برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب الثامن

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> عصر آل فوجر 

الفصل السادس عشر

ألمانيا قبيل عهد لوثر  

1453 - 1517

1- عصر آل فوجر

كان التوفيق حلفا لكل الطوائف في ألمانيا ما عدا الفرسان في السنوات الخمسين الأخيرة قبل عهد الإصلاح الديني، ولعل ارتفاع منزلة الفلاحين هي التي زادت من استيائهم على ما بقى من إحساسهم بالعجز. إذ كانت قلة منهم لا تزال من طائفة عبيد الأرض منهم ملاكا، وكانت غالبيتهم مزارعين مستأجرين يدفعون الإيجار إلى السادة الإقطاعيين إنتاجا عينيا أو يقدمون لهم خدمات أو نقوداً. وكان المستأجرين يشكون من ظلم السادة، من أيام العمل الإثني عشر والتي تصل إلى ستين يوما في بعض الأحوال والتي حتمت التقاليد أن يبذلوها لهم في كل عام، ومن استرداد الأرض من عامة الناس، تلك الأرض التي جرى العرف على الأضرار التي لحقت بالمحاصيل من صيادي السيد وكلابهم ومن سياسة القضاء المتحيزة في المحاكم المحلية، وكان الملاك يسيطرون عليها، ومن الضريبة على الموتى التي كانت تفرض على أسرة المستأجر عندما يخل موت عميدها بالعناية بالأرض. وثار الملاك الفلاحون غضبا بسبب الضرائب المضاعفة التي كان لزاما عليهم أن يدفعوها على القروض المطلوبة لنقل محصولاتهم وعلى حبس الرهن السريع للمزارع بوساطة المرابين، وكانوا يقدمون القروض للملاك الذين يتضح لهم عجزهم عن السداد. ولقد

 أضمرت كل عواطف الفلاحين العداء لضريبة العشور السنوية التي تفرضها الكنيسة على محاصيلهم وماشيتهم.

وأضرم هذا التذمر نيران ثورات الفلاحين فانتشرت خلال القرن الخامس عشر، وقام الفلاحون حول ورمز بثورة لا طائل تحتها عام 1432، واختاروا حذاء أحد الفلاحين علماً لهم، وكان حذاءً طويلا يكسو الساق من الرسغ إلى الركبة، وعلقوه على الشواخص، كما رسموا صورته على الأعلام. وأصبح رباط الحذاء العنوان المحبب لعصابات المتمردين من الفلاحين في عهد لوثر.

ولقد أعلن عام 1476 راعي أبقار يدعى هانز بوخم أن أم الإله قد كشفت له أن مملكة السماء على الأرض غدت قريبة دانية ولن يكون هناك أباطرة ولا بابوات ولا أمراء أو سادة إقطاعيون، وأن جميع الرجال سيكونون أخوة وجميع النساء أخوات، الكل يشاطر على قدم المساواة ثمار الأرض، وأن الأراضي والغابات والمراعي ستكون مشاعا وملكا للجميع. وأقبل آلاف الفلاحين ليستمعوا إلى هانز وانضم له أحد القسس وابتسم أسقف فيرتسبورج في تسامح ولكن عندما طلب هانز من أتباعه أن يحضروا معهم في الاجتماع القادم كل الأسلحة التي يستطيعون جمعها أمر الأسقف بالقبض عليه وأطلق جنوده النار على الجمهور الذي حاول إنقاذه وفشلت الحركة.

وفي عام 1491 هاجم الفلاحون في ضيعة رئيس دير لرهبان في كيمبتين في الألزاس ديره، وزعموا أنهم أكرهوا على أن يكونوا رقيقاً للأرض بوثائق مزيفة. وعقد الإمبراطور فرديدريك الثالث معهم مصالحة. وبعد مرور سنتين أعلن أتباع أسقف ستراسبورج ثورة رباط الحذاء، وطالبوا بإنهاء الضرائب الإقطاعية وضرائب العشور الكنسية وإلغاء كل الديون وقتل كل اليهود. وفكروا في الاستيلاء على مدينة شلتستادت، فقد كانوا يأملون أن يمدوا سلطانهم على الألزاس. وعلمت السلطات بالمؤامرة وقبضت على الزعماء وعذبتهم ثم شنقتهم وأفزعت الباقين فأعلنوا الخضوع إلى حين. وفي عام 1502 كون فلاحو أسقف سبيير عصابة "رباطة الحذاء" من 7000 رجل وتعاهدوا على إنهاء الإقطاع ومطاردة كل القسس والرهبان وقتلهم. واسترداد ما كانوا يعتقدون أنه كان مشاعا لأجدادهم. وأفشى أحد الفلاحين سر الخطة على كرسي الاعتراف فاتحد رجال الدين والنبلاء على إحباطها وعذب زعماء المتآمرين وشنقوا.

وفي عام 1512 نظم جوس فريتز حركة مماثلة قرب فرايبورج - ام- برايزجاو، وكان من شأنها أن تبقى على الله والبابا والإمبراطور وأن تقضي على كل ملكية إقطاعية وضرائب يفرضها الإقطاعيون. غير أن واحداً من الفلاحين أكره على الانضمام لهذه الرابطة وأفشى سرها للقس الذي اعترف أمامه فاعتقلت السلطات الزعماء وعذبتهم وفشلت الثورة، إلا أن جوس فرتز عاش إلى أن انضم إلى ثورة الفلاحين عام 1525، وفي عام 1517 تكونت جماعة من 90.000 فلاح في ستيريا وكارنثيا وتعاهدوا على القضاء على الإقطاع هناك وظلت عصاباتهم لمدة ثلاثة شهور تهاجم القلاع وتقتل بالسادة، وأخيراً أرسل الإمبراطور ماكسمليان، وكان يعطف على قضيتهم وإن لم يرض عن توسلهم بالعنف، قوة صغيرة من الجنود وأرغمتهم على السلم على مضض. ولكن المسرح كان معداً لحرب الفلاحين وللشيوعية اللامعمدانية في الإصلاح الديني بألمانيا.

وفي غضون ذلك كانت تقوم في عالمي الصناعة والتجارة بألمانيا ثورة أملاها الأمر الواقع. كانت معظم الصناعات لا تزال يدوية وإن تزايدت عليها سيطرة رجال الأعمال الذين يقدمون المواد الخام ويملونها ويشترون الإنتاج النهائي ويبيعونه، وكانت صناعة التعدين تتقدم بسرعة وجنيت أرباح عظيمة من استخراج الفضة والنحاس والذهب، وأصبحت سبيكة الذهب أو الفضة عندئذ وسيلة لاختزان الثروة، ومكنت حقوق التعدين لأمراء الأقاليم- وبخاصة أمير ساكسونيا وكان يحمي لوثر- مكنت بعضهم من مقاومة البابا والإمبراطور معاً. وسكت نقود فضية يعتمد عليها وتضاعف عدد النقد وتم أو كاد التوصل إلى اقتصاد يرتكز على النقد، وأصبحت حيازة سبيكة فضية أمراً شائعا في الطبقتين الوسطى والعليا، وعرضت بعض الأسر مناضد أو مقاعد من الفضة وتراكمت في الكنائس الألمانية، أوعية وكئوس قداس وجفان بل وتماثيل من الفضة أو الذهب، وجعلت الأمراء يميلون إلى إصلاح ديني يسمح لهم بتصفية الثروة الكنسية. وقد تعجب أنياس سيلفيوس عام 1458 عندما رأى أصحاب حانات في ألمانيا يقدمون بانتظام الشراب في كئوس فضية وتساءل: "أية امرأة، لا بين طبقة النبلاء فحسب بل بين طبقات الدهماء، لا تتألق بالتحلي بالذهب؟- وهل أذكر شكائم الخيول المزينة بنقوش بارزة من خالص الذهب و... أسلحة وخوذات تلمع بالذهب؟" وأصبح الممولون الآن قوة سياسية عظيمة، واستبدل بمقرضي النقود من اليهود مؤسسات تديرها عائلات مسيحية من الولزين والهوخستيتر والفوجر، وكلهم من أرجسبورج وكانت عاصمة المال في العالم المسيحي في نهاية القرن الخامس عشر. ولقد أصبح جوهان فوجر، وهو ابن نساج، تاجراً للمنسوجات وترك عند وفاته (عام 1409) ثروة صغيرة من 3.000 فلورين (75.000 دولار؟) وتوسع ابنه جاكوب في العمل وعندما مات (1469 ترك ثروة تعد السابعة بين الثروات في أوجسبورج، واستطاع أولريخ وجاكوب الثاني أبناء جاكوب أن يرقوا بالمؤسسة إلى مكان الصدارة بتقديم المال إلى الأمراء في ألمانيا والنمسا وهنغاريا، وذلك في مقبل الحصول على دخول المناجم أو الأراضي أو المدن. ومن هذه الاستثمارات التي تعتمد على المضاربة جمع آل فوجر أرباحاً فاحشة وما أن عام 1500 حتى كانوا أغنى أسرة في أوروبا.  

وكان جاكوب الثاني عبقري الأسرة لا يبارى، فقد كان مقداماً قاسياً مجداً. ودرب نفسه، على طريقة الرواقيين، بدراسة كل مرحلة من مراحل العمل وكل تقدم في مسك الدفاتر والصناعة والمتاجرة والتمويل. وطالب فرد من آل فوجر في سبيل مصلحة الأسرة وأسس المبدأ القائل بألا سلطة لأحد في المؤسسة سوى فرد من آل فوجر ولم يسمح لعلاقاته السياسية بالتأثير في قروضه. وكون اتحادات مع المؤسسات الأخرى للتحكم في سعر المنتجات المختلفة ومبيعاتها، ولذلك عقد عام 1498 هو وأخوته اتفاقاً مع تجار أوجسبورج يقضي "بتضييق الخناق" على سوق البندقية في النحاس ورفع السعر. وفي عام 1488 أقرضت الأسرة 15.000 فلورين للأرشيدوق سجيسموند النمساوي وتسلمت ضمانا للقرض كامل إنتاج مناجم الفضة في شفارتر إلى أن يتم سداد القرض. وفي عام 1492 اتفق آل فوجر مع آل تورزوس من كراكا وعلى قيام اتحاد (كارتل) لاستغلال مناجم الفضة والنحاس في هنغاريا وللحفاظ على "أعلى سعر ممكن" للمنتجات، وما أن حل عام 1501 حتى كان آل فوجر يقومون بمشروعات واسعة للتعدين في ألمانيا والنمسا وهنغاريا وبوهيميا وإسبانيا. وعلاوة على هذا فإنهم استوردوا المنسوجات وصنعوها وتاجروا في الأقمشة الحريرية والقطيفة والفراء والتوابل وثمار الليمون والذخائر والمجوهرات ونظموا نقلا سريعا وخدمة بريدية خاصة، وما أن حل عام 1511 وأصبح جاكوب الثاني المدير الوحيد للمؤسسة حتى كانت أصولها قد وصلت إلى 196,791 جيلدر، وفي عام 1527 (بعد عامين من وفاه) قدر رأسمالها بمبلغ 2.021.202 جيلدر (50.000.000 دولار)- بواقع ربح سنوي قدره خمسون في المائة خلال ستة عشر عاماً.

ولقد حصل جانب من هذا الربح من علاقات آل فوجر بالأباطرة والبابوات إذ قدم أولريخ فوجر قروضا لفردريك الثالث وأصبح جاكوب الثاني آل هابسبورج في القرن السادس عشر بفضل قروض آل فوجر وعلى الرغم من أن جاكوب لم يعبأ بتحديد الكنيسة للفوائد ومحاولات رجال الكنيسة أن يحددوا "ثمنا عادلا" لسلع المستهلكين فإنه ظل كاثوليكياً، وقدم القروض لرجال الدين للوفاء بنفقات ترقيتهم، وحصل مع أولريخ (عام 1494) على حق إدارة أموال البابا في ألمانيا واسكنديناوة وبوهيميا وهنغاريا، وكان جاكوب فوجر في السنوات الأخيرة من عمره مواطناً مبجلاً ومكروهاً في ألمانيا، وهاجمه بعض الكاثوليكيين باعتباره مرابياً كما هاجمه بعض النبلاء بسبب رشوته لهم للظفر بمنصب أو نفوذ، وبعض التجار لاحتكاراته التي أثارت حسدهم، وسخط عليه كثير من العمال لإلغائه لوائح التجارة والمال في العصور الوسطى، ومعظم البروتستانت لتصديره الأموال الألمانية إلى البابوات. ولكن الأباطرة والملوك والأمراء والبطاركة بعثوا له بالرسل وخاطبوه كأنه أحد الحكام ورسم ديرر وبورجكمير وهولبين الكبير صورة شخصية له بدا فيها رجلا واقعيا بسيطا صارما. وأنعم عليه ماكسمليان بلقب كونت الإمبراطورية، وحاول جاكوب أن يكفر عما ارتكبه من خطايا لجمع ثروته ببناء 106 منزلا للفقراء من الكاثوليك بأوجسبرج ، وأنشأ معبداً صغيرا في الكنيسة سانت آنا لتدفن فيه رفاته ومات بوسط جو مضمخ بالقداسة وخلف ملايين الجيلدرات، ولم يعقب ذرية فقد حرمته الحياة أعظم عطاياها.

ويمكننا أن نقول إنه هو الوحيد الذي افتتح عصر الرأسمالية ونمو الاحتكارات الخاصة وسيطرة رجال الأعمال بأموالهم على السادة الإقطاعيين الذين يملكون الأرض، وكان التعدين وصناعة المنسوجات يرتكزان على أنظمة رأسمالية أي يشرف عليهما من يقدمون رأس المال- في نهاية القرن الخامس عشر، على نسق زعامة الفلاندرز وإيطاليا في صناعة المنسوجات قبل ذلك بمائة عام.

وكان الرأي السائد في العصور الوسطى هو أن الملكية الفردية وديعة عامة إلى حد ما: فحقوق المالك تحددها احتياجات الجماعة التي أتاح نظامها له الفرص والتسهيلات والحماية. وربما في ظل القانون الروماني- وكان قد حجب وقتذاك الفقه الألماني- بدأ المالك يرى أن ملكيته مطلقة وشعر بأن له الحق في أن يفعل بملكه ما يشاء. ولذلك لم يبد من الخطأ لآل فوجر وآل هوخستيتر وغيرهم من "أمراء التجار" أن (يضيقوا الخناق) على إنتاج ثم يرفعوا سعره أو يكونوا اتحادات (كارتلات) لتحديد الناتج والتحكم في التجارة أو أن يمارسوا الاستثمارات بحيث يغشون صغار حاملي الأسهم. وفي عديد من الأمثلة نجد تاجرا يضع وكلاءه على أبواب المدينة ومعهم أوامر بأن يشتروا كل البضائع الواردة من صنف معين حتى يبيعها بالسعر الذي يفرضه في المدينة. وقد اشترى أمبروز هوخستيتر كل ما أمكن الحصول عليه من الزئبق ثم رفع سعر بيع التجزئة بمقدار 75 في المائة. واشترت شركة ألمانية فلفلا من ملك البرتغال بمبلغ 600.000 جيلدر بسعر يزيد على السعر العادي على شريطة أن يتقاضى الملك سعراً أعلى من كل مستوردي الفلفل من البرتغال إلى ألمانيا. وعن طريق هذه الاتفاقات والاحتكارات من ناحية، وعن طريق تزايد الثروة وزيادة الطلب على البضائع من ناحية من أوروبا الوسطى وأمريكا ارتفعت الأسعار بين عامي 1480 و 1520 بسرعة لا نظير لها إلا في قرننا هذا. وقال لوثر شاكياً: "في خلال زمن قصير وبسبب الربا والشح أصبح من كان في وسعه سابقا أن يعيش بمبلغ مائة جيلدر لا يستطيع الآن أن يعيش بمبلغ مائتين". وهي حكاية رويت أكثر من مرتين.

وقد شهدت العصور الوسطى تفاوتا شاسعاً في السلطة السياسية، وأضاف عصر آل فوجر الجديد تباينا اقتصاديا لم تعرفه أوروبا منذ عهد أصحاب الملايين والعبيد في إمبراطورية روما، فبعض التجار الرأسماليين في أوجسبرج أو نورمبرج كان عند كل منهم ثروة تعادل 5.000.000 فرنك (25.000.000 دولار؟) واشترى الكثيرون مكانة بين الأرستقراطيين صاحبة الأرض وارتدوا دروعا عليها شعارهم وعوضوا احتقار الأشراف "بإسراف مبالغ فيه"، فقد كان جواكيم هوخستيتر وفرانزباو مجارتنر ينفقان 5.000 فلورين (125.000 دولار؟) على مأدبة واحدة أو يقامران في لعبة واحدة بمبلغ 10.000 فلورين، وقد أثارت بيوت رجال الأعمال الأغنياء الفاخرة الأثاث والزخارف الفنية استياء طبقة النبلاء ورجال الدين والدهماء على سواء، وانضم الوعاظ والكتاب والثوريون في ثورة عارمة ضد المحتكرين، وطالب جايلر فون كايزرسبرج بأن "يطاردوا كالذئاب ما داموا لا يخشون الله ولا الناس وينشرون المجاعة والعطش والفقر". وميز أولريخ فون هوتن أربعة طوائف من اللصوص: لتجار وفقهاء القانون والقسس والفرسان، ورأى أن التجار إنما أخطر هؤلاء اللصوص جميعا. "وطالب مجلس الريخستاج في كولون كل السلطات المدنية بأن تتخذ الإجراءات" بحزم وشدة (ضد كل الشركات الرأسمالية التي تتوسل بالاحتكار والربا). وتكرر صدور مثل هذه القوانين من مجالس نيابية أخرى ولكن بلا جدوى؛ فقد كان بعض المشرعين أنفسهم يستثمرون أموالهم في المحلات التجارية الكبرى، وهدأت سورة غضب حماة القانون بمنحهم أسمها، كما أن كثيراً من المدن ازدهرت بنمو التجارة الحرة.

كانت ستراسبورج وكولمار وميتز وأوجسبورج ونورمبرج وأولم وفيينا وراتيسبون (رجنزبورج) وماينز وسبييار وفورمز وكولون وترير وبريمين ودورتموند وهامبورج وماجديبرج ولوبيك وبرسلاو مراكز نشاط اقتصادي مزدهرة بالصناعة والتجارة والآداب والفنون. وكانت هي وسبعة وسبعون مدينة أخرى "مدناً حرة" أي مدناً تسن قوانينها الخاصة وترسل ممثلين لها للمجالس النيابية الإقليمية والإمبراطورية ولا تخضع سياسياً إلا للإمبراطور، وكان بدوره مديناً لها بالعون المالي أو العسكري إلى حد لا يستطيع معه أن يقيد حرياتها. وعلى الرغم من أن هذه المدن كانت تحكمها طوائف حرفية يسيطر عليها رجال الأعمال فإن كل واحدة منها تقريبا كانت حكومة تستهدف الصالح العام. وطبقا للطريقة التي تراعي مصلحة الجماعة وذلك إلى الحد الذي كانت فيه تنظم الإنتاج والتوزيع والأجور والأسعار وصفة السلعة بقصد حماية الضعيف من القوي وتوفير احتياجات المعيشة للجميع. ونحن نطلق عليها الآن بلاداً لا مدناً طالما أن عدد السكان لم يتجاوز في أي منها 52.000 نسمة ومع ذلك فقد كانت آهلة بالسكان كما كان الحال عليه قبل منتصف القرن التاسع عشر وأكثر ازدهاراً من أي عهد قبل جوته، وإينياس سيلفيوس وهو إيطالي مزهو بنفسه كتب عنها عام 1458 يقول:

لم تكن ألمانيا أغنى ولا أشد تألقا منها قبل اليوم... ويمكن أن يقال دون مبالغة أنه ليس في أوروبا بلد تبزها أو تفوقها في جمال مدنها فهي تبدو طلية جديدة كأنها شيدت بالأمس ولن تجد حرية زائدة مثل هذه في أية مدن أخرى..

ولا يمكن أن نجد مدينة في أوربا أكثر فخامة من كولون بكنائسها العجيبة ومبنى البلدية فيها وأبراجها وقصورها ومواطنها المبجلين من أوساط الناس وجداولها العظيمة... كما أنه ليس ثمة مدينة في العالم تبز أوجسبورج في الثروة. وفي فينا قصور وكنائس تحسدها حتى إيطاليا".

ولم تكن أوجسبورج مركزا للمال في ألمانيا فحسب بل كانت أيضاً الحلقة التجارية الرئيسية التي تربط بنيها وبين إيطاليا المزدهرة آنذاك. وتجار أوجسبورج هم الذين كان لهم الفضل في بناء وإدارة الفوندا كوتيديسكو في البندقية التي زين جدرانها جيورجيوني وتيتيان بصورهما الجصية، وكانت أوجسبورج وثيقة الاتصال بإيطاليا حتى أنها رددت صدى النهضة الإيطالية، وآزر تجارها الأدباء والفنانين وأصبح بعض الرأسماليين بها مثالاً يحتذى في السلوك والثقافة إن لم يكن في الأخلاق. ومن ثم نجد أن كونراد بوليتنجر، وهو مأمور أو عمدة في سنة 1493، كان دبلوماسياً وتاجرا وأدبياً وفقيهاً وعالماً باللغتين اللاتينية واليونانية وأثرياً ورجل أعمال.

وكانت نورمبرج مركزا للفنون والحرف اليدوية أكثر منها للصناعة أو المال على نطاق واسع، وكانت طرقاتها لا تزال ملتوية حسب ما كان متبعا في القرون الوسطى تظللها طبقات بارزة أو شرفات، وأسقفها المغطاة بالقرميد الأحمر وجملوناتها العالية القمة ومشربياتها تكون صورة غير متناسقة في مهادها الريفي وجدول بجنيتز الضخم. ولم يكن الناس بها في بحبوحة من العيش كما هم في أوجسبورج ولكنهم مبتهجون دمثو الخلق ويحبون اللهو والتبذل في مهرجانات مثل الكرنفال الذي يشتركون فيه كل عام ويرتدون فيه الأقنعة وأزياء التنكر ويرقصون. وهناك أخذ هانز ساكس وكبار المغنيين ينشدون ألحانهم المرحة، وارتقى البرخت ديرر بالتصوير والحفر الألمانيين إلى ذروتهما، وهناك قام صاغة الذهب والفضة شمال الألب بصنع زهريات غالية الثمن وأوعية للكنيسة وتماثيل صغيرة، وهناك قام العاملون بالأشغال المدنية بتشكيل ألف تكوين للنبات والحيوان والإنسان من البرنز أو شكلوا الحديد في سياجات أو ستائر جميلة، وهناك كان قاطعو الخشب من الكثرة إلى حد يجعلنا نعجب كيف تيسرت لهم سبل العيش. وأصبحت كنائس المدن مخازن ومتاحف للفن لأن كل طائفة حرفية أو نقابة أو أسرة ثرية كانت ترسل عملا فنياً جميلاً إلى مزار قديس يحمي الزمار. واختار رجيومونتانوس مدينة نورمبرج موطناً له وقال :"لأني أجد هناك دون صعوبة كل الأدوات الخاصة بعلم الفلك وإنه لأيسر لي هناك أن أظل على صلة بالمتعلمين في كل البلاد لأن نورمبرج، بفضل رحلات تجارها المستمرة يمكن أن تعد مركزاً لأوربا. ومن مميزات نورمبرج أن أشهر تجارها فيليبالد بيركهايمر كان أيضاً عالماً بالإنسانيات متحمساً وراعياً للفنون وصديقاً حميماً لديرر، وقد أطلق أرازموس على بيركهايمر :"فخر ألمانيا العظيم".

وعكرت صفو التجارة بين ألمانيا وإيطاليا رحلات داجاما وكولمبس وسيطرة الترك على بحر إيجة وحروب ماكسمليان مع البندقية، فانتقلت الصادرات والواردات الألمانية شيئاً فشيئاً على طول الأنهار الكبيرة إلى بحر الشمال وبحر البلطيق والمحيط الأطلسي وانتقلت الثروة والسلطان من أوجسبورج ونورمبرج إلى كولون وهامبورج وبريمن وإلى أنتورب بصفة خاصة. وشجع آل فوجر وآل ويلز هذا الاتجاه بأن جعلوا من أنتورب مركزاً رئيسياً لعملياتهم. وأدت حركة المال والتجارة الألمانيين نحو الشمال إلى فصل شمال ألمانيا عن الاقتصاد الإيطالي ودعمت مركزها بحيث استطاعت حماية لوثر من الإمبراطور والبابا. ولعل جنوب ألمانيا ظل مخلصاً للكاثوليكية لأسباب مغايرة.

  

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الدولة 

2- الدولة

كيف كانت ألمانيا تحكم في هذا العصر التشكيلي الحرج؟

لقد كان الفرسان، أو أبناء الطبقة النبيلة الدنيا، الذين حكموا الريف بصفتهم أتباعاً للسادة الإقطاعيين، يفقدون مركزهم العسكري والاقتصادي والسياسي. وكانت فرق الجنود المرتزقة الذين يستأجرهم الأمراء أو المدن، والمجهزين بالأسلحة النارية والمدافع، تبيد فرق الفرسان الذين كانوا يلوحون بالسيوف في عجز وقصور، وكانت الثروة التجارية ترفع الأسعار والنفقات وتتفوق على ملكية الأرض باعتبارها مصدراً للسلطان، وكانت المدن توطد استقلالها والأمراء يركزون في أيديهم السلطة والقانون. وثأر الفرسان قليلاً بالترصد للتجارة التي كانت تمر في طريقهم، وعندما احتج التجار والبلديات أكد الفرسان حقهم في شن حروب خاصة. وقد وصف كومين، ألمانيا في هذا العهد بأنها تزخر بالقلاع التي يمكن في أي وقت أن يتدفق منها "لصوص من البارونات" وأتباعهم المسلحون، ويسلبون التاجر المسافر والفلاح على السواء. وجرت عادة بعض الفرسان أن يقطعوا الأيدي اليمنى لمن يسلبون من التجار. وعلى الرغم من أن جيتز فون برليخينجن فقد هو نفسه يده في خدمة أميره، فقد ايتبدل بها يداً حديدية، وتزعم عصابات من الفرسان، لا لمهاجمة التجار فحسب، بل لمهاجمة المدن أيضاً،"نومبرج-دار مستادت وميتز وماينز (1512). ووجه صديقه فرانزفون سيكنجن تهماً ضد مدينة ورمس ونهب ضواحيها وقبض على أعضاء مجلس الشورى فيها وعذب عمدتها وقاوم كل المحاولات التي قامت بها الفرق الإمبراطورية للقبض عليه ولم يكن من المستطاع إخضاعه إلى حين إلا عندما تلقى منحة سنوية ليخدم الإمبراطور. وانضمت اثنتان وعشرون مدينة في سوابيا- وبصفة خاصة أوجسبرج وأولم وفرايبورج وكونستانس إلى الطبقة الرفيعة من النبلاء لإعادة تكوين عصبة سوابيا (1488) وهذه المدن وغيرها من الاتحادات كبحت جماح الفرسان اللصوص ونجحت في أن تعلن عدم شرعية الحرب الأهلية، ومع ذلك فإن ألمانيا كانت قبيل عهد لوثر مسرحاً للفوضى الاجتماعية والسياسية، فقد كان يسودها حكم شامل للقوة".

وأسهم الأمراء الزمنيون ورجال الدين الذين تصدروا القلاقل فيها بجشعهم وعملاتهم ورسوم جماركهم المختلفة وتنافسهم المضطرب على الثروة والنصب وتشويههم للقانون الروماني، وذلك لكي يمنحوا أنفسهم سلطة مطلقة أو تكاد تكون على حساب الشعب والفرسان والإمبراطور. وتصرفت بعض الأسر تصرف الملوك الغير المسئولين من أمثال بيوت هوهنز ولرن في براندنبرج وفيتين في ساكسونيا وفيتلسباخر في البلاتينات ودوقات فيرتتيمبرج، فما بالك بآل هابسبرج في النمسا. ولو كان سلطان الإمبراطور الكاثوليكي على الأمراء الألمان أعظم من هذا لفشلت حركة الإصلاح الديني أو تأجلت. ثم إن إعراض كثير من الأمراء عن روما كان اتجاها آخر نحو الاستقلال المالي والسياسي.

وأكدت شخصية الأباطرة في هذا العهد ضعف الحكومة المركزية. وكان فردريك الثالث(حكم من 1440 إلى 1493) فلكيا وكيميائيا يغرم بهدوء حدائقه في جراتر الذي يتطلع إليه البحاثة لدرجة أنه سمح لشلسوج هولشتين وبوهيميا والنمسا وهنغاريا بأن تنفصل عن الإمبراطورية، ولكنه قام في حوالي نهاية العام الثالث والخمسين من حكمه بخطوة لإنقاذها وذلك بخطبة ماري، وريثة شارل الجسور دوق بورغنديا، لابنه ماكسمليان. وعندما حفر شارل لنفسه قبراً ثلجياً عام 1477 ورث آل هابسبورج الأراضي الواطئة.

وبدأ ماكسمليان الأول (حكم من 1493 إلى 1519) الإمبراطور المنتخب والذي لم يتوج قط، حكمه بكل ما يبشر بالنجاح. وابتهجت الإمبراطورية كلها لملامحه الجميلة وأخلاقه الطيبة ورقة مشاعره الوديعة وبشاشته الجياشة وكرمه وشهامته وشجاعته ومهارته في المبارزة والصيد، وكأنه إيطالي من عصر النهضة ارتقى عرشاً ألمانيا. بل أن مكيافيلي تأثر به ووصفه بأنه "أمير عاقل زكي يخشى الله، وحاكم عادل، وقائد عظيم، يقتحم الأخطار ويتحمل المشقة كأصلب الجنود عوداً... نموذج يحتذى لكثير من الفضائل الخلقية بأمير".. ولكن "ماكس" لم يكن قائدا عظيما، وكان يفتقر إلى الذكاء الخبيث المطلوب من أمير في نظر مكيافيلي كان يحلم باستعادة عظمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة باسترداد ممتلكاتها. السابقة ونفوذها في إيطاليا فغزا شبه الجزيرة مرارا وتكرارا في حروب لا طائل تحتها، رفض مجلس الدايت، وكان في هذا عمليا، أن يمولها. وسمح لنفسه بالتفكير في خلع يوليوس الثاني القوي وتنصيب نفسه بابا وإمبراطورا في الوقت نفسه. وقد برر(مثل زميله المعاصر شارل الثامن ملك فرنسا) مطامعه الإقليمية بأنها تمهيد ضروري لهجوم ساحق على الأتراك، ولكنه عجز عن وضع خطة مدعمة من الناحيتين الدستورية والمالية. وكان لا يستطيع أن يحقق بالوسائل كما يتمنى الغايات. وكان في بعض الأوقات فقيرا إلى الحد الذي كان يعوزه المال لسداد ثمن عشائه. وسعى لإصلاح الإدارة في الإمبراطورية ولكنه انتهك إصلاحاته ذاتها فماتت معه. وكان يفكر كثيرا في مدى سلطة آل هابسبورج وبعد أن لاقى أكثر من فشل في الحرب عاد إلى سياسة والده القائمة على الزيجات الدبلوماسية. وعلى هذا فإنه قبل عرض فرديناند بخطبة جوانا إلى ابنه فيليب وكانت ضعيفة العقل إلى حد ما ولكنها قدمت إسبانيا دولة صداقا لها. وفي عام 1515 خطب لحفيدته ماري وحفيده فرديناند، للويس وأن ابن وابنة لاديسلاس ملك بوهيميا وهنغاريا، وقتل لويس في موهاكس (1526) وأصبح فرديناند ملكا على بوهيميا وهنغاريا (بقدر ما سمح الأتراك) وبلغ سلطان آل هابسبرج أوسع مداه.

وكانت أحب سمات ماكسمليان عشقه وتشجيعه للموسيقى والتعليم والأدب والفن. وأكب في حماس على دراسة التاريخ والرياضيات واللغات. ولقد ثبت لنا أنه كان في وسعه أن يتحدث بالألمانية واللاتينية والإيطالية والفرنسية والإسبانية والوالونية والفلندية والإنجليزية، ويقال إنه تحدث في حملة حربية واحدة مع سبع قواد أجانب بلغاتهم السبعة المختلفة. ومزج لهجات جنوب وشمال ألمانيا في لغة ألمانية يفهمها الجميع وهي التي أصبحت لغة الحكومة الألمانية وكتاب لوثر المقدس والأدب الألماني، وذلك بفضل جهوده والاقتداء به إلى حد ما. وحاول، وهو بمنجاة من الحروب، أن يكون مؤلفاً، وترك مصنفات عن فن الدروع والمدفعية والعمارة والصيد وسيرته الخاصة، وفكر في اقتناء مجموعة تستوعب مخلفات ونقوشاً من ماضي ألمانيا ولكن أعوزته الأموال من جديد. واقترح على البابوات إصلاح التقويم، وقد حققوا فكرته بعد ثمانين عاماً. وأعاد تنظيم جامعة فينا وأسس كراسي أستاذية جديدة للقانون والرياضيات والشعر والبلاغة، وجعل من فينا أزهر مركز للتعليم في أوروبا لفترة ما. ودعا علماء الإنسانيات الإيطاليين إلى فينا، وعهد إلى كونرادوس سلتس أن يفتح هناك أكاديمية للشعر والرياضيات. وناصر علماء للإنسانيات مثل بويتنجر وبيركهايمر وجعل من روتخلين Reuchlin المضطهد مونت بالاتاين الإمبراطوري. ومنح مكافآت لبيتر فيشر وفايت ستوس وبورجكمير وديرر والفنانين الآخرين الذين تألقوا في عهده. وأمر بإقامة قبر مزخرف في انزبروك ليضم رفاته، وقد ترك دون أن يتم بناؤه عند وفاته ولكنه أتاح فرصة لتماثيل بيترفيشر الجميلة لتيودوريك وأرثر. ولو كان ماكسمليان عظيما بقدر عظمة أفكاره لكان نداً للإسكندر وشارلمان.

وفي آخر سنة من حكم الإمبراطور رسم ديرر صورة أمينة له - تمثله منهوك القوي وقد انزاحت عنه الأوهام، وكسر شوكته بؤس الزمن المثير للجنون. وقال هذا الرجل الذي كان يوماً روحاً مرحة "ليس في الأرض مسرة لي. وا أسفاه على أرض ألمانيا السكينة" ولكنه بالغ في الحديث عن فشله، فقد ترك ألمانيا والإمبراطورية (ولو لم يكن هذا عن طريق التنمية الإقتصادية) أقوى مما وجدهما عليه إذ ارتفع عدد السكان وانتشر التعليم وبدأت فيينا تصبح فلورنسا أخرى. وسرعان ما صار حفيده، الذي ورث نصف أوروبا الغربية، أقوى حاكم في العالم المسيحي.

  

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الألمان

 3- الألمان

(1300 - 1517)

 ربما كانوا إبان ذلك العهد أصح الشعوب أبداناً وأقواهم جسداً وأشدهم حيوية في أوروبا، فإنهم، كما نراهم في لوحات فولجيموت وديرر وفي صور كراناخ وهولبين، أناس أقوياء البنية غلاظ الأعناق كبيرو الرؤوس، لهم قلوب سوداء، على تمام الأهبة لالتهام العالم، واستساغته بشراب الجعة. كانوا أجلافا ولكنهم ظراف تخفف من ورعهم نزواتهم الشهوانية. وكان في وسعهم أن يكونوا غلاظ الأكباد كما تدل على ذلك أدوات التعذيب المروعة التي اعتادوا استخدامها مع المجرمين؛ ولكنهم مع ذلك كانوا رحماء كرماء قلما عرضوا تزمتهم الديني بوسائل بدنية، إذ لقيت محاكم التفتيش في ألمانيا مقاومة باسلة وكان نصيبها القمع عادة. لقد جبل الألمان بنفوسهم القوية على المرح الذي يتسم بإدمان الشراب أكثر مما يتسم بالفطنة الجافية، ولقد أدى هذا كله إلى تبلد حسهم بالمنطق والجمال وحرمهم من ظرف العقلية الفرنسية أو الإيطالية ودهائها وتعثرت نهضتهم الهزيلة في غمرة حماستهم الزائدة لتفسير الكتاب المقدس ومع ذلك فقد كان عندهم إصرار ثابت وصناعة منظمة وشجاعة فائقة في الفكر الألماني مكنتهم من كسر شوكة سلطان روما وأتاحت لهم فرصة أن يصبحوا أعظم علماء في التاريخ. وهم شعب نظيف بالقياس إلى غيرهم من الأمم فالاستحمام عادة وطنية. وكل بيت حسن التنسيق فيه حمام حتى في المناطق الريفية. والحمامات العامة العديدة توفر أكثر من حمام إذ يستطيع الرجال هناك أن يحلقوا ذقونهم وتستطيع النساء أن يصففن شعورهن كما كانت توفر فيها ضروب مختلفة من التدليك وكان يسمح فيها بالشرب والمقامرة ويمكن أن يجد فيها كل من يضيق ذرعاً بالزوجة الواحدة خلاصاً. وكان الناس من الجنسين يستحمون عادة معاً وهم يرتدون ملابس محتشمة وإن لم تكن هناك قوانين تحرم المغازلة، ولقد قال أحد الدارسين الإيطاليين بعد أن زار بادن - بادن عام 1417: "ليست هناك في العالم حمامات أكثر ملاءمة من هذه لإنجاب النساء".

ولا يمكن أن يتهم الألمان إبان ذلك العهد بأنهم من أنصار مذهب التطهير إذ كان حديثهم ورسائلهم وأدبهم ومرحهم تتسم أحيانا بالجفاء إذا قيست بمعايير عصرنا، ولكن هذا يتفق مع قوة أبدانهم وأرواحهم، فهم من جميع الأعمار يشربون ويفرطون في ممارسة الجنس إبان شبابهم. وكانت مدينة ارفورت عام 1501 في نظر لوثر الورع لا تفضل ماخوراً أو مشرباً للجعة. ولقد وافق الحكام الألمان - من رجال الدين ومن العلمانيين على السواء على رأى سانت أوجستين والقديس توما الأكويني بأنه يجب أن يسمح بالبغاء إذا كانت النساء بمنأى عن الإغراء أو الاغتصاب. وكانت بيوت البغاء تحصل على ترخيص وتفرض عليها ضريبة. وإنا لنقرأ عن أساقفة ستراسبورج وماينز الذين كانوا يحصلون على دخول من المواخير بل إن أسقف فيرتسبورج أعطى ماخوراً تابعاً للبلدية إلى جراف فون هيننبرج باعتباره إقطاعية تدر دخلا. وكانت الضيافة لكبار الزوار تشمل وضع بيوت للسيدات تحت تصرفهم، وقد كرم الملك سيجموند بهذا الامتياز في برن (1414) وفي أولم (1434) بإخلاص أرضاه كل الرضا حتى أنه شكر مضيفه علنا من أجله، والنسوة غير المرخصات كنّ ينشئن أحياناً بيوتاً غير قانونية، وفي عام 1492 شكت البغايا المرخصات للعمدة من هذه المنافسة غير العادلة فحصلن عام 1508 على إذن بمهاجمة البيوت غير القانونية وقمن بذلك فعلا، وكان التردد على بغي يقابل بالصفح باعتباره خطيئة مغتفرة، وإن كانت طبيعية، وذلك في نظر القانون الأخلاقي الساري في أوروبا في أواخر العصور الوسطى، ولعل انتشار الزهري بعد عام 1492 جعل منه وباء فتاكاً.

وكان الزواج إتحاداً بين الملكيات كما هو الشأن في كل مكان آخر والحب يعد نتيجة طبيعية للزواج لاسبباً معقولا له. وكانت الخطبة ملزمة كالزواج والزفاف يتم في حفلات مترفة بين جميع الطبقات. وربما استمرت الاحتفالات أسبوعاً أو اثنين وكان شراء الزوج يكلف غاليا كالاحتفاظ بالزوجة. وكان للذكر نظرياً سلطة مطلقة ولكنها كانت أكثر واقعية في الأفعال منها في الكلام. ونلاحظ أن السيدة ديرر كان لديها كلام كثير تقوله لزوجها. وقد كانت نساء نورمبرج من الجرأة بحيث اجتذبن الإمبراطور ماكسمليان وهو نصف عار من الفراش وألقين غطاء حول جسمه ثم إستقنه في رقصة ليلية مرحة إلى الشارع.

وتذهب أسطورة قديمة إلى أن بعض الرجال من الطبقات العليا في القرن الرابع بألمانيا كانوا يضعون حزاماً للعفة "من الحديد حول وسط زوجاتهم وأفخاذهن ويغلقونه بقفل ويأخذون معهم المفتاح وذلك عندما يسافرون في رحلات يغيبون فيها طويلاً عن الوطن. وثمة آثار لهذه العادة في البندقية بالعصور الوسطى في فرنسا وفي القرن السادس عشر وإن كانت الزوجة أو العشيقة تلبس الحزام طواعية وتعطي المفتاح للزوج أو العشيق ضماناً لإخلاصها للزوج أو العشيق.

وازدهرت حياة الأسرة. ويحصى سجل تاريخي بارفوت ثمانية أو عشرة أولاد لكل زوجين في المعدل ولم تكن الأسرة التي تضم خمسة عشر ولداً بالنادرة، وهذه الأعداد تشمل أبناء السفاح لأن الأطفال غير الشرعيين، اللذين كثروا كانوا يؤخذون عادة إلى بيت الوالد بعد زواجه. وشاع استخدام الألقاب في القرن الخامس عشر وكثيراً ما أشارت إلى مهنة السلف أو إلى موطنه الأصلي وإن كانت بين آن وآخر تجمد دعابة لحظة في صراحة الزمن. وكان يراعي الضبط والحزم في البيت وفي المدرسة، بل إن ماكس الذي صار إمبراطورا فيما بعد كثيراً ما تلقى الصفعات، ويبدو أن هذا لم يسبب ضررا إلا للأب أو المدرس. وكانت البيوت الألمانية وقتذاك (1500م) أكثر البيوت راحة في أوروبا إذ كانت درجاتها متسعة ولها درابزين متين وفيها أثاث ضخم ومقاعد وثيرة وخزائن منحوتة ونوافذها من الزجاج الملون وأسرة لها كلة وجدرانها مطنفسة وأرضيتها مكسوة بالسجاد وفيها مواقد منبعجة ورفوف تزخر بكتب أو أزهار أو آلات موسيقية أو عليها طبق فضي ومطابخ تتألق بكل الأوعية الصالحة لإقامة مأدبة ألمانية.

وشيدت البيوت من الخارج في عظمها من الخشب، وكثيراً ما شبت فيها الحرائق، وكانت الطنف المتدلية والشرفات تظلل الطرقات، ولم يكن في المدن الكبيرة إلا قليل من الطرقات المرصوفة، ولم تعرف إنارة الشوارع إلا في ليالي الأعياد وكانت الحياة خارج البيوت غير مأمونة بالليل. وكان صغار المجرمين ينافسون في الكثرة الخنازير والبقر التي كانت تهيم في الطريق على غير هدى. ولم تكن هناك شرطة نظاميون، وكانت توقع عقوبات صارمة لردع الجريمة فقد كانت عقوبة السرقة الموت أو قطع الأذنين في حالة السرقة الخفيفة. وكانت تقطع ألسنة الكفار والمجدفين أما المنفيون الذين يعودون إلى نومبرج دون مبرر شرعي فكانت تسمل عيونهم. وكانت النساء اللاتي يقتلن أزواجهن يدفن أحياء أو يعذبن بملاقط تسخن إلى درجة الاحمرار ثم يشنقن. ومن بين آلات التعذيب التي عرضت فيما مضى في شلوس أو قلعة نورمبرج صناديق ممتلئة بأحجار مدببة يسحق بها جسد الضحية وتروس تمد بها أطرافها ومواقد لحرق كعوب أقدامها وإطارات مدببة من الحديد لثنيها من الجلوس أو الاستلقاء أو النوم ثم العذراء الحديدية الملعونة التي كانت تستقبل المحكوم عليه بذراعين من الصلب وتحيطه بهما في حضن شائك ثم ترخي ذراعيها وتدعه يسقط دامي الجسد من أثر اختراق المسامير محطم العظام ليموت موتاً بطيئاً في جب تدار فيه مدى وقضبان مدببة.

وساوت الأخلاق السياسية الأخلاق العامة في انحلالها فتفشت الرشوة وبلغت أقصاها في قمة الكيان الاجتماعي، وشاع الغش في السلع وذلك على الرغم من دفن رجلين وهما على قيد الحياة في نورمبرج لغشهما النبيذ (1456)، وكانت التجارة - التضحية بالأخلاق في سبيل المال - قوية في جميع الأعمار، فالمال لا الإنسان هو مقياس كل شئ، ومع ذلك فإن هؤلاء الأوساط المتزاحمين المتدافعين من المواطنين تبرعوا بمبالغ كبيرة على سبيل الإحسان. وكتب لوثر: "في العهود البابوية كان الناس يتبرعون بكلتا اليدين في جذل وبولاء عظيم. كانت السماء تمطر صدقات وإنشاءات وهبات. كان أجدادنا من السادة والملوك ومن الأمراء وغيرهم من الشعب، يتبرعون بسخاء، أجل، إلى درجة تغمر كل شئ، للكنائس والأبرشيات والمنح الدراسية والمستشفيات، ومن دلالات هذا العهد الدنيوي أن كثيراً من تركات المحسنين أو قفت" لا على الهيئات الدينية فحسب" ولكن على مجالس المدن لتوزيعها على الفقراء.

وأصبحت الأخلاق أشد جفاء في فرنسا وإنجلترا وفي ألمانيا أيضا عندما خلفت حكومة السراة بالمال حكومة الأرستقراطية بالميلاد في السيطرة على الاقتصاد. وكان السكر رذيلة وطنية وقد ندد به كل من لوثر وهوتن على الرغم من أن هوتن فضله على "مخاتلة الإيطاليين وسرقة الأسبان وزهو الفرنسيين" ولعل بعض الانغماس في الشراب يرجع إلى التوابل الحريفة التي استخدمت في إعداد وجبات الطعام. ولقد أعوز التهذيب آداب المائدة ووصلت "الشُّوَك" إلى ألمانيا في القرن الرابع عشر ومع ذلك فقد آثر الرجال والنساء أن يستخدموا أصابعهم في تناول الطعام. بل ان واعظا في القرن السادس عشر أدان "الشوَك" باعتبارها مخالفة لإرادة الله " الذي لو كان يريد منا أن نستخدم الشوك لما منحنا أصابع".

وكان اللباس فخماً، أما العمال فكانوا يكتفون بارتداء قلنسوة أو قبعة من اللباد وقمصان قصيرة وسراويل متداخلة - أو تحشر في أحذية طويلة الرقبة، وكانت الطبقات الوسطى تضيف إلى هذه الملابس صدرية وسترة مفتوحة مبطنة أو تزين حوافها بالفراء. وكان ذوو الأنساب يدخلون في منافسة محمومة مع جامعي الجلدرات في روعة ثيابهم. وكانت قبعات الرجال عند هاتين الطبقتين عبارة عن لفائف معقدة متسعة من القماش الثمين تزين حافاتها أحيانا بالريش أو الشرائط أو اللآلئ أو الذهب، أما القمصان فكانت من الحرير غالبا، كما كانت الأثواب الخارجية الزاهية تبطن بالفراء وربما تخللها خيوط من الفضة. وكانت الثريات من النساء يضعن على رؤوسهن تيجانا من الذهب أو قلانس مطرزة بالذهب ويضفرن شعورهن بخيط ذهبي، وأما العذارى الخفيرات فكن يغطين رؤوسهن بمناديل من الموسلين يربطنها تحت الذقن.

وقد زعم جايلر فون كايزرسبرج أن النساء الأنيقات كن يمتلكن خزائن للملابس تقدر بنحو 4000 فلورين (10.000 دولار؟) وكان الرجال يحلقون ذقونهم ويعنون بشعر رؤوسهم ويعنون بتعهد ضفائرهم. لاحظ خصلات شعر ديرر التي كانت موضع اعتزازه وخصائل شعر ماكسمليان الجميلة. واتخذت الخواتم شعارا على الطبقة الاجتماعية أو للتخييل بالانتماء إليها كما هو الحال الآن، وقد قال كونرادوس سيلتس إن الأزياء تغيرت في ألمانيا بسرعة أكبر منها في أي مكان آخر، وحدث هذا كثيراً في أزياء الرجال وفي أزياء النساء. وربما فاق الرجال النساء في فخامة الزي في مناسبات الأعياد.

وكانت المهرجانات متعددة وهي استمرار لروح القرون الوسطى المولعة بالتظاهر وعرض المرح مع تأجيل العمل والتحلل من الوصايا العشر. وكان عيد الميلاد لا يزال يتسم بالمسيحية على الرغم مما صاحبه من الآثار الوثنية. وأما شجرة عيد الميلاد فإنها ابتدعت في القرن السابع عشر.

وكانت كل مدينة تحتفل بمهرجان أو عيد لقديسها الحامي لها وكان الرجال والنساء يرقصون معا في الشوارع ويسود المرح الجميع وكأنه أمر محتوم، ولا يمكن لأي قديس أو واعظ أن يقلل من بهجة العربدة العنيفة. وكان الرقص يتحول أحيانا إلى جنون وبائي كما حدث في متيز وكولونيا واكس عام 1374 أو في ستراسبورج عام 1412. كان بعض من يعانون من رقصة سانت فيتوس في بعض هذه الحالات يلتمسون الشفاء من كانوا يعتقدون أنه مس شيطاني وذلك بالرقص حتى يسقطوا من الإعياء كما يفعل بعض الشبان المتهوسين اليوم. ووجد الرجال متنفسا لغرائزهم في الصيد والقنص أو في ممارسة رياضة المبارزة القاتلة. وكان آلاف الرجال والنساء يسافرون متذرعين غالبا بحجة التردد على مزار وينتقلون في ابتهاج أليم على صهوة الجياد أو على ظهور البغال أو في عربات أو على مقاعد تحمل على الأكتاف ويتحملون مشاق الطرق غير الممهدة والخانات القذرة. وكان بعض الأشخاص المرهفي الحس يسافرون كلما أمكنهم ذلك، بالقارب على صفحة نهر الراين ونهر الدانوب أو على غيرهما من مجاري الماء في وسط أوروبا. وما إن حل عام 1500 حتى كانت هناك خدمة بريدية متاحة للجميع تربط المدن الكبرى.

والكل معا في الصورة رجل واحد من شعب قوي ناشط سعيد لا يرضى بعد أن يرسف في أغلال الإقطاع أو ظلم روما. وقد غلب بالاعتزاز بالقومية الألمانية كل انقسام سياسي، وكبح جماح الأباطرة الذين رأوا أنفسهم فوق الوطن، والبابوات الذين اعتقدوا أنهم فوق الطبيعة، وهكذا قدر للإصلاح الديني أن ينتصر على الإمبراطورية الرومانية المقدسة وعلى البابوية أيضا. وفي عام 1500 نشبت الحرب بين التيوتون والرومان وكان النصر مرة أخرى حليف ألمانيا كما حدث في القرن الخامس من قبل.

 

 برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> نضج الفن الألماني 

4- نضج الفن الألماني

وقدوم هذا العهد الجديد إنما يتجلى مظاهره في الفن. وربما كان من العسير علينا أن نصدق هذه الحقيقة. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الطلب كان يتزايد على الفنانين الألمان في أوربا بسبب تفوقهم في كل فن حرفي، في أشغال الخشب والحديد والنحاس والبرونز والفضة والذهب والحفر والتصوير والنحت والعمارة، وذلك في أوج عصر النهضة الإيطالية من مولد ليوناردو (1452)إلى وفاة رافاييل (1520). ولعل فيليج فابري الأولمي قد كتب عام 1484 بدافع الوطنية أكثر منه بدافع عدم التحيز وها هو يقول: "عندما يريد أي امرئ أن يحصل على قطعة مصنعة من الدرجة الأولى من البرونز أو الحجر أو الخشب فإنه إنما يستخدم حرفياً ألمانيا. لقد رأيت صانعي مجوهرات وصاغة وقاطعي أحجار وصانعي عربات من الألمان وهم ينتخبون آثارا رائعة بين الغزاة المسلمين بل إنهم فاقوا اليونان وبزوا الإيطاليين في الفن. وبعد نحو خمسين عاما اكتشف إيطالي آخر أن هذا لا يزال صحيحاً فقد كتب باولو جيوفو: "إن الألمان يكتسحون أمامهم كل شئ في الفن ولا يسعنا نحن الإيطاليين الخاملين إلا أن نبعث لألمانيا في طلب عمال مهرة". واشتغل المهندسون المعماريون الألمان لحساب فلورنسا وأسيسي وأرفييقو وسيينا وبرشلونة وبورجوس واستدعاهم ذوو الشأن لإتمام "القبة" في كاتدرائية ميلان. وقد خلب فايت ستوس ألباب الأهلين في مدينة كراكاو، وحظى ديرر بتكريم البندقية، واكتسح هوالبين الصغير إنجلترا.

وبلغت العمارة الكنسية أوجها في القرنين الثالث عشر والخامس عشر. ومع ذلك فإن أبناء جيل واحد من المواطنين في ميونخ شيدوا على الطراز القوطي الأخير، كنيسة سيدتنا وقاعة المدينة القديمة "أولدتان". وفي العقدين الأولين من القرن السادس عشر أتمت فرايبورج في ساكسونيا (منصة جوقة الترتيل) وشيدت أوجسبرج بيعة آل فوجر، وانتهت كاتدرائية ستراسبورج من بناء بيعة لورانس، وأضيفت مشربية جميلة إلى مقر كان الأبرشية في كنيسة سيبالدوسكيرس في نورمبرج. وفي مجال عمارة البيوت في هذا العهد شيدت أكواخ جذابة بأسقفها من القرميد الأحمر، وطبقاتها العليا مصنوعة من الخشب، وشرفاتها تجملها الأزهار وطنف رحبة تحمي النوافذ من الشمس أو الجليد. وهكذا واجه الألمان، بما عرف عنهم من إقدام، ارتفاع جبال الألب البافارية في مناخ ميتنفالد الصعب بجمال بيوتهم البسيط الحبيب.

وكان النحت من أمجاد هذا العصر. فازداد عدد صغار النحاتين، وكان من الممكن أن يلمعوا ويصبحوا نجوماً كبيرة لو قدر لهم أن يكونوا في مجرة أقل إشراقاً: نيكولاس جيرهارت وسمون لاينبرجر وتيلمان ريمنشنيدر وهانزباكوفن، وها هي نورمبرج وحدها تنجب في جيل واحد ثالوثاً من الأساتذة لا يكاد يبزهم أحد في عهد مماثل بأية مدينة في إيطاليا. ولا شك أن حياة فايت ستوس تصلح أن تكون قصة مدينتين؛ فقد تربى في نورمبرج، وحاز قصب الشهرة مهندس وبان للجسور ومعماري وحفار ونحات ومصور، وعندما بلغ الثلاثين من عمره ذهب إلى كراكاو وقام هناك بأحسن أعمال على الطراز القوطي الأخير المشع الذي عبر به عن ورع البولنديين وقابليتهم للإثارة في الوقت نفسه. وعاد إلى نورمبرج (1496) ومعه ما يكفي من الأموال لشراء بيت جديد ولعقد قرانه على زوجة ثانية، وقد أنجبت منه خمسة أطفال أضافتهم إلى أولاده الثمانية من زوجته السابقة... واعتقل فيت وهو في أوج مجده لأنه شارك، وربما كان هذا عن غير قصد، في عملية تزييف، ودمغ بإحراق خديه معاً وحرم عليه أن يغادر نورمبرج مرة أخرى، غير أن الإمبراطور ماكسمليان عفا عنه وأعاد له حقوقه المدنية (1506) ومع ذلك فإن ستوس ظل منبوذاً من المجتمع إلى أن انتهت حياته الطويلة المؤلمة. وفي عام 1517 حفر مجموعة كبيرة من الأعمال تمثل بشارة التحية الملائكية، وأحاط تمثالين - يعدان من أعظم أعمال النحت الخشبي وأقربها إلى الكمال - بإكليل من الورد وأحاط هذا بسبحة ألحق بها سبع رصيعات كبيرة تصور أفراح العذراء وتوج الجميع، وهي كلها من خشب شجر الزيزفون من مخلفات الأيام السعيدة في المدينة الكبيرة. وحفر ستوس لكنيسة سيبالدسكريش صليباً من الخشب لا يضارعه أبداً صليب آخر من نوعه (1520). وفي هذا العام حصل له ابنه أندرياس، بصفته رئيس دير رهبان الكارميليت بنورمبرج، على أتعاب مقابل تصميم مذبح لكنيسة في بامبرج. وبينما كان الفنان منهمكاً في هذا العمل استولى أنصار الإصلاح الديني على نورمبرج واستبدل بأندرياس راهب آخر لأنه ظل كاثوليكيا. وتشبث فيت نفسه بالعقيدة النيرة التي استلمها في فنه. وتوقف دفع أتعابه عن عملية المذبح وظل العمل ناقصاً. وأمضى ستوس السنوات العشرة الأخيرة من حياته كفيفاً يعتزل الناس وهو كظيم. فقد ماتت قبله زوجتاه وهجره أولاده، ونبذه الناس في عصر استغرقتهم فيه دراسة اللاهوت، ولم يدركوا أنهم إنما كانوا يفقدون عام 1533 أعظم حفار على الخشب في التاريخ وهو في الثالثة والتسعين.  

وعاش في نفس المدينة وفي هذا العهد فنان في أشغال البرونز مبرز أيضاً في أسلوبه وإن كان قد عاش حياة هادئة هانئة. وقد صور بيتر فيشر الأكبر نفسه في كوة بجدار، وتعد هذه الصورة من أشهر إنتاجه، ونراه بها عاملاً بسيطاً جاداً قصير القامة مكتنز الجسم، ذا لحية كاملة يرتدي مئزراً جلدياً حول وسطه ويمسك بيديه مطرقة وأزميلا. وقد كرس هو وخمسة من أبنائه عشر عاماً(1508 - 1519) لإتمام رائعتهم مقبرة زيبالد، القديس الحامي لنورمبرج. وتكلف المشروع كثيراً ونفذت الأموال المخصصة له، ومع ذلك لم يتم إنجاز العمل، وعندئذ حث أنتون توخر المواطنين على الاكتتاب في مبلغ 800 جيلدر (20.000 دولار؟) كان يحتاجه المشروع. وهذه الرائعة لا تثير الإعجاب لأول نظرة، ويبدو أنها لا تضارع هيكل أوركانيا في فلورنسا (1348)، ثم إن الحلزونات والدلفينات، التي يرتكز على ظهورها البناء، ليست على الأرجح حاملات لمثل هذا الثقل الهائل، إلا أن فحصها عن قرب يكشف عن كمال مذهل في أجزاء البناء. والتابوت الرئيسي المصنوع من الفضة مزين بأربع رسوم بارزة تمثل معجزات القديس.. وترتفع حوله الأعمدة البرونزية لظلة من الطراز القوطي، عليها نقش دقيق من زخارف عصر النهضة، وتتصل من أعلى بعقد معدني جميل على الأعمدة، حول القاعدة، وفي الطنف، وفي كوات الظلات العليا صور الفنانون سكانا حقيقيين من الوثنيين، وتماثيل لعبريين أو مسيحيين - تريتونات (آلهة البحر) وقنطروسات ونيريدات (حوريات البحر)، وسيرانات وموزيات والفاونات وهرقل وتيزيوس وشمشون والأنبياء وعيسى والرسل وملائكة يعزفون ألحاناً أو يلهون مع أسود أو كلاب، وبعض هذه التماثيل لا يزال في صورة بدائية، وكثير منها تم نحته بدقة دنانيلو أو غييرتي، وهي كلها تسهم بوضوح في إدراك متنوع للحياة. وتضارع تماثيل بطرس وبولس ومتى ويوحنا لوحة(الرسل الأربعة) التي صورها ديرر بعد سبع سنوات في نورمبرج نفسها.

ويقال إنه لم يأتي إلى نورمبرج في هذه العقود الأولى من القرن السادس عشر أمير أو حاكم إلا وزار مسبك بيترفيشر. وقد ألح الكثيرون في طلب أعماله الفنية. وعرض عدد كبير من الكنائس أعماله من الشمعدان النحاسي الكبير في كنيسة لونز وقبر ماكسمليان الأول في أنزبروك. وحذا أولاده الخمسة حذوه في النحت وإن كان اثنان منهم قد وافتهما المنية قبله. ومعروف أن هرمان فيشر الأصغر الذي مات في الحادية والثلاثين من عمره (1517) قد سبك زخرفاً بارزاً جميلا من البرونز لمقبرة الكردينال كازيمير في كاتدرائية كراكاو.

وكما تفوق آل فيشر في أشغال البرونز وفيت ستوس في أعمال الخشب فإن آدم كرافت بز كل معاصريه في النحت على الحجر. وقد صوره المؤرخون الألمان هو وبيتر فيشر الأكبر وسباستيان لينديناست (الذي صمم تماثيل الأمراء المتملقين على ساعة كنيسة العذراء) في صورة فنانين وأصدقاء أوفياء، "كانوا مثل الأخوة. كانوا يلتقون كل يوم جمعة، حتى عندما بلغوا من الكبر عتياً، ويدرسون معاً كأنهم صبية يتمرنون حسبما تدل عليه التصميمات التي نفذوها في اجتماعاتهم. ثم كانوا يفترقون وقد ألهاهم العمل عن تناول الطعام أو الشراب". ولعل آدم ولد في نفس العام الذي ولد فيه بيتر (1460؟) وكان مثله في البساطة والأمانة والورع والشغف برسم صورته الشخصية. ونحت عام 1492 لكنيسة زيبالدوس مقبرة لزيبالدوس شرييار عليها نقوش بارزة تمثل آلام المسيح عند الصلب والبعث وأعجب هانز رامهوف، وهو تاجر ثري بهذه البراعة فعهد إلى كرافت أن يصمم كأساً يحمل خبز ونبيذ القربان المقدس في كنيسة لورنتس قام آدم بصنع بيت القربان المقدس على هيئة هيكل رشيق عال من الطراز القوطي الأخير ويعد معجزة في الصياغة الدقيقة للحجر يرتفع طبقة بعد طبقة حتى يبلغ ارتفاعه أربعة وستين قدماً، ويستدق ليصبح قوساً يشبه رأس صولجان الأسقف، وتنبض الأعمدة بالحياة إذ تزخر برسوم القديسين، أما أبواب "البيت" فتحركها الملائكة، وأما الأوجه المربعة فقد نقش عليها رسوم بارزة تمثل مناظر من حياة المسيح، ويرتكز البناء الطلق الهواء كله بطريقة غريبة على ثلاثة تماثيل جاثية - آدم كرافت واثنان من مساعديه. وليس في الصورة الشخصية أي أثر للتملق، فالملابس بالية ومهلهلة من أثر الكد والنصب، والأيدي خشنة واللحية كثة والوجه العريض المرفوع إلى أعلا منكب على تصور العمل وتنفيذه. وعندما انتهت هذه الرائعة التي تأخذ بالألباب عاد كرافت إلى موضوعه الأثير فنحت سبع أعمدة من الحجر الرملي عليها مناظر تمثل آلام المسيح عند الصلب منها ستة موجودة الآن بالمتحف الألماني وأحدها واسمها "الدفن" تمثل الفن التيوتوني الأنموذجي وتمتاز بواقعية جريئة لا تحتاج إلى استكمال وتنطوي على الورع والإيمان.

واستمرت الفنون الصغرى في انتهاج نفس الصنع وطرق نفس الموضوعات وكان رسامو المنمنمات لا يزالون تنهال عليهم الطلبات للحفاظ على الطوائف الحرفية الناجحة. ورسم كبار الفنانين أمثال ديرر وهولبين تصميمات للزجاج الملون وليس من شك في أن هذا الفن الذي تدهور في فرنسا وإنجلترا وصل آنذاك إلى ذروة الإتقان في ألمانيا. وفي هذه الفترة حصلت كنيسة لونز وكاتدرائية أولم وكولونيا على نوافذ لها شهرة عالمية، ولم تكن هذه النوافذ مقصورة على الكنائس، فقد كان في دور النقابات الحرفية والقلاع بل وفي البيوت الخاصة بعض نوافذ من الزجاج الملون. وكانت المدن من أمثال نورمبرج وأوجسبورج ويجينزبورج وكلونيا وماينز تفخر بصناعها المهرة الفنانين: وهم صانعو الأدوات المعدنية الذين رفعوا من شأن المشاعل والثريات والصحاف والجرار والأقفال والصواني والصاغة الذين لقيت منتجاتهم، من الملاعق إلى الهياكل، تقديراً عظيماً في أرجاء أوربا، وعمال النسيج الذين نسجوا الطنافس والسجاجيد والثياب الكهنوتية والرداء المنمق لطبقة الأشراف، والنساء المتعبدات، وكن يبلين أناملهن ويرهقن عيونهن لكسوة الهياكل والقسس بالمطرزات والحرير. ولم يكن الحفارون قط في أي عهد مضى أحسن حالا منهم في هذا العهد، فإن ميكائيل فولجيموت قد حفر من الخشب أثنى عشر محراباً من أروع الأعمال، إلى جانب الرسم على الفنانين بديعتين لكنيسة لورنتس، ثم علم ديرر كيف يفوقه في هذا الفن.

وتطور فن الحفر بنقش رسم على لخشب أو النحاس في القرن الخامس عشر حتى أصبح فناً ناضجاً يجله الناس تماماً كالتصوير. وهذبه كبار المصورين ووصل به مارتن شونجاور إلى درجة الكمال. وبعض أعماله في الحفر-تعذيب المسيح وعمل الصليب والقديس جون في ياتموس وأغواء القديس أنتونى، تعد من أعظم الأعمال الفنية في كافة العهود.

وأصبح الفن الإيضاحي في الكتب بوساطة النقوش مناسبا وشائعة وسرعان ما حل محل الزخرف وتضاعف عدد أشهر اللوحات في هذا العهد بأعمال الحفر التي كانت تباع في أكشاك في المكتبات والأسواق والمهرجانات، وأظهر لوكاس فان ليدن نبوغاً مبكراً مذهلاً في هذا المجال. فقد حفر لوحته "محمد" وهو في الرابعة عشرة من عمره ولوحته "المسيح وعلى رأسه إكليل الشوك" وهو في السادسة عشرة من عمره (1510) وقارب الكمال في صورة ماكسمليان التي نقشها على النحاس واستخدم الحفر الإبري وذلك بآلة مدببة تقذف شظية أو حافة من المعدن المقتطع بطول خطوط الرسم، في صورة "سيد كتاب البيت" التي نقشها فنان مجهول حوالي عام  1480. أما الحفر بتغطية سطح معدني بالشمع ونقش رسم بالحفر الشمع وصب حامض لينخر في الخطوط البارزة فإنه تطور من النقش على السلاح إلى الحفر على ألواح معدنية يمكن أن تطبع بها النقوش، ويبدو أن دانييل هوبفر وهو صانع قام بصنع أول "كليشيه" سجله التاريخ عام 1504 ومارس بورجكماير وديرر الفن الجديد في غير إتقان . ولعل لوكاس فان ليدن قد تعلم هذا الفن من ديرر غير أنه سرعان ما فاقه وملك ناصيته.

وكان هذا العصر أعظم عصور ألمانيا في التصوير. وقد تأثر المصورون الألمان في النصف الثاني من القرن الخامس عشر بالمدرستين الهولندية والإيطالية كما تأثروا بمصورهم مملنج المبعد عن وطنه فتدرجوا من صرامة الفن القوطي وفظاظته إلى خط يتسم بمزيد من الرشاقة، ورسم صور تتحرك في يسر في مناظر طبيعية تعكس الحياة المنزلية للبورجوازية الظافرة؛ وظلت الموضوعات الدينية هي الغالبة، وإن كانت الموضوعات الدنيوية قد أخذت تزحف قدما وأخلت النقوش الهيكلية الطريق للصور المرسومة على الخشب ولم يعد المحسنون الأثرياء يقنعون بالسير في ركاب جماعة دينية، فطلبوا أن ترسم لهم صور شخصية هم فيها كل شئ. وبرز المصورون أنفسهم من حالة إغفال الأسماء في العصور الوسطى إلى الفرديات المتميزة، وأخذوا يوقعون بإمضاءاتهم على أعمالهم تشبثا بالخلود.

ومع ذلك فإن صاحب لوحة "حياة العذراء" التي رسمت في كولونيا حوالي عام 1470 لا يزال مجهولا، وقد ترك هذا الفنان لوحة "العذراء والقديس برنار" ورسم فيها عذراء ألمانية حقيقية تعتصر من ثديها اللبن للطفل، أمام راهب ورع لا يكاد يومئ إلى كلب السماء الذي طارد أبيلارد.

ويعد ميكائيل باشير واحداً من أوائل الفنانين الذين نقلوا أسماءهم كما نقلوا أعمالهم. ولا تزال كنيسة سانت ولفجانج الأبرشية في سالتسكا مرجوت تعرض النقش الهيكلي الضخم الذي يبلغ طوله ستة وثلاثين قدما والذي حفره وصوره لها في السنوات من 1479 إلى 1481 وقد أسهمت دراسة المنظور في هذا الصور المرسومة على الخشب وفي تعليم الفن الألماني.

وأظهر مارتن شونجاور في تصويره حذق حفار مثقف وحس روجير فان دير فيدن المرهف. وقد ولد شونجاور عام 1445 في أوجسبورج واستقر في كولمان وطور هناك مدرسة للحفر والتصوير لعبت دوراً عظيما في بلوغ الفنون إلى الأوج في عهد ديرر وهولبين.

وفي كل عام كانت المدن النامية في الجنوب تسلب زعامة الفن الألماني من كولونيا والشمال. وفي أوجسبورج، مركز التجارة مع إيطاليا، أدخل هانز بورجكماير في لوحاته لمسات زخرفية إيطالية ومزج هانز هولبين الأكبر الزخرف الإيطالي برصانة الطراز القوطي. وخلف هانز فنه لولديه أمبروز وهانز اللذين صورهما باعتزاز في لوحاته. ولم يلمع اسم أمبروز في التاريخ ولكن هانز الصغير أصبح أحد أمجاد ألمانيا وسويسرا وإنجلترا، وكان أعظم سلف لديرر هو ماتياس جوتهارت الذي أصبح معروفا للخلف باسم ماتياس جرونيفالد بسبب خطأ ارتكبه أحد الباحثين. وقد تعلم سحر المصور من شونجاور في كولمار وذلك في مجال الوراثة الاجتماعية القديمة جدا للفن. ثم أضاف إليها تعطشه للشهرة والوصول إلى الكمال وتدرب في أناة في غنت وشبييار وفرانكفورت واختار ستراسبورج موطنا له (1479). ولعله رسم هناك أول رائعة له وهي صورة شخصية ثنائية لفيليب الثاني صاحب هانو - ليختنبرج وزوجته. والحق أن ديرر نفسه لا يستطيع أن يبزها لما يتجلى في هذه اللوحة من إدراك عميق وجمال في التنفيذ. وعاد جرونيفالد للتجوال من جديد وعمل بعض الوقت مع ديرر في بازل حيث رسم "صورة رجل" المعروضة الآن في نيويورك ثم قام مرة أخرى بأعمال حفر في الخشب مع ديرر في نورمبرج. واستقر عام 1503 في زليجنشتادت وهناك طور في نهاية الأمر أسلوبه المتميز الناضج - رسم مناظر من الإنجيل بإحساس مرهف ومقدرة هائلة. وعينه كبير الأساقفة ألبرخت مصورا للبلاط في ماينز (1509) ولكنه عزل جرونيفالد عندما أصر على الثناء على لوثر (1526). وتزوج وصادفه سؤ الطالع ثم انسحب وعاش في عزلة تقبض الصدر لعلها ألقت بعض الظلال السوداء على التظليل في فنه.

ومن أروع أعماله - وربما كان أعظم أعمال التصوير الألماني - الهيكل المتعدد الثنيات الذي أعده لدير في آيزن عام 1513 ويعرض اللوح الأوسط العذراء وابنها بلون ذهبي يشع بالضياء على طريقة الفنان تورنر، على مهاد من البحار النائية، ولكن اللوح البارز الذي لا ينسى رسمت عليه صورة بشعة لصلب المسيح: تمثله وهو في النزع الأخير وقد غطت جسده الجروح والعرق الممتزج بالدم، وأطرافه تتلوى من الألم، ومريم مغشي عليها بين ذراعي القديس يوحنا، وماجدالين تتميز غضباً ويرتسم على أساريرها حزن مريب، ولا تزال هناك ألواح أخرى يمكن أن تكون في ذاتها لوحات عظيمة: جوقة من الملائكة بأسلوب قوطي في البناء المعماري تتداخل فيه الألوان الحمراء والبنية الزاهية، ولوحة مرعبة اسمها "إغواء القديس أنتوني" وصورة للقديس نفسه، وناسك في غابة تزخر بالأرواح الشريرة والأشجار التالفة، وكابوس بوشي يبدو أنه يرمز إلى أحلام أنتوني. وفي غلبة اللون والضوء والإحساس بالخط والشكل والتصور فإن هذه السورة المسرحية في المقدرة التصويرية هي ذروة التصوير الألماني القوطي قبيل انتصار الخط والمنطق في فن ديرر الذي مد يديه في اشتياق إلى إنسانية وفن عصر النهضة الإيطالي على الرغم من تشبثه بصوفية ألمانيا في العصور الوسطى.

 

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> ألبرخت ديرر 

5- ألبرخت ديرر

(1471 - 1517)

 لم يسبق لأمة أخرى غير ألمانيا أن اختارت بالإجماع أحد أبنائها ليكون ممثلا لها في الفن- فقد وقع اختيار البروتستانت والكاثوليك وأهل الشمال وأهل الجنوب على الفنان ديرر. وفي اليوم السادس من أبريل عام 1928، وبمناسبة الذكرى السنوية الأربعمائة لوفاته طرح الريخستاج في برلين ومجلس المدينة في نورمبرج الأمور السياسية والمذهبية جانباً، وذلك لتكريم فنان تحبه ألمانيا أكثر من أي فنان آخر. وفي غضون ذلك عرض خبراء الفنون دون طائل مبلغ 1.000.000 دولار لشراء لوحة - اسمها "عيد أكاليل الورد"، وهي لوحة تقاضى عنها ديرر مبلغ 110 جيلدر (2.750 دولار؟).

وكان والده الهنغاري صائغا استقر به المقام في نورمبرج. وكان ألبرخت الابن الثالث من ثمانية عشر ولدا مات معظمهم في سن الطفولة وتعلم الولد في مرسم أبيه كيف يرسم بالقلم الرصاص والفحم والريشة وكيف يحفر بالنقاش، ودرب نفسه على قوة الملاحظة وتمثيل الأشياء والموضوعات بتفصيل لا يعرف الكلل، حتى أن كل شعرة تقريباً في بعض لوحاته تبدو وكأنها تلقت ضربة خاصة بها وحدها من الفرشاة. وكان الوالد يأمل أن يخلفه ابنه في حرفته كصائغ إلا أدعن لرغبة الشاب في أن يتوسع في نطاق فنه. فأرسله إلى فولجيموت ليتمرن هناك (1486) وتدرج ألبرخت في عمله ببطئ ومكنت له عبقريته في الطموح والمثابرة والصبر. وقال: "لقد حباني الله بفضيلة الجد فحسن تعليمي ولكني اضطررت أن أتجاوز عن قدر كبير من الإزعاج الذي سببه لي أعوانه" ونظراً لأنه لم تسنح له فرصة كبيرة لدراسة الجسم العاري فإنه تردد على الحمامات العامة ورسم أجساماً في جمال أبولو وذلك بقدر ما سمحت له الظروف هناك. وكان هو نفسه يحاكي أبولو بعض الشيء في تلك السنوات. وقد وصفه أحد أصدقائه في اعتزاز بقوله: له جسم رائع متين البناء معتدل القوام جدير بما يحمله من عقل نبيل... وجه ذكي الملامح وعينان تلمعان وجيد طويل وصدر عريض وخصر نحيل ومنكبان قويان وساقان ثابتتان، أما يداه ففي وسعك أن تقول إنك لم تر قط يدين تبزهما في الرشاقة. أما حديثه فعذب شائق حتى ليتمنى المرء ألا ينتهي أبداً.

واجتذبته أعمال الحفر التي قام بها شونجاور فاتخذ طريقه إلى كولمار (1492) وإذا به يجد الأستاذ قد مات فتعلم قدر المستطاع من إخوة شونجاور ثم رحل إلى بازل حيث تعلم من جرونيفالد أسرار الفن الديني الخالص وكان قد أصبح رساماً بارعاً. وتحمل طبعة من رسائل سان جيروم نشرت في بازل عام 1492 على صفحتها الأولى صورة شخصية للقديس رسمها ديرر، ونالت هذه الصورة استحسان النقاد حتى تنافس ناشرون عديدون للحصول على أعماله المستقبلية. ومهما يكن من أمر فإن أباه حثه على العودة للوطن ليتزوج من الفتاة التي اختارها له إبان غيابه. وعاد إلى نورمبرج واستقر هناك وعاش مع زوجته أجنس فراي (1494).

وقد رسم نفسه قبل ذلك في صورة شاب يرتدي زياً يكاد يكون زي امرأة ويصفف شعره مثلها تقريبا، معتزاً بنفسه وخجولاً في الوقت ذاته يرتاب في العالم ويتحداه، وفي عام 1498 وكان لا يزال معجباً بوسامته ولحيته أيضاً رسم لنفسه صورة شخصية في زي نبيل شاب يرتدي ملابس فاخرة وعلى رأسه قلنسوة لها شرابة تبرز منها خصل طويلة من الشعر البني، وتعد هذه اللوحة من أعظم الصور الشخصية التي رسمها فنان لنفسه في جميع العصور. ورسم نفسه مرة أخرى عام 1500 في ملابس أكثر بساطة والوجه مستطيل بين خصل غزيرة من الشعر تتهدل فوق الكتفين، وفي العينين النافذتين بريق غامض ويبدو أن ديرر رسم نفسه هنا في صورة خيالية تشبه صورة  المسيح لا عن زهو يتسم بالزندقة ولكن لأن له رأياً ردده كثيراً كأمر مسلم به وهو أن أي فنان عظيم هو الناطق بلسان الله وبوحي منه تعالى. وكان الغرور هو الدعامة التي يستند إليها في عمله، إذ أنه لم يضاعف من عدد صوره الشخصية فحسب، ولكنه أفسح لنفسه أيضاً مكاناً في كثير من لوحاته. وكان في بعض الأوقات يتمسك بأهداب التواضع ويدرك في أسى أن قدراته محدودة، وقال لبيركهايمر "عندما يثني علينا فإننا نشمخ بأنوفنا ونصدق كل ما قيل عنا ولكن من يدري؟ لعل أستاذا ساخرا يضحك علينا من وراء ظهورنا". أما بالنسبة لغير هذا فقد كان سليم الطوية ورعاً مخلصاً كريماً سعيداً بقدر ما تسمح الظروف.

ولم يستطيع أن يعيش مسلوب اللب مع زوجته؛ فقد انطلق إلى إيطاليا بعد زواجه بوقت قصير وخلفها وراءه. وكان قد سمع عما يطلق عليه "النمو الجديد" للفنون في إيطاليا بعد أن ظلت دفينة ألف عام. وعلى الرغم من أنه لم يسهم مطلقاً في هذا البعث للأدب الكلاسي والفلسفة والفن التي واكبت عصر النهضة فإنه كان تواقاً لأن يرى من المصدر الأصلي مباشرة ما الذي حبا الإيطاليين بهذا التفوق في الرسم والنحت والنثر والشعر. وأقام بصفة أساسية في البندقية ولم تكن النهضة قد بلغت فيها أوج الازدهار ولكنه عندما عاد إلى نورمبرج (1495) كان قد تلقى بوسيلة ما الحافز الذي أطلق شرارة طاقة الإنتاج السريعة في خلال السنوات العشر التالية. وفي عام 1507 ذهب إلى إيطاليا مرة أخرى بعد أن اقترض مبلغ مائة فلورين (2500 دولار؟) من بيركهايمر وأقام فيها هذه المرة عاماً ونصف عام .

ودرس أعمال ماتنيا وسكوارسيوني في بادو ونسخ في تواضع بعض الرسوم وسرعان ما اعترف به بليني وفنانون آخرون من البندقية رساما بارعا ونالت لوحة "عين أكاليل الورد"، التي رسمها لكنيسة ألمانية، الاستحسان حتى من الإيطاليين، وكانوا لا يزالون يعدون معظم الألمان برابرة. وعرض عليه سيد البندقية منصبا دائماً إذا أقام هناك ولكن زوجته وأصدقاءه ألحوا عليه في العودة إلى نورمبرج. ولاحظ أن الفنانين في إيطاليا أحرزوا مكانة اجتماعية رفيعة مكانة تفوق مكانة زملائهم في ألمانيا وقرر أن يطالب بمنزلة اجتماعية مماثلة عند عودته وكتب يقول: "إني هنا سيد مهذب أما في الوطن فأنا طفيلي" أي غير منتج لسلع مادية. وأبهجه الاهتمام بالفن في إيطاليا وكثرة الفنانين وما يدور بينهم من صراع ومناقشات الذكية والحادة التي تدور حول نظريات الفن. وعندما شرح له جاكوبودي بارباري مبادئ بييرو ديلا فرانشسكا وغيره من الإيطاليين عن النسب الرياضية للجسد البشري الكامل قال ديرر إنه "يؤثر أن يشرح له هذا خير عنده من أن يتلقى مملكة جديدة". واعتاد في إيطاليا رسم "الجسم العاري" فنيا، وقد ثقف ذلك بدراسة التماثيل القديمة وفي الوقت الذي حافظ في أعماله على الطابع التيوتوني والمسيحي فإنه شغف بالفن الوثني الذي يعجب به الإيطاليون وسعى في سلسلة طويلة من المقالات أن يعلم مواطنيه من الفلاحين أسرار المنظور والنسب والتلوين. وانتهى الأسلوب القوطي في رسم الألماني بهاتين الرحلتين اللتين قام بهما ديرر إلى إيطاليا، وهكذا قبل الجيل الألماني، الذي رفض أن يتبع روما في الدين، أن يسير على نهج إيطاليا في الرسم.

وظل ديرر نفسه في حالة توتر خلاق، وإن اتسم بالتردد بين العصور الوسطى وعصر النهضة، وبين الاتجاه الصوفي الألماني والإقبال الإيطالي على الدنيا ولم تتغلب في روحه قط بهجة الحياة التي رآها في إيطاليا على التأمل في الموت. وإذا استثنينا صوره الشخصية فإن موضوعاته ظلت برمتها تقريبا دينية، وكان كثير منها صوفية. ومع ذلك كان الفن دينه الحقيقي. كان يعبد الخط الكامل ويؤثره بالعبادة على محاكاة المسيح. وقد أظهر حتى في أعماله الدينية اهتمام الفنان الشديد بكل الأشياء التي تعرض له حتى في الحياة اليومية العادية ورسم مثل ليوناردو كل شئ تقريبا.. صخورا وجداول ماء وأشجارا وجيادا وكلابا وخنازير، وجوها قبيحة وأشكالا قميئة وكائنات خيالية لها شكل عجيب أو مروع. ورسم ساقه اليسرى كما ترى في أوضاع مختلفة وبعج وسادة لتتخذ سبع أشكال مختلفة لدراستها بريشته التي لا تعرف الكلل. وحشد في عمله معرضا حقيقيا للحيوان ورسم أحيانا مدينة كاملة لتكون مهادا لإحدى لوحاته. وصور حياة الناس وأعمالهم في الريف بنشوة وفكاهة. وكان يحب الألمان فرسم رؤوسهم الضخمة وسمات وجوههم التي تنزع إلى الحمرة دون احتجاج وعرضهم في البيئات غير المتوقعة حتى في روما أو فلسطين وهم يرتدون دائما ملابس فاخرة مثل أبناء الطبقة الوسطى من السراة ويتدثرون ويتلفعون وكأنهم يتقون برد ألمانيا، ورسمه وصف أثنوجرافي لأجيال نورمبرج، وكان أهم عملائه الأثرياء من التجار الذين خلد ذكرهم في لوحاته - ومع ذلك فقد تلقى مكافآت من الدوقات والأمراء المختارين في الإمبراطورية، وأخيرا من ماكسمليان نفسه، وكما كان تيسيان يحب أن يصور طبقة الأشراف والملوك، فإن ديرر كان يألف تصوير أبناء الطبقة الوسطى، ولقد جعلت هذه الصورة، التي حفرها على الخشب، الإمبراطور يبدو كما وصفه لويس الثاني عشر "عمدة أوجسبورج". ورسم ديرر مرة واحدة في حياته النبالة في صورة - وهي صورة خيالية لشارلمان.

وله ست وثلاثون صورة شخصية تعد من أحسن أعماله التي تقربها العين ويسر بها الفؤاد، لأنها بسيطة وحسية دنيوية زاخرة بما يميزها من شخصيات. انظر إلى صورة هيرونيموس هولتسشوهر عضو مجلس الشيوخ في نورمبرج، رأس ينم على القوة ووجه صارم الملامح وشعر ناحل على جبهة عريض ولحية مهذبة في تناسق تام وعينان حادتان كأنه يرقب بهما السياسيين، ومع ذلك فإن فيهما شروع في بريق. نحن أمام رجل طيب القلب مرح حسن الشهية. أو تأمل صورة ويليبالد بيركهايمر، وهو أعز أصدقاء ديرر، رأس ثور يخفي عقل علامة ويشير إلى شهوات معدة جارجانتوا. ومن كان يتوقع أن وجه فردريك الحكيم الضخم، حكيم ساكسونيا، بتقاطيعه المتغضنة المهدلة، يخفي وراءه الأمير المنتخب الذي تحدى البابا ليحمي لوثر؟ إن كل صور الأشخاص تقريبا تخلب اللب. صورة أوزفولت كريل الذي يبدو تركيزه الحاد حتى في عروق يديه أو صورة برناردفون رستن بالصدار الأزرق الرقيق والقبعة العريضة الفخمة والعينين المتأملتين لفنان مستغرق أو صورة جاكوب موفيل عمدة نورمبرج، وهي استغراق في الفكر للتعبد الجاد، وهي تلقى بعض الضوء على عظمة المدينة وثرائها، أو صورتا والد ديرر وهو يبدو في إحداهما منهوك القوى من النصب عام 1490، وفي الثانية خائر القوى إلى أقصى حد عام 1497، أو صورة سيد مهذب في البرادو - رجواة مجسمة تدنسها القسوة والجشع، أو صورة اليزابث توخر وهي تحمل خاتم زواجها متطلعة إلى إتمام الزواج في خفر، أو صورة سيدة من البندقية التي اضطر ديرر من أجلها أن يسافر إلى إيطاليا ليجد الجمال والقوة. وقلما تجد في صور من رسمهم من الذكور رقة، وهي تخلو من الرشاقة، وإن بدت فيها دائماً قوة الشخصية. قال: "إن ما لا يفيد في الرجل ليس جميلا" ، وكان يهتم بالواقع وحكايته بأمانة أكثر من اهتمامه بجمال القسمات أو الشكل، وقد أشار إلى أن الفنان يستطيع أن يرسم بالرصاص أو يصور بالزيت صورة جميلة لشيء قبيح أو لموضوع كريه. كان تيوتونيا فطر على الجد وتقديس الواجب والإخلاص، وقد ترك الجمال والرشاقة للسيدات وركز على القوة في الرجال.

ولم يكن مبرزاً في التصوير، ولم يكن الرسم ينسجم مع ذوقه، ولكن زيارته لإيطاليا أثارت فيه الرغبة في أن ينشد اللون والخط معاً. وصور هيكلا متعدد التنيات عرف فيما بعد باسم مذبح درسدن، وذلك لفردريك صاحب ساكسونيا والكنيسة الملحقة بقصره في فيتنبرج. وهنا نجد أن الأساليب الإيطالية في النسبة والمنظور قد شكلت إطار الأجسام بأسلوب ألماني بحت: سيدة ألمانية تمثل العذراء، وأستاذ يمثل القديس أنتوني، وشماس معمداني ألماني يمثل القديس سباستيان، والنتيجة صورة فذة. وأبدع منها الصور والنقوش الهيكلية لباومجارتنر في ميونخ: صورة رائعة للقديس يوسف والعذراء مريم فوق مهاد معماري من الأطلال الرومانية. ولكن صدر الصورة قد شوهته أقزام سخيفة، أما صورة عبادة المجوس في الأوفيزي فهي انتصار للون يتمثل في رداء العذراء الأزرق والثياب الفخمة التي يرتديها الملوك الشرقيون، ولوحة المسيح بين الأطباء تبين عيسى الوسيم، له خصلات شعر فتاة، ويحيط به ثقات نحارير من ذوي اللحى والوجوه المتغضنة - أحدهم يشبه صورة هزلية كله أنف وأسنان. وصورة عيد أكاليل الورد تضارع الصور الإيطالية في هذا العهد، بتكوينها البارع وجمال الأم والطفل معا وروعة اللون بصفة عامة، وتعد أعظم لوحة لديرر، ولكن على المرء أن يجازف بقطع كل الطرق إلى براغ ليشاهدها. وفي فينا وبرلين لوحات جذابة من عمل ديرر لمريم العذراء؛ وفي نيويورك لوحة للعذراء والطفل مع القديسة آن، وهي تقدم لنا فتاة ألمانية رقيقة، تمثل العذراء، وسيدة سامية سمراء تمثل أمها، وما أروع اللوحات في البرادو التي تصور آدم وحواء، فهنا نتوقف لحظة لنجد فناناً ألمانيا يظهر لنا جمال أنثى صحيحة البدن وهي عارية. ولقد ثبط من همة ديرر المكافأة القاصرة التي حصل عليها من التصوير، وربما أوهن من عزيمته اضطراره إلى تكرار الموضوعات الدينية القديمة، فتحول بصورة متزايدة إلى عمل يدر عليه ربحاً أكثر، ويتسم بمزيد من الأصالة، وهو نحت الخشب والحفر، لأن لوحا واحداً في هذه الحالة يكفي لصنع ألف نسخة يمكن نقلها بسهولة إلى كل سوق في أوروبا، ويمكن أن تزود ألف مجلد مطبوع بالرسم نفسه.  

كانت براعة ديرر تتجلى في رسم الخط وكان الرسم مملكته التي لا يبزه فيها رجل من الأحياء وقتذاك، بل إنه في هذا المجال أذهل برقته المتناهية الإيطاليين المزهوين بأنفسهم. ولقد شبه أرازموس كرسام بأستاذ قديم بارع في الخط فقال: إن أبيلز كان يتعين باللون... أما ديرر فما الذي لا يستطيع أن يعبر عنه بلون واحد؟... والنسب والإيقاعات المنسجمة؟ كلا إنه يرسم ما لا يمكن تصويره - النار وأشعة الضوء والرعد.. والبرق.. وكل الأحاسيس والانفعالات في رقة، وعقل الإنسان بأسره وهو يعكس نفسه بسلوك الجسد، بل إنه يكاد يرسم الصوت نفسه، وهو يضع هذه الأشياء أمام الأعين بأصلح الخطوط خطوط، سوداء، ومع ذلك فإنك لو نشرت عليها ألواناً لأضررت بالعمل الفني. ثم أليس عجيباً أن يحقق فنه دون أن يتوسل باللون ما حققه أبيلز متوسلاً بها؟

ورد ديرر على هذا الإطراء بحفر صورة شخصية لارازموس (1526) ولم يجلس من أجلها أرازموس أمامه ولكنه رسمها عن صورة من عمل ماسيس، وهي إن كانت لا تضارع هذه الصورة الشخصية، ودون الصورة التي رسمها هولبين؛ فإنها من روائع الرسم مع هذا كله، وذلك للبراعة في تصوير ثنيات العباءة وظلالها وتجاعيد الوجه واليدين والأوراق المطوية للكتاب المفتوح.

وقد خلف لنا ديرر أكثر من ألف صورة معظمها يعد معجزات من التصميم الواقعي أو المعبر عن الورع أو الخيال الخارق، وبعضها صور هزلية صريحة، وإحداها تصور السن والحكمة في دقة متناهية، ومن آن لآخر يكون الموضوع من ذلك النوع الذي لا ينبض بالحياة، كما في لوحة الطاحونة، أو مجرد خضرة خالصة مثل لوحة "المرج"، أو حيواناً مثل صورة رأس فيل البحر. وتحتشد عادة النباتات والوحوش حول أشخاص أحياء، كما في اللوحة المركبة "السيدة العذراء مع حشد من الحيوانات"، أما الموضوعات الدينية فهي أقل أعماله نجاحاً، ومع ذلك فإننا يجب أن نستثني وتقدر اللوحة الرائعة المسماة "يدا رسول يصلي". وأخيراً فثمة دراسات رائعة في الأساطير القديمة مثل لوحة أبولو وصورة أورفيوس.

وقد حول ديرر نحو 250 من رسوماته إلى أعمال من الخشب المحفور المنحوت ومائة إلى حفر، وهاتان المجموعتان تمثلان أروع جانب يستحق التقدير من تراثه. ولقد حفر بنفسه التصميمات حتى مدار القرن، ثم عهد فيما بعد بحفر الخشب إلى آخرين. وما كان، بغير هذا التعاون، ليستطيع أن يصور مثل هذا القطاع الواسع من الحياة. وقد بدأ بتصوير رسوم لكتب مثل الفارس "فون تورن"و"الطيش" لسباستيان برانت، ورسم بعد عشرين عاماً صوراً هامشية لكتاب الصلوات الخاص بماكسمليان. وجرب ريشته في رسم الجسم العاري، ونجح نجاحاً عظيماً في لوحة "حمام الرجال" ولم يبلغ الشأن نفسه في صورة "حمام النساء"، وقد أفاد في كليهما كدافع ثوري للفن الألماني الذي كان قد أعرض عن رسم الجسم العاري باعتباره عملاً فاضحاً أو تبديداً للأوهام. واشتهرت أعمال الحفر في الخشب، التي صورت حياة العذراء وآلام المسيح عند الصلب، فقد غدا في وسع النساء المتعبدات وقتذاك أن يتأملن، وهن يصطلين بجوار مدافئهن، صورة مطبوعة تبين خطبة يوسف ومريم، وكان الألمانيون العمليون يسرهم أن يجدوا في صورة إقامة العائلة المقدسة في مصر كل التفاصيل المريحة للألفة والجد اللذين عرف بهما الشعب التيوتوني-مريم تحيك الثياب، ويوسف يعمل وهو جالس على دكته، وأطفال عليهم مسحة ملائكية يحضرون الحطب دون أن يطلب أحد ذلك منهم. وثمة سبع وثلاثون صورة من أعمال حفر الخشب الصغير- "آلام المسيح الصغرى"- وإحدى عشرة صورة أكبر-"آلام المسيح الكبرى"- عرضت قصة تعذيب المسيح ووفاته في آلاف البيوت، ونبه شوق الرأي العام لترجمة لوثر للعهد الجديد. وثمة سلسلة أخرى من الصور زينت سفر الرؤيا وبعضها حفر على الخشب مثل "الفرسان الأربعة في سفر الرؤيا" والقديس مايكل يقاتل التنين وكانت من النضارة والوضوح بحيث ظل لذهن الألماني قرونا طويلة يفكر في سفر الرؤيا كما عبر عنها ديرر برسومه.

وتجاوز مرحلة حفر الخشب إلى فن يحتاج إلى مزيد من الجهد هو فن النقش، وحاول بين الفينة والفينة النقش بالحفر الإبري، كما في الصورة المظللة "العائلة المقدسة" وكان عادة يعمل بإزميل. و"سقوط الإنسان" نقش على النحاس في أشكال تليق باليونان وفي نسبة وتناسق جديرين بالإيطاليين مع ما عهد في ديرر من إسراف في رسم الحيوان والنبات، حيث نجد إن لكل وحدة تقريباً دلالة رمزية بالنسبة له ولجيله. وبرزت إناث عاريات في روعة لم يسبق لها مثيل في الفن الأماني من المعدن، وذلك في صورة "وحش البحر" و"الصراع بين الفضيلة واللذة"، بخلفية من المناظر الخلوية رسمت ببراعة.

أما الستة عشرة صورة من الحفر والتي تكون "آلام المسيح منقوشة" فإنها أقل تأثيراً من صورة "تعذيب المسيح" المحفورة على الخشب، ولكن صورة القديس ايوستاس فهي مجموعة من الرسم الحية: خمس كلاب وجواد وغابة، وحشد من الطيور وسلسلة من القلاع فوق تل، وغزال يحمل صليباً بين قرنيه، ويتوسل إلى الصياد أن يعفيه من القتل ويغريه بأن يصبح قديساً.

وبلغ ديرر في عامي 1513 و1514 الذروة كرسام في ثلاث رائعات من الحفر، فالفارس والموت والشيطان نسخة قوية من موضوع كئيب من القرون الوسطى.. فارس صارم الملامح بالدروع والسلاح، يمتطي صهوة جواد فيروكشي، تكتنفه صورة قبيحة للموت والشيطان، ومع ذلك فإنه يتقدم إلى الأمام في إصرار منتصراً للفضيلة على كل شئ، ويبدو أن أحداً لا يصدق أنه يمكن نقش صورة في المعدن بمثل هذه المبالغة والدقة في التفاصيل. فصورة القديس جيروم في قاعة درسه، توضح مرحلة أهدأ من انتصار المسيحي.. القديس العجوز الأصلع منحن فوق مخطوطته يكتب على ما يبدو في ضؤ هالته وعلى الأرض، ومعه في هدوء أسد وكلب، وعلى أسكفة النافذة تجثم جمجمة في سكون مبين، وما يبدو في نظر كل الناس قبعة زوجته معلقة على الحائط، وكل الحجرة مرسومة بمنظور روعيت فيه القواعد، ورسمت فيها كل الظلال وأشعة الشمس بدقة فائقة. وأخيراً فإن النقش، الذي أطلق عليه ديرر اسم "السوداء"، يكشف عن ملاك يجلس في وسط أنقاض مبنى لم يتم، وتحت قدميه خليط من الأدوات الميكانيكية والآلات العلمية، ويتدلى من منطقته كيس ومفاتيح رمزاً للثروة والسلطان، ويستند برأسه مفكراً على إحدى راحتيه، وعيناه تحملقان حولها ما في شئ من الدهشة وشئ من الفزع. أتراه يتساءل لأي غرض يبذل كل هذا الجهد، وما فائدة هذا البناء، والهدم والبناء، وهذا السعي الحثيث وراء الثروة والسلطان والجري وراء السراب الذي يسمى الحقيقة ومجد العلم هذا وبلبلة ذوي الفكر وهو يكافحون عبثا الموت المحتوم؟ وهل يمكن أن يكون ديرر في بداية العصر الحديث نفسه قد أدرك المشكلة التي واجهها العلم الظافر وهي مشكلة الوسائل التقدمية التي أساءت استخدامها الغايات التي لا تتغير؟

وهكذا دخل ديرر عصر لوثر بالرسم تلو الرسم والتصوير وراء التصوير، بدأب جهيد وصبر يختلفان عن تسويف ليوناردو وترف رافائيل، واشترى حوالي عام 1508 البيت الذي أضفى الشهرة على نورمبرج، وقد دمر منه. وكان الطابقان فيه من الحجر، أما الطابقان الثالث والرابع فمن الخشب المكسو بالملاط، وفوق طنف بارز يجثم طابقان آخران تحت السقف الهرمي. وهناك عاش ديرر تسعة عشر عاماً في بؤس غير مفرط مع زوجته العقيم. وكانت أجنس ربة بيت بسيطة وتعجب لماذا يمضى ألبرخت هذا الوقت الطويل في دراسات لا تسمن ولا تغنى من جوع، أو مع أصدقاء يدمنون الشراب. كان يتحرك في دوائر لا تستطيع أن تدركها بعقلها القاصر وكان يهملها من الناحية الاجتماعية، وكثيراً ما كان يسافر دون أن يصحبها معه، ولكنه عندما اصطحبها معه إلى الأراضي الواطئة، كان يتناول غذاءه مع الشخصيات المشهورة أو مع أحد ضيوفه ويترك زوجته تتناول طعامها في (المطبخ الأعلى) مع خادمتهما. وفي عام 1504 انضمت إلى ديرر والدته الأرملة لتعيش معهما في البيت واستمرت معهما عشر سنوات. والصورة التي رسمها لها تثير عطفنا على الزوجة - ولم تكن جد فاتنة - ولقد رأى أصدقاؤه في أجنس امرأة سليطة اللسان، لا تستطيع أن تشارك ديرر حياته الفكرية المستغرقة.

وفي سنواته الأخيرة تمتع أستاذ نورمبرج بشهرة تعم قارة أوربا، باعتباره رائداً للفن الألماني ومفخرة له. وفي عام 1515 منحه الإمبراطور معاشاً متواضعاً قدره مائة فلورين في عام (2,500 دولار؟)، وكان يدفع له بصورة غير منتظمة، لأن دخل ماكسمليان كان لا يتفق أبداً مع خططه.

وعندما مات ماكسمليان توقف المعاش، فقرر ديرر أن يزور الأراضي الواطئة ويطلب تجديد معاشه من شارل الخامس. وأخذ معه مجموعة منوعة من الرسوم والصور الزيتية لبيعها أو يقايض عليها في هولندا أو في الفلاندرز. واستطاع بذلك أن يدفع كاف نفقات الرحلة تقريباً. وتكاد تبدو في اليوميات التي احتفظ بها عن جولته (يوليو 1520 - يوليو 1521) وإن لم تكن تماماً - شخصية مثل التي كتبها بوزويل بعد قرنين آخرين، فهي تسجل نفقاته ومبيعاته ومشترياته وحفلات تكرينه، وتكشف عن عناية ابن الطبقة الوسطى بالتفاصيل المالية، وابتهاجاً لفنان بالاعتراف بعبقريته، وهو أمر يغتفر له. ولقد حصل ديرر على الحق في تجديد معاشه بعد مطاردة شارل في اثنتي عشرة مدينة، وهكذا استطاع أن يخصص باقي رحلته لمشاهدة مناظر الأراضي الواطئة وأبطالها. وأذهلته ثروة غنت وبروكسل وبروجز وروعتها، ومذبح آل فان أيك المتعدد الطيات في كنيسة سانت بافون. وكاتدرائية أنتوب "التي لم أر لها مثيلا في الأراضي الألمانية". والتقى بأرازموس ولوكاس فان ليدن وبرنايرت فان أورلي وآخرين من وجهاء الأراضي الواطئة، ورحبت به طوائف الفنانين في تلك المدن، وأصيب بالملاريا في مستنقعات تسيلاند المليئة بالبعوض فأتلفت صحته فيما بقي له من عمر.

ويقول في صفحة من يومياته: "لقد اشتريت كراسة لوثر الدينية بخمس بنسات فضية وأعطيت واحدة لإدانة هذا الرجل القوي". وفي أنتورب (مايو 1521) سمع شائعة تقول إن لوثر "قبض عليه غدراً" وهو يرحل عن مجلس نواب (دايت) ورمز، ولم يعرف ديرر أن هذا الإبعاد إنما قصد به حماية هذا المصلح العظيم وخشي أن يكون لوثر قد قتل فكتب في يومياته دفاعاً حاراً عن الثائر متوسلاً بأرازموس أن يخف لنجدة أنصاره: "إذن فقد اختفى هذا الرجل الذي أنار عقله الروح القدس ليتابع الحقة... وإذا كان قد تعذب فإن هذا في سبيل الحقيقة المسيحية ضد البابوية غير المسيحية التي تعمل ضد حرية المسيح وتستنزف دماءنا وعرقنا لتقتات به وتعيش في ترهل في الوقت الذي تحيا فيه الشعوب في مسغبة. رباه! إن الناس لم تسحق قط بمثل هذه القسوة تحت وطأة القوانين التي من صنع البشر، كما حدث لهم تحت كرسي الأسقفية الرومانية... إن كل إنسان يرى مدى الوضوح الذي أعلنت به العقيدة في كتب لوثر وكيف أنها تطابق ما ورد في الإنجيل المقدس. إننا يجب أن نصون هذه الكتب من أن تحرق بل دعونا نقذف في النار الكتب التي تعارضه... وأنتم أيها المسيحيون الأتقياء جميعاً ابكوا معي حزنا على فقد هذا الرجل، وصلوا للرب أن يرسل لنا هادياً آخر. وأنت ياأرازموس الروتردامي أين تقيم؟ ألا ترى الظلم والاستبداد الأعمى للسلطات الحاكمة الآن؟ استمع ألي يا فارس المسيح واركب بجانب سيدنا كما هو حالك... أنت أيضا تستطيع أن تفوز بتاج الشهيد. اجعل صوتك مسموعاً يا أرازموس، فعسى الله الذي يحكم على أعمالك أن يظهر تمجيده فيك":

وعندما عاد ديرر إلى نورمبرج وقف حياته كلها تقريبا على الفن الذي يتسم بالطابع الديني، مع الاهتمام الفائق بالأناجيل من جديد. وأتم عام 1526 أعظم مجموعة من لوحاته - الرسل الأربعة - وهي تسمية غير صحيحة لأن مرقس المبشر الإنجيلي لم يكن واحدا من الحواريين الأثنى عشر، ولكن لعل هذا الخطأ يشير إلى البروتستانت في العودة من الكنيسة إلى الأناجيل. واللوحتان من بين الممتلكات التي يعتز بها "بيت الفن" والذي جمعت فيه ميونخ، التي أضرت بها الحرب، مجموعتها الفنية الشهيرة. وإحدى اللوحتين تصور يوحنا وبطرس، والأخرى تصور مرقس وبولس، والأربعة كلهم يرتدون ثياباً زاهية اللون، لا تكاد تتفق مع قديسين من عامة الصيادين، وفي هذه الملابس عكف ديرر على تصوير المثال الإيطالي بينما أكد تأثير بيئته الألمانية في الرؤس العريضة الضخمة. ولعل هذه الصور قصد بها أن تكون أجنحة لمذبح ثلاثي الطيات في كنيسة كاثوليكي. ولكن مجلس نورمبرج أعلن عام 1525 تأييده للإصلاح الديني. فتخلى ديرر عن فكرة عمل صورة مذبح، وقدم اللوحات إلى المدينة، وألحق بكل لوحة نقوشا تؤكد بإصرار أهمية الأناجيل؛ وعلى الرغم من وجود المفاتيح في يد بطرس - وهي تعد عادة أداة تمثل الكنيسة الرسمية المقدسة وسلطات الكنيسة - فإن من الممكن تفسير هذه اللوحات بأنها عهد ديرر البروتستانتي.

ولم يبق من عمره آنذاك إلا عامان وكان يعاني من نوبات متعاقبة من حمى الملاريا حطمت وروحه معا. ولقد رسم في عام 1522 آخر صورة له باسم رجل الأحزان، وتصوره عاريا أشعث الشعر شاحب الوجه، عليلا يقاسي من الألم، ويمسك في يديه سوط تعذيب المسيح، وظل مع ذلك يعمل إلى النهاية وعندما مات (6 أبريل سنة 1528) بالغاً من العمر سبعة وخمسين عاما ترك من الرسوم والصور المحفورة في الخشب والنقوش إلى جانب 6000 فلورين - ما يكفي لإعالة عائلته في يسر كئيب، وذلك فيما تبقى لها من العمر. وها هو بير كهايمر يقول في رثائه: "خير صديق لي في حياتي" وكتب نقشاً تذكارياً متواضعاً على القبر: "ما كان فانياً من ألبرخت ديرر يرقد تحت هذه الربوة".

ولقد افتقد ديرر الغاية السامية باعتباره فناناً، ذلك لنه ضحى بمهمة الفن العظمى في سبيل مهمة أقل وزنا.. كان يفتتن برؤية الأشكال العابرة للأشخاص والأماكن والأشياء، وهي تدب فيها الحياة تحت يديه إلى حد جعله يستغرق بصفة أساسية في تصوير الواقع - سواء أكان جميلاً أم قبيحاً، له معنى أو لا معنى له - ولم يكن يمزج إلا عرضاً العناصر المتناثرة للإدراك الحسي لتكتفل في خيال خلاق، ثم تعود مجسمة في خط أو لون وجمال مثالي، يكشف لنا عن أهداف يسعى إلى تحقيقها أو يكشف عن رؤى تيسر الفهم أو تحقق الهدؤ، ولكنه ارتفع إلى مستوى نداء عصره فحفر في الخشب أو نقش على النحاس سيرة ذاتية لجيله المترصد المنتج وأن ريشته أو قلمه الرصاص ومنقاشه أو فرشاته استدعت الأرواح الخفية للرجال المقتدرين الذين وطأوا بأقدامهم مسرح ذلك العصر.

ولقد جعل تلك الحقبة من الزمن تعيش لنا أربعة قرون بكل ما فيها من حماسة وولاء وخوف ووهم، واحتجاج وحلم وورع... كان ألمانيا.

  

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> علماء الإنسانيات الألمان

 6- علماء الإنسانيات الألمان

 كانت ألمانيا بلداً فتياً في الآداب مثلما كانت في الحياة والفن... وانتشر تعلم القراءة والكتابة، وصدرت الكتب متدفقة من ستة عشر ناشرا في بازيل، وعشرين في أوجسبورج، وواحد وعشرين في كولونيا، وأربعة وعشرين في نورمبرج. ولقد كان هناك أنطون موبيرجر الذي استخدم وحده أربعا وعشرين مطبعة ومائة رجل، وكان الاتجار في الكتب يحتل جانبا كبيرا من التجارة الرائجة بالأسواق في فرانكفورت وسالزبورج ونوردلينجن وأولم، حتى قال أحد المعاصرين الألمان "إن كل إنسان اليوم يريد أن يقرأ ويكتب". وكتب آخر يقول: "لا نهاية للكتب الجديدة التي تؤلف". وتضاعف عدد المدارس في المدن، وكانت كل مدينة تقدم مكافآت أو منحا دراسية للطلبة الفقراء من الممتازين، وأنشئت تسع جامعات جديدة في هذه السنوات للتعليم الجديد. ونهضت أكاديميات أدبية في ستراسبورج وأوجسبورج وبازيل وفيينا ونورمبرج وماينز، وفتح أبناء الطبقة الوسطى الأغنياء أمثال بويتنجر وبيركهايمربل والإمبراطور ماكسمليان نفسه مكتباتهم وعرضوا مجموعاتهم الفنية للناس، وتبرعوا بأموالهم للدارسين المتلهفين للدرس، وكان كبار رجال الدين أمثال جوهان فون دالبرج أسقف ورمس وألبرخت البراندنبرجي، كبير أساقفة ماينز، أنصاراً مستنيرين للدراسة والشعر والفن، ورحبت الكنيسة في ألمانيا بعصر النهضة، وهي في هذا كانت تحذو حذو البابوات، ولكنها تشددت في الدراسات اللغوية لنصوص الكتاب المقدس وآباء الكنيسة. وطبعت النسخة اللاتينية من الكتاب المقدس ستا وعشرين طبعة في ألمانيا بين عامي 1453 و 1500 ، وكانت هناك عشرون ترجمة للكتاب المقدس قبل ترجمة لوثر. وليس من شك في أن انتشار العهد الجديد بين الناس قد أعدهم لتقبل ما أعلنه لوثر متحديا لتناقض الأناجيل مع الكنيسة، وأن قراءة العهد القديم أسهمت في تهويد البروتستانت للمسيحية من جديد.

وكانت الحركة الإنسانية في ألمانيا بادئ الأمر-وبعد شغفها بلوثر- أكثر مطابقة للعقيدة كما علم اللاهوت منها في إيطاليا، ولم يكن لألمانيا ماض قديم مثل إيطاليا ولم يتح لها أن أفادت من غزو روما الإمبراطورية لها وتعليمها، ولم يكن هناك رباط مباشر بينها وبين العهد القديم غير المسيحي وكانت ذاكرتها لا تكاد تتجاوز القرون التي دانت فيها المسيحية، وكان تضلعها في العلم لا يكاد يقتحم ما قبل عهد آبائها المسيحيين، وكانت نهضتها إحياء للمسيحية الأولى أكثر منها إحياء للآداب والفلسفة الكلاسية. وطوى الإصلاح الديني النهضة في ألمانيا.

ومع ذلك فإن مذهب الإيمان بالإنسان في ألمانيا اقتدى بزعامة إيطاليا، إذ أن بوجيو باتشيوليني وإنياس سيلفيوس وآخرين من علماء الإنسانيات جاءوا معهم بالبذرة عند زيارتهم لألمانيا، كما أن الألمان من الطلبة والحجاج ورجال الدين والتجارة والدبلوماسيين الذين زاروا إيطاليا عادوا وهم يحملون معهم - ولو عن غير قصد-لقاح عصر النهضة. ولقد تلقى رودولفوس اجريكولا، وهو ابن قسيس هولندي يرعى أبرشية، الكثير من التعليم في ارفورت وكولونيا ولوفان، ووقف سبع سنوات من عمره على التعليق في دراسات اللاتينية واليونانية في إيطاليا، ثم عاد ليدرس في جروتنجن وهيدلبرج وورمس. وتعجب أهل العصر من فضائله غير المألوفة من الجماهير. التواضع والبساطة والأمانة والورع والعفة. وكتب باللغة اللاتينية ما يكاد يكون جديراً يشيشرون، وتنبأ بأن ألمانيا سوف "تبدو يوما وهي لا تقل لاتينية عن اللاتيوم". والحق أن هولندة أجريكولا قد أنجبت في الجيل التالي أرازموس وهو عالم باللغة اللاتينية إلى حد يتيح له أن يحس بأنه في وطنه لو قدر له أن يعيش في روما تاسيتوس وكوينتيليان.

وأصيب أجريكولا في رحلة قام بها إلى روما بالحمى التي قضت عليه في هيدلبرج وهو في الثانية والأربعين من عمره (1485).

وكان يضارعه في النفوذ -لا في دماثة الطبع- جاكوب ويمفيلنج، وكان مزاجه حاداً بقدر ما كانت لاتينية رقيقة. وقرر ناظر المدرسة الألماني هذا أن يرفع ألمانيا إلى مستوى إيطاليا في التعليم والآداب، فوضع خططا لإنشاء نظام المدارس العامة، وأسس جمعيات من المتعلمين، وأدرك مع ذلك مدى الخطورة إذا تحقق التقدم الفكري دون أن يصحبه تطور أخلاقي. وتساءل قائلا: "ما فائدة تعليمنا إذا كانت أخلاقنا غير شريفة بفعل التناظر أو صناعتنا كلها لا تقترن بالورع، أو معركتنا كلها لا تحث على حب جارنا، أو كانت كل حكمتنا تفتقر إلى التواضع؟.

ويعد جوهانس تريثميوس راهب سبونهايم آخر علماء الإنسانيات المحافظين وهو الذي كتب عام 1496: "لقد ولت إلى غير عودة أيام تشييد الأديرة، أما أيام هدمها فآتية لا ريب فيها". ووصف سلتس، وهو عالم إنسانيات أقل إخلاصاً زميله تريثميوس بأنه "زاهد في الشراب، يزدري لحم الحيوان ويعيش على الخضر والبيض واللبن، كما كان يفعل أسلافنا في الوقت الذي... لم يكن هناك أطباء يشرعون في تركيب أدوية لداء النقرس والحمى". وأصبح في خلال حياته القصيرة متفننا في علوم جمة، بارعا في اللغات اللاتينية واليونانية والعبرية وآدابها، وقد قام بمراسلة أرازموس وماكسمليان والأمراء الإمبراطوريين المختارين، وشخصيات مشهورة أخرى وفسر عامة الناس في هذا العهد معارفه المكتسبة على أساس نظرية تذهب إلى أنه كان يملك قوى خفية خارقة. ومهما يكن من أمر فإنه مات وهو في الرابعة والخمسين من عمره(1516).

وكان كونرادوس سيلتس أقوى علماء الإنسانيات الألمان غيرة وأعظمهم أثراً، ولقد كان من مدينة وكأنه أديب جوال عجول يدرس في إيطاليا وبولندة وهنغاريا، ويعلم في كولونيا وهيدلبرج وكراكاو وبراغ وماينز وفيينا وانجولستادت وبادوا ونورمبرج، وكشف عن مخطوطات ثمينة كانت مهملة مثل مسرحيات هورتسويذا، وخرائط قديمة مثل تلك الخريطة التي أعطاها لبويتنجر وحملت اسمه. وكان يجمع حوله الدارسين أينما ذهب ويبث فيهم شغفه بالشعر والأدب الكلاسي والآثار الألمانية القديمة. وفي عام 1447 توَّجه الإمبراطور فردريك الثالث في نورمبرج أميراً للشعراء في ألمانيا. وأسس سيلتس في ماينز (1941) جمعية الراين الأدبية الواسعة النفوذ وكانت تضم علماء وفقهاء في الدين وفلاسفة وأطباء ومؤرخين وشعراء ومحامين، أمثال أولريخ تسازيوس الفقيه القانوني الضليع وعلماء أمثال بيركهايمر وتريثموس ورويخلين وويمفيلنج. وأنشأ في فيينا، بأموال زوده بها ماكسمليان، أكاديمية للشعر أصبحت فيما بعد قسماً محترماً من الجامعة يعيش فيه الأساتذة والطلبة معاً في البيت نفسه وينهضان بالعمل ذاته. ويبدو أن سيلتس خسر عقيدته الدينية في خلال دراساته، فقد أثار مثل هذه الأسئلة: "هل تحيا الروح بعد الموت؟" و"هل هناك إله حقاً؟" وفي أسفاره اصطحب نماذج كثيرة من الجنس اللطيف ولكنه لم يصحب واحدة منهن إلى المذبح، وانتهى أمره إلى أن يقول في غبطة: "ليس هناك تحت الشمس أحلى من عذراء جميلة بين ذراعي رجل تبدد همومه".

ولقد انتشر هذا الانحلال المريب وأصبح بدعة بين علماء الإنسانيات الألمان في العقود الأخيرة قبل لوثر. وكتب أيوبان هيسى Heroides Christiane "الاستشهاد المسيحي" (1514) بلغة لاتينية سليمة، وقلد فيه أوفيد في المجون أكثر مما قلده في الشكل، وتضمن خطابات حب من المجدلية إلى عيسى، ومن مريم العذراء إلى الأب المقدس، ولكي يقرن الفعل بالقول عاش في انحلال مثل تشليني وفاق في الشراب جميع من نافسوه ولم ير بأساً في أن يفرغ في بطنه دلوا من الجعة في جرعة واحدة.

ومهما يكن من أمر فإن كوثرادوس موتيانوس روفوس استطاع أن يوفق في رفق بين مذهب الشك والدين، ولقد اكتفى بعد أن فرغ من الدراسة في ديفنتر وارفورت وفي إيطاليا، بمنصب ديني متواضع في جوتا ووضع على بابه هذا الشعار، "أيها السكون المقدس السعيد" Beata tranquilte، وجمع حوله الطلبة المعجبين وعلمهم "أن يقدروا أحكام الفلاسفة وأن يضعونها فوق أحكام القساوسة" ولكنه حذرهم حذرهم، بأنهم يجب أن يخفوا شكوكهم في العقيدة المسيحية عن الجمهور بالإقبال بأسلوب مهذب على إقامة الشعائر والمراسيم الدينية وقال: " إننا لا نقصد بالإيمان مطابقة ما نقول للواقع بل نعني رأياً بأن الأمور المقدسة تقوم على الفطرة والإقناع الذي ينشد المنفعة". واعترض على إقامة القداس للموتى باعتباره أمراً لا فائدة منه وعلى الصيام باعتباره شيئاً غير مرغوب فيه وعلى الاعتراف السري باعتباره عملاً يثير الارتباك. ورأى أن الكتاب المقدس يحتوي على حكايات خرافية كثيرة مثل حكاية يونان وأيوب، ومن يدري؟ لعل المسيح لم يمت حقاً على الصليب! فقد كان اليونان والرومان مسيحيين دون أن يحسوا ما داموا قد عاشوا في استقامة، وليس من شك في أنهم ذهبوا إلى الجنة. ويجب أن يكون الحكم على العقائد والشعائر مبنياً لا على أساس دعاواها الحرفية ولكن على أساس آثارها الأخلاقية. فإذا كانت ترقى بالنظام الاجتماعي والفضيلة عند الفرد فيجب أن يتقبلها الجمهور دون مناقشة، وطلب موتيانوس من مريديه أن يعيشوا حياة طاهرة، وأقسم في سنواته الأخيرة قائلا: لسوف أحول دراساتي إلى ورع ولن أتعلم من الشعراء أو الفلاسفة أو المؤرخين إلا ما يرقى بالحياة المسيحية. وبعد أن عاش بكل ما تقدمه الفلسفة من عزاء مات تحفه بركات الكنيسة (1526).

وليس من شك في أن استياء المحافظين من مذهب الشك الذي شاع بين علماء الإنسانيات المتأخرين قد بلغ عنفوانه عند أرق علماء هذا العصر وأرحبهم صدراً فقد لاحظ جوهانس رويخلين التقليد الذي درج عليه الناس في العصور الوسطى من جمع المعارف من أثني عشر مركزاً بفضل انتشار اللغة اللاتينية باعتبارها لغة التعليم في أوربا الغربية. وفي مدرسة النحو تمبلدته فورتسهايم وفي جامعات فرايبورج وباريس وبازيل وأورليانز وبواتييه، وفي لينز وميلان وفلورنسا وروما تابع دراسة اللاتينية واليونانية والعبرية والقانون بحماسة تصل تقريباً إلى حد التعصب، ولقد غير اسمه على عادة علماء الإنسانيات الألمان- وهو مشتق من كلمة rauchen الألمانية بمعنى يدخن- إلى كابينو المأخوذة من كلمة kapnos اليونانية بمعنى التدخين. وألف وهو في العشين من عمره معجماً للغة اللاتينية طبع مرات. وفي روما أعطاه جوهانس أرجيروبولس قطعة صعبة من كتاب المؤرخ ثوسيديدس ليترجمها، فما كان من رويخلين إلا أن استجاب فوراً حتى صاح اليوناني العجوز: "الآن يفر اليونان وراء الألب". ولم يكن الطالب الشهم يترك حاخاما يمر دون أن يتعلم منه شيئاً من العبرية، ويزعم موتيانوس أنه سمع أن رويخلين أعطى دارساً يهودياً عشر قطع ذهبية ليشرح له عنى عبارة عبرية، وربما كان هذا حلم عالم بالإنسانيات.

وأقنع بيكو ديلا ميراندولا، رويخلين أن ينشد الحكمة في كابالا. وبمقارنة ترجمة جيروم للعهد القديم بالنص العبري الأصلي أشار "كابنيو" إلى كثير من الأخطاء فيما اعتاد علماء اللاهوت الاستشهاد به كنص لا يرقى الشك إليه. وعندما بلغ الثانية والثلاثي من عمره عين أستاذاً للعبرية في جامعة هيدلبرج. وليس من شك في أن معجم اللغة العبرية وكتاب قواعد هذه اللغة اللذين ألفهما قد أتاحا دراسة اللغة العبرية والعهد القديم على أساس علمي وأسهما في أن يكون للكتب المقدسة المدونة بالعبرية تأثير قوى على الفكر البروتستانتى.

وحجب إعجابه بالعبرية شيئاً فشيئاً شغفه بالكلاسيات، فقد كتب يقول "إن اللغة العبرية لم يمسها الزيف وهي جامعة تؤثر الإيجار إنها اللغة التي تحدث بها الله للإنسان وهي التي تحدث بها الإنسان للملائكة وجهاً لوجه" واحتفظ بعقيدته السلفية أثناء دراساته جميعاً وإذا كان قد شابها قليل من التصوف فإنه قدم كل كتاباته وتعاليمه بإخلاص إلى سلطات الكنيسة.

وتحالفت طائفة من الظروف الغربية فجعلت منه بطلا لعصر النهضة الألمانية، إذ حدث في عام 1508 أن أصدر جوهانس بفيفر كورن، وهو حاخام تحول إلى قسيس، كتاب "مرآة اليهود" أدان فيه اضطهادهم وبرأهم من الجرائم الأسطورية التي شاع اتهامهم بها ولكنه حثهم في الوقت نفسه على أن يتخلوا عن إقراض النقود وعن التلمود وأن يدخلوا في المسيحية وقدم إلى الإمبراطور - وكان يؤازره في ذلك رهبان الدومينيكان في كولونيا - توصية بمصادرة جميع الكتب العبرية ما عدا العهد القديم، فأمر ماكسمليان بتسليم جميع كتب الأدب اليهودي، التي تنتقد المسيحية إلى بفيفر كورن لكي تفحصها جامعات كولونيا وارفورت وماينز وهيدلبرج وجاكوب فان هوجسترايتن رئيس محكمة التفتيش في كولونيا ورويخلين بفضل تضلعه في اللغة العبرية، وأشار الجميع ما عدا رويخلين بمصادرة الكتب وإحراقها، وهكذا أثبت رأى الإقليمية الذي يمثله رويخلين أنه معلم من معالم تاريخ التسامح الديني، فقد قسم الكتب اليهودية إلى سبع طوائف، إحداها يتكون من أعمال تسخر صراحة من المسيحية وهذه يجب أن تحرق أما الباقي وتشمل التلمود فيجب الحفاظ عليها حتى ولو كان هذا لمجرد أن لها قيمة كبيرة بالنسبة للمعرفة المسيحية، وقال بفيفر كورن إن لليهود حقا في أن تكون لهم الحرية في الرأي كمواطنين بالإمبراطورية ولأنهم لم يرتبطوا بأي التزام نحو المسيحية.

وتحدث رويخلين في رسائله الخاص عن بفيفر كورن فقال إنه "حمار" لم يتيسر له أن يحسن فهم الكتب التي اقترح إتلافها. وكان رد بفيفر كورن على هذه المجاملات أن أصدر كتاب "مرآة اليد". وقد هاجم فيه رويخلين وعدة أداة رشاها اليهود. فرد عليه رويخلين طعنة بطعنة وأصدر كتاب "مرآة العين" الذي أثار عاصفة بين المحافظين. وشكت كلية اللاهوت في كولونيا إلى رويخلين أن كتابه قد أسعد اليهود كثيراً وطالبوه أن يسحبه من التداول. وحرم ماكسمليان بيعه فاستغاث رويخلين بالبابا ليو العاشر فأحال الأمر إلى مستشارين مختلفين فقرروا أن الكتاب لا ضرر منه، فما كان من ليو إلا أن يوقف الدعوى وأكد لعلماء الإنسانيات حوله أنه لن يلحق رويخلين أي أذى.

وفي غضون ذلك اتهم بفيفر كورن وأنصاره من رهبان الدومينيكان رويخلين أمام محكمة التفتيش في كولونيا بأنه كافر بالمسيحية وخائن لعهدها، فتدخل كبير الأساقفة وأمر بإحالة القضية إلى روما التي أحالتها بدورها إلى محكمة سبيير الأسقفية فبرأت رويخلين، ولجأ الدوينيكان بدورهم إلى روما وأمرت الكليات الجامعية في كولونيا وارفورت وماينز ولوفان وباريس بإحراق كتب رويخلين.

وأنه لأمر عجيب - ودليل مبين على الحيوية الثقافية في ألمانيا في هذا العصر أن يتصدى للدفاع عن رويخلين عدد كبير من المشهورين وقتذاك: أرازموس وبيركهاميمر وبويتنجر وأويكولا مبادوس البازيلي وفيشر أسقف روشستر وأولريخ فون هوتن وموتيانوس وايوبان هس ولوثر وميلانكستون، بل ودافع عنه بعض كبار رجال الدين من أنصار علماء الإنسانيات كما كان الحال في إيطاليا. وأعلن الأمراء الإمبراطوريون المختارون والأمراء وثلاثة وخمسون مدينة تأييدهم لرويخلين. وجمعت رسائل من المدافعين عنه ونشرت، وذلك مثل "رسائل من رجال مشهورين إلى يوحنا رويخلين" Clarorum viorum pistolae ad johanem Reuchlin. وفي عام 1515 أصدر علماء الإنسانيان كتابا أشد خطراً هو صفحة 324 (آخر الصفحة) أي رسائل من رجال مغمورين إلى الأستاذ المبجل أورتونيوس جراتيوس أستاذ الأدب في كولونيا. وتعد هذه الرسائل في تاريخ الأدب. وأحرزت نجاحا كبيراً إلى حد أن طبعة موسعة صدرت منها عام 1516 ثم نشر ملحق لها بعد عام. وادعى المؤلفون أنهم رهبان أتقياء معجبون بجراتيوس وأعداء لرويخلين، وأخفوا شخصياتهم تحت أسماء مستعارة عجيبة - نيكولاوس كابريمولجيوس (حالب لبن الماعز) ويوهانس بيليفكس (صانع الجلد) وسمون فورست (السجق) وكونرادوس أونكبيونك. واشتكى الكتاب من السخرية التي وجهها إليهم الشعراء (كما كان يطلق على علماء الإنسانيات الألمان) وذلك بلغة لاتينية أسيئت صياغتها عمداً، قلدوا فيها أسلوب رجال الأديرة، وطالبوا في إلحاح بمقاضاة رويخلين: وفي الوقت نفسه فضحوا جهلهم المطلق وفظاظة أخلاقهم وغلظة عقولهم، وناقشوا نسائل تدعو للسخرية في رصانة على نحو ما يفعل أنصار فلسفة الكلام واستشهدوا بآيات من الكتاب المقدس لتخفيف العبارات البذيئة - وسخروا بلا تيقظ من الاعتراف السمعي وبيع صكوك الغفران وتبجيل مخلفات القديسين ومن سلطة البابا، وهي الموضوعات نفسها التي تناولها الإصلاح الديني. وحارت كل الأوساط الأدبية في ألمانيا في التعرف على شخصيات مؤلفي هذه المجلدات: ولم يسلم الناس إلا فيما بعد بأن كروتوس روبيانوس الارفورتي وهو أحد مريدي موتيانوس، قد كتب معظم ما ورد بالطبعة الأولى وأن هوتن كتب معظم ما ورد بالملحق. وتميز ليو العاشر غضبا فحرم قراءة أو حيازة الكتاب وأدان رويخلين ولكنه أحل له نفقات محاكمة سبيير (1520)، وانسحب رويخلين وهو شيخ منهوك القوى في الخامسة والستين ليعيش في الغمرات ونسبه الناس بغير صخب في غمار تألق الإصلاح الديني.

واختفت حركة علماء الإنسانيات الألمانية بدورها في وهج هذه النار التي أضرمت كل شئ وتعرضت لحرب شعواء من معظم الجامعات من ناحية ومن رجال الإصلاح الديني الذين دخلوا معها في صراع من أجل الحياة من ناحية أخرى، فدعموا قضيتهم بعقيدة دينية ركزت على خلاص الروح في العالم الآخر. ولم تترك الناس إلا فسحة ضئيلة من الوقت يتدارسون فيها الحضارة الكلاسية أو يصلحون من أحوالهم في هذه الحياة الدنيا، وحكم علماء الإنسانيات الألمان على أنفسهم بالهزيمة عندما فشلوا في الارتقاء بالأدب اليوناني إلى مستوى الفلسفة اليونانية.

وبالدخول في جدل عقيم أو الإغراق في صوفية أقل نضجا من صوفية اكهارت، لم يتركوا أعمالا عظيمة إذ أن كتب قواعد اللغة والمعاجم التي كان رويخلين يؤمل أن تكون "أثرا خالدا له يبقى أكثر من النحاس الأصفر" سرعان ما طويت في غياهب النسيان. ومع ذلك فمن يدري أن لوثر كان يجرؤ على أن يطلق قذائفه التي تشبه قذائف داود على تيتزل والبابوات إذا لم يكن عقل ألمانيا قد تحرر إلى حد ما من الرعب من أنصار الكنيسة الرومانية الكاثوليكية على يد علماء الإنسانيات. لقد كان أتباع رويخلين وموتيانوس أقلية قوية في أرفورت حيث درس لوثر لمدة أربع سنوات وأصبح شاعر ألماني في هذا العهد وتغذى بلبان علم الإنسانيات رسولاً متحمساً للإصلاح الديني.

 

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> أولريخ فون هوتن 

7- أولريخ فون هوتن  

لم يكن هناك عمالقة في عالم الأدب الألماني في هذا العهد قبل لوثر، إذ لم يكن هناك سوى حيوية وخصب عجيبين. وكان الشعر يكتب ليقرأ جهرة. ومن ثم يلقى ترحيباً في الكوخ وفي القصر. واستمر تمثيل مسرحيات العشاء الرباني وآلام المسيح، التي يغشاها ورع شديد مموه باهتمام قوي بالفن الدرامي.

وما أن حل عام 1450 حتى قامت الدراما الشعبية الألمانية قد تحولت نحو التعليق بالدنيا إلى حد كبير. وتضمنت حتى في خلال التمثيليات الدينية، هزليات ساذجة، وأحياناً فاضحة، من "الفارس". وشاع المرح في الأدب وانتشرت نوادر تيل أولنشبيجل وهذره في ألمانيا وقتذاك، وهو المخادع الجوال، (ومعنى اسمه حرفيا مرآة البومة)، ولم ينج من حيله المرحة عامي أو قسيسي؛ ففي عام 1512 نشرت نوادره وأظهر العصر والأدب بل والفن، الرهبان والقسس وهم يسبحون إلى جهنم، وازدهر الهجاء في جميع الأشكال الأدبية.

وأشد هجاء في هذا العهد تضمنته مسرحية سفينة الحمقى بقلم سباستيان برانت، ولم يكن في وسع أحد أن يتوقع عملا يشيع فيه مثل هذا المرح من أستاذ في القانون والأدب الكلاسي في بازيل؛ فقد تخيل برانت أسطولا (نسبة في رحلة وأطلق عليه فيما بعد اسم سفينة) مزوداً برجال بلهاء، ويحاولون أن يشقوا عباب بحر الحياة، ويحاول أبله وراء الآخر أن يسير في اختيار على المسرح، وتتحمل طائفة تلو أخرى سوط لذعات كلمات المحامي الغاضبة - الفلاح والميكانيكي والشحاذ والمقامر والبخيل والمرابي والفلكي والمحامي ومدعي العلم والمحتال والفيلسوف والقسيس. ومثّلت المسرحية أيضاً زهو الرجال الجشعين وكسل الطلبة وخسة التجار وخيانة الأجراء- كل هؤلاء ينالون نصيبهم من الضربات، ويحتفظ برانت باحترامه للكاثوليكي الورع المستمسك بعقيدته والذي يرقب حياته على أساس الظفر بالجنة.

وقد طبع هذا الكتاب طبعة فاخرة، وزين بالصور التي توضع كل فقرة هجاء لاذعة في الحكاية، وحاز الكتاب قصب السبق في غرب أوربا، وترجم إلى اثنتي عشرة لغة، وكان أوسع الكتب انتشاراً في هذا العهد بعد الكتاب المقدس.

وإذا كان برانت قد مس بسوطه رجال الدين برفق فإن توماس مورنر، وهو راهب فرنشسكاني، هاجم الرهبان والقسس والأساقفة والراهبات بهجاء مقنع فاق ف حدته وغلظته وذكائه هجاء برانت. ولقد قال مورنر إن القس يعني بالمال أكثر مما يعنى بالدين، وهو يتملق رعايا أبرشيته من أجل الحصول على كل دانق، ثم يدفع مقداراً مما جمعه إلى الأسقف التابع له ليسمح له باتخاذ خليلة، أما الراهبات فإنهن يمارسن الحب خفية، والراهبة التي تنجب أكبر عدد من الأولاد تختار رئيسة للدير. ومهما يكن من أمر فإن مورنر اتفق في الرأي مع برانت على وجوب الإخلاص للكنيسة واتهم لوثر بأنه أشد بلاهة. ورثى لضعف الإيمان عند المسيحي والفوضى الضاربة أطنابها في العالم الديني، وذلك في قصيدة مؤثرة بعنوان "ضعف الإيمان عند المسيحيين".

وإذا كانت الشعبية الهائلة التي حظيت بها هذه القصائد الهجائية قد أماطت اللثام عن الاحتقار الذي يكنه حتى الكاثوليكيين المخلصين لرجال الدين، فإن أدب الهجاء العنيف الذي تميز به أولريخ فون هوتن قضى على كل أمل في أن تصلح الكنيسة من نفسها، ودعا إلى الثورة الصريحة. وقد ولد أولريخ من أسرة تنتمس إلى الفرسان في فرانكونيا، وعندما بلغ الحادية عشرة من عمره أرسل إلى دير فولدا على أمل أن يصبح راهباً. وبعد وضعه بست سنوات تحت الاختبار هرب (1505) وعاش عيشة طالب متجول وأخذ يؤلف الشعر ويلقي القصائد يستجدي بها العيش، وكثيراً ما يقضى ليلة بلا مأوى، وإن كان لا يعدم الوسائل لمطارحة فتاة الغرام وهي فتاة تركت بصمتها في دمه. وأنهكت الحمى جسده أو كادت، وكثيراً ما كانت تشل ساقه اليسرى من أثر القروح والأورام، وكان حاد الطبع يستثار بسهولة، مثله في ذلك مثل كل عليل، ومع ذلك وجده أيوبان هسى محبوباً كما هو، واصطحبه أسقف كريم إلى فيينا حيث رحب به علماء الإنسانيات، ولكنه اختلف معهم وانتقل إلى إيطاليا. ودرس في بافيا وبولونيا، وصوب قذائف من القصائد الساخرة ضد البابا جوليوس الثاني، وانضم إلى جيش ألماني من الغزاة لكي يحصل على الطعام، ثم قفل أدراجه عائدا إلى ألمانيا وهو في أقصى حالات الإعياء.

وابتسم له الحظ إلى حين في ماينز: فقد كتب قصيدة مدح في كبير الأساقفة الشاب ألبرخت فتلقى منه 200 جيلدر (5.000 دولار؟) اعترافاً بالجميل. وكان بلاط ألبرخت وقتذاك يعج بعلماء الإنسانيات، وكان الكثيرون منهم من المفكرين الأحرار الذين لا يتمتعون بالاحترام. وبدأ هوتن هناك يكتب مقالته في كتاب "رسالة من رجال مغمورين"، والتقى هناك أيضاً بأرازموس، وخلب العالم الكبير لبه بسعة اطلاعه وذكائه وسحره. وبدأ مرة أخرى ينشد شمس إيطاليا مستعيناً بالمال الذي حصل عليه من ألبرخت والمعونة التي تلقاها من والده الذي رق لحاله، وكان في كل محطة يتوقف فيها ينسف طائفة علماء اللاهوت والرهبان المنافقين الفاسدين. "وأرسل من عاصمة البابوية إنذار إلى كروتوس روبيانوس هذا نصه: أرجو أن تتخلى يا صديقي عن رغبتك في مشاهدة روما، فإن ما تنشده هناك لم يعد موجودا... قد تعيش من السلب والنهب، وقد ترتكب جريمة قتل أو تنتهك حرمة المعابد... وقد تعربد وتستسلم للشهوات وتنكر وجود الله في السماء، ولكن إذا أتيت إلى روما محملا بالمال فثق بأنك ستلق من الناس أعظم احترام. إن الفضيلة وبركات السماء تباع هنا، بل إن في وسعك أن تشتري الحق في أن ترتكب ما شئت من الخطايا في المستقبل، وليس من شك في أنك تكون معتوهاً لو تمسكت بالأخلاق الطيبة؛ فالناس العقلاء سيكونون أشراراً".

وفي سخرية مرحة أهدى إلى ليو العاشر (1517) طبعة جديدة من رسالة فالا المدمرة عن "هبة قسطنطين" الخيالية، وأكد للبابا أن أغلب أسلافه من البابوات كانوا طغاة مستبدين ولصوصاً ومغتصبين، وأنهم حولوا الجزاء في العالم الآخر إلى دخل لأنفسهم، وقد وقع هذا العمل في يد لوثر فزاد من سخطه على البابوية.

وعلى الرغم مما تتسم به كثير من قصائد هوتن من عنف وقدح، فإنها حققت له شهرة موزعة على أنحاء ألمانيا. وعندما عاد إلى الوطن عام 1517 أضافه كونراد بويتنجر في نورمبرج وتوج ماكسمليان، بناء على اقتراح هذا العالم الثري، هوتن أميراً للشعراء. وألحقه ألبرخت وقتذاك بخدمته الدبلوماسية وأرسله في بعثات مهمة وصلت إلى باريس. وعندما عاد هوتن إلى ماينز (1518) وجد ألمانيا في ثورة بسبب مقالات لوثر عن صكوك الغفران، ولا بد أنه ابتسم عندما رأى صاحبه كبير الأساقفة المستهين بالأمور متورطاً في موقف لا يحسد عليه. وكان لوثر قد استدعى إلى أوجسبورج لمواجهة الكاردينال كاجيتان، وليدفع عن نفسه تهمة الهرطقة. وتردد هوتن، فقد كان مرتبطاً، عاطفياً ومالياً، بكبير الأساقفة، ولكنه أحس بنداء الحرب في دمه فامتطى جواده وسافر إلى أوجسبورج.

  

برامج -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر والعصيان الكبير -> ألمانيا قبيل عهد لوثر -> الكنيسة الألمانية

  8- الكنيسة الألمانية  

ترى كيف كانت الكنيسة الألمانية في شباب لوثر؟ لقد ظهرت إشارة في استعداد كبار رجال الدين أن يتقبلوا النقد الموجه للكنيسة ونقادها. وكان هناك بعض الملحدين المشتتين ضاعت أسماءهم في غمرات الزمن، ويذكر أرازموس "هناك بيننا أناس يعتقدون مثل أبقراط أن الروح تموت مع الجسد"، ووجد بعض المتشككين بين علماء الإنسانيات، ومتصوفون أنكروا ضرورة الكنيسة أو القسس كوسطاء بين الله والإنسان، وأكدوا التجربة الدينية الباطنية كبديل للشعائر والقربان المقدس، وكانت هنا وهناك جيوب صغيرة من الولدانيين الذين أنكروا التفرقة بين القسس والعامة، وكان في شرق ألمانيا بعض الهيسيين الذين وصفوا البابا بأنه خصيم للمسيحية، وفي أيجر دمغ أخوان هما جون وليفين بن أوجسبورج صكوك الغفران ووصفوها بأنها أمر يدعو إلى السخرية (1466).

وأعلن جوهان فون فييل، وهو أستاذ من أرفورت، في مواعظة أن الجبر والاختيار بفضل الله، ورفض الاعتراف بصكوك الغفران والقربان المقدس والصلوات للقديسين وأعلن :"إني لأحتقر البابا والكنيسة والمجالس ولا أعبد إلا المسيح". وأدانته محكمة التفتيش، فتراجع عما قال، ومات في السجن (1481)، وقد ناقش فيسيل جانسفورت، الذي اشتهر خطأ بإسم جوهان فيسيل، الاعتراف والحل، وصكوك الغفران والمطهر، واتخذ من الكتاب المقدس الحكم الوحيد على العقيدة وجعل الإيمان المصدر الوحيد للخلاص، وإذن فها نحن أولاء أمام لوثر في جملة. وفي عام 1522 قال لوثر :"لو كنت قرأت مؤلفات فيسيل من قبل لظن أعدائي أن لوثر قد اقتبس كل شيء منه،إذ أن آرائنا تتفق إلى حد كبير".

ومع ذلك فإن الدين في جملته كان يزدهر في ألمانيا، وكانت الغالبية العظمى من الناس محافظين، وكانوا أتقياء بين خطاياهم وكئوسهم، وكادت الأسرة الألمانية أن تصبح كنيسة في ذاتها، إذ كانت الأم تقوم بمهمة الواعظ والأب يقوم بدور القسيس، وكان أفرادها يكثرون من الصلاة، وكانت كتب الأسرة الخاصة بالتعبد لا يخلو منها بيت. أما الذين لا يستطيعون القراءة فكانت توفر لهم كتب مصورة Biblia Pauperum تصور قصص المسيح ومريم والقديسين، وكانت صورة العذراء عديدة كصور عيسى، والتسابيح تتلى في كثير من التكرار المشوب بالأمل. وأسس جاكوب شبرنجر عضو محكمة التفتيش جمعية من الرهبان لتكرار تلاوتها، وثمة صلاة ألمانية كانت تخاطب الثالوث الوحيد المشهور :"المجد للعذراء والأب والابن".

وكان بعض رجال الدين متدينين كالناس، ولابد أنه كان هناك بعض القسس المخلصين للعقيدة- ولو أن أسماءهم قلما كانت تسمع وسط ضجيج الشر- يمكن أن ينشروا مثل هذا الورع الذائع أو يدعموه بين الناس. وكان لقسيس الأبرشية، حظية أو زوجة يعترف بها القانون العام. ولكن يبدوا أن الألمان الذين لا يخشون الإقدام قد اغتفروا هذا الصنيع باعتباره سلوكاً أفضل من التخالط الجنسي، ثم ألم يتمرد الباباوات أنفسهم في هذا العهد الذي شاعت فيه الشهوات على العزوبة؟ أما بالنسبة لرجال الدين النظاميين، وهم هؤلاء الذين تعرضوا للخضوع لنظام صارم في الدير، فإن كثيراً من طوائفهم شغلوا أنفسهم وقتذاك بالإصلاح الذاتي الجاد. وقد استقر رهبان البندكتين في شيء من رغد العيش بالدير ونعموا بالترف الدنيوي، واستمر فرسان التيوتون في انحلالهم الأخلاقي وقساوتهم العسكرية وأطماعهم الإقليمية، ولكن رهبان الدمينيكان والفرنشسكان والرهبان الأوغسطينين عادوا إلى التزام قواعدهم وقاموا بأعمال كثيرة في مجال البر العملي، وكان الزهاد الأوغسطينيون أشد الرهبان حماسة لهذا الإصلاح الديني، وكانوا في الأصل نساكاً أو رهباناً زاهدين ولكنهم تجمعوا فيما بعد طوائف وحافظوا في إخلاص واضح على عهودهم الرهبانية من تقشف وعفة وخضوع، وتعلموا إلى درجة تكفي لشغل كثير من كراسي الأستاذية في الجامعات الألمانية. وكانت تلك هي الطائفة التي اختار لوثر أن ينتمي إليها عندما قرر أن يصبح راهباً.

وكانت الشكاوى ضد رجال الدين الألمان موجهة أساساً إلى البطاركة بسبب ثرائهم وانغماسهم في النعيم الدنيوي. فقد كان بعض الأساقفة والرهبان أن يهيمنوا على اقتصاد مساحات كبيرة وصلت إلى حوزة الكنيسة وإدارتها، وكانوا سادة إقطاعيين متوجين أو مكللين، غير أنهم لم يكونوا دائماً متسامحين، وكان رجال الدين هؤلاء يتصرفون مثل أناس تعلقت قلوبهم بالدنيا لا كرجال نذروا أنفسهم لعبادة الله، ويزعم الرواة أن كثيراً منهم كانوا يذهبون في مركباتهم لصحبة حظاياهم إلى مجالس الدايت الإقليمية أو الاتحادية. وقد لخص جوهانس جانس، وهو بطريرك كاثوليكي متعلم ومؤرخ مساوئ الكنيسة الألمانية قبيل عهد الإصلاح الديني، ولعله كان قاسياً جداً في حكمه فقال:

"إن التناقض بين الهيام بالتقوى والجشع الدنيوي، بين الزهد الورع والتماس النفع الذي يتنافى بين طوائف المجتمع الأخرى. وفضلاً عن هذا فإن الوعظ ورعاية الأرواح كانا يلقيان إهمالاً تاماً من كثيرين من القسس ورجال الدين. واستشرى الشح والخطيئة الفادحة بين رجال الدين من جميع الرتب والطوائف في غمرة تلهفهم على زيادة الموارد الدينية والدخول والضرائب والأجور العائدة إلى حد، وكانت الكنيسة الألمانية أغنى الكنائس في العالم المسيحي، ويقدر البعض أن ما يقارب من ثلث الأراضي في البلاد كان بين أيدي الكنيسة، وأدى هذا إلى أمر يستحق اللوم بين السلطات الدينية، إذ أخذت تنشد دائماً ممتلكاتها وكانت مباني الكنيسة ومؤسساتها تستوعب أكبر جزء من الأرض في كثير من المدن.

وفي قلب الكهنوتية ذاتها كان هناك أيضاً تناقض ملحوظ في الدخل، فقد كانت الطوائف الدنيا من رجال الدين في الأبرشيات، الذين كانوا يستمدون رواتبهم الاسمية فقط من ضرائب العشور غير الثابتة، يضطرون في كثير من الأحايين -بدافع المسغبة، إن لم يكن بدافع إغراء الحرص- إلى الاشتغال بتجارة لا تتفق بتاتاً مع مناصبهم، وكانت تعرضهم إلى الاحتقار من رعايا أبرشياتهم، ومن جهة أخرى فإن الطوائف العليا من رجال الدين كانت تنعم بثراء فاحش لا حد له لا حد له، وكان كثير من رجالها لا يعانون شيئاً من وخز الضمير في التظاهر بطريقة ممقوتة تثير غضب الشعب وحسد الطبقات العليا وازدراء كل العقول الجادة.. وجأرت الأصوات بالشكوى في كل مكان من الارتزاق المهين بالمقدسات.. ومن المبالغ التي ترسل على دفعات، ومن الضرائب التي تدفع للبابا من الأرباح السنوية، ومن مال الرشوة.

وبدأ إحساس مرير بمقت الإيطاليين يتفشى شيئاً فشيئاً، حتى بين رجال من أمثال كبير الأساقفة برتولد فون هنيبرج، ممن كانوا أبناء مخلصين للكنيسة المقدسة. وكتب يقول في اليوم التاسع من سبتمبر عام 1496 :"يجب على الإيطاليين أن يكافئوا الألمان على خدماتهم وألا يستنزفوا دماء الهيئة الكهنوتية بسلب الذهب على دفعات".

وكان من الممكن الألماني أن تغتفر لأساقفتها تعلقهم بالدنيا، لو أنها أعفيت من ادعاءات الباباوات ومطالبهم، وقد استاءت روح القومية الناهضة من مزاعم البابوية أنها لا تعتبر أي إمبراطور حاكماً شرعياً إلا إذا أيده الباب، وأن من حقها خلع الأباطرة والملوك إذا أرادت. واستمر الصراع قائماً بين السلطتين ا