برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب الثامن

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الثورة الكبرى -> مقدمة 

الفصل الثالث

الثورة الكبرى

1381  

كان عدد سكان إنجلترا وويلز في عام 1307 يقدر تقديراً غير موثوق به بثلاثة ملايين من الأهلين، أي أنه قد ارتفع ارتفاعاً بطيئاً من 2.500.000 وهو ما كان يطن أنه عدد السكان سنة 1066 وهذان الرقمان يوحيان بأنه قد حدث تقدم بطئ أيضاً في الفنون الزراعية والصناعية-وتحديد قوي لعدد السكان بسبب القحط، والمرض والحروب-في جزيرة زراعية ضيقة الرقعة، لا ينتظر منها بمواردها الخاصة أن تعول عدداً كبيراً من الأهلين. وأكبر الظن أن ثلاث أرباع السكان كانوا من الزراع، وأن نصف هؤلاء السكان كانوا من أرقاء الأرض، وكانت إنجلترا من هذه الناحية متأخرة عن فرنسا بقرن من الزمان.

وكانت الفروق بين الطبقات أشد منها في أرض القارة الأوربية وبدا أن الحياة كانت ترتكز على نقطتين الأعيان الطيبين الراحمين أو المتغطرسين من جهة، والخدمات يؤديها الزراع يغلي في صدورهم الغضب أو يحدوهم الرجاء من جهة أخرى. وكان الأعيان سادة كل ما هو لهم والكثير مما يتجاوزوه، إذا استثنينا من ذلك ما عليهم للملك من واجبات محددة وكان لأدواق لانكستر، ونورفوك، وبكنجهام ضياع تنافي ضياع التاج، ولم يكن آل نيفيل وبيرسي قد فقدوا من ثروتهم إلا القليل الذي لا يكاد يذكر، وكان السيد الإقطاعي يحتم على الفرسان الذين يدينون له بالولاء وعلى أتباع هؤلاء أن يخدموه ويدافعون عنه، ويلبسوا ثياب زينته الخاصة.غير أنه كان في وسع الإنسان أن يرقى من طبقة إلى طبقة، وكان في مقدور ابنة تاجر ثري أن تحظى بزوج نبيل ولقب من ألقاب الشرف، ولو أن نشوس قد عاد إلى الحياة بعد موته لدهش إذ رأى أن حفيدته قد أصبحت دوقة وتصنعت الطبقات الوسطى ما استطاعت أن تتصنعه من عادات الأشراف، فبدأ أفرادها يخاطب بعضهم بعضاً في إنجلترا بلفظ سيد وفي فرنسا بلفظ Monsieur، وسرعان ما أصبح كل رجل في كلا البلدين سيداً كما أصبحت كل امرأة سيدة .

وكان تقدم الصناعة أسرع من تقدم الزراعة، فلم يحل عام 1300 حتى كادت جميع مناجم الفحم في إنجلترا تستغل، وحتى كان الحديد، والفضة، والرصاص، والقصدير يستخرج من باطن الأرض، وحتى كان تصدير المعادن من أهم الصادرات إلى البلدان الأجنبية، وكان من الأقوال التي تجري على الألسنة أن "قيمة المملكة في باطن الأرض أعظم منها في ظاهرها". وبدأت صناعة الصوف في ذلك القرن تزيد من ثراء إنجلترا فأخذ كبار الملاك ينتزعون الأرض شيئاً فشيئاً من المستأجرين وأرقاء الأرض الذين كانوا يستخدمونها في الزراعة ويحيلون أجزاء واسعة منها إلى مراعٍ لتربية الضأن إلا إن بيع الصوف كان يدر عليهم من المال أكثر مما يدره حرث الأرض، وأتى على تجار الصوف حين من الدهر كانوا فيه أغنى التجار في إنجلترا، وكان في مقدورهم أن يقدموا للملك إدوارد الثالث أموالاً طائلة في صورة ضرائب وقروض، ومع ذلك فقد عمل الملك على خرابهم. ذلك أن إدوارد الثالث قد ساءه أن يرى الصوف الغفل يخرج من إنجلترا ليغذي صناعة النسيج في فلاندرز، فأغرى النساجين بالمجيء إلى بريطانيا (1311 وما بعدها)، وعمل الإنجليز بناء على إرشادهم على إقامة صناعة النسيج فيها، ثم حرم تصدير الصوف واستيراد معظم الأقمشة الأجنبية، ولم ينته القرن الرابع عشر حتى أصبحت صناعة النسيج لا تجارة الصوف أهم مصادر الثروة السائلة في إنجلترا وحتى وصلت إلى مرحلة قريبة من الصناعات الرأسمالية.

وكانت الصناعة الجديدة تتطلب التعاون التام بين عدة حرف-النسيج، والتقصير، والتمشيط، والصباغة، والصق، لم يكن في وسع نقابات الحرف القديمة أن تنظم ما يحتاج إليه الإنتاج الاقتصادي من تعاون، فعمل أصحاب المشروعات الكبرى على جميع الأخصائيين المختلفين من العمال في منظمة واحدة، يشرفون عليها ويمدونها بالمال. على أنه لم يقم في هذه البلاد نظام للمصانع كالذي كان قائماً في فلورنس وفلاندرز، بل ظل معظم العمل يتم في حوانيت صغيرة على يد معلم كبير، وصبيانه، وعدد قليل من البائعين المتجولين، أو يتم في مصانع ريفية صغيرة تدار بقوة الماء، أو في بيوت ريفية حيث كانت الأصابع الدائبة الكادحة تدير الأنوال إذا أتاحت لها أعمالها المنزلية الرتيبة فسحة من الوقت. وقاومت نقابات الحرف النظام الجديد بالإضراب ولكن تفوقه في الإنتاج تغلب على كل ضروب المقاومة، وأصبح العمال الذين ينافسون الصناعات الجديدة في بيع نتائج كدحهم وحذقهم تحت رحمة الذين يمدون هذه الصناعات برؤوس الأموال وبالمدربين، وازدادت سيطرتها عليهم شيئاً فشيئاً وأصبح الكادحون في المدن "لا يدخرون شيئاً لغدهم..وملابسهم رثة، وبيوتهم قذرة..يجدون كفايتهم من العيش في أوقات الرخاء، ولكنهم لا يجدون ما يقيم أودهم في أيام الشدة".

وكان جميع الذكور من سكان المدن في إنجلترا معرضين لأن يجندوا للعمل في الأعمال العامة، ولكن كان في وسع الأغنياء منهم أن يشتروا أنفسهم بالمال. وكان الأهلون بوجه عام يعيشون في فقر مدقع، وإن لم يبلغ فقرهم في أغلب الظن من الشدة ما كان عليه في أوائل القرن التاسع عشر، وكان المتسولون في البلاد كثيرون، وقد نظموا أنفسهم تنظيماً يقصد به حماية مهنتهم وحكمها، وكانت الكنائس، والأديرة، ونقابات الحرف تقدم قليلاً من الصدقات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

وفاجأ البلاد-وهذه حلها-الوباء المعروف في الموت الأسود، ولم يكن هذا الوباء كارثة حلت بها فحسب، بل كاد يكون ثورة اقتصادية. ذلك أن سكان إنجلترا كانوا يعيشون في جو يصلح للزراعة والإنبات ولكنه يضر بالصحة فقد كانت الحقول خضراء طوال أيام السنة، ولكن الأهلين كانوا يقاسون آلام النقرس، والروماتزم، والربو، وعرق النسا، وذات الرئة، والاستسقاء، وأمراض العين والجلد. وكانت الطبقات كلها تتخم معدتها بالطعام (إن وجدته) وتدفئ أجسامها بالمشروبات الكحولية. وقد وصفهم رتشارد رول في عام 1340 بقوله: "قلما يصل الآن أحد منهم إلى سن الأربعين، وأقل من تلك القلة من يصل إلى سن الخمسين". وكانت النظم الصحية العامة بدائية، فكانت روائع المدابغ العامة، وحظائر الخنازير، والمراحيض تفسد الهواء، وكان الأثرياء وحدهم هم الذين يحصلون على الماء الجاري من أنابيب تمتد إلى بيوتهم، أما كثرة السكان فكانوا ينقلونه من القنوات المغطاة أو من الآبار، وكان أثمن من أن يضيعوه في الاستحمام كل أسبوع. ولهذا كله كانت الطبقات الدنيا ضحايا سهلة للأوبئة التي كانت تفتك بالأهلين من حين إلى حين من ذلك أن الطاعون الدملي انتقل في عام 1349 من نورماندي إلى إنجلترا وويلز ثم انتقل بعد عام من ذلك الوقت إلى اسكتلندة وايرلندة، ثم عاد إلى إنجلترا في أعوام 1361، 1368، 1375، 1382، 1390، 1438، 1464، وقضى في هذه السنين كلها على ثلث سكان البلاد، وهلك فيه ما يقرب من نصف رجال الدين، ولعل بعض المساوئ التي شكت منها الكنيسة الإنجليزية فيما بعد ترجع إلى اضطرارها إلى حشد رجال في خدمتها حشداً سريعاً، وكانت تنقصهم الكفايات التي ينتجها التدريب والخلق القويم، وكان لهذه الظروف أسوأ الأثر في الفن، وتوقف بناء الكنائس أو كاد نحو جيل من الرومان، وفسدت الأخلاق، وانحلت روابط الأسر، وطغت العلاقات الجنسية على القيود التي حاول نظام الزواج أن يقيدها بها مراعاة لمصلحة النظام الاجتماعي، ولم تجد القوانين مشرفين ينفذونها، وكثيراً ما يتجاهلونها.

وتعاون الطاعون مع الحرب للتعجيل باضمحلال النظام الإقطاعي، فقد هجر كثيرون من الزراع الأراضي التي كانوا يستأجرونها ونزحوا إلى المدن بعد أن فقدوا أبناءهم وغيرهم ممن كانوا يساعدونهم في فلاحتها، واضطر الملاك إلى أن يستأجروا عمالاً أحراراً، يؤدون لهم ضعفي ما كانوا يؤدونه قبل من الأجور، وأن يغروا عندهم مستأجرين بشروط خير من الشروط السابقة، وأن يستبدلوا بالمال الخدمات الإقطاعية. وإذ كان الملاك أنفسهم قد اضطروا إلى ابتياع كل ما يشترونه بأثمان عالية، فقد اضطروا إلى أن يطلبوا إلى الحكومة أن تتدخل لتثبيت موازنة الأجور. واستجاب المجلس الملكي إلى هذا الطلب بأمر أهم ما جاء فيه:

لما كان قسم كبير من أفراد الشعب وبخاصة طبقة العمال والخدم قد ماتوا أخيراً بسبب الوباء...ولما كان الكثيرون يرفضون العمل إلا في نظير أجور باهظة، بل إن بعضهم يفضلون التوسل والتعطل على العمل لكسب أقواتهم، فقد نظرنا نحن فيما قد يحدث فيما بعد من اضطراب مخزن من نقص في الأيدي العاملة وبخاصة بين العمال والفلاحين، وبعد مناقشة هذه المسائل، اتفقنا مع كبار رجال الدين وأعيان البلاد، ورجال العلم واستعنا بهم وتبادلنا وإياهم المشورة أمرنا بما هو آت:

1- كل شخص صحيح الجسم تقل سنة عن ستين عاماً، وليست له (وسيلة) للعيش، وإذا طلب إليه (شخص آخر أن يعمل) يجب عليه أن يقوم بخدمة من يطلب ذلك إليه، وإلا زج به في السجن حتى يقدم من يضمن قيامه بالعمل.

2- إذا غادر الخدمة عامل أو خادم قبل الوقت المتفق عليه، حكم عليه بالسجن.

3- لا يعطى الخادم إلا الأجور القديمة لا أكثر منها.

4- إذا تقاضى صانع أو عامل أجراً يزيد على ما كان يتقاضاه عادة زج به في السجن.

5- يجب أن تباع مواد الطعام بأسعار معقولة.

6- ليس لإنسان أن يعطى شيئاً لمتسول يستطيع العمل.

لكن العمال وأصحاب الأعمال أهملوا هذا القرار إهمالاً واسعاً اضطر معه البرلمان أن يصدر (في التاسع من فبراير سنة 1351 ("قانون العمال" الذي ينص على ألا تزيد الأجور على ما كانت عليه في عام 1346، والذي حدد أثمان عدد كبير من السلع والخدمات وقرر وجوب استخدام الآلات. ثم صدر قانون آخر في عام 1360 ينص على جواز إرغام الزراع الذين يتركون الأرض التي تعاقدوا على زراعتها أو استئجارها قبل انتهاء الموعد المحدد للعقود أو الإيجار على العودة إليها، كما ينص على أن لقضاء الصلح إذا شاءوا أن يسموا هؤلاء المخالفين على جباههم. واتخذت فيما بين عامي 1377، 1381 إجراءات أخرى مختلفة في قسوتها، ولكن الأجور ارتفعت على الرغم من هذه القوانين والقرارات، غير أن الأحقاد التي ولدتها هذه الأعمال في صدور العمال ورجال الحكم أثارت النزاع بين الطبقات وكانت سلاحاً جديداً في أيدي دعاة الفتنة.

وكان للثورة التي تأجج لهيبها على أثر هذه الحوادث أكثر من عشرة مصادر، فقد أخذ الزراع الذين كانوا لا يزالون من أرقاء الأرض يطالبون بحريتهم، وطالب المستأجرون بأن يحددوا إيجار الأرض بأربعة بنسات (1.67 دولار) للفدان الواحد في السنة. وكانت بعض البلدان لا تزال خاضعة للسادة الإقطاعيين، وكانت هذه تتوق إلى أن تتمتع بالحكم الذاتي، وكان العمال في البيئات المحررة يكرهون الأقلية الغنية من التجار، كما كان التجار المتنقلون يتذمرون من فقرهم وعدم اطمئنانهم على مصادر رزقهم. وكان الزراع في الريف، والعمال في المدن، بل كان قساوسة الأبرشيات أنفسهم-كانوا هؤلاء جميعاً ينددون بسوء الحكم في السنين الأخيرة من عهد إدوارد الثالث، والسنين الأولى من عهد رتشارد الثاني، ويتساءلون لم توالت الهزائم على الجيوش الإنجليز بعد عام 1369، ولم تجن الضرائب الفادحة لتميل هذه الهزائم نفسها. وكان أشد حقدهم ينصب على سدبري كبير الأساقفة وعلى روبرت هاليز وهما كبيرا وزراء الملك الشاب وجون جونت ويتهمونهم بأنهم أنصار الفساد والعجز في دوائر الحكومة وأجدر من يجب أن توجه إليهم التهم.

ولم يكن لواعظ اللورد (أتباع ويكلف) إلا أقل صلة بهذه الحركة، ولكن نصيبهم كان هو تهيئة الأذهان للثورة، فقد كان جون بول زعيمها الفعلي يكرر أقوال ويكلف ويحبذها، وكان وات تيلر يطالب كما كان يطالب ويكلف بالاستيلاء على أملاك الكنيسة. وكان بول، "قس كنت المجنون" (كما كان يلقبه فرواسار)، يعلم الشيوعية لجماعة المصلين معه، وقد صدر قرار بحرمانه من حظيرة الدين في عام 1366. فأصبح بعدئذ واعظاً جائلاً يندد بالمال الحرام الذي جمعه الأحبار والأعيان، ويطالب بعودة رجال الدين إلى الفقر الذي يدعو إليها الإنجيل ويسخر من الباباوات المتنافسين الذين كانوا بانشقاقهم يقتسمون ثياب المسيح. وتعزو إليه الرواية المتواترة ذلك البيت المشهور:

حيث كان آدم يحفر وكانت حواء تقيس 

من كان وقتئذ السيد العظيم   

أي حيث كان آدم يحفر الأرض وحواء تعمل على النول، هل كان في الجنة أقوام مقسمون طبقات، وكان فرواسار ينقا الآراء المعزوة إلى بول في طول يد على شدة عطفه عليها، وإن كان في الوقت نفسه محباً لطبقة الأشراف البريطانيين:

أصدقائي الأعزاء إن الأمور لا تستطيع أن تسير في إنجلترا سيراً حسناً حتى يصبح كل شيء مشاعاً، وحتى لا يكون في البلاد سادة ولا أتباع، وحتى لا يكون الملاك سادة إلا بقدر ما نكون نحن، ألا ما أسوأ ما يعاملوننا به. ولأي سبب يتحكمون فينا ويسترقوننا هذا الاستراق؟ ألسنا جميعاً أبناء آدم وحواء؟ وأي شيء يستطيعون أن يظهروه لنا ليسودوا به علينا؟...إنهم ليسموننا عبيداً، وإذا لم نقم بخدمتهم ضربونا بالسياط..فلنذهب إلى الملك ونحتج إليه، فهو شاب وفي مقدورنا أن نحصل منه على جواب فيه الخير لنا، فإذا لم نحصل عليه فلنعمل بأنفسنا لإصلاح أمورنا .

وقبض على "بول" ثلاث مرات وكان في السجن عندما اندلعت الثورة. وبلغ السخط مداه بضريبة الرؤوس التي فرضت عام 1380، وأشرفت الحكومة على الإفلاس، وكادت تخسر جواهر الملك المخزونة، وألحت الحرب في فرنسا مطالبة بأموال جديدة. ففرضت على الشعب ضريبة مقدارها 100.000 جنيه تجبى من كل نفس تناهز الخامسة عشرة من العمر. واتخذت عناصر الثورة المفرقة بهذه الضريبة الجديدة. وتنكب آلاف الناس طريق الحياة، وكانت حصيلة الضريبة أقل من المطلوب بكثير..وأرسلت الحكومة مندوبين آخرين للكشف عن الممتنعين عن دفع الضريبة فجمع العامة قواهم متحدين إياهم، ورجموا عملاء الملك إلى خارج مدينة برنتود عام (1381)، وحدث مثل ذلك في مدن فوينج دكورنجهام وسنت الينز. وعقدت اجتماعات شعبية للاحتجاج على الضريبة في لندن، وأرسل المجتمعون إلى الثائرين في الريف يشجعونهم ويدعونهم أن ينضموا إلى الثائرين في العاصمة وبذلك يرغمون الملك على ألا يكون هناك رقيق في إنجلترا.

ولقي فريق من الجباة عند دخولهم مدينة كنت مقاومة عارمة، وفي السادس من يونية سنة 1381، حطم جماعة من الغوغاء غياهب السجن في دوشستر، وأطلقوا سراح المسجونين، ونهبوا القلعة. وانتخبوا الثوار في اليوم التالي وات تيلر قائداً لهم. ولا يعرف شيء عن ماضيه قبل ذلك، ومن الواضح أنه كان جندياً مسرحاً، لأنه نظم الجمع المشتت للقيام بعمل موحد، واكتسب طاعته السريعة لأوامره.

وفي الثامن من يونية هاجم الجمع الهائج دور المبغضين إليه من الإقطاعيين والمحامين وموظفي الحكومة، وقد تسلح بالقسى والسهام والهراوات والفؤوس والسيوف، وتلقى مدداً من المتطوعين من جميع قرى كنت تقريباً. وفي اليوم العاشر دخل هذا الجمع مدينة كانتر بري فرحب به أهلها ونهب قصر سدبري كبير الأساقفة، وفتح أبواب السجن، وانتهب دور الأغنياء. وهكذا انظم سكان الجانب الشرقي من كنت بأسره إلى الثورة، وأخذت المدن تنضوي تحت لواء الثورة، واحدة بعد أخرى، وبادر الموظفون المحليون إلى الفرار من وجه العاصمة.. ولجأ الأغنياء إلى مناطق أخرى من إنجلترا، أو اختبئوا في أماكن بعيدة عن طريق الثائرين، أو تجنبوا الأخطار الأخرى بتقديم المساعدة بصورة ما إلى الثورة.

وفي اليوم التالي وجه تيلر جيشه إلى لندن. فلما بلغ مدلستون أفرج عن "جون بول" فانظم إلى فريق الفرسان وأخذ يقدم إليه عظاته كل يوم وقال الآن يبدأ حكم الديمقراطية الذي طالما حلم به ودافع عنه، وتزول جميع الفوارق الاجتماعية، ولن يكون هناك بع الآن أغنياء وفقراء، إقطاعيون وعبيد، بل يكون كل إنسان ملكاً في ذاته(61).

 ونشبت في الوقت نفسه ثورات مماثلة في نورفولك وسفولك وبيفرلي وبردجوتر وكمبردج واسكس ويدلسكس وستسكس وهرتفورد وسومرست وجز الشعب في يوري سانت ادموند رأس كبير الرهبان وهو الذي حافظ بصلابته على حقول الدير الإقطاعية على المدينة. وقتل المتمرد لشستر عدداً من التجار الفلورنسيين، وظناً منهم أنهم يقطعون الطريق على التجارة البريطانية. وأتلفوا ما وقع تحت أيديهم من الأضابير والعقود أو الوثائق التي تسجل الملكية الإقطاعية أو العبودية، وهكذا أحرق الأهالي في كمبردج وثائق الجامعة، وألقوا في مدينة ولدام كل وثيقة في محفوظات الدير طعمة للنيران.

وفي الحادي عشر من يونية أشرف جيش الثوار الذي نصفه من اسكس وهرتفورد على الضواحي الشمالية لمدينة لندن، وفي الثاني عشر بلغ ثوار كنت مدينة سوزوارك، على الشاطئ الثاني من التيمز مباشرة. ولم يبدأ أنصار الملك مقاومة منظمة واختبأ رتشارد الثاني وسدبري وهيلز في الحصن.وبعث تيلر إلى الملك يطلب مقابلته ورفض طلبه. وأغلق وليام ولورث عمدة لندن أبواب المدينة، ولكن الثوار في داخلها أعادوا فتحها. وفي الثالث عشر رحب الشعب بقوات كنت التي دخلت العاصمة فانظم إليها آلاف العمال. وأمسك تيلر بزمام جموعه في حزم، ولكنه هدأ من ثورتها بأن سمح لها أن تحاصر قصر جون اف جونت. فلم يسرق منه شيء، وقتلت الجماهير شخصاً من المتمردين حاول أن يسرق كأساً من الفضة. بيد أن كل شيء قد دمر، وألقي بالأثاث الفاخر من النوافذ، ومزقت الستائر النفيسة خرقاً، وسحقت الجواهر سحقاً، وأتت النيران على القصر كله، وتناست الجموع بعض المتمردين الذين استبد بهم الطرب وسكروا حتى غابوا عن الوعي في أقبية فذهبوا طعمة للنيران. ثم تحول الجيش بعد ذلك إلى تمبل، وهي قلعة رجال القانون في إنجلترا، وتذكر الفلاحون أن هؤلاء الفقهاء هم الذين صاغوا صكوك عبوديتهم، أو صادروا ممتلكاتهم في مقابل الضرائب، فوضعوا هناك أيضاً محرقة تلتهم الوثائق، وأشعلوا النيران في المباني حتى أتت عليها. وقوض السجن في نيوجيت كما دمر الأسطول. وانظم المسجونون السعداء إلى الغوغاء، وألح التعب على الجموع من الجهود المضنية التي بذلتها لتجمع انتقام قرن كامل في يوم واحد فرقدت في ظاهر المدينة ونامت.

وفي المساء رأى مجلس الملك أن يسمح له بالحديث مع تيلر وهو خير من الرفض على كل حال. وأرسل دعوة إلى تيلر وأتباعه لمقابلة رتشارد في الصباح التالي في ضاحية شمالية تُعرف بـ"مايل اند". وبعد بزوغ الفجر من اليوم الرابع عشر من يونية، ركب الملك، وكان في الرابعة عشرة من عمره، إنقاذاً لحياته، فخرج من القلعة يصحبه جميع مستشاريه ما عدا سدبري وهيلز الذين خافا أن تتعرض حياتهما للخطر. وشقت الجماعة الصغيرة طريقها وسط الجماهير المعادية إلى مايل اند، حيث تجمع الثائرون من اسكس، وتبعهم فريق من جيش كنت على رأسه تيلر الذي أدهشه استعداد رتشارد للاستجابة لجميع المطالب. وهي أن تلغى العبودية في كل أنحاء إنجلترا، وتزول جميع الأعباء والخدمات الإقطاعية، وتحدد قيمة إيجار العقار كما طلب المؤجرون، ويعلن عفو عن جميع الذين اشتركوا في الثورة. وبادر ثلاثون من الكتاب في صياغة مواثيق الحرية والعفو لجميع المناطق التي ثار أهلوها. وبيد أن الملك رفض مطلباً واحداً، وهو أن يسلم للشعب وزراءه وغيرهم من الخونة. وأجاب رتشارد بأن جميع الأشخاص المتهمين بإساءة استعمال السلطة سيحاكمون طبقاً للإجراءات التي ينظمها القانون، ويعاقبون إذا ثبت أدانتهم.

ولما لم يقنع تيلر بهذه الإجابة، ركب في فرقة مختارة من رجاله واتجهوا مسرعين إلى القلعة فوجدوا سدبري يرتل القداس في الكنيسة. فسحبوه إلى الفناء وبسطوه على الأرض ورقبته على كتلة من الخشب. ولم يكن جلاده حاذقاً، ففصل رأسه عن جسده بثماني ضربات من الفأس. ثم جز المتمردون رأس هيلز واثنين آخرين. وثبتوا على رأس كبير الأساقفة تاجه بمسمار نفذ من الجمجمة، ووضعوا الرؤوس على أسنة الرماح، وساروا بها في أنحاء المدينة، ثم علقوها على باب جسر لندن وانقضى ما بقي من ذلك النهار في سفك الدماء. وطالب تجار لندن، الذين أبو المنافسة الفلمنكية الجماهير أن تقتل كل فلمنكي تجده في العاصمة. وكان يقدم إلى المشكوك في جنسيته الخبز والجبن، ويطلب إليه أن يسميهما، فإن نطق اسميهما بلهجة فلمنكية دفع حياته ثمناً لذلك. وقتل في ذلك اليوم نيف ومائة وخمسون من التجار وأصحاب المصارف الغرباء في مدينة لندن وسقط كثير من رجال القانون الإنجليز، وجباة الضرائب وأنصار جون أف جونت بضربات الفؤوس في ثورة انتقامية لا تميز بين مذنب وبرئ. وقتل الصبيان في مختلف المهن والصناعات معلميهم والمدينون دائنيهم. وحتى إذا جاء منتصف الليل انسحب المنتصرون لينعموا بالراحة مرة أخرى بعد أن أشبعوا نهمهم.

وأبلغ الملك بهذه الأحداث فعاد أدراجه إلى مايل اند، ولم يتجه إلى البرج، بل إلى جناح والدته بالقرب من كنيسة سانت بول وقفل في الوقت نفسه عدد كبير من فرق اسكس وهرتفورد راجعين إلى ديارهم، ابتهاجاً بالمواثيق التي سجلت حريتهم. وفي الخامس عشر من يونية بعث الملك رسالة مهذبة، إلى فلول الثوار، يطلب إليهم في ظاهرة شمثفيلد خارج الدرجيت. ووافق تيلر على ذلك ولما كان رتشارد يخاف على حياته فقد قام بالاعتراف وتناول الأسرار المقدسة قبل الموعد المضروب، ثم ركب في حاشية تتألف من مائتي رجل أخفوا سيوفهم تحت أرديتهم غير العسكرية. وتوجه تيلر إلى شمنفيلد ولم يكن معه غير رفيق واحد يحرسه. وتقدم بمطالب جديدة غير معروفة على التحقيق ويبدو أنها كانت تتضمن مصادرة أملاك الكنيسة وتوزيع دخلها على الشعب. وأعقب ذلك نزاع، فقد وصف أحد حاشية الملك، تيلر بأنه لص فأمر تيلر مساعده، بقته فوقف العمدة ولورث في الطريق فما كان من تيلر إلا أن طعن ولورث الذي أنقذه الدرع المستور تحت عباءته وطعن ولورث بخنجره تيلر وأنفذ أحد سراة رتشارد سيفه في تيلر مرتين فعاد تيلر إلى رجاله صائحاً الخيانة، وسقط ميتاً عند أقدامهم فذهلوا من هذه الخيانة المفضوحة وأعدوا سهامهم وتأهبوا لإطلاقها. ومع أن عددهم كان قد أخذ في النقصان إلا أنهم ظلوا قوة لا يستهان بها وقد أحصاهم فروسافرت بعشرين ألف رجل من المحتمل أنهم كانوا يستطيعون الإحداق بحاشية الملك. ولكن رتشارد خرج إليهم في شجاعة وهو يصيح "أيها السادة، أتقتلون مليككم؟ سأكون رئيسكم وقائدكم، وستنالون مني ما تطلبون. وليس عليكم إلا أن تتبعوني إلى الحقول بعيداً " ومضى غير واثق أوعوا كلامه؟ أيتركونه حياً؟ وتردد الثوار. ثم اتبعوه واختلط معظم الحرس الملكي بهم.

أما ولورث فقد ركض بفرسه عائداً إلى المدينة، وأصدر أوامره إلى شيوخ النواحي الأربع والعشرين أن ينضموا إليه بكل القوات المسلحة التي يستطيعون حشدها. وكان كثيرون من المواطنين الذين عطفوا على الثورة أول الأمر قد أخذوا يحسون القلق من جراء أعمال القتال والتخريب، وشعر كل امرئ، يمتلك عقاراً أن أملاكه وحياته في خطر، وهكذا وجد العمدة لفوره جيشاً تحت إمرته يتألف من سبعة آلاف رجل كأنما انشقت عنهم الأرض. فعاد بهم إلى شمثفيلد، وهناك لحق بهم الملك وأحاط به، وعرض عليه أن يعمل السيف في الثائرين. فأبى رتشارد، فهم الذين وهبوا له الحياة عندما كان تحت رحمتهم، وهو لا يريد أن يبدو أقل منهم كرماً وقد أعلن إليهم أنهم أصبحوا أحراراً يستطيعون أن يرحلوا بسلام. وسرعان ما انقشع الذين بقوا من ثوار اسكس وهرتفورد، واختفى عصاة لندن في ديارهم، ولم تبق إلا ثلة كنت فاعترض رجال ولورث المسلحون، طريقهم إلى داخل المدينة ولكن رتشارد أمر أن لا يمسهم أحد بسوء، فتركوا المدينة آمنين، ثم اضطرب نظامهم ثانية على طول طريق كنت القديم. وعاد الملك إلى والدته، التي رحبت به ودموع الفرحة بسلامته في عينيها. وقالت: "آه، يا بني الصحيح، كم تحملت من الألم والعذاب من أجلك اليوم. "فأجاب الصبي": حقاً يا سيدتي أنني أحس ذلك جيداً، ولكن عليك الآن أن تبتهجي وتحمدي الله، لأنني اليوم استعدت ميراثي وكان مفقوداً، واستعدت ملك إنجلترا أيضاً(63).

وأصدر رتشارد في اليوم نفسه وهو الخامس عشر من يونية-وربما كان ذلك بتأثير العمدة الذي أنقذه-قراراً، ينفي من لندن، كل امرئ لم يقض فيها السنة الماضية بأسرها وإلا تعرض للموت صبراً. وأخذ ولورث وجنوده يفتشون في الطرقات والمساكن عن الغرباء، وقبضوا على كثيرين وقتلوا البعض..وكان بينهم رجل يدعى ستروا، اعترف، تحت وطأة التعذيب من غير شك، أن رجال كنت رسموا خطتهم لينصبوا تيلر ملكاً. وجاء في الوقت نفسه وفد من ثواراسكس إلى ولتام وطلبوا من الملك تصديقاً رسمياً للوعود التي قطعها على نفسه في الرابع عشر من يونية. فأجاب رتشارد بأن هذه الوعود قد صدرت بالإكراه، وليس في نيته أن يبقي عليها، وأخبرهم بنقيض ما توقعوا "لا تزالون أوغاداً، وستظلون أوغاداً"، وتوعد بالانتقام الرهيب من كل رجل يظل على عصيانه المسلح(64). ودعا المندوبون الناخبون أتباعهم أن بعثوا الثورة من جديد، فاستجاب البعض بيد أن رجال ولورث أبادوهم في مذبحة هائلة في الثامن والعشرين من يونية.

وألغى الملك المغيظ الحانق في الثاني من يولية جميع المواثيق وعهود الأمان التي أصدرها إبان الثورة، ومهد الطريق إلى تحقيق قضائي عن هوية زعماء الفتنة وأعمالهم. فقبض على المئات، وحوكموا، وقتل مائة وعشرة أو اكثر. واعتقل جون بول في كفنتري، فاعترف جريئاً بدوره القيادي في الثورة، ورفض أن يطلب العفو من الملك. فشنق، وسحل، وقطعت جثته أربعة، ووضعت رأسه مع رأس تيلر وجاك سترو في مكان رأسي سديري وهيلز لتزين جسر لندن. وفي الثالث عشر من نوفمبر عرض رتشارد على البرلمان تقريراً عن أعماله، وقال، إذا كان المجتمعون من الأساقفة والأعيان والعامة يرغبون في تحرير رقيق الأرض، فإنه يرغب في ذلك أيضاً. ولكن كان جلهم من أصحاب الأراضي، الذين لا يستطيعون أن يقبلوا حق الملك في تجريدهم من أملاكهم، وكانت نتيجة التصويت وجوب الإبقاء على جميع العلاقات الإقطاعية"(65). وعاد الفلاحون المنهزمون إلى محاريثهم، والعمال المنحوسون إلى مغازلهم.

  

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الثورة الكبرى -> الأدب الجديد

 1- الأدب الجديد  

كادت اللغة الإنجليزية تصبح، بعد أن مرت بمراحل بطيئة، وسيلة ملائمة للأدب. فقد أوقف الغزو النورمندي عام 1066، تطور اللغة الانجلوساكسونية إلى الإنجليزية، وظلت الفرنسية هي اللغة الرسمية للمملكة فترة من الزمان. ونشأت بالتدريج مفردات ولهجة جديدة، أساسها ألماني، يخالطها وتزينها كلمات وصيغ غالية. ولعل الحرب الطويلة مع فرنسا قد حفزت الأمة إلى أن تتمرد على السيطرة اللغوية لعدوها. فأعلن عام 1361 أن الإنجليزية هي لغة القانون والمحاكم، واستحدث حامل أختام الملك سابقة دستورية عام 1363 بافتتاحه البرلمان بخطية إنجليزية. وظل العلماء والمؤرخون والفلاسفة (إلى عهد فرنسيس بيكون) يكتبون باللغة اللاتينية لتصل كتاباتهم إلى قراء من دول مختلفة، بيد أن الشعراء ومؤلفي المسرحيات أنشئوا من ذلك بلغة إنجلترا.

وأقدم مسرحية باقية بالإنجليزية "من مسرحيات الخوارق"-هي عرض درامي لقصة دينية-أخرجت في مدلاندز. حوالي عام 1350 بعنوان القضاء على الجحيم، وقد مثلت مفاخرة بين الشيطان والمسيح عند مدخل الجحيم وأصبح مألوفاً في القرن الرابع عشر بين نقابات كل مدينة أن تعرض حلقة من مسرحيات الخوارق، بأن تعد النقابة مشهداً، من الكتاب المقدس عادة، وتنقل الممثلين والمعدات في سفينة، وتؤدي المشاهد على مسارح مؤقتة تشيد في الساحات الشعبية في للمدينة، وتعرض نقابات أخرى في الأيام التالية ما يليها من المشاهد من قصص الكتاب المقدس نفسه.وأقدم ما يعرف الآن من هذه الحلقات هي خوارق شستر، التي مثلت عام 1328، حتى إذا جاء عام 1400 عرضت حلقات مشابهة في يورك وبيفولي وكمبردج وكفنتري وريكفيلد ولندن ولقد أثمرت الخوارق اللاتينية، في فترة مبكرة ترجع إلى عام 1182، نوعاً جديداً أطلق عليه "المعجزة" التي تدور حول كرامات بعض القديسين وآلامهم وظهر حوالي عام 1378 نوع آخر-هو المسرحية الأخلاقية-يبرز مغزى أخلاقياً، بتمثيل إحدى الحكايات، لا بما بلغ هذا القالب ذاته في مسرحية "كل إنسان" (1480). ونحن نسمع في فترة مبكرة من القرن الخامس عشر عن قالب مسرحي آخر، أقد عهداً بلا شك وهو "الفاصل" ولم يكن تمثيلية بين تمثيليات، ولكنه عرضاُ يقوم به ممثلان أو أكثر ولا ينحصر موضوعه في الدين أو الأخلاق، وربما كان دنيوياً مرحاً مسفاً مفحشاً. ومثلت فرق من المنشدين الجوالين هذه الفواصل في أبهاء قصور الأمراء أو دور النقابات، وساحات المدن والقرى، أو فناء إحدى الحانات. وأنشأت اكستر عام 1348 أول دار إنجليزية معروفة للتمثيل، هي أول مبنى أوربي وقف على العرض المسرحي وحصص له منذ المنشآت الرومانية الكلاسيكية ولعل الكوميديات قد نشأت عن هذه الفواصل، أما تراجيديات المسرح الاليزابيثي الخصب فلعلها نشأت عن الخوارق والأخلاقيات.

وأول قصيدة عظيمة- هي من أعجب وأقوى القصائد-في اللغة الإنجليزية هي الموسومة بعنوان "رؤيا وليام المتعلقة ببترز الحراث". ولا يعرف عن مؤلفها شيء إلا ما يستشف من قصيدته، ونحن إذا افترضنا أنها سيرة ذاتية، فإننا نستطيع أن نسمه وليام لانجلاند ونجعل مولده من عام 1332. ولعله شغل مراتب كنيسة دنيا، ولم يصبح قط قسيساً، وأخذ يجوب الأنحاء حتى بلغ لندن، وحصل على الكفاف، بترتيل المزامير في القداس من أجل الموتى وعاش ماجناُ يتأثم بـ"جشع النظرة وشهوانية الجسد"، وكانت له ابنة لعله تزوج أمها، وعاش معها في خص متواضع في كونهيل. ويصف نفسه بأنه طويل، نحيل، يرتدي إزاراً قاتماً يناسب حطام آماله الغبراء وشغف بقصيدته التي أصدرها ثلاث مرات (1362، 1377، 1349)، وكان يطيل في نسجها كل مرة مثله مثل الشعراء الانجلوسكسونيين، لا يستعمل القافية، وإنما يصطنع النظم الذي يجانس أوائل الكلمات مع اضطراب الوزن.

وبدأ بتصوير نفسه وقد غلبه النوم على أحد تلال مالفرن، فرأى فيما يرى النائم "حقلاً يعج بالناس" جماهير من الأغنياء والفقراء ومن الأخيار والأشرار، ومن الصغار والكبار بينهم سيدة جميلة نبيلة يرمز بها إلى الكنيسة المقدسة. وهو يركع أمامها ويسألها "لا أن تمنحيني كنزاً من الكنوز، ولكن خبريني كيف أنقذ روحي" فتجيب:

إذا امتحنت جميع الكنوز، فالصدق أحسنها..ومن يصدق بلسانه، ولا يقول غير الصدق، ولا يسيء إلى أحد بعمله، ولا ينوي له الشر بقلبه، فإنه حري في نظر الإنجيل أن يكون إلهاً. وفي منزلة مولانا(67).

ورأى في منام آخر، الكبائر سبع، واتهم الإنسان في كل واحدة منها باللؤم في سخرية لاذعة. وغلب عليه في فترة من الزمن، تشاؤم ساخر جعله يتوقع نهاية قريبة للعالم. وإذا ببترز (بطرس) الحراث يظهر في القصيدة. وهو فلاح نموذجي أمين ودود كريم يثق به الجميع كادح يخلص لزوجته وأطفاله وهو ابن بار للكنيسة دائماً. ورأى وليام في أحلام تالية نفس الرجل يبرز، على أنه المسيح المتجسد في صورة البشر، في صورة بطرس الرسول، في صورة بابا، ثم يختفي بانشقاق الكنيسة ومجيء المسيح الدجال. ويقول الشاعر، إن رجال الدين، لم يعودوا الخلف القادر على إنقاذ الأرواح، فقد فسد معظمهم، إذ يخدعون البسطاء، ويغفرون للأغنياء ويتقاضون ثمن غفرانهم ويتجرون في المقدسات، ويبيعون الجنة نفسها في مقابل فلس واحد. وما الذي يستطيع المسيح أن يفعله في هذه المحنة العامة؟ يقول وليام، عليه أن يعود مرة أخرى، ويتامى على كل الجماعات الحية المتداخلة على ضروب الفساد، ويبحث عن المسيح نفسه.

وفي قصيدة بترز الحراث نصيب من الهذو، أما مجازاتها الغامضة ففيها إملال، لكل قارئ يدرك أن الوضوح، مسئولية معنوية، يجب أن ينهض بها المؤلفون. وهي على ذلك قصيدة صادقة تنكل بالأشرار في غير تعصب، وتصور المشهد الإنساني تصويراً حقاً، وترفع بلسان العاطفة والجمال إلى ذروة لا تضارعها سوى حكايات كانتربري في الأدب الإنجليزي إبان القرن الرابع عشر، وكان تأثيرها عظيماً، حتى لقد أصبح بترز بالنسبة إلى ثوار إنجلترا، رمزاً للفلاح الجريء المستقيم، ولقد امتدحه جون بول لثوار اسكس عام 1381،وبعث اسمه، بعد ذلك بكثير في عصر الإصلاح عند نقد النظام الديني القديم والمطالبة بنظام جديد (69). وختم الشاعر أحلامه بأن تحول منبترز الذي يمثل البابا، إلى بترز الفلاح مرة أخرى وهو يقول في الختام، إذا كنا جميعاً مثل بترز فلاحين بسطاء، نتبع المسيحية فذلك أعظم الثورات وآخرها، ولن يحتاج العالم إلى غيرها أبداً.

أما جون جور، فشاعر أقل من لا نجلد العجيب، خيالاً وأضعف شخصية. ذلك أنه كان من أصحاب الأراضي الأغنياء في كنت. فامتلأ ذهنه بالكثير من عناصر التحذلق والعلم، وكان بليد القريحة. فيما أنشأ بثلاث لغات. وهاجم أيضاً أخطاء رجال الدين، ولكنه كان يرتعد فرقاً من هرطقة المصلحين الإنجليز الأوائل اللولارد وتعجب من وقاحة الفلاحين الذين قنعوا يوماً بالقمح والجعة، وإذا بهم اليوم باللحم واللبن والجبن. ويقول جور ثلاثة أشياء لا ترحم، إذا لم يكبح جماحها: الماء، والنار، والغوغاء، ألح الضيق بجوير المثالي من هذا العالم فانشغل بالآخرة، واعتزل في شيخوخته بصومعة. واتفق السنة الأخيرة من حياته في الصلاة وكف البصر. ولقد أعجب معاصريه بأخلاقياته، وأسفوا على سلوكه وأسلوبه، وتخلصوا منه إلى تشوسر.

  

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الثورة الكبرى -> جيوفري تشوسر

 2- جيوفري تشوسر

 1340 - 1400

كان رجلاً يتدفق فيه دم إنجلترا المبتهجة وخمرها، رجلاً قادراً على أن يطوي في قلبه الحياة الطبيعية، وأن يرسم وخزها في مرح متسامح، ويصور جميع مراحل المجتمع الإنجليزي، بريشة جد عريضة كريشة هوميروس، وروح شهوانية كروح رابليه.

وكان اسمه، كأكثر مفردات لغته، فرنسي الأصل، ومعناه الإسكاف، وربما كان ينطق شوساير، وللوراثة مداعباتها لأسمائنا، وهي إنما تذكرنا بأن نصوغ أنفسنا طبقاً لهواها..فهو ابن جون تشوسر، خمار لندني. لقد نال حظاً طيباً من العلم بفضل الكتب والحياة معاً، وينضح شعره بمعرفة الرجال والنساء من ناحية والأدب والتاريخ من ناحية أخرى. ولقد سجل اسم "جيوفري تشوسر" رسمياً عام 1375، وليكن في حاشية دوق كلارنس المقبل. وبعد ذلك بعامين رحل ليحارب في فرنسا، وأسر، ثم افتداه إدوارد الثالث. ونحن نجده عام 1367 أحد الأعيان في مجلس الملك، بمعاش مقداره عشرون مارك سنوياً. وكاد إدوارد كثير الرحلة مع حاشيته وأغلب الظن أن تشوسر كان يصحبه مستمتعاً بجمال إنجلترا وتزوج عام 1366 فيليبا، إحدى وصيفات الملكة، وظل على خلاف معها حتى ماتت واستمر ريتشارد الثاني يجري عليه معاشاً، أضاف إليه جون أمير جونت، عشرة جنيهات كل سنة كما حصل على هبات أخرى من الطبقة العليا وهذا يفسر السبب الذي من اجله لم ينتبه تشوسر إلى الثورة الكبرى مع أنه كان خبيراً بالحياة.

وفي التقاليد الحسنة في تلك الأيام التي كلف الناس فيها بالشعر والفصاحة، أن يوفد الأدباء في مهام سياسية في الخارج. فانتدب تشوسر مع آخرين للمفاوضة على عقد اتفاقية تجارية في جنوة عام 1372، كما ذهب عام 1378، بصحبته سير إدوارد بيركلي، إلى ميلان. ومن يدري لعله لقي هناك بوكاشيو العليل، أو بترارك الطاعن في السن؟ ومهما يكن من شيء فقد كانت إيطاليا نقطة تحول في إلهامه. ذلك أنه رأى فيها الثقافة أكثر صقلاً وعلماً وبراعة من إنجلترا، وتعلم أن يحتفي بالآداب الكلاسية، وباللاتينية منها على وجه خاص، وتحول عن الثائر الفرنسي الذي صاغ قصائده الأولى، إلى الإيطالي في الأفكار، وقوالب النظم والموضوعات. حتى إذا عاد إلى موطنه، وإلى مشاهده وشخصياته، كان قد أصبح فناناً بارعاً، ومفكراً ناضجاً.

وما من امرئ في إنجلترا وقت ذاك استطاع أن يكسب عيشه من القريض، ونحن نعتقد أن معاش تشوسر قد يسر له السكن والغذاء والكساء، ذلك أن مجموع ما حصل عليه عام 1378، كان قريباً من عشرة آلاف دولار بالحساب النقدي في أيامنا، يضاف إلى ذلك المعاش الذي كانت تحصل عليه زوجته من جون اوف جونت ومن الملك. ومهما يكن من شيء فقد أحس تشوسر الحاجة إلى استكمال دخله بالتعيين في مناصب حكومية مختلفة. فعمل اثني عشر سنة (من عام 1374-1386) "ومراقباً للجمارك والمكوس" واتخذ له في هذه الفترة مسكناً في قلعة "الدجيت" ودفع في عام 1380، مبلغاً لم يذكر مقداره إلى سيسيليا تشومبين لتتنازل عن ادعائها بأنه أغتصبها. وعين بعد ذلك بخمسة أعوام قاضي الصلح لمقاطعة كنت، وفي عام 1386 سعى حتى انتخب في البرلمان. وكان يقرض شعره في فترات الراحة من العمل. ووصف نفسه في قصيدته "دار الشهرة" بأنه يعود إلى بيته "بعد أن يسدد ما عليه، وينسى نفسه في كتبه، ويجلس جامداً كالصخر، ويعيش كالناسك في كل شيء إلا الفقر والعفة والطاعة. ويقف ملكاتهِ على تقنية كتبه وأغانيه وأناشيده". ويخبرنا بأنه نظم في شبابه "كثيراً من الأغاني وقصائد التشبيب" ولقد ترجم كتاب فينوس "عزاء الفلسفة". في نثر جيد، وجزءاً من قصيدة جويوم دولوريس "قصة الورد" في نظم بارع. وبدأ فيما يمكن أن يسمى المقطعات الشعرية الهامة "دار الشهرة"، "كتاب الدوقة"، "برلمان الدجاج"، "أسطورة النساء الطيبات"، ولقد سبق وأوضح لنا بأنه لم يكن قادراً على إتمامها. وهذه القصائد جهود تنبئ عن طموح وإن كانت تقليداً صريحاً للأصول الأوربية في الموضوع والشكل جميعاً.

ودأب تشوسر على التقليد بل الترجمة في أحسن قصائده المفردة وهي ترويلوس وكريسيد، فاستعار من "الفلستر اتو" لبوكاشيو 2730 بيتاً وأضاف 5696 بيتاً من مصدر آخر أو صاغها بنفسه. ولم يبذل محاولة ما ليخدع القارئ عن هذه الحقيقة، فهو يذكر مصدره مراراً ويعتذر عن عدم ترجمته بأسره، وبعد هذا التحول من أدب إلى آخر مقبولاً ومفيداً فإن الذين نالوا حظاً من كبيراً من التعليم لم يكونوا يستطيعون وقت ذاك أن يفهموا غير لهجتهم الخاصة. فموضوع القصة حق مشاع كما اعتقد مؤلفو التمثيليات من الإغريق والإنجليز في عهد إليزابيث، والفن إنما يتركز في الشكل.

 وتعد ترويلوس التي نظمها تشوسر على الرغم من جميع هذه النقائص، أول قصيدة، قصصية عظيمة في اللغة الإنجليزية. ولقد وصفها سكوت بأنها "طويلة مملة" وأنها كذلك وقال روزيتي "لعلها أجمل قصيدة قصصية على شيء من الطول في اللغة الإنجليزية"، وهذا أيضاً صحيح. ذلك لأن القصائد الطويلة كلها مملة مهما كان جمالها، فالعاطفة من مقومات الشعر فإذا استغرقت 8386 بيتاً، فإنها تصبح نثراً بسرعة انطفاء الرغبة. ولن تحتاج أي سيدة إلى مثل هذه الأبيات الكثيرة لكي تنام، وقلما تردد الحب وتأمل وماطل وأذعن بهذه البلاغة الفاخرة والأخيلة المطربة، والقافية السهلة السلسة. ولا يضارع هذا النهر العظيم الفياض من النظم سوى رتشارد سون في نثره المتدفق كنهر المسيسبي في تصوير الحب، بأناة، تصويراً نفسياً. ومع ذلك فإن الخطابية المجنحة في سرف وصياغة الكلمات التي لا تحد وسعة المعرفة المعترضة لم تستطيع أن تفسد القصيدة. فهي فوق هذا كله حكاية فلسفية تصور كيف خلقت المرأة للحب، وسرعان ما تحب شخصاً ثانياً إذا طالت غيبة الأول عنها. وفيها شخصية واحدة رسمت وكأنها حية تسعى: بندارس الذي كان في الألياذة قائد جيش ليشيا في طروادة ولكنه يصبح هنا شخصية مفرطة داهية ديوثا جريئاً يقود العاشقين إلى الخطيئة وحسبنا هذه الكلمة تعليقاً عليه. أما ترويلوس فهو محارب مشغول بمدافعة اليونان ويحتقر الرجال الذين يتلكأون على الصدور اللينة ويصبحون عبيد الشهوة، وهو يجن بكريسيد حباً من أول نظرة. ولم يفكر بعد ذلك إلا في جمالها ودلالها ورقتها. وبعد أن انتظرت كريسيد في شوق، مدى ستة آلاف بيت من الشعر، من هذا الجندي الحي أن يصرح بحبه، تقع بين ذراعيهن وقد تنفست الصعداء آخر الأمر، وسرعان ما ينسى ترويلوس عالمين في وقت واحد: مرت منه جميع الهموم الأخرى.   هموم الحصار وهموم خلاص الروح. 

 

 

وما إن أجهد شوسر نفسه في الحصول على هذا الوجد، حتى يتخطى مسرعاً نعيم العاشقين إلى المأساة التي تنقذ القصيدة من الإملال. فقد هجر والد كريسيد قومه إلى اليونان، فأرسل الطرواديون وقد لاح عليهم الغضب كريسيد إلى هناك في مقابل الأسير أنتينور. وافترق العاشقان البائسان بعد أن قطعا على نفسيهما العهود بالوفاء إلى الأبد. ولما وصلت كريسيد إلى اليونان منحت إلى دياميدس، الذي أوقع أسيرته في شراكه برجولته ووسامته-فاستسلمت في صحيفة واحدة من القصيدة وهو ما كان قد حشد قبل ذلك في كتاب. وفطن ترويلوس إلى ذلك، فبادر إلى الحرب باحثاً عن دياميديس وإذا به يلقى مصرعه برمح اخيل. وختم تشوسر ملحمته الغرامية بابتهال إلى لبثلوث المقدس، بعث بها وقد أنبه ضميره "إلى جوور الأخلاقي لتصححها بسماحتك".

وربما يكون قد بدأ "حكايات كانتبري" عام 1387 وكان مشروعاً رائعاً، أن ينظم إلى جمع مختلف من البريطانيين في حانة تابرد في سوث وارك، حيث تعاطى شوسر أقداحاً كثيرة من الجعة-ثم يركب معهم في عطلة الحج إلى ضريح بكت في كانتربري، ويضع على أفواههم الحكايات والأفكار التي جمعها الشاعر من رحلاته طوال نصف قرن. ولقد استعملت هذه الوسائل لجمع القصص بعضها إلى بعض، قبل ذلك مراراً، ولكن هذه الوسيلة أحسنها جميعاً. ولقد حشد بوكاشيو في مجموعته "ديكاميرون" طبقة واحدة فقط من الرجال والنساء، ولم يظهرهم شخصيات مختلفة، أما تشوسر فخلق حانة زاخرة بالشخصيات، بلغت حداً من الواقعية في عدم التجانس، حتى بدت أقرب إلى الحياة الإنجليزية من الأعلام التاريخية الجامدة، إنهم يعيشون ويتحركون كما يتحرك الأحياء بالضبط، إنهم يحبون ويكرهون، ويضحكون ويبكون، نحن لا نسمع وهم يجسون خلال الطريق الحكايات التي يقصونها فقط، ولكنا نسمع متاعبهم ومشاجراتهم وفلسفاتهم.

ومن الذي يعترض على ذكر هذه الأبيات المخضلة بنضارة الربيع مرة أخرى؟

 

 عندما يحل ابريل بشآبيبه 

تكون رياح مارس قد نفذت إلى الجذور، 

وغسلت كل يوم كرم برحيق أغصانها، 

وتكون الزهرة هي الفضيلة التي أثمرت، 

وعندما ألهمت الريح القرية بأنفاسها الحلوة 

في كل حقل وكل مرج، أيضاً 

النباتات الندية، تكون الشمس الفتية 

قد سارت نصف مدارها في برج الحمل ، 

فترسل بغاث الطير أنغامها، 

 وهي التي أنفقت الليل بطوله مفتوحة الأعين،.. 

ثم يذهب الناس المشوقين إلى الحج... 

إلى الأضرحة البعيدة، المعروفة في بقاع شتى.. 

وفي سوثورك في تاباد حيث أقطن 

أسعد لأقوم بالحج 

إلى كانتربري بغرم خالص كامل، 

وجاء إلى المنزل في الليل. 

تسعة وعشرون صحبة واحدة، 

 من أناس مختلفين، التقوا بالصدفة 

وألفوا زمراً، وهم جميعاً حجاج، 

يتجهون راكبين إلى كانتربري   

ثم يقدمهم تشوسر الواحد بعد الآخر في رسومه الطريفة من استهلاله  

الذي لا يضارع، 

وكان بينهم فارس، وهو رجل محترم، 

وهو في ذلك الزمان أول من بدأ 

الخروج راكباً، فقد كان يحب الفروسية، 

والصدق، والشرف، والحرية والتهذيب.. 

 وقد خاض المعارك الدامية، 

 وحارب من أجل عقيدتنا في ترامسين... 

ومع أنه كان جديراً بالاحترام، إلا أنه كان حكيماً، يشبه في هيئته

العذراء 

 ولم يصدر عنه الخبث ولم يقله 

في كل حياته، ولم يعرف عنه خلق فظ؟ 

 فلقد كان فارساً كاملاً دقيقاً. 

وابن الفارس: 

 

...سيد شاب، 

عاشق، وأعزب شهواني.. 

وقد توله في عشقه، حتى أنه في كثير من الليالي. 

لا ينام أكثر مما ينام العندليب. 

 

وحارس يخدم الفارس والسيد، وراهبة بارعة الجمال: 

وكانت هناك أيضاً راهبة، رئيسة راهبات، 

وفي بسمتها البساطة والخفر،   

وقسمها الأعظم هو بالقديس لويس، 

وكانت تدعى مدام اجلنتين. 

 تحسن ترتيل الصلاة، 

مفعمة بالغنى الكامل... 

وكانت جد محسنة رحيمة 

تجهش بالبكاء، إذا رأت فأراً 

وقع في مصيدة، فمات أو جرح 

ولها جراء صغار، تطعمها 

باللحم المقلي أو اللبن وفتات الخبز، 

وتبكي بحرارة إن مات أحدها.. 

وتلف معصمها بسوار من المرجان الصغير   

وخرزتين مذهبتين ومزخرفتين باللون الأخضر. 

ويتلألأ على صدرها دبوس من الذهب، 

منقوش على أوله حرف "ا" متوجاً، 

وبعده عبارة "الحب ينتصر على الجميع". 

يضاف إلى هؤلاء راهبة أخرى، وثلاثة قسس. وناسك مرح "يجب 

الصيد"، وراهب لا يضارع في إخراج الاكتتاب من حوافظ المتقين،   

ومع أنه كان أرملاً لا ينتعل حذاءاً، 

إلا أنه راضياً في مبادئه. يستطيع أن يحصل على فلس، قبل أن 

يمضي 

 ويكلف تشوسر بطالب الفلسفة الشاب أكثر من غيره:

وكان بينهم أيضاً كاتب من أكسفورد، 

قطع في دراسة المنطق مرحلة طويلة. 

وجواده ضامر مثل الكلب الأعجف، 

لقد رأيته غير بدين. 

يبدو نحيلاً، غاية في ال تعقل. 

تلفه سترة من الخيط،   

فلم يكن يحصل على صدقة من الكنيسة، 

ولم يكن خبيراً بشؤون الدنيا ليحصل على وظيفة. 

فوضع لنفسه على رأس السرير. 

عشرين كتاباً مجلدة بالأسود أو الأحمر، 

عن أرسطاليس وفلسفته. 

 وهي عنده أفضل من الثياب النفيسة أو القيثارة الطروب.. 

 وبذل في دراسته فائق عنايته وغاية انتباهه. ولا يلفظ بكلمة لغو. 

ولم يكن يسمع إلا متحدثاً عن الفضيلة الأخلاقية. وكان يسره أن يتعلم، 

 

وأن يعلم: 

وهناك أيضاً "زوجة باث" وسنتحدث عنها بعد قليل، وراعي كنيسة 

فقير "وهو غني بأفكاره وأعماله الدينية" وفلاح، وطحان، على أطراف 

أنفه......وتقف دونها خصلة من شعر أحمر كالشعر الخشن على أذني 

خنزير، وأحد زبائن حانة أوزميل، أو ناظر ضيعة، أو محضر محكمة: 

 

كان وغداً رقيقاً حنوناً، 

ولا يجد الناس خيراً منه. 

وهو يجاهد للحصول على ربع نبيذ، 

وقرينة حسنة تصبح له حظية   

اثني عشر شهراً، ثم تخليه وهي حامل 

...ويركب معه بائع غفران طيب.. 

 وجعبته أمامه على حجره،   

تمتلئ إلى حافتها بصكوك غفران لا تزال كلها دافئة من روما، وكان هناك تاجر، ورجل قانون، وصاحب أعمال، ونجار ونساج، وصباغ، ومنجد وطباخ وبحار، وكان هناك جيوفري تشوسر نفسه، يقف جانباً في خجل، بديناً من العسير احتضانه "ويفحص الأرض بنظراته كأنما يفتش عن أرنب" ولم يكن مضيفاً أقلهم شأناً، وه صاحب حانة تابارد، الذي يقسم أنه لم يرفه عن جماعة كبيرة العدد كهذه، والواقع أنه عرض عليهم أن يذهب معهم وأن يكون دليلهم، واقترح لكي يقضوا الرحلة الستة والخمسين ميلاً، أن يروي كل حاج قصتين في الذهاب وأخريتين في الإياب، وأن من يروي أحسن قصة، سيتناول العشاء على حساب الجميع، عندما يعودون إلى الحانة. واتفق الكل على ذلك، واكتمل المشهد المتحرك لهذه الملهاة الإنسانية، وبدأ الحج، وروى الفارس المهذب الحكاية الأولى-كيف أن صديقين حميمين بلاجونوارسيت، رأيا فتاة تجمع الأزهار في بستان فوقع كلاهما في حبها، واختصما من أجلها في مبارزة دامية... لتكون المكافأة السنية لمن ينتصر منهما.

ومن ذا يصدق أن فلما رومنسياً كهذا، يستطيع أن يتحول في بيت واحد، من إطناب الفروسية إلى الإفحاش في قصة الطحان؟ ولكن الطحان كان يحتسي الخمر وتوقع أن عقله ولسانه قد ينفلتان في شراكهم المنصوب. ويعتذر تشوسر عنه وعن نفسه-فيجب عليه أن يسجل كل شيء بإخلاص-ويدعو القارئ المتعفف أن يتجاوزها إلى قصة أخرى "فإن هذا يخدش الحياء؟ والأخلاق والدين". وتبدأ حكاية رئيسة الراهبات بنبرة دينية حلوة، ثم تردد الأسطورة الفاجعة التي تتحدث عن غلام مسيحي، يقال أن يهودياً ذبحه، وكيف أن محافظ المدينة قام بواجبه وقبض على يهودها وعذب عدداً منهم حتى ماتوا.وينتقل تشوسر من هذا الورع الديني في الاستهلاك، إلى حكاية تاجر صكوك الغفران.. إلى سخرية لاذعة بباعة متجولين لصكوك الغفران، وأصبح عمر هذا الموضوع قرناً من الزمان، عندما أذاعه لوثر في العالم، ثم تحول في الاستهلاك إلى حكاية زوجة باث، وبلغ شاعرنا الحضيض في أخلاقياته والذروة في قوته. إنه احتجاج معربد على العذرية والعزوبة، أجرى على لسان فاجر مدرب على شئون الزواج، لسان امرأة حصلت على خمسة أزواج، مذ كانت في الثانية عشرة من عمرها، ودفنت أربعة منهم، وتبحث السادس ليخفف من سورة شبابها.

 

 لقد دعانا الله إلى أن ننمو ونتكاثر.. 

ولم يذكر العدد الذي نبلغه، 

الزواج من اثنين أو ثمانية، 

فلماذا يتحدث المرء عنه بسوء؟ 

يا عجباً.. هذا هو الملك الحكيم سيدنا سليمان، 

أحسب أنه اتخذ أكثر من زوجة، 

كما ترك الله الأمر لي 

أن أجدد حياتي كالرجل أكثر من مرة...   

وا أسفاً وا أسفاً أن يعد الحب خطيئة!   

ولن نورد هنا اعترافاتها الفسيولوجية، ولا ما يناظرها من اعتراف مذكور في حكاية سنمور، حيث يعكف تشوسر على دراسة تشريح البطن المنتفخة. ويصبح الجو مهيأ عندما نصل إلى جريزلدا المطيعة أبداً، في حكاية أكسفورد الكهنوتية، ولم يستطع بوكاشيو أو بترارك أن يرويا هذه الخرافة التي حلم بها رجل ألح الضيق عليه بنفس الجودة التي رواها بها تشوسر.

ولم يعطنا تشوسر غير ثلاث وعشرين من الحكايات الثمانية والخمسين التي وعدنا بها في المقدمة، ولعله شعر مع القارئ أن الخمسمائة صحيفة تكفي، وأن نبع ابتكاره قد جف. بل إننا نجد في هذا التيار المتدفق فقرات كدرة. تتجاوزها العين الناقدة. ومهما يكن من شيء فإن التيار البطيء العميق، يحملنا على صفحته وينشر جواً من النضارة، كان الشاعر قد عاش على طوال الشواطئ الخضراء، لا عند بوابة لندن-ومع ذلك فليس نهر التاميز بعيداً عن العين. وتعد بعض الأناشيد من ناحية الجمال الخارجي تمرينات أدبية جامدة، ومع ذلك فإن الصورة المتحركة تأتي حية بشعور وحديث طبيعيين مباشرين، وقلما توجد مثل هذه الملاحظة الكاشفة السريعة للناس والأخلاق بين دفتي كتاب واحد، ولن يزودنا غير شكسبير بعد ذلك بمثل هذا الحشد من الصور والتشبيهات والمجازات (ويعتلي بائع صكوك الغفران المنبر ويومئ يميناً وشمالاً بين الجمهور كحمامة على سقف مخزن للحبوب) ولقد أصبحت لهجة شرق مدلاند التي استعملها تشوسر، لغة إنجلترا الأدبية، وكانت مفرداتها قد كثرت إلى الحد الذي يتيح لها التعبير عن جمال الفكر ومناهجه وهكذا صارت لغة الحديث عند الإنجليز للمرة الأولى وسيلة الفن الأدبي العظيم.

وكانت مادة أدبه، كما هو الحال عند شكسبير، مطروقة من قبل. ذلك أن تشوسر استعار قصصه من كل مكان. حكاية الليل من تيسيد لبوكاشيو، وجريزلدا من مجموعة "ديكاميرون"، وأكثر من عشر حكايات من الخرافات الفرنسية. ويفسر المعنى الأخير ما اتسم به تشوسر من فحش، ومع ذلك، فإن أنكر قصصه لا يعرف له مصدر غير شخصه. وليس من شك في أنه كان يشارك كتاب المسرح في عهد اليزابث، في الاعتقاد بأن الأشخاص الذين تدور عليهم يجب أن يعطوا جرعة فاجرة بين حين وآخر لكي يظلوا أيقاظاً، ولقد جعل تشوسر رجاله ونساءه يتكلمون كأنما يناظرون طبقتهم الاجتماعية وأسلوبهم في الحياة، وهو يكرر، أنهم أكثروا من احتساء الجعة الرخيصة. ومرحه في الغالب غير مريض من القلب، تحفزه الشهوة، لا بد أن تكون ممتلئة حسنة الغذاء لقوم من الإنجليز قبل تزمت الطهريين، ولقد مزج هذا المرح مزجاً بارعاً بكل ما في البديهة الإنجليزية الحديثة من حيلة ودهاء.

وكان تشوسر على علم بأخطاء البشر وذنوبهم، وجرائمهم وحماقاتهم وغرورهم، ولكنه أحب الحياة على الرغم من هذا كله، وصبر على كل امرئ لا يسرف في التبجح وقلما يفضح، وحسبه أن يصف. وأن يسخر من نساء الطبقة الوسطى الدنيا في حكاية زوجة باث، ولكنه أعجب بقوتها الحيوية العارمة. وكان قاسياً غير مهذب مع المرأة، قد تكشف كلماته وانتقاداته اللاذعة عن الزوج الجريح المنتقم بقلمه عن حياء لسانه عن التعبير بالليل. وهو على الرغم من ذلك يتلطف في الحديث عن الحب، ولا يعرف نعمة أعظم منه، ويملأ معرضاً كاملاً بصور النساء الطيبات. ولا يعترف بالفضل الذي يرتكز على الوراثة، ويرى "أن الفاضل إنما هو الذي يقوم بعمل فاضل" بيد أنه لا يثق في تردد العامة، والمغفل عنده هو كل من يربط حظه بالشهرة أو يندمج مع الغوغاء.

وكان متحررا إلى حد كبير من خرافات عصره. فعرض بأدعياء اليكاويين، ومع أن الذين سردوا حكاياته ذكروا التنجيم، إلا أن تشوسر نفسه قد استنكره. وكتب إلى ابنه رسالة عن الإسطرلاب، أظهر فيها دراية حسنة بالمعارف الفلكية الشائعة. ولم يكن عالماً متبحراً، وإن كان شغوفاً بإظهار علمه، فحشا صفحاته بفقرات من "بيوشيوس" بل إنه جعل زوجة باث تستشهد "بسينكا". ويورد مشكلات في الفلسفة وعلوم الدين، ولكنه يهز كتفيه أمامها عجزاً ولعله شعر، بما يشعر به الرجل العلمي، بأن الفيلسوف الفطن لا يتوسل في حياته اليومية بمعارفه عما وراء الطبيعة.

أكان مسيحياً مؤمناً؟ لا يوجد شيء يضارع غلظته وفظاظته في هجائه للرهبان، في الاستهلال وفي تضاعيف حكاية "سومنور"، ولكم صوب نفر من المؤمنين المحافظين للإخوان مثل هذه الطعنات. وهو يثير الريب هنا وهناك، حول بعض العقائد الدينية الجامدة، ولم يكن يستطيع أن يفعل أكثر من لوثر في التوفيق بين العلم الإلهي السابق وبين إرادة الإنسان الحرة، وهو يجعل ترويلوس يشرح النظرية الجبرية، ولكنه يرفضها في الاستهلال له. وهو يؤكد اعتقاده في الجنة والنار، ولكنه يعلق على ذلك في شيء من الطول،بأنهما غايتان لا يعود منهما مسافر يشهد على صدق وجودهما.  

وكانت الشرور تقلق باله وبخاصة تلك التي لا تنسجم مع القدرة المطلقة على الخير. ويجعل "اركمسيت" يتساءل عن العدل الإلهي بعبارات جريئة كعبارات عمر الخيام:

 أوه أيتها الربة القاسية، يا من تحكمين 

 هذه الدنيا برباط من كلمتكِ الخالدة، 

وكتبتِ في لوح قدّ من صخر 

كلامكِ وعظمتكِ الخالدة، 

وماذا تكون البشرية في تقديركِ 

أكثر من خراف تزدحم في حقل؟ 

لأن الإنسان يحق عليه الذبح كغيره من الأنغام.   

وهو يعيش أيضاً بين السجن والاعتقال، 

ويلم به المرض وتنزل عليه المصائب الكبار. 

ولم يقترف ذنباً في كثير من الأحيان، يؤاخذ عليه. 

وأي حكم في العلم السابق، 

بأن الذنب يعذب البراءة؟.. 

وعندما يموت الحيوان فإنه لا يحس بألم، 

ولكن الإنسان بعد أن يموت عليه أن يبكي ويشكو.. وأنا أترك 

الجواب عن هذا كله للآلهة.   

وحاول تشوسر في سنواته الأخيرة، أن يعوض التقوى التي أفلتت منه في شبابهِ. وألحق بحكايات كانتربري، التي لم تتم "صلاة تشوسر"، يطلب فيها العفو من الله والناس عن مجونه وانشغاله بغرور الدنيا، وأوصى "عندما تحين منيتي انتحبوا على ذنوبي، واعملوا على انقاذ روحي".

وتحول في هذه السنوات الأخيرة من الاستمتاع بالحياة إلى كآبة امرئ، يسترجع، وقد اضمحلت صحته وحواسه، ذكريات شهواته الطائشة في صباه. وفي عام 1381 عينه رتشارد الثاني "مسجلاً لأعمالنا في قصرنا وستمنستر" وغيره من القصور الملكية. ويبدو أن صحته قد ساءت بعد ذلك بعشرة أعوام، مع أنه كان قد تجاوز الخمسين بقليل، ومهما يكن من شيء، فقد أثبتت الأعباء التي أنيطت به أنها فوق طاقته، فصرف عن منصبهِ. ولم نجده بعد ذلك يشغل وظيفة ما. ونضبت موارده المالية. وهان قدره حتى طلب إلى الملك ستة شلنات وثماني بنسات(79). وفي عام 1394 منحه رتشارد الثاني معاشاً مقداره عشرون جنيهاً في السنة مدى الحياة. ولم يكن هذا المعاش يكفيه، فطلب إلى الملك أن يمنحه برميلاً كبيراً من الخمور كل سنة، فأجيب إلى سؤالهِ عام 1389. ولما حكم عليه بأن يسدد ديناً قدره أربعة عشر جنيهاً عجز عن الدفع(80). ومات في الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1400، ودفن في وستمنستر أبي، وهو أول وأعظم الشعراء الكثيرين الذين نهضوا بعد ذلك بنظم الكلام الموزون .

 

 برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> الثورة الكبرى -> رتشارد الثاني

3- رتشارد الثاني

 "أقسم عليك بالله أن تدعنا نفترش الأرض ونروي القصص الفاجعة عن وفيات الملوك(81).

يقول هولنشد "كان رتشارد الثاني حسن الهيئة والطويلة والفطرة، إذا لم يؤثر فيها لؤم الذين حوله وخبث سيرتهم.. كان متلافاً، طموحاً، مستسلماً للذات الجسمية. ولقد أحب الكتب، وأعان تشوسر وفرواسارت. وأبدى شجاعة وحضور بديهية، وقام بأعمال حكيمة في الثورة الكبيرة، ولكنه بعد تلك الأزمة المنهكة، تورط في ترف منهك، وترك دفة الحكم إلى وزراء مبددين، فقامت في وجه هؤلاء الرجال معارضة قوية، يتزعمها توماس دوق جلوسستر، ورتشارد ايرل اروندل وهنري بولنجيروك،حفيد إدوارد الثالث. وسيطر هذا الفريق على "برلمان لا يرحم" برلمان عام 1388، الذي حكم بخيانة عشرة من رجال رتشارد وأعدمهم، فجمع الملك عام 1390، وكان لا يزال شاباً في الثالثة والعشرين، أزمة الأمور في يديه، وحكم البلاد حكماً دستورياً مدى سبع سنوات- أو بعبارة أخرى، حكم متمشياً مع القوانين، والتقاليد، ومنسجماً مع نواب مختارين من الأمة.

وحرم بموت زوجته الملكة آن البوهيمية الموطن (1394) ناصحاً معتدلاً رشيداً وتزوج عام 1396 إيزابل، ابنه شارل السادس، أملاً أن يوطد من وراء ذلك السلام مع فرنسا، وكانت لا تزال صبية في السابعة من عمرها، فأنفق الملك موارده على الحظايا والمقربين من الرجال والنساء وأحضرت الملكة الجديدة معها إلى لندن حاشية فرنسية. وجلب هؤلاء معهم أنماطاً فرنسية من الأخلاق وربما جلبوا أيضاً نظريات فرنسية عن الملكية المطلقة. ولما أرسل برلمان عام 1397 إلى رتشارد قراراً بالشكوى من تبذير بلاطه، أجاب متعاظماً أن الحكم في مثل هذه الأمور ليس من اختصاص البرلمان. ولب اسم العضو الذي اقترح الشكوى، فأذعن البرلمان وحكم على صاحب الاقتراح بالإعدام، ولكن رتشارد عفى عنه.

وسرعان ما ترك جلوسستر واروندل لندن وظن الملك أنهما يتآمران على خلعه، فأمر باعتقالهما وشنق اروندل، وقتل جاوسستر خنقاً (1397).

ومات جون أوف جونت عام 1399، فخلف إقطاعاً عامراً، فصادر رتشارد أملاكه لحاجته إلى تمويل حملة يوفدها إلى ايرلندا، فذعرت الطبقة الأرستقراطية من هذا الصنيع. وانتهز ابن دوق جنت، المنفى المجرد من ميراثه، فرصة انشغال الملك بإعادة الأمن إلى نصابه في ايرلنده، ونزل إلى البر في يورك على رأس جيش صغير، سرعان ما زاد عدده، بانضمام النبلاء الأقوياء له. ووجد رتشارد عند عودته إلى إنجلترا قواته قد نقصت إلى أقصى حد، وأصدقاءه يفرون منه خائفين، فسلم شخصه وملكه إلى بولنجبروك، الذي توج على عرش إنجلترا باسم هنري الرابع (1399) وهكذا انتهت الأسرة البلانتاجينية التي بدأت بالملك هنري الثاني عام 11، وبدأت الأسرة اللانكسترية التي تنتهي بالملك هنري السادس عام 1461. ومات رتشارد الثاني سجيناً في بونيتفراكت (1400)، بالغاً من العمر ثلاثاً وثلاثين سنة، وربما كان السبب في موته أنه أصيب، كما يهذب إلى ذلك هولنشد وشكسبير، بنزلة برد في سجنهِ، ولعله قتل غيلة على يد أعوان الملك الجديد.

خريطة الموقع

برامج : برامج خدمية العاب الكمبيوتر برامج ملتيميديا برامج حماية برامج الإنترنت برامج تصميم برامج مكتبية برامج الجوال برامج متنوعة اخبار البرامج.