برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانتالكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر |
|
برامج -> النهضة -> الخاتمة -> حاشية حاشية لقد كان من التجارب الطبية العميقة التي نحمد الله عليها أن درسنا هذا العدد الجم من الدراسات والشخصيات التي صادفتنا في تلك القرون الغنية المضطربة. ألا ما أعظم ثراء النهضة الذي لا حد له، وحسبك أنها استطاعت حتى في عهد اضمحلالها أن تنجب رجالا من أمثال تنتورتو وفيررونيزي، وأريتينو فاساري، وبولس الثالث وياليسترينا، وسان سوفينو وبلاديو، والدوق كوزيمو وتشيليني؛ وأنها أثمرت في الفن أمثال قاعات قصر الأدواق، وقبة القديس بطرس! وما أعظم هذه الحيوية المروعة التي كانت تكمن بلا ريب في أولئك الإيطاليين من رجال النهضة الذين يحيط بهم من كل جانب العنف والغواية؛ والخرافات، والحروب، ولكنهم مع ذلك كانوا يحسون أقوى إحساس بكل صورة من صور الجمال وبكل آية من آيات الفن، وينفثون حمم عواطفهم وانفعالاتهم وفنهم، وعمارتهم، واغتيالاتهم، وآيات نحتهم، وصلاتهم الجنسية غير المشروعة، وصورهم وسطورهم، وعذاراهم الجميلة وصورهم المشوهة، وأناشيدهم وأشعارهم المتصنعة، وبذاءتهم وتقواهم، وفجورهم وصلواتهم كأن إيطاليا كلها كانت بركاناً ثائراً يخرج منه هذا كله! ترى هل وجد في أي مكان آخر على ظهر الأرض مثل هذا العمق وهذه القوة في الاستجابة إلى الحياة! إننا لا نزال إلى هذا اليوم نشعر بقوة هذا الوحي، وإن متاحفنا لتفيض بما لا تتسع له من روائع هذا العصر الملهم المحسوس. وإنا ليصعب علينا أن نصدر عليه حكماً هادئاً؛ وإذا ما أعدنا على القارئ ما وجه إليه من التهم فإنا نفعل ذلك كارهين، وأول هذه التهم أن النهضة (ونحن نقصر هذا اللفظ على النهضة في إيطاليا) قامت من الناحية المادية على الاستغلال الاقتصادي للكثرة الساذجة على أيدي القلة البارعة. ذلك أن ثروة روما البابوية قد جاءت من النقود الصغيرة التي تبعث بها آلاف الآلاف من بيوت الصالحين الأتقياء في أوربا؛ وإن بهاء فلورنس كان مصدره عرق الدهماء المغمورين الذين كانوا يكدحون الساعات الطوال، وليس لهم حقوق سياسية، ولم يكونوا يمتازون عن رقيق الأرض في العصور الوسطى إلا باشتراكهم في زهو وخيلاء في مجد الفن المدني ولألائه، وفي حياة المدنية الثائرة وما فيها من دوافع ومغريات، وكانت النهضة من الناحية السياسية هي إحلال الألجاركيات التجارية، والدكتاتوريات العسكرية محل حكومات المدن الجمهورية المستقلة، كما كانت من الناحية الأخلاقية انتقاضاً وثنياً قوض الدعامة الدينية للقانون الأخلاقي، وأطلق العنان للغرائز البشرية، وترك لها حرية فظة لا يتورع أصحابها عن استخدام الثروة الجديدة التي آلت إليهم عن طريق التجارة والصناعة كما يحلو لهم دون وازع من ضمير أو دين. أما الدولة، بعد أن خرجت من رقابة الكنيسة، التي أضحت هي نفسها سلطة زمنية وعسكرية، فقد نادت بأنها فوق القوانين الأخلاقية في الحكم، والدبلوماسية، والحرب. وكان فن النهضة (ونحن نواصل سرد التهم) جميلا، ولكنه قلما كان سامياً رفيعاً، فقد كان يفوق الفن القوطي في تفاصيله، ولكنه ينقص عنه في العظمة، والوحدة، والأثر الكلي فيمن يشاهده؛ وقلما كان يصل إلى كمال الفن اليوناني أو جلال الفن الروماني؛ وكان هو صوت أرستقراطية ذات ثروة، فرقت بين الفنان والصانع الماهر، وانتزعته من الشعب انتزاعاً، وجعلته يعتمد على الأمراء وأصحاب الثراء المحدثين، وفقد هذا الفن روحه حين استسلم لعهد ميت قديم، وأذل العمارة والفن وأخضعهما لأشكال قديمة أجنبية عنهما. وهل ثمة ما هو أكثر سخفاً من وضع واجهات يونانية- رومانية للكنائس القوطية كما فعل البيرتي في فلورنس وريميني! وربما كان إحياء الفن القديم من أوله إلى آخره من الأخطاء المفجعة. ذلك أن الطراز إذا مات لا يمكن أن تبعث فيه الحياة إذا عادت الحضارة التي يعبر عنها إلى الحياة، لأن قوة الطراز وسلامته تكمنان في ائتلافه مع حياة زمانه وثقافته، ولقد كان في العصر العظيم الذي ترعرع فيه الفن اليوناني والروماني قيوداً رواقية رفعها التفكير اليوناني إلى مقام المثل الأعلى، وكثيراً ما تحققت في أخلاق الرومان، ولكن هذه القيود لم تكن تتفق بحال مع ما كان يتسم به عهد النهضة من حرية، وانفعال، واضطراب، وإفراط. وأي شيء يتعارض ومزاج الإيطاليين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر أكثر مما يتعارض معه السقف المستوي، والواجهة الرباعية المنتظمة، والصفوف الكئيبة من النوافذ التي لا تختلف واحدة منها عن الأخرى، والتي كانت وصمة في جبين قصور عصر النهضة؟ ولما أن ملت العمارة الإيطالية هذا التكرار المسئم، وتلك العودة المتكلفة إلى الطراز القديم، انطلقت انطلاق التاجر البندقي الذي تغتصب أمواله لتعطى إلى تيشيان، تفرط في الزخرف والبهاء، وانحدرت من الطراز القديم إلى الطراز المشوه الجديد. كذلك لم يستطع فن النحت القديم أن يعبر عن روح النهضة، ذلك أن القيود لابد منها للنحت، وهذه الوسيلة الباقية على الأيام لا يمكن أن تحسن للتعبير عن تلوٍّ أو ألم هو بطبيعته قصير الأجل. إن النحت حركة مخلدة، وانفعال انصرف عليه صاحبه، وجمال أو شكل احتفظ به من أثر الأيام في المعدن المتجمد أو في الحجر الذي يقاوم فعل الزمن. ولعل هذا هو السبب في أن أعظم ما خلفه حجر النهضة من ثمار النحت هو المقابر أو تماثيل العذراء الباكية التي استطاع بها الإنسان القلق أن ينال الهدوء والطمأنينة في آخر الأمر. ولقد ظل دوناتلو، رغم ما بذل من الجهود ليقلد المثالين الأقدمين، قوطياً يكافح كي يصل إلى هذه الغاية ويأمل في الوصول إليها. وكان مكيل أنجيلو يضع لنفسه قوانينه، فكان كأنه مارد جبار سجين في مزاجه، يكافح عن طريق تصوير العبيد والأسرى كي يصل إلى ساحة السلام والجمال، ولكن إسرافه في الانفعال وعدم التقيد بالقوانين حرمه الراحة. ولقد كان التراث اليوناني بعد عودته عبثاً باهظاً كما كان نعمة وبركة. فقد أغنى النفس الحديثة بما أبرزه من المثل النبيلة، ولكنه كاد يخنق تلك الروح الفتية- التي كانت ترعرعت توا ونهضت- تحت عبء عدد لا يحصى من العمد، والتيجان، والطيلات والقواصر. ولعل هذه العودة إلى القديم، وهذه العبادة للنسب (حتى في الحدائق)، قد حالت دون نماء فن إيطالي موائم لبيته، كما عاق بعث اللغة اليونانية على أيدي الكتاب الإنسانيين نمو الأدب باللغة القومية. وقد أفلح التصوير في عهد النهضة في التعبير عن لون ذلك العهد وانفعالاته. ووصل بالفن إلى درجة من الرقة لم يعل عليها قط في وقت من الأوقات، لكنه هو أيضاً لم يخل من أخطاء وعيوب. فقد كان اكبر ما يهتم به هو الجمال الشهواني المائل في الأثواب الفخمة والأجسام الموردة، وحتى صوره الدينية نفسها، كانت تنم عن عواطف شهوانية تهتم بالأشكال الجسمانية أكبر مما تهتم بالمعاني الروحية، وإن كثيراً من صور الصلب في العصور الوسطى لتصل في النفس إلى أعماق أبعد مما تصل إليها صور العذراء المحتشمة في فن النهضة. ولقد جرأ الفنانون الهولنديون والفلمنكيون على تصوير وجوه غير جذابة وأثواب عارية غير ذات جمال، وعلى أن يبحثوا وراء هذه الظاهرة البسيطة عن أسرار أخلاق الناس وعن عناصر الحياة؛ وما أكثر ما تبدو صور البندقية العارية- حتى عذارى رافائيل نفسها- بجانب صورة الافتتان بالحمل لفان إيك Van Eyck! وليس ثمة صورة تفوق صورة يوليوس الثاني لرافائيل. ولكن هل في مائة الصور الذاتية التي أخرجها الفنانون الإيطاليون ما يضارع تصوير رمبراندت الصادق لنفسه أو انتشار فن التصوير في القرن السادس عشر ليدل على قيام طبقة الأثرياء المحدثين، وعلى شغفهم بأن يبصروا بأعينهم ويسمعوا بآذانهم ذيوع شهرتهم؟ ولقد كان عصر النهضة عصراً براقاً لماعاً، ولكن مظاهره كلها يسري فيها شيء من التظاهر وعدم الإخلاص، وازدهاء بالثياب الفاخرة الغالية، وبناء أجوف من السلطان المزعزع يعتمد على قوة من داخله ويريد أن ينقض ويصبح كومة من الخرائب إذا ما مسته أيدي جماعة من الغوغاء قاسية القلب، أو هزته صرخة من راهب غاضب لا مقام له. ترى ماذا نقول في هذا الاتهام الشديد لعصر أحببناه بكل ما في صدور الشباب من حماسة؟ لن نحاول دحض هذا الاتهام؛ فكثير منه صحيح وإن كان مثقلاً بمقارنات ظالمة، ودحض التهم قلما ينفيها نفيا قاطعا، ومعارضة نصف حقيقة بنصف حقيقة مضادة لها عبث لا طائل من ورائه ما لم يكن في الإمكان مزج النصفين لتكون منهما نظرة أوسع وأعدل. وليس من ينكر أن ثقافة النهضة كانت ثقافة أرستقراطية قامت على ظهور الفقراء الكادحين، ولكن أية ثقافة لم يكن هذا شأنها مع الأسف الشديد؟ وما من شك في أن كثيراً من الأدب والفن قلما كان ينشأ دون تركيز الثروة بعض التركيز؛ وحتى الكتاب العدول أنفسهم لابد لهم من كادحين غير منظورين، يستخرجون كنوز الأرض، ويزرعون الطعام، وينسجون الثياب، ويصنعون المداد. ولسنا نريد أن ندافع عن الطغاة المستبدين، فإن منهم كآل بورجيا من يستحق الخنق؛ ومنهم من بدد في مظاهر الترف الكاذب الأموال المأخوذة من عرق الشعب ودمائه؛ ولكننا نعتذر بشيء على فِعال كوزيمو وحفيده لورندسو اللذين فضلهما أهل فلورنس بلا ريب على حكم ذوي المال الذي شاعت فيه الفوضى. أما عن الانحلال الأخلاقي، فقد كان هو ثمن التحرر العقلي؛ ومهما كان هذا الثمن غاليا، فإن التحرر هو الحق الطبيعي الذي ورثه العالم الحر، وهو نسيم الحياة الذي تستنشقه أرواحنا في هذه الأيام. وكانت الدراسات العميقة المخلصة التي أحيتا الآداب والفلسفة القديمة من عمل إيطاليا، وفيها نشأت الآداب الحديثة الأولى، وكان منشؤها هو هذا الإحياء وذاك التحرر؛ ولسنا ننكر أنا لا نجد بين الكتاب الإيطاليين في ذلك العهد من يضارع إرزمس وشكسبير، ولكن إرزمس نفسه كان شديد الحنين إلى هواء إيطاليا النهضة الصافي الحر، كما إن إنجلترا في عصر الملكة ألزبث كانت مدينة إلى إيطاليا- إلى "الإنجليز المصطبغين بالطبقة الإيطالية"- ببذور ازدهارها، فقد كان أريستو Arisoto وسنادسارو Sannazaro النموذجين اللذين نسج اسبنسر وسدني على منوالهما كما كانا أبوين لهذين الكاتبين الإنجليزيين؛ وكان لمكيفلي وكستجليوني أثر عظيم في إنجلترا في عهد إلزبث واليعقوبيين، ولسنا واثقين من أن بيكن وديكارت كانا يستطيعان القيام بعملهما إذا لم يكن بمبوناتسي ومكيفلي، وتيليزيو Telesio وبرونوا قد مهدوا لهم الطريق بعرقهم ودمائهم. وما من أحد ينكر أن عمارة النهضة عمارة أفقية تمتد في السعة أكثر مما تعلو في السماء، وأنها لهذا تبعث في النفس الغم والاكتئاب، ونستثني من هذا على الدوام القباب الفخمة التي تعلو في سماء فلورنس وروما. أما الطراز القوطي الذي يرتفع عمودياً ويبعث في النفس النشوة فإنه مظهر لدين يصور حياتنا على هذه الأرض في أنها منفى للروح، ويعقد آمال الإنسان على السماء مسكن الأرباب. وأما العمارة اليونانية- الرومانية القديمة فإنها تعبر عن دين يُسكن أربابه في الأشجار ومجاري المياه، وفي الأرض، وقلما يجعل مقارها في أماكن أعلى من جبل في تساليا؛ ولم تكن تتطلع إلى أعلى لتجد الأرباب. ولم يكن في مقدور هذا الطراز القديم البارد الهادئ أن يعبر عن روح النهضة الشكسة المضطربة؛ ولكنه مع ذلك لم يكن يسمح له بالغناء؛ بل حفظ التنافس الكريم العادل آثار هذا الفن ونقل مثله العليا وأنماطه الرئيسية لتكون جزءا- وشريكاً لا مسيطراً- من فننا المعماري في هذه الأيام. نعم إن إيطاليا لم تبلغ في العمارة ما بلغته العمارة اليونانية أو القوطية؛ ولم يصل فن النحت فيها ما وصل إليه في بلاد اليونان القديمة؛ ولعلها لم تسم في هذا الفن إلى ما سمت إليه آيات الفن القوطي في تشارتر وريمس؛ ولكنها استطاعت أن تنجب فناناً نحت لآل ميديتشي مقابر لا تقل روعة عن أعمال فيدياس وتماثيل باكية للعذراء خليقة بيرا كستليز Peraxiteles. فإذا انتقلنا إلى فن التصوير في عهد النهضة لم نجد حاجة إلى أن نقول فيه كلمة اعتذار، فهو لا يزال الذروة التي وصل إليها هذا الفن في التاريخ كله، لقد اقتربت أسبانيا من هذه الذروة في أيام الهدوء على أيدي فيلاسكويز Velasquez، ومورلو Murillo، وريبرا Ribera، وزردران Zurdaran، وألجريكو Il Greco؛ واقتربت منها كذلك بدرجة أقل فلاندرز وهولندا على أيدي روبنز ورمبراندت، أما المصورون الصينيون واليابانيون فقد سموا إلى ذرى خاصة بهم، وتبدو لنا صورهم أحياناً كأنها ذات عمق خاص شديد، إن لم يكن لشيء فلأنها تنظر إلى الإنسان نظرة الإكبار. لكن فلسفة هاتين الأمتين الأخيرتين العميقة التفكير، وما تتسم به زخارفهما من رشاقة وظرف يعلو عليها كلها ما في فن المصورين الفلورنسيين رافائيل وكريجيو، والمصورين البنادقة من قوة وتعقيد واسعي المدى، وما في الألوان من حيوية وحماسة، نعم إن فن التصوير في عصر النهضة كان فناً جسدياً شهوانياً، وإن كان قد أخرج بعض روائع الصور الدينية التي تعد من أرقى ما أخرجه هذا الفن، كما أخرج طائفة من الصور التي تصل إلى السماك الأعلى في روحانيتها ونبلها- كالتي نشاهدها في سقف معبد ستيني، غير أن هذه الشهوانية لم تكن أكثر من رد فعل طبيعي سليم، ذلك أن الجسم البشري طالما حقر وندد به، كما أن النساء قد قاسين طوال القرون الظالمة كثيراً من ضروب التشنيع يُوجهها إليهن التنسك الشديد القاسي، وكان من الخير أن تؤكد الحياة، وأن يرفع الفن من جديد، شأن جمال الأجسام البشرية الصحيحة السليمة. لقد ملت النهضة تريد ذكر خطيئة الإنسان الأولى، ودق الصدور حزناً وندما، وما سوف يلقاه الإنسان بعد الموت من أهوال خرافية؛ ولهذا أدار ظهره نحو الموت، وولى وجهه نحو الحياة؛ وغنى قبل شلر Schiller وبيتهوفن Beethoven بزمن طويل للبهجة والمرح نشيد الطرب الذي ليس له نظير. وقضى عصر النهضة حين أحيا الثقافة اليونانية- الرومانية القديمة، على سيطرة العقلية الشرقية على أوروبا، وهي السيطرة التي دامت ألف عام كاملة، وانتقلت أنباء التحرر العظيم من إيطاليا مجتازة مائة من المسالك تتسلق الحبال وتخترق البحار إلى فرنسا، وألمانيا، وفلاندرز، وهولندا، وإنجلترا. فقد نقل العلماء أمثال اليندرو Aleandro وأسكالجير Scaliger، والفنانون أمثال ليوناردو، ودل سارتو، وبريماتشيو، وتشيليني، وباردوني، نقل هؤلاء النهضة إلى فرنسا؛ ونقلها المصورون، والمثالون، والمهندسون إلى بست Pesth، وكراكاو، ووراسو، ومتشيلزو Michelozzo إلى قبرص، وغامر بليني الكافر فسافر بها إلى اسطنبول. وعاد بها كولت Colet وليناكر Linacre من إيطاليا إلى إنجلترا، كما عاد بها أجريكولا Agricola ورتشلين Reuchlin إلى ألمانيا. وظل تيار الأفكار، والأخلاق، والفنون نحو مائة عام يتدفق من إيطاليا نحو الشمال، فكانت أوربا الغربية كلها من عام 1500 إلى عام 1600 تعترف بأن هذه البلاد أم الحضارة الجديدة في العلم، والفن، والآداب "الإنسانية"، التي حنت عليها وأرضعتها لبانها، ونشأتها. وحتى فكرة الرجل الكامل السميذع، والفكرة الأرستقراطية عن الحياة والحكم، قد جاءتا من الجنوب لتصوغا آداب الناس وأشكال الدول في الشمال. وهكذا كان القرن السادس عشر، الذي اضمحلت فيه النهضة في إيطاليا، عصر نماء ووفرة في فرنسا، وإنجلترا، وألمانيا، وفلاندرز، وأسبانيا. وطغت على أثر النهضة إلى حين شدة النزاع بين حركتي الإصلاح وإصلاح المعارض، والجدل القائم بين المذاهب والحروب الدينية؛ وظل الناس قرناً من الزمان يحتربون ويسفكون الدماء لكي يكونوا أحراراً يعتقدون ما يشاءون ويعبدون كما يحبون، أو كما يشاء ويحب لهم ملوكهم؛ وبدا أن صوت العقل قد خفت تحت أسنة الجهاد الديني، لكن هذا الصوت لم يسكن كل السكون، فإن رجالا من أمثال إرزمس، وبيكن، وديكارت ظلوا في خلال هذا الدمار المفجع يرددون هذا الصوت في شجاعة، ويرفعون به عقيرتهم من جديد وفي قوة متزايدة؛ وصاغه اسبونزا صياغة جديدة فخمة رائعة، فلما أقبل القرن الثامن عشر ولدت روح النهضة الإيطالية مرة أخرى في عصر الاستنارة الفرنسي. وظل هذا اللحن يتردد من فلتير وجبن Gibbon إلى جوته وهين Heine، إلى هوجو وفلوبير، إلى تين وأناطول فرانس خلال الثورات والثورات المضادة، والتقدم والرجعية، يبقى بعد الحرب بريقة ما، ويرفع في أناة من مكانة السلم وشأنها. وإنا لنجد اليوم في كل مكان في أوربا والأمريكيتين، أرواحاً متحضرة قوية- متزاملة متآلفة في بلد العقل- تتغذى وتعيش على ذلك التراث، تراث حرية العقل، والإحساس بالجمال، والتفاهم المتسم بالتواد والتعاطف، أرواحاً تعفو عن مآسي الحياة، وتستمتع بمباهج الحواس، العقل والروح، ويستمعون بقلوبهم على الدوام أغاني النهضة العذبة وسط أناشيد الحقد، وأعلى من جلجلة المدافع. |
|
برامج : برامج خدمية العاب الكمبيوتر برامج ملتيميديا برامج حماية برامج الإنترنت برامج تصميم برامج مكتبية برامج الجوال برامج متنوعة اخبار البرامج. |