صالح للحكم، وأتين شيفالييه وهو القائم على خزانة المملكة- رجل مهموم، منزعج من استحالة الحصول على المال بالسرعة، التي تنفقه بها الحكومة، وشارل السابع نفسه، بعد أن جعلت منه أنييه سورل رجلاً ، وآنيته في اللحم الوردي، وتحول على يد فوكيه إلى عذراء هادئة سنية بعينين خفيفتين وصدر بارز وزوق جان لشفاييه، كتاب الصلوات، وبدد ملل إقامة بمناظر، نظرة، من وادي الوار. وتحتفظ رصيعة مطلية بالميناء في اللوفر، بصورة فوكيه كما رأى نفسه-صورة ليس لها مثل رفائيل سيما الأمارة، يصعد إلى أعلى، وإنما صانع بالفرشاة، في رداء العمل، حازم حي، مهموم مصمم، وعلى جبينه سمة قرن كامل من الفقر. مع ذلك، فقد مضت حياته، بلا ملمات من حكم ملك آخر، وارتقى، إلى أن أصبح آخر الأمراء "مصور الملك" لويس الحادي عشر وبعد جهد السنين يأتي بالنجاح، وسرعان ما يأتي الموت بعد ذلك.
برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> فرنسا تحاضر -> جان دارك 9- جان دارك 1412 -1431 في عام 1422 نادى ابن شارل السادس عشر الذي تبرأ منه أبوه، بنفسه ملكاً باسم شارل السابع. ونظرت فرنسا في عزلتها، إليه لينقذها، ثم ران عليها يأس عظيم وكان هذا الشاب الجبان، فاتر الهمة عديم الاكتراث في العشرين من عمره، لم يصدق أنه يستحق الملك الذي أعلنه، وربما شارك الفرنسيين شكوكهم في شرعية مولده. وتظهر الصورة التي رسمها فوكيه له، وجهاً حزيناً ساذجاً، تحت عينيه جيوب، وأنف ممتد. وكان متديناًً إلى درجة الفزع، يسمع ثلاث صلوات كل يوم، ولا يترك ساعة من ساعات الكنيسة تمر دون أن يتلو، ما يناسبها من صلاة، وكان يخلوا بين هذه الأوقات، إلى رتل طويل من الحظايا، وأنجب اثني عشر مولوداً فرضهم على زوجته الفاضلة. ورهن جواهره، ومعظم الملابس التي على كاهله، ليمول مقاومة بلاده إنجلترا، ولكنه لم يكن مفطوراً على الحرب، فترك الصراع لوزرائه وقواده. ولم يكن أحد منهم متحمساً أو متيقظاً، وتشاجر بعضهم مع بعض في حقد- اللهم إلا جان ذينو الأمين، والابن غير الشرعي للويس، دوق اورليان. ولما تحرك الإنجليز جنوباً لمحاصرة تلك المدينة عام (1428)، لم يتفقوا على خطة للوقوف في وجههم، وكانت الفوضى، طابع ذلك الزمان، وتقع اورليان، على حنية اللوار، فإن سقطت، انظم الجنوب بأسره، وهو المتردد في الولاء وقتذاك لشارل السابع إلى الشمال، ليجعل من فرنسا مستعمرة إنجليزية. وأخذ الشمال والجنوب معاً يرقبان الحصار، ويصليان من أجل حدوث معجزة. وأخذت دمريمي القرية البعيدة، الهاجعة إلى جوار الموز على حدود فرنسا الشرقية تراقب الصراع بعاطفة دينية وطنية. وكان الفلاحون هناك من أبناء القرون الوسطى في إيمانهم وشعورهم، في العقيدة والشعور، يعيشون من الطبيعة، ولكن فيما هو فوق الطبيعي، وكانوا واثقين من أن الأرواح تعيش في الهواء المحيط بهم، وأقسم كثير من النساء، أنهن رأينها وتحدثن معها-واعتقد الرجال مثلما اعتقد النساء، وهو ما كان سائداً في أنحاء الريف الفرنسي، أن الإنجليز شياطين، تخفي أذنابها، في أذيال معاطفها وراجت نبوءة في القرية، وهي أن الله سيرسل في يوم من الأيام، فتاة عذراء، تنقذ فرنسا من هؤلاء الشياطين، وتضع حداّ لحكم الحرب الشيطانية. وهمست زوجة عمدة دمريمي، بهذه الآمال إلى جان ابنتها في العماد. وكان أبوا جان واسمه جاك دارك، فلاحاً ناجحاً، ولعله لم يلق بالاً، إلى مثل هذه الحكايات. وقد عرفت جان التقوى، بين هؤلاء القوم الأتقياء، وأغرمت بالذهاب إلى الكنيسة، وكانت تعترف بانتظام وحرارة وشغلت نفسها بجمع الصدقات للكنيسة وألفت الدواجن والطيور، في حديقتها الصغيرة، أن تأكل من يدها. واتفق لها في أحد الأيام، أن تخيلت، وهي صائمة، أنها رأت، نوراً عجيباً فوق رأسها، وأنها سمعت صوتاً يهتف بها "ياجان كوني طفلة طيبة مطيعة. واذهبي دائماً إلى الكنيسة". وكانت وقتذاك (1424) في الثالثة عشرة من عمرها، وربما أسبغت عليها التغيرات في وظائف أعضائها، مسحة صوفية في هذه المرحلة الممعنة في الانفعال من مراحل حياتها. وتحدثت "هواتفها"- كما نعتت هذه الرؤى- بأحاديث كثيرة طوال السنوات الخمس بعد ذلك، حتى خيل إليها آخر الأمر، أن الملك ميكائيل نفسه يأمرها: "اذهبي لإغاثة ملك فرنسا، ولسوف تستعيدين ملكه..اذهبي إلى السيد بودريكورت، القائد في فوكولور، وسيقودك إلى الملك". وقال الهاتف في مرة أخرى: "يا ابنة الله، ستقودين الدوفان إلى ريمز، حتى يستطيع هناك أن يحصل على رسامته وتتويجه" ذلك لأن فرنسا كانت تشك في حق شارل الإلهي في الحكم، فلم يحصل على رسامته من الكنيسة، ولكن إذا صب الزيت المقدس على رأسه، فإن فرنسا تقف من ورائه صفاً واحداً وفي ذلك إنقاذها. وبعد تردد طويل مزعج أطلعت أبويها على رؤياها. فذهل أبوها عندما فكر في فتاة بريئة تضطلع بمثل هذه الرسالة الخيالية، قال إنه لن يسمح لها بذلك وتوعدها بأن يغرقها بيديه. وأراد أن يمعن في تقييدها فأقنع، شاباً قروياً، أن يصرح بأنها وعدته بأن تمنحه يدها بالزواج، فأنكرت قوله، وفرت بعذريتها التي نذرتها لقدسيتها، ولكي تطيع أوامرهم، إلى عم لها، وألحت عليه، أن يأخذها إلى فوكلير عام (1429). وهناك نصح قائد بودريكور، عمها، أن يصفع الفتاة، البالغة من العمر سبع عشرة سنة، وأن يعيدها إلى والديها، ولكن جان لما شقت طريقها، ومثلت أمامه، وصرحت بجنان ثابت، أنها مبعوثة من الله لمساعدة الملك شارل على إنقاذ أورليان، ذاب القائد المتعاظم، فأرسل إلى شينون، وهو يفكر في أن في الفتاة مساً من الشياطين، يطلب إذن الملك بلقائها. وجاء الإذن الملكي، وأعطى بودريكور الفتاة سيفاً، وابتاع لها أهل فوكولير، جواداً، ووافق ستة من الجنود أن يدلوها على الطريق، في الرحلة الطولة المحفوفة بالمخاطر، عبر فرنسا إلى شينون. وتسربلت بزي الرجال العسكري-، سترة وصدار وجوربين طويلين وطماق ومهمازين-وقصت شعرها كالفتيان- ولعلها فعلت ذلك منعاً لتقحم الرجال، وتيسيراً لركوب الجواد اكتساباً لموافقة القواد والجند. وعبرت في رصانة وثقة مدنا، اختلفت في النظر إليها بين الخوف منها باعتبارها ساحرة، أو إجلالها باعتبارها قديسة. وبعد أن قطعت في رحلتها أربعمائة وخمسين ميلاً، في أحد عشر يوماً، بلغت الملك ومجلسه. ومع أن حلته البسيطة، لم تكن تنبئ عن أبهة الملك، فقد عرفته جان (كما أنبئنا-وكيف ترفع الأسطورة يدها من تاريخ هذه الفتاة) لفورها، وحيته بأدب قائلة.."أمدك الله بطول العمر، أيها الدوفان الكريم...إن اسمي جان لا بوسل إن إله السموات يتحدث إليك بواسطتي، وهو يقول إنك سترسم وتتوج في ريمز، وتكون وكيلاً لملك السموات، الذي هو ملك فرنسا". وقال أحد القساوسة وهو الذي أصبح راعي كنيسة العذراء، فيما بعد، إنها أكدت للملك، في مجلس خاص، شرعية مولده. وظن بعضهم، أنها قبلت في أول لقاء لها مع شارل، أن يكون رجال الدين أصحاب الحق في تفسير هواتفها، وأنها اتبعت قيادتهم في حديثها مع الملك، وعن طريقها يحل الأساقفة، محل القادة في صياغة السياسة الملكية. ولما كان شارل ما يزال مرتاباً من أمرها، فقد أرسلها إلى بواتييه ليمتحنها العلماء هناك. فلم يجدوا فيها شراً وكلفوا بعض النسوة أن يتأكدوا من عذريتها، واطمأنوا من هذه الناحية الحساسة أيضاً. لأنهم اعتقدوا أن للعذراى، مثلهن في مثل مريم العذراء بعض المزايا باعتبارهن وسائل الله ومبعوثاته. وكان دينوا، قد أكد للحامية في أورليان، أن الله سيغيثهم قريباً بشخص ما. فلما سمع عن جان، كان بين مصدق ومكذب لآماله، ورجا البلاط، أن يرسلوها إليه تواً. فوافقوا، وأعطوها حصاناً أسحم وأحاطوها بدرع أبيض، ووضعوا بيدها علماً أبيض، مزيناً بزهرة فرنسا، وأرسلوها إلى دينوا، مزودة بجمع من الحرس، يحملون الزاد للمحصورين. ولم يكن من العسير، أن تجد منفذاً إلى المدينة (29 إبريل عام 1429)، فلم يكن الإنجليز، يحدقون بها إحداقاً تاماً، ولكنهم قسموا رجالهم الذين يتراوحون بين ألفين وثلاثة آلاف (أي أقل من حامية أورليان) على اثني عشر حصناً، في أماكن استراتيجية بالضواحي. وحيا أهل أورليان جان، باعتبارها مريم العذراء مجسدة، واتبعوها مؤمنين بها إلى الأماكن المحفوفة بالمخاطر، وصحبوها إلى الكنيسة، يصلون إذا صلت، ويبكون إذا بكت. وترك الجند، حظياتهم بأمرها، وجاهدوا، لكي يثبتوا تطهرهم، ووجد أحد قادتهم وهو لاهير، أن ذلك مستحيلاً، وجاءته فتوى من جان، أن يقسم على عصا قيادته. وهذا المغامر الجاسكوني، الذي نطق بالدعاء المشهور "إلهي مولاي أتوسل إليكَ أن تعمل من أجل لاهير، ما يعمله هو من اجلك لو أنك كنت القائد، وكان لا هيرا هو الله". وأرسلت جان كتاباً إلى تالبوت، القائد الإنجليزي، تقترح عليه، أن يتحد الجيشان وأن يكونوا إخوة، وأن يتقدموا إلى فلسطين، لتخليص الأرض المقدسة من الترك، ورأى تالبوت، أن هذا يخرج عن نطاق مهمته. وبع ذلك بأيام قلائل، تجاوز فريق من الحامية الأسوار، دون أن يعلموا دينوا أو جان وهاجموا حصناً بريطانياً, فأبلى الإنجليز بلاءً حسناً، وتقهقر، الفرنسيون، ولكن دينوا وجان، سمعا بهذه الفتنة، فركبا جواديهما واستحثا رجالهما أن يعودوا إلى الهجوم من جديد، ونجح الهجوم، وترك الإنجليز مكانهم وفي اليوم التالي هاجم الفرنسيون حصنين آخرين، واستولوا عليهما، وكانت العذراء وسط المعمعة، وفي الصدام الثاني، اخترق سهم كتفها، فضمد الجرح وعادت إلى المعركة. وأخذ مدفع جويوم ديزي، القوي يصب في الوقت نفسه على قلعة الإنجليز في ليه توريل، قذائف، تزن كل منها مائة وعشرين رطلاً. وأعفيت جان من رؤية الفرنسيين وهم يذبحون خمسمائة من الإنجليز عندما سقط هذا المعقل الحصين. وانتهى تالبوت إلى أن قواته، لا تفي بالحصار، فأمرها بالانسحاب شمالاً (8 مايو). وابتهجت فرنسا بأسرها، ورأت في "عذراء أورليان" إرادة الله ولكن الإنجليز، قالوا إنها ساحرة، وأقسموا أن يأخذوها حية أو ميتة. وفي اليوم التالي لانتصارها خرجت جان لتلقى الملك، المتقدم من شينون، فحياها بقبلة، ووافق على خطتها، في السير عبر فرنسا إلى ريمز، وإن كان معنى ذلك المرور بأرض معادية. وقابل جيشه قوات إنجليزية في مونج وبوجنسي وباتاي، وأحرز انتصارات حاسمة، لطخوها بمذابح انتقامية، أفزعت العذراء، ولما رأت جندياً فرنسياً، يذبح أسيراً إنجليزياً، ترجلت عن جوادها، وأمسكت برأس الرجل المحتضر في يديها، وواسته، وأرسلت تطلب كاهناً، يعترف له. وفي الخامس عشر من يوليو، دخل الملك ريمز، وفي السابع عشر، رسم وتوج في احتفالات رائعة في الكاتدرائية العظيمة. ورأى جاك دارك، وهو عائد من دومري ابنته، في زي الرجال، تمتطي صهوة جوادها في أبهة عبر عاصمة فرنسا الروحية، فلم يدع الفرصة تفوته، وضمن بواسطتها، إعفاء قريته من الضرائب. واعترت جان نوبة عابرة، اعتقدت فيها أن مهمتها، قد انتهت، وفكرت، "إن رضى الله أن أرحل وأرعى الأغنام مع أختي وأخي". ولكن حمى القتال مازجت دماءها. ومع أن نصف فرنسا اعتقد أنها ملهمة ومقدسة، فقد كادت تنسى الآن أنها قديسة، وأصبحت محاربة. كانت حازمة مع جنودها، تؤنبهم في حب، وجردتهم من وسائل التسلية التي يعدها جميع الجنود حقاً لهم، ولما رأت بغيتين في صحبتهم، جردت سيفها من غمده، وضربت إحداهما بقوة، تحطم معها السيف وماتت المرأة، وتبعت الملك وجيشه في غارة على باريس، وكان الإنجليز لا يزالون يحتلونها، وكانت في العربة عند تطهير الخندق الأول، وما أن اقتربت من الخندق الثاني، حتى أصيبت بسهم في فخذها، ولكنها تحث الجنود. وفشل هجومهم، وبلغت إصاباتهم ألفاً وخمسمائة، فلعنوها لأنها ظنت أن الصلاة قد تسكت مدفعاً، ولم يكن ذلك من تجاريبهم. واتهمها بعض الفرنسيات اللائي كن يتسقطن أول إخفاق لها بأنها قادت هجوماً يوم ميلاد العذراء (8 سبتمبر 1429). فانسحبت بفرقتها إلى كومبيين، ولما حاصرها هناك البرغنديون المتحالفون مع الإنجليز، قادت هجوماً ببسالة، ولكنه صد، وكانت آخر من انسحب، ووجدت أبواب المدينة قد أوصدت قبل أن تبلغها. فسحبت عن جوادها، وأخذت أسيرة إلى جون صاحب لكسمبورج (24 مايو 1430) وكرمها هذا السيد وأسكنها في قلاعه في بوليو وبوريفوار. وأوقعه حسن حظه في مأزق خطير. فإن مولاه، فيليب الطيب صاحب برجنديا، طالب بالغنيمة الثمينة، وحث الإنجليز، سيرجون على أن يسلم الفتاة إليهم، آملين أن يؤدي إعدامها العلني إلى تحطيم ذلك السحر الذي طالما قوى من عزائم الفرنسيين. وأرسلوا بيير كوشون، أسقف بوفيه، الذي طرد من كنيسته لمناصرته الإنجليز، إلى فيليب بالسلطة والمال ليتفاوض على نقل العذراء إلى السلطات الإنجليزية، ووعدوه إن وفق في مهمته، أن ينصبوه كبيراً لأساقفة روين. وكان دوق بدفورد، يدير جامعة باريس، فناشد علمائها، أن ينصحوا فيليب بأن يسلم جان. فقد تكون ساحرة خارجة على الدين، إلى كوشون باعتباره رئيس الكهنوت في المنطقة التي أسرت فيها. ولما وفضت هذه المطالب، قدم كوشون إلى فيليب وجون رشوة مقدارها عشرة آلاف كراون من الذهب. ولم تنجح هذه المحاولة أيضاً، ففرضت الحكومة الإنجليزية حظراً على جميع الصادرات إلى الأراضي الواطئة. فواجهت فلاندرز الإفلاس، وهي أغنى مصدر لموارد الدوق. ووافق جون على الرغم من توسلات زوجته، كما وافق فيليب على الرغم من لقب "الطيب" الذي يتسمى به، على قبول الرشوة آخر الأمر، فأسلما العذراء إلى كوشون، الذي أخذها إلى روين. ومع أنها كانت من الناحية الرسمية هناك، من سجناء محكمة التفتيش، إلا أنها وضعت تحت الحراسة الإنجليزية في برج قلعة، يحتلها ايرل ورويك بصفته حاكم روين. ووضعت الأغلال في قدميها، ولفوا وسطها بقيد وربطت إلى جذع من الخشب. وبدأت محاكمتها في الواحد والعشرين من فبراير عام 1431، واستمرت إلى يوم الثلاثين من مايو. ورأس كوشون المحاكمة، وقام أحد كهانه مدعياً عاماً. ومثل راهب دومينيكي محكمة التفتيش، وأضيف حوالي أربعين من علماء الدين والشريعة إلى هيئة المحكمة. وكانت التهمة هي الهرطقة. وأفتت الكنيسة بأن ادعاء تلقي الوحي الإلهي هرطقة عقوبتها الإعدام، وذلك لكي تقمع الفريق المفزع من المتجرين بالسحر، الذين ابتليت بهم أوربا. فأحرقت الساحرات، لادعائهن القوى الخارقة، والرأي الشائع، بين رجال الكنيسة والمدنيين، أن الذين يدعون مثل هذا الادعاء، يكونون قد حصلوا في الواقع على القوى الخارقة من الشيطان. ويبدو أن بعض قضاة جان، كانوا يعتقدون هذا في قضيتها، وفي رأيهم أن رفضها الاعتراف بأن سلطة الكنيسة باعتبارها، وكيل الله على الأرض، تنسخ أوامر هواتفها، يثبت أنها ساحرة. ثم أخذ أغلبية أعضاء المحكمة بهذا الرأي، ومع ذلك فقد تأثروا من بساطتها الصريحة في أجاباتها، وبتقواها وطهارتها الواضحتين، فقد كانوا بشراً، ويبدو أنهم شعروا بقدر عظيم من الشفقة نحو هذه الفتاة التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها، وكان من الواضح أنها ضحية الخوف من الإنجليز. قال وروك بصراحة الجندي "إن ملك إنجلترا قد دفع فيها ثمناً باهظاً، وهو لن يتركها مهما يكن، تموت ميتة طبيعية". واقترح بعض أعضاء المحكمة أن الأمر ينبغي أن يعرض على البابا-وذلك يخلصها ويخلص المحكمة من السلطة الإنجليزية. وأبدت جان رغبتها في أن ترسل إليه، ولكنها عقدت مفاضلة قضت عليها، فإنها تعترف بسلطة العليا في شؤون العقيدة، أما فيما يتعلق بما فعلته إطاعة لهواتفها، فليس لها من قاضٍ غير الله. وأجمع القضاة على أن قولها هذا هرطقة. وقضت في المحاكمة شهوراً أنهكتها، وأقنعت ب، توقع على تنازل عما سبق أن قالته، ثم رأت أنها بهذا ستقضي حياتها سجينة في نطاق القضاء الإنجليزي، فسحب تنازلها، وأحاط الجنود الإنجليز بالمحكمة، وهددوا القضاة بالقتل، إذا لم تمت العذراء حرقاً. وفي الواحد والثلاثين من مايو، اجتمع نفر من القضاة وحكموا عليها الإعدام. وفي الصباح نفسه، وضعن أكوام مرتفعة من الحطب في ساحة السوق بمدينة روين. ونصبت منصتان بالقرب منها-إحداهما لونشستر كاردينال إنجلترا وأساقفة، والأخرى لكوشون والقضاة، ووقف للحراسة ثمانمائة من الجنود البريطانيين. وأحضرت العذراء في عربة، يصحبها راهب أوغسطيني، واسمه، إسامبار، الذي صادقا إلى النهاية، معرضاً حياته للخطر. وطلبت صليباً، فسلمها أحد الجنود الإنجليز إياه، وقد صنعه من قضيبين من الخشب، فقبلته، ولكنها طلبت أيضاً، صليباً باركته الكنيسة، وأقنع إسامبار الموظفين، أن يحظروا إليها صليباً من كنيسة سانت سوفير. فزمجر الجند من التأخير لأن الوقت أصبح ظهراً. وسأل قائدهم "أتريدوننا أن نتناول غذاءنا هنا؟". فانتزعها رجاله من أيدي القساوسة، وساقوها إلى القائمة التي تشد إليها. ورفع إسامبار، أمامها صليباً، وصعد راهب دومينيكي معها إلى المحرقة. وأشعلت أكوام الحطب، وارتفعت ألسنة اللهب إلى قدميها. فلما رأت الراهب الدومينيكي، لا يزال إلى جانبها، ناشدته أن يهبط آمنا. وابتهلت إلى هواتفها، وقديسيها، والملك ميكائيل والمسيح، ودخلت في سكرات الموت. وتنبأ أحد كتاب سر الملك الإنجليزي بحكم التاريخ باكياً.. "قضى علينا، لقد أحرقنا قديسة". وفي عام 1455 أمر البابا كاليكستاس Calixtus الثالث، بوحي من شارل ال"ابع، أن يعاد فحص الأدلة التي أدينت بها جان، وفي عام 1457 (وكانت فرنسا منتصرة حينذاك) أعلنت المحكمة الدينية التي أعادت النظر في الموضوع، إن الحكم الذي صدر عام 1431، ظالم وباطل. وفي عام 1920 عد البابا بيندكت الخامس عشر عذراء أورليان، بين قديسي الكنيسة.
برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> فرنسا تحاضر -> فرنسا تبقى 10- فرنسا تبقى 1431-1453 يجب علينا ألا نبالغ في الأهمية الحربية لجان دراك، وربما كان في استطاعة دينوا ولاهير، أن ينقذا أورليان بدونها، فإن خططهما في الهجوم المتهور أحرزت النصر في بعض الوقائع والهزيمة في الأخرى، وكانت إنجلترا تحس تكاليف حرب المائة عام. ولقد وقع فيليب صاحب برجنديا وحليف إنجلترا، معاهدة منفصلة مع فرنسا، بعد أن مل الحرب، وزعزع تخلفه، قبضة الإنجليز على المدن التي غزوها في الجنوب، فتمكنت الواحدة بعد الأخرى من طرد الحاميات الأجنبية عنها. وأجلت باريس، البريطانيين عام 1436 بعد أن ظلت محتلة سبع عشرة سنة، وحكم شارل السابع آخر الأمر في عاصمة ملكه. ومن عجيب ما يروى، أن هذا الرجل الذي لبث طويلاً كالخيال لا حول له ولا قوة، قد تعلم في ذلك الحين أن يحكم ويختار الوزراء الأكفاء، وأن يعيد تنظيم الجيش ويهدئ من ثورة البارونات وأن يفعل كل ما يحقق الحرية لبلاده، فما الذي أحدث هذا التحول؟ لقد حفزه إليه وحي جان، فما كان أضعفه-فيما يبدو-إذ لم يرفع إصبعاً لإنقاذه.. ويروي أن حماته الجديرة بالاحترام، يولاند أميرة أنجو هي التي أعانته بالرأي السديد، وشجعته على استقبال العذراء ومناصرتها. ونحن-إذا صدقنا الرواية-قلنا إنها قدمت لزوج ابنتها الحظية، التي ظلت تتحكم في قلب الملك عشر سنوات. وكانت انييه سورل-وهذا اسمها-ابنه سيد في تورين. وكانت يتيمة في طفولتها، فنشأتها على الأخلاق الحميدة، إيزابل دوقة لورين. ثم صحبتها، وهي إذ ذاك في الثالثة والعشرين من عمرها، لزيارة البلاط الملكي في شينون عام (1432) أي بعد عام واحد من وفاة جان. وفتن شارل بجدائل شعرها الكستنائي، وأغرم بضحكتها، فآثرها لنفسه. ووجدتها يولاند سهلة الانقياد، فرأت أن تصطنعها في التأثير على الملك، وناشدت ابنتها ماري، أن تقبل هذه الحظية الأخيرة من حظيات زوجها. واستمرت مخلصة للملك، خائنة لعهود الزواج طوال حياتها، حتى إن ملكاً ممن جاءوا بعد ذلك وهو فرنسيس الأول، وكان صاحب خبرة طويلة بهذه الأمور امتدح، "سيدة الجمال كله" بأنها خدمت فرنسا أكثر من أي راهبة حبيسة في دير. " والتذ شارل طعم الحكمة من هاتين الشفتين". ولقد سمح شارل لها أن تخرجه من عادة الخمول والجبن إلى الجد والعزم. فجمع حوله رجالاً قادرين مثل الياور ريشمون، الذي قاد جيوشه، وجاك كير الذي أعاد الاستقرار إلى مالية الدولة، وجان بيرو، الذي جعلت مدفعيته، النبلاء المعارضين يلوذون الفرار والإنجليز يسرعون إلى كاليه. وكان جاك كير مغامراً في التجارة، ورجلاً لا يعرف نسبه وحظه من التعليم قليل، ومع ذلك، كان يجيد العد، كما كان فرنسياً اجترأ على أن ينافس بنجاح البندقيين والجنوبيين والقطلانيين في التجارة مع الشرق الإسلامي. وكان يملك سبع سفن تجارية مجهزة، يعمرها بمجرمين يستأجرهم، ومشردين يختطفهم من عرض الطريق، ثم يرسل سفنه تخوض البحار يرفرف عليها علم العذراء. واستطاع أن يجمع أعظم ثروة في فرنسا لعهده، حوالي 27.000.000 فرنك، عندما كان الفرنك يساوي ما يقرب من خمسة دولارات بالعملة الهزيلة في أيامنا. وفي عام 1436 عينه شارل مشرفاً على دار سك النقود، وسرعان ما جعله مشرفاً على موارد الحكومة، ومصروفاتها. ولقد أيد مجلس الولايات عام 1439، الملك بحماسة في تصميمه على طرد الإنجليز من الأرض الفرنسية، فشد من عزيمته بقوانين متعاقبة (1443-1447) ليستولي على جميع الضرائب في فرنسا-أو بعبارة أخرى جميع الضرائب، التي كان يدفعها المستأجرون لسادتهم الإقطاعيين، فزاد دخل الحكومة سنوياً إذ ذاك إلى 1.800.000 كراون، فأصبحت الملكية الفرنسية، منذ ذلك الوقت، تختلف عن الملكية الإنجليزية، في استقلالها عن السلطان المالي للولايات، وتستطيع أن تقاوم نمو ديمقراطية الطبقة الوسطى. وأمد هذا النظام القومي للضرائب، الحكومة بالمال من أجل انتصار فرنسا على إنجلترا، ولكن الملك كان قادراً على زيادة معدل الضريبة، فقد أصبح ذلك وسيلة من وسائل الضغط الملكي، وهو من أسباب اندلاع ثورة عام 1789. وكان لجاك كور شأن كبير في هذا التطور المالي، فاكتسب إعجاب الكثيرين وعداوة قلة من الأقوياء. فقبض عليه عام 1451 بتهمة-لم تثبت أبداً-استأجر عملاء ليدسوا السم لأنييه سورل وأدين ونفي من البلاد وصادرت الدولة جميع أمواله-وهي خطة بارعة للاغتصاب بطريق غير مباشر. ففر إلى روما، حيث نصب، أمير بحر على أسطول بابوي، أرسل لتخليص رودس ومرض في كيوس، ومات هناك عام 1456، بالغاً من العمر إحدى وستين سنة. وفي ذلك الوقت نفسه سار شارل السابع على منوال كير، فأنشأ عملة مستقرة، وجدد بناء القرى المخربة، وارتقى بالصناعة والتجارة، وأعاد الحيوية الاقتصادية إلى فرنسا. وأمر بتسريح الفرق الخاصة من الجنود، وألحق هؤلاء المسرحين بخدمته، وهكذا تكوّن أول جيش نظامي في أوربا، (1436). وأصدر مرسوماً، نص على أن يجب أن يوجد في كل ناحية، مواطن شديد البأس، منتخب من زملائه، يعفى من الضرائب كلها، وأن يكون مسلحاً، مدرباً على استعمال الأسلحة، مستعداً في كل لحظة، لينضم إلى أمثاله في الخدمة العسكرية للملك. وهؤلاء الرجال الأحرار من حملة القسى هم الذين طردوا الإنجليز من فرنسا. وما أشرف عام 1449 حتى كان شارل متأهباً للخروج على الهدنة التي وقعت عام 1444. وتعجب الإنجليز وصدموا وكانت قد أضعفتهم المنازعات الداخلية، ووجدوا أن إمبراطوريتهم الآفلة في فرنسا تكلفهم في القرن الخامس عشر ما لا طاقة لهم به كما تثقل عليهم الهند في القرن العشرين، فلقد تكلفت فرنسا على إنجلترا عام 1427 ثمانية وستين ألف جنيه في حين حصلت منها على سبعة وخمسين ألفاً فقط. وحارب الإنجليز بشجاعة ولكن بغير تبصر، إذ اعتمدوا طويلاً على القسى والقضبان، ولم تعد الخطط التي صدت الفرسان الفرنسيين في كرسي وبواتييه تجدي في فورميني (1450) وفي الصمود أمام مدفع بيرو. وفي عام 1449 جلا الإنجليز عن معظم نورمانديا، وتركوا عاصمتها روين عام 1451. وهزم تالبوت العظيم عام 1453 وقتل في كاسنلون، واستسلمت بوردو، وعادت جوين بأسرها فرنسية مرة أخرى، واحتفظ الإنجليز بمدينة كالييه فقط. ووقعت الأمتان في التاسع عشر من أكتوبر عام 1453 المعاهدة التي وضعت حداً لحرب المائة عام. |
|
برامج : برامج خدمية العاب الكمبيوتر برامج ملتيميديا برامج حماية برامج الإنترنت برامج تصميم برامج مكتبية برامج الجوال برامج متنوعة اخبار البرامج. |