برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب السابع

برامج -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> البندقية وأملاكها -> بدوا 

الباب الحادي عشر

 البندقية وأملاكها

1378 - 1534

الفصل الأول

بدوا  

كانت بدوا إيطالية كبرى في عهد الدكتاتروية الكراريسية Carraresi تنافس البندقية وتهددها بالخطر، وقد انضمت فعلاً إلى جنوى في عام 1378 وحاولتا معاً أن تخضعا الجمهورية القائمة في هذه الجزيرة، وفي عام 1380 حين أنهكت الحروب مع جنوى قوى البندقية أسلمت هذه إلى دوق النمسا مدينة تريفيزو Treirso ذات المركز الحربي الهام والواقعة في شمالها، وفي عام 1383 ابتاع فرانتشيسكو الأول صاحب كرارا تريفيزو من النمسا، ثم حاول بعد قليل من ذلك الوقت أن يستولي على فيتشندسا ويوديني Udine وفريولي، ولو انه نجح في هذا لسيطر على الطرق المؤدية من البندقية إلى مناجم الحديد التابعة لها عند أجوردو Agordo وعلى الطرق التي تسلكها تجارة البندقية وتجارتها. ولكن البندقية نجت من هذا الخطر بفضل مهارة رجالها الدبلوماسيين، فقد أقنعوا جيان جلياتسو فيسكونتي بالانضمام إلى البندقية في حربها ضد بدوا. وما من شك في أن جيان لم يكن يثق بالبندقية، غير انه مع هذا اغتنم هذه الفرصة التي سنحت له لتوسيع رقعة بلاده نحو الشرق بتغاضي البندقية، وهزم فرانتشيسكو صاحب كرارا (فرانتشيسكو كرارا) ونزل عن عرشه (1389)، وجدد ابنه، سميه وخلفه (1399)، معاهدة عام 1338 التي اعترف فيها بأن بدوا تابعة للبندقية. ولما أن واصل فرانتشيسكو الثاني صاحب كرارا الكفاح، وهجم على فيرونا وفيتشندسا أعلنت بدوا لمجلس الشيوخ يحكمها حكماً مباشراً (1405). وتخلت المدينة المنهوكة القوى عن ذلك الترف المستغل الوطني، وازدهرت في ظلال الحكم الأجنبي القدير الحازم، وأصبحت المركز التربوي لأملاك البندقية، يهرع إلى جامعتها الذائعة الصيت الطلاب من جميع أنحاء العالم المسيحي اللاتيني - بيكو دلا ميرندولا Paico della Mirandola، وأريستو، وبمبو، وجوتشيارديني Guieciardini، وتسو، وجالليو، وجستافس فازا Gustaus Vasa الذي صار ملك بولندة ... وأنشأ دمتريوس كلكنديلس Demetrius Chalcondyles فيها كرسياً للغة اليونانية قبل أن يرحل إلى فلورنس بستة عشر عاماً. وكان في وسع شكسبير بعد مائة عام من ذلك الوقت أن يتحدث عن بدوا الجميلة مهد الفنون.

وكان في بدوا من أهلها رجل يرى نفسه معهداً علمياً قائماً بذاته، ذلك هو فرانتشيسكو سكوارتشيوني Francesco Squarcione الذي تعلم أولاً حرفة الخياطة، ثم أولع بالفن القديم، وطاف في كثير من أنحاء إيطاليا واليونان، ونسخ الرسوم والنقوش التي على التماثيل والعمائر اليونانية والرومانية، أو رسم لها صوراً تخطيطية، وجمع المدليات وقطع النقود، والتماثيل القديمة، ثم عاد إلى بدوا يحمل مجموعة من أحسن المجموعات القديمة في أيامه، وافتتح فيها مدرسة لتعليم الفن، وضع فيها مجموعته، ورسم لتلاميذه منهجين أساسيين: دراسة الفن القديم وعلم المنظور الحديث: ولم يبق في بدوا من الفنانين البالغ عددهم مائة وسبعة وثلاثين والذين نشأوا على يديه إلا عدد جد قليل لأن كثرتهم قد جاءت إليها من خارجها. ولكنها استعاضت عن هذا بأن جاء إليها جيتو من فلورنس ليصور فيها حلبة المظلمات، والتيتشيرو Oltichiero من فيرونا (حوالي 1376) لينقش فيها معبداً في كنيسة القديس أنطوني St. Antthony ودوناتيلو الذي خلف ذكريات من عبقريته في الكنيسة الكبرى وميدانها. وأقام بارتولميو بلانو أحد تلاميذ دوناتيلو تمثالين جميلين لامرأتين في معبد جتا ميلاتا Gattamelata في هذه الكنيسة نفسها، وأضاف بيترولمباردو البندقي تمثالا جميلا لابن أفاق مغامر وقبراً فخماً لأنطونيو روزيللي Antonio Roselli. ونحت أندريا بريوسكو Andrea Briosco - رتشيو Rieceo - وأنطونيو، وتليو لمباردو Tullio Lombardo لمعبد جتا ميلاتا أيضاً نقوشاً في الرخام، كما أقام رتشيو في إيطاليا، ثم اشترك مع ألسندرو ليوناردو البندقي وأندريا موروني البرجامي (of Bergamo) في تخطيط كنيسة القديسة جوستينا Giustina (1502 وما بعدها) التي لم تتم، والتي كانت طرازاً خالصاً من فن النهضة المعماري.

وكانت بدوا وفيرونا المدينتين اللتين جاء منهما ياقوبو بليني وأنطونيو بيزانيلو إلى البندقية بمبادئ مدرسة البندقية في التصوير التي منها ذاعت شهرة البندقية في العالم أجمع.

  

برامج -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> البندقية وأملاكها -> أحوال البندقية الاقتصادية السياسية

الفصل الثاني  

أحوال البندقية الاقتصادية والسياسية  

كانت أحوال البندقية في عام 1378 قد انحطت إلى الدرك الأسفل: كان أسطول جنوى المنتصر يعترض تجارتها في البحر الأدرياوي، وكان جنود جنوى وبدوا يسدون عليها الاتصال بينها وبين القارة من جهة البر، ويكاد أهلها يموتون جوعاً، وحكومتها تفكر في الاستسلام. فلما مضى نصف قرن من ذلك الوقت كانت تحكم بدوا، وفيتشندسا، وفيرونا، وبريشيا، وبرجامو، وتريفيزو، وبيلونو، وفلتري، وفريولي، وإستريا، وساحل دلماشيا، وليبانتو، وبتراس، وكورنثة. وبدت وهي آمنة في قلعتها ذات الخنادق الكثيرة كأنها بمنجاة من تصاريف الأقدار السياسية التي كانت تجري في أراضي شبه الجزيرة الإيطالية؛ وظلت ثروتها وقوتها تسموان حتى تربعت كالملكة المتوجة على رأس إيطاليا. ولقد وصفها فليب ده كومين Philippe de Comine بعد أن وصل إليها سفيراً لفرنسا في عام 1495 بقوله أنها ((أعظم مدينة ظافرة شهدتها في حياتي))(1). ووصف بيترو كاسولي Pietro Casole الذي جاءها من ميلان حوالي ذلك الوقت عينه فقال: هذه المجموعة الفذة المكونة من 117 جزيرة، و150 قناة، و400 جسر يشرف عليها كلها الطريق الكبير طريق القناة العظمى الجارية الذي وصفه الرحالة كومينيز Comines بأنه ((أجمل شوارع العالم على الإطلاق)) وأضاف أنه ((عجز عن وصف ما حوته من جمال، وفخامة وثراء)).

ترى من أين جاءت هذه الثروة التي كانت مصدر هذه الفخامة؟

لقد جاء بعضها من مائة من الصناعات - بناء السفن، والصناعات الحديدية، وصناعة الزجاج، ودبغ الجلود وصناعتها، وقطع الجواهر وتركيبها، وصناعة النسيج ... التي نظمت كلها في نقابات للحرف كبيرة عظيمة، تجمع صاحب العمل والأجير في الزمالة الوطنية. جاء بعض الثروة من هذه الناحية ولكن لعل معظمها جاء من أسطولها التجاري الذي كانت أشرعته تخفق فوق مياهها الضحلة، والذي كانت فسنه تحمل بضائع البندقية والبلاد التابعة لها في البر، والسلع الألمانية التي تأتي إليها من وراء جبال الألب، وتنقلها إلى مصر وبلاد اليونان، وبيزنطة، وآسية، ثم تعود من بلاد الشرق مثقلة بالحرير، والتوابل، والطنافس، والعقاقير الطبية؛ والأرقاء. وكانت قيمة صادراتها في السنين العادية تبلغ عشرة ملايين دوقية (250.000.000)(3)؛ ولم يكن في أوربا كلها مدينة أخرى تبلغ صادراتها هذا القدر؛ وكانت سفن البندقية ترى في مائة من المرافئ من طربزون على البحر الأسود، إلى قادس في أسبانيا، ولشبونة، ولندن، وبروج، بل وفي أسلندة نفسها(4). وكان التجارة يجتمعون من نصف الكرة الأرضية في السوق المالية مركز البندقية التجاري. وقد وضع لهذه الحركة التجارية نظام التأمين البحري، وكانت الضرائب المفروضة على الصادرات والواردات هي المصدر الرئيسي لموارد الدولة.وبلغ دخل حكومة البندقية السنوي في عام 1455 ثمانمائة ألف دوقية (20.000.000 ؟ دولار) بينما كان دخل فلورنس في ذلك العام نفسه 200.000 دوقية، ونابلي 310.000، والولايات البابوية 400.000 وأسبانيا المسيحية كلها 800.000(5).

وكانت هذه التجارة هي التي تحدد الاتجاه السياسي لجمهورية البندقية لأنها كانت أكبر موارد هذه الجمهورية؛ فقد رفعت إلى مركز السلطان أرستقراطية تجارية جعلت من نفسها طبقة وراثية وسيطرت على جميع جهاز الدولة؛ وأوجدت عملاً نافعاً لسكان المدينة البالغ عددهم 190.000 (في عام 1422)؛ وإن كانت قد جعلتها يعتمدون على الأسواق، والخامات والأطعمة الخارجية. وكانت البندقية سجينة في متاهتها البحرية، فأصبحت لذلك عاجزة عن إطعام سكانها إلا بالطعام المستورد من الخارج؛ ولم يكن في وسعها أن تحصل على المواد اللازمة لصناعتها إلا باستيراد الخشب، والمعادن، والفلزات، والجلد، والأقمشة؛ ولا تستطيع أن تؤدي أثمانها إلا بالبحث عن أسواق لمنتجاتها وتجارتها. وإذ كانت تعتمد على أرض القارة في الحصول على الطعام، والنافذ التجارية، والمواد الخام، فقد اشتبكت في سلسلة من الحروب لفرض سيطرتها على شمالي إيطاليا؛ وإذ كانت تعتمد كذلك على غير الأراضي الإيطالية فقد كانت قوية الرغبة في أن تسيطر على الأصقاع التي تفي بحاجتها: الأسواق التي تصرف فيها بضائعها، والطرق التي تجتازها تجارتها التي لا حياة لها بغيرها؛ ومن أجل هذا جعلتها ((الأقدار المسيطرة)) دولة استعمارية.

وهكذا كان محور تاريخ البندقية السياسي هو حاجاتها الاقتصادية؛ ولهذا فإنه لما حاول آل اسكاليجيري في فيرونا أو الكراربيسي في بدوا، أو الفيسكونتي في ميلان أن يبسطوا سلطانهم على الشمالي إيطاليا الشرقي، أحست البندقية بالخطر المحدق بها، وامتشقت السلاح دفاعاً عن نفسها؛ ولما خشيت أن تسيطر فيرارا على منصب البو حاولت أن تكون صاحبة القول الفصل في اختيار المركيز الحاكم فيها في توجيه سياسته، وقاومت ما تدعيه البابوية من أن فيرارا إقطاعية تابعة لها. وكانت الخطة التي جرت عليها في التوسع نحو الغرب سبباً في إغضاب التي كانت هي الأخرى تسعى للتوسع وبسط السلطان، ولما أن هاجم فلبوماريا قيسكونتي فلورنس (1423)، استنجدت الجمهورية التسكانية بالبندقية، وأبانت لها أن سيادة ميلان على تسكانيا لن تلبث أن تستولي على جميع إيطاليا الواقعة في شمال الولايات البابوية؛ وحدث في مجلس شيوخ البندقية نقاش طالما حدث مثله في التاريخ، فقد أخذ الدوج توماسو موتشينجو Tommaso Mocrenigo وهو يحتضر يدعو إلى السلم، وأخذ فرانتشيسكو فسكاري Francssco Foscari يدعو على شن حرب هجومية للدفاع عن المدينة؛ وكانت الغلبة لفسكاري، واشتبكت البندقية مع ميلان في سلسة من الحروب دامت من 1425 إلى 1454 ما عدا فترات من السلم قليلة. ثم كان موت فلبوماريا (1447)، والفوضى التي ضربت أطنابها في الجمهورية الأمبروازية في ميلان، واستيلاء الأتراك على القسطنطينية، فرأت الدول المتنافسة أن توقع فيما بينها معاهدة في لودي Lodi تركت جمهورية الجزرية منهوكة القوى ولكنها منتصرة.

وكان لبداية توسعها في البحر الأدرياوي سبب مشروع؛ فقد كانت هي الميناء الواقع في أقصى شمال البحر المتوسط؛ وكان هذا الموقع الجغرافي من أحسن المواقع بالنسبة للمدينة، ولكنه يصبح عديم الفائدة لها إذا لم تسيطر على البحر الأدرياوي. ذلك أن في الساحل الشرقي لهذا البحر مكامن لسفن القراصنة التي كانت غاراتها منشأ خسارة كثيرة وأخطار دائمة لمراكب البندقية؛ ولما أن أغرت البندقية الصليبيين بالرشا ليساعدوها على امتلاك زارا عام 1202، استولت بذلك على مركز استطاعت أن تطهو منه معششات للقراصنة عاماً بعد عام، وما زالت كذلك حتى قبل جميع ساحل دلماشا سيادتها. ولما استولى هؤلاء الصليبيين أنفسهم على المدينة القسطنطينية (1204) كان نصيب البندقية من مغانمهم جزيرة كريت (إقريطش) وسلانيك، وجزائر سكليديس، واسبوراديس وهي حلقات ثمينة في السلسلة الذهبية التجارية؛ ثم استولت بصبرها ومثابرتها على دورتسو Dorazzo، وساحل ألبانيا، وجزائر أيونيا (1386 - 1392)، وفريولي وإستريا (1418 - 1420)، ورافنا (1441)؛ فأضحت بذلك ملكة البحر الأدرياوي وبلا منازع، وفرضت رسوم المرور على جميع السفن التي تمر بهذا البحر والتي تملكها غيرها من المدن(6)؛ ولما صعب على القسطنطينية أن تدافع عن أملاكها النائية بسبب تقدم الأتراك العثمانيين نحو هذه العاصمة، خضعت كثير من الجزائر والمدن اليونانية طائعة إلى البندقية لأنها وجدت فيها القوة الوحيدة التي تستطيع حمايتها. وكانت لقبرص ملكة عظيمة تدعى كاترينا كرنارو Caterina Coenaro آخر أسرة لوزينيا Lusigna الحاكمة، واقتنعت هذه الملكة بأنها لا تستطيع الدفاع عن جزيرتها ضد الأتراك؛ فنزلت عن عرشها لحاكم من قبل البندقية (1489)، نظير معاش منها قدره ثمانية آلاف دوقية في العام؛ وأوت إلى ضيعة في أوسولو Osolo القريبة من تريفيزو، وأنشأت فيها بلاطاً غير رسمي، وأخذت تناصر الآداب والفنون، وأصبحت موضوع قصائد ومسرحيات غنائية تتحدث عنها أو تهدي إليها، وصور برسمها لها بليني؛ وتيشيان وفيرونيز غير المؤمنين.

ووجهت هذه الانتصارات كلها التي حققتها البندقية بالحرب تارة وبالدبلوماسية تارة أخرى؛ وهذه المنافذ، والموارد، والمعاقل التي استولت عليها تجارة البندقية، واجهت هذه كلها قوة الأتراك العثمانيين الناشئة الجارفة، وقد حدث في عام 1416 أن هاجمت حامية تركية في غاليبولي أسطولاً تملكه البندقية، وحارب البنادقة بشجاعتهم المعهودة، وانتصروا على الأتراك نصراً حاسماً، وعاشت الدولتان المتنافستان جيلاً من الزمان متهادنتين، وعقدت بينهما صداقة تجارية ارتاعت لها أوربا التي كانت تريد من البندقية أن تشترك في معركة أوربا ضد الأتراك. ولم يفصم شيء من الأحداث عرى هذا الاتفاق حتى سقوط القسطنطينية نفسه، فقد عقدت البندقية معاهدة تجارية سمحة مع الأتراك المنتصرين، وتبادلت المجاملات مع الغزاة الفاتحين. غبر أن وصول البنادقة إلى تجارة ثغور البحر الأسود المربحة أصبح من ذلك الوقت يعتمد على إذن الأتراك، وسرعان ما للقوا في سبيل ذلك كثيراً من القيود التي ضايقتهم مضايقة شديدة. ولما أن أعلن البابا بيوس Pius الثاني حرباً دينية على الأتراك معبراً عن عواطفه المسيحية ومصالح أوربا التجارية وعاهدته الدول الأوربية على أن تمده بالعتاد والرجال، استجابت البندقية إلى دعوته وكانت تأمل أن تتكرر الأحداث التي وقعت في عام 1204. ولكن الدول نكثت عهودها، وألفت البندقية نفسها منفردة في حربها ضد الأتراك (1463)، وظلت تواصل الحرب ستة عشر عاماً، وانتهت بهزيمتها وانتهابها، ثم وقعت معاهدة تخلت بمقتضاها لهم جزيرة نجروينت Negroponte (عويبة (Eubcea)) وشفودره، وشبه جزيرة المورة، ودفعت غرامة حربية مقدارها 100.000 دوقية، وتعهدت بأداء عشرة آلاف دوقية في كل عام نظير تمتعها بالاتجار مع الثغور التركية. وأعلنت أوربا أنها قد خانت بعملها هذا العالم المسيحي، ولما أن دعا بابا آخر إلى حرب صليبية ضد الأتراك أعارت البندقية هذه الدعوة أذناً صماء، وكانت بذلك متفقة مع أوربا على أن التجارة أعظم شأناً من المسيحية. 

 

برامج -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> البندقية وأملاكها -> حكومة البندقية

 الفصل الثالث

حكومة البندقية

 لقد حكومة البندقية موضع إعجاب أصدقائها وأعدائها على السواء؛ وكان أعدائها أنفسهم يرسلون عمالهم يدرسون نظمها وأساليب عملها. وكانت أداتها الحربية تتكون من أقدر أسطول بحري وجيش بري في إيطاليا. فقد كان لها في عام 1423، فضلاً عن أسطولها التجاري الذي يستطاع تحويله في وقت الحاجة إلى سفن حربية، عمارة بحرية مؤلفة من ثلاث وأربعين سفينة تساعدها ثلاثمائة سفينة صغرى(7). وكانت هذه السفن تستخدم في الحروب التي تقوم بها القوات البرية في إيطاليا؛ فقد حدث في عام 1439 أن جرت هذه السفن على الأرض فوق بكرات كبار تخطت بها الجبال والسهول حتى أنزلت في بحيرة جاردا Garda ومنها أطلقت نيرانها على أملاك ميلان(8). وبينما كانت غيرها من الدول الإيطالية تستخدم في حروبها جنود مرتزقة، أنشأت البندقية لها جيشاً مجنداً من أهلها المخلصين الأوفياء، المضرسين المدربين على القتال، المسلحين بأحدث أنواع البنادق والمدافع. أما قواد الجيش فقد كانت تعتمد في الحصول عليهم على المغامرين الذين تمرسوا على أساليب النهضة في الكر والفر. وسمت البندقية في حربها مع ميلان بمواهب ثلاثة من أشهر هؤلاء المغامرين هم فرانتشيسكو جرمنيولا، وإرزمو دا نارني Erasmo da Narni المعروف باسم جتاميلانا Gattamelata، وبارتولميو كليوني؛ وقد أشتهر الثاني والثالث من هؤلاء بقوانينهما التاريخية، كما أشتهر أولهم بأن رأسه قطع في ميدان البندقية الصغير بتهمة دخوله في مفاوضات مع العدو.

وكانت هذه الحكومة، التي حاولت المدن الأخرى محاكاتها حتى فلورنس نفسها، ألجركية مغلقة. مقصورة على الأسر القديمة التي اغتنت من قديم الزمان بالتجارة غنى أصبح مألوفاً لديهم إلى حد لا يستطيع معه أحد منهم أن يحس بما للمال من شأن في مركزه إلا البادئون. وقد استطاعت هذه الأسرة أن تحدد عضوية المجلس الأكبر فتقصره على الذكور من أبناء الرجال الذين كانوا أعضاء في المجلس من عام 1297؛ ولهذا سجلت في عام 1315 أسماء جميع المرشحين لهذا المجلس في كتاب ذهبي، وكان على المجلس أن يختار من بينهم ستين - صاروا فيما بعد مائة وعشرين ((مدعوا Pregadi)) يعملون في فترات تدوم عاماً كاملاً بوصفهم مجلس شيوخ تشريعي؛ ويعين المجلس رؤساء المصالح الحكومية الكثيرة العدد الذين تتكون منهم الهيئة الإدارية؛ ويختار رئيس الهيئة التنفيذية - الخاضع على الدوام لهذا المجلس - وهو الدوج أو الزعيم الذي يتولى رياسته ورياسة مجلس الشيوخ، ويحتفظ بمنصبه مدى الحياة إلا رأى المجلس أن يخلعه. ويعاون الدوج في عمله ستة مستشارين يؤلفون معه مجلس السيادة Signoria. ويكون هذا المجلس الشيوخ حكومة البندقية الحقيقية من الناحية العملية؛ فقد تبين أن كثرة أعضاء المجلس الأكبر تحول بينه وبين العمل الجدي القوي ولهذا أصبح في واقع الأمر هيئة من الناخبين يمارس حق التعيين والإشراف. لقد كان هذا الدستور صالحاً يمكن من العمل، وكان له الفضل في أن يشيع الرخاء بين الشعب في الأحوال العادية، ويستطيع أن يضع قواعد السياسة المرسومة المدروسة الطويلة الأمد، التي لا تستطيع وضعها حكومة تتعرض لتقلبات انفعالات الشعب وعواطفه. ولم تظهر كثرة الشعب تذمرها من قيام هذه الأقلية بالحكم وإن كانت محروما من المناصب العامة؛ وقد حدث في عام 1310 أن ثارت على الحكومة جماعة من الأشراف المحرومين من الحكم بزعامة باجامنتي تيبولو Bajamante Tiepolo وأن تأمر الدوج مارينو فاليري Marino Faliere في عام 1355 ليجعل من نفسه حاكماً بأمره، ولكن المحاولتين قضى عليهما من غير كبير عناء.

وأراد المجلس الأكبر أن يحتاط من المؤامرات الداخلية والخارجية، فكان يختار من بين أعضائه في كل عام هيئة من عشرة أعضاء يكونون لجنة للأمن العام؛ أصبحت في وقت ما أقوى هيئة في الحكومة بفضل جلستها ومحاكمتها السرية، وعيونها وإجراءاتها السريعة. وكثيراً ما كان السفراء يرسلون إليها التقارير السرية، ويرون أن أوامرها ملزمة لهم أكثر من أوامر مجلس الشيوخ؛ وكان لكل قرار تصدره قوة القانون كاملة. وكان عضوان أو ثلاث أعضاء منها يندبون في كل شهر ليقوموا بعمل مفتشي الدولة يبحثون بين الأهلين والموظفين عن كل ما تشتم منه رائحة الخطأ أو الخيانة. وقد نسجت حول هذه الهيئة الصغيرة أقاصيص يبالغ معظمها في سرية أعمالها وفي قسوتها. ولكنها كانت تبلغ قراراتها وأحكامها إلى المجلس الأكبر، ومع أنها كانت تجيز وضع الاتهامات السرية في أفواه تماثيل رءوس الآساد المنتشرة في أنحاء المدينة فإنها كانت ترفض البحث في أية تهمة لا تحمل توقيع من يواجهها، أو لا تعرض اسمي شاهدين يؤيدانها(9)؛ ثم هي بعد هذا تتطلب أن يوافق عليها بأغلبية أربعة أخماس اللجنة قبل أن تقيد التهمة على صاحبها(10).وكان من حق كل من يقبض عليه أن يختار محامين للدفاع عنه أمام مجلس العشرة(11)؛ ولم يكن حكم الإدانة يصدر إلا بعد أن تقره أغلبية الأعضاء في ثلاثة اقتراعات متتالية؛ وكان عدد الأشخاص الذين حكم عليهم مجلس العشرة بالسجن ((قليلاً جداً))(12). بيد أنها مع ذلك لم تكن تستنكف أن تدبر اغتيال الجواسيس، وأعداء البندقية في الدول الأجنبية(13). ولما أحس مجلس الشيوخ في عام 1582 أن مجلس العشرة قد أدى الغرض المقصود منه، وأنه كثيراً ما تعدى السلطة المخولة له، حد من سلطانه، وأصبح المجلس منذ ذلك الحين لا وجود له إلا بالاسم.

وكان القضاء الأربعون المعينون من قبل المجلس الأكبر هيئة قضائية حازمة صارمة؛ وكانت القوانين واضحة الصياغة تنفذ تنفيذاً دقيقاً على الخاصة والعامة سواء بسواء؛ وكانت العقوبات شاهداً واضحاً على قسوة ذلك العصر، فكان السجن في معظم الأحيان في حجرات انفرادية ضيقة لا ينفذ إليها إلا أقل قدر مستطاع من الضوء والهواء؛ وكان الجلد، والكي بالنار، وبتر الأعضاء، وسمل العيون، وقطع اللسان، وتهشيم الأطراف على العذراء وما شابهها من الأدوات، عقوبات يقرها القانون. وكان من المستطاع خنق المحكوم عليه بالإعدام داخل السجون، أو إغراقهم في الماء سراً، أو شنقهم في نافذة من نوافذ قصر الدوج، أو حرقهم وهم مشدودون على عمود الإحراق. أما الذين ارتكبوا جرائم شنيعة أو سرقات من الأماكن المقدسة فكانوا يعذبون بالملاقط التي تحمى في النار حتى تحمر، ثم تجرهم الجياد في شوارع المدينة، ثم تقطع رءوسهم وتمزق أشلاؤهم(14). وكأنما أرادت البندقية أن تكفر عن هذه الوحشية، فكانت تفتح أبوابها للاجئين السياسيين والعقليين، وكان لها من الجرأة ما مكنها من أن تحمي إلزبتا جندساجا وجيدوبلدو من وحشية بورجيا، حين أرغم الخوف إزبلا أخت زوجها على أن تخرجها من بلدتها مانتوا.

وأكبر الظن أن تنظيمها الإداري كان خير النظم في أوربا في القرن الخامس عشر، وإن كان الفساد قد وجد سبيله إليها كما وجدها إلى سائر الحكومات. وقد أنشئ فيها مكتب للصحة العامة في عام 1385؛ واتخذت الإجراءات الكفيلة بتزويد المدينة بماء الشرب النقي ومنع تكون المستنقعات. وكان بالمدينة مكتب آخر مهمته تحديد أيمان المواد الغذائية؛ وأنشئ نظام للبريد داخل المدينة وخارجها لا يقتصر واجبه على أعمال الحكومة بل يحمل أيضاً رسائل الأفراد وينقل الطرود(15). وكان الموظفون العموميون المتقاعدون يتقاضون معاشات من الدولة، ووضعت النظم الكفيلة بإعادة أراملهم وأبنائهم اليتامى(16). وبلغت إدارة الأملاك التابعة للبندقية في إيطاليا من العدل والكفاية بالنسبة لما كانت عليه من قبل درجة كفلت لها من الرخاء ما لم تستمتع به في أي عهد سابق، وما جعلها تعود مسرعة إلى الولاء للبندقية بعد فصلتها عنها صروف الحرب(17). أما إدارة البندقية للبلاد التابعة لها وراء البحار فلم تكن خليقة بكل هذا الثناء؛ ذلك أنها كان ينظر إليها قبل كل شيء على أنها غنائم الحرب، فكان كثير من أرضها الزراعية يوهب لأشراف البندقية وقواد جيشها، وقلما كان السكان الوطنيون يصلون إلى المناصب العليا وإن ظلت لهم نظم حكومتهم المحلية. أما من حيث علاقتها بغيرها من الدول فقد كان مبعوثوها الدبلوماسيون يؤدون إليها أجل الخدمات، وقل من الحكومات ما كان لها مراقبون يقضون ومفاوضون أذكياء مثل بورناردو موستنياتي؛ وكثيراً ما كسبت البندقية بالدبلوماسية ما خسرته في الحروب مسترشدة في ذلك بتقارير سفرائها الواسعي الاطلاع، وسجلات هيئاتها الحكومية الدقيقة وحسن تصريف مجلس شيوخها(18).

وإذا ما نظرنا إلى هذه الحكومة من الناحية الأخلاقية لم نجدها خيراً من سائر حكومات ذلك العصر، بل إنها كانت أسوأ منها من ناحية التشريعات الخاصة بعقاب المجرمين. فقد كانت هذه الحكومة تعقد الأحلاف وتنقضها حسب تقلب مصالحها، لا يحول بينها وبين سياستها وازع من ضمير أو عاطفة ولاء. لقد كان هذا هو القانون الذي يسير عليه جميع الدول في عصر النهضة، والذي لم يتردد المواطنون في العمل به، فكانوا يرحبون بكل ما تناله البندقية من نصر أياً كانت الوسيلة التي تناله بها؛ وكانوا يبتهجون بقوة الدولة وثباتها، ويولونها وقت الحاجة من ضروب الوطنية ويؤدون إليها من الخدمات ما لا نجد له مثيلاً في الدول المعاصرة لها؛ وكانوا يعظمون الدوج تعظيماً لا يعلوا إلا تعظيمهم الله وحده.

وكان الدوج في العادة وكيل المجلس الأكبر ومجلس الشيوخ، ولم يكن هو سيد المجلسين إلا في الأحوال الاستثنائية المحضة؛ وكانت الأبهة التي تحيط به تعلو كثيراً على سلطانه؛ فقد كان إذا ظهر أمام الجماهير ارتدى أفخم الثياب، وأثقل الجواهر، وكانت قلنسوته الرسمية وحدها تحتوي من الجواهر ما قيمته 194.000 دوقية (4.850.000 ؟ دولار)(19)؛ ولربما كانت حلله التي علمت المصورين البنادقة الألوان الفخمة التي جرت بها أقلامهم، وشاهد ذلك أن عدداً من أعظم صورهم لآلاء يمثل الدوج في حلله الرسمية. وكان مصدر هذه الفخامة أن البندقية تؤمن بالاحتفالات والمظاهر تؤثر بها في نفوس السفراء والزوار، ترهب بها الأهلين، وتخلع من الأبهة ما تستعيض به عن السلطان. وحتى الدوقة نفسها كان يحتفل بتتويجها أعظم احتفال وأفخمه. وكان الدوق هو الذي يستقبل كبار الوافدين عليه من الأجانب، ويوقع جميع الوثائق الهامة المتصلة بأعمال الدولة، وكان له نفوذ شامل واسع متصل يضمنه له بقاؤه في منصبه مدى الحياة بين أشخاص يختارون لعام واحد لا أكثر؛ أما من الوجهة النظرية فلم يكن أكثر من خادم الحكومة والناطق بلسانها.

وتمر بنا في تاريخ البندقية سلسلة طويلة متصلة من الأدواج ذوي مجد وفخامة، ولكن عدداً قليلاً منهم هم الذين طبعوا شخصيتهم على صفات الدولة ومصائرها. نذكر من بينهم فرانتشيسكو فسكاري الذي اختاره المجلس الكبير ليخلف توماسو متشينيجو على الرغم من خطابه البليغ وهو يحتضر. وجلس الدوج الجديد على العرش في الخمسين من عمره، ورفع البندقية من خلال حكمه الذي دام أربعة وثلاثين عاماً (1423 - 1457) إلى ذروة قوتها، وأراق فيها أنهاراً من الدماء، وخاض فيها كثيراً من العواصف، وهزم فيها ميلان، واستولى على برجامو، وبريشيا، وكرمونا، وكريما. ولكن سلطة الدوج الاستبدادية المطردة النماء أثارت غيرة مجلس العشرة، فاتهمه بأنه نجح في الانتخاب باستخدام الرشوة، فلما عجزوا عن إثبات هذا الادعاء اتهموا ابنه باقوبو بالخيانة بميلان (1445)، واضطر ياقوبو تحت تأثير التعذيب على العذراء أن يقر بذنبه أو يدعي أنه ارتكبه، فنفي على أثر ذلك إلى رومانيا Rumania ولكنه سمح له بعد قليل أن يعيش بالقرب من تريفيزو. وحدث في عام 1450 أن اغتيل أحد مفتشي مجلس العشرة، واتهم ياقوبو بارتكاب الجريمة، ولكنه أنكرها وأصر على هذا الإنكار رغم ما لاقاه من أقسى أنواع التعذيب، ثم نفي إلى كريت حيث أصيب بالجنون من فرط الحزن والعزلة، وأعيد إلى البندقية في عام 1456، واتهم مرة أخرى بالاتصال سراً بحكومة ميلان، فاعترف بهذا الاتصال وعذب حتى أشرف على الموت، وأعيد إلى كريت حتى وافته المنية بعد وقت قصير. وانهارت قوة الدوج الطاعن في السن أمام هذه المحاكمات التي عجز عن الوقوف في سبيلها رغم مكانته العالية بعد أن قاسى أهوال الحرب الطويلة البغيضة للشغب وتبعاتها، وصبر على محنها صبر الكرام. ولما بلغ السادسة والثمانين من عمره أصبح عاجزاً عن حمل أعباء منصبه، خلعه المجلس الكبير وخصص له معاشاً سنوياً قدره ألفا دوقية، فآوى إلى بيته حيث مات بعد أيام قليلة على أثر انفجار أحد الشرايين بينما كانت أجراس البرج تعلن جلوس دوج جديد على العرش.

وكانت انتصارات فسكارى قد جرت على البندقية حقد جميع الدول الإيطالية لأن واحدة منها لم تعد تشعر بالأمن والطمأنينة أمام قوتها الغاصبة، ولهذا تكونت ضدها أكثر من عشرة أحلاف، وانتهى الأمر بانضمام فيرارا ومانتوا، ويوليوس الثاني، وفريناند ملك أسبانيا، ولويس الثاني عشر ملك فرنسا، والإمبراطور مكسميليان، وتكوينها فيما بينها عصبة كميرية The League of Cambria بقصد تحطيم قوتها. وكان ليوناردو لورندينو (1501-1521) هو الدوج أثناء هذه الأزمة، وقاد الشعب خلالها قيادة حكيمة قوية لا يستطيع الإنسان تصديقها، ولا تكشف الصورة الجميلة التي رسمها جيوفني بليني إلا عن شطر صغير منها. وانتزع من البندقية كل ما كانت قد ظفرت به من المكاسب على أرض القارة خلال مائة عام من التوسع استعانت عليه بالقوة، ولم يترك لها إلا القليل الذي لا يغني، ثم حوصرت هي نفسها. وصهر لوردانو صحاف المائدة وسكها نقوداً، وجاء الأشراف بثروتهم المدخرة ليمولوا بها أعمال المقاومة، وطرق صانعوا الأسلحة مائة ألف منها، وتسلح كل رجل ليحارب في جزيرة بعد جزيرة دفاعاً عن قضية ميئوس منها. ونجت البندقية، أنجت نفسها بمعجزة، واستردت بعض أملاكها في القارة، ولكن الجهود التي بذلتها في الحرب أقفرت مواردها المالية وأضعفت روحها المعنوية، ولما مات لوراندو أدركت البندقية أن ما بلغته من عظمة ومجد في المال والسلطان قد آذن بالزوال وإن كان لا يزال أمامها خمسة وسبعون عاماً من أعمال تيشيان والكثرة الغالبة من أعمال تنتورتو وفيرونيز.

 

برامج -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> البندقية وأملاكها -> الحياة في البندقية

 الفصل الرابع

الحياة في البندقية

كانت العقود الأخيرة من القرن الخامس عشر والعقود الأولى من القرن السادس عشر أعظم الفترات روعة وأكثرها فخامة في حياة البندقية، فقد كانت تصب في جزائرها مكاسب التجارة العالمية التي عقدت الصلح مع الأتراك، ولم تنقص نقصاناً كبيراً بكشف الطريق حول أفريقية أو فتح المحيط الأطلنطي للملاحة، وتوجت هذه الجزائر بالكنائس، وأحيطت القنوات بالقصور، وامتلأت هذه القصور بالمعادن الثمينة والأثاث الغالي الثمين، وزينت النساء بالثياب الفخمة والجواهر الغالية، وأمدت هذه المكاسب طائفة كبيرة من الرسامين بالمال الكثير، وأنفقت الأموال بسخاء على الحفلات الباهرة في القوارب المزدانة بالطنافس، والمواكب المقنعة وخرير الماء المختلط بالموسيقى والغناء.

أما حياة الطبقات الدنيا فكانت هي حياة الكدح الرتيب المألوف، يخفف منه نوعاً ما الفراغ والثرثرة اللذان تتسم بهما إيطاليا، وعجز الأغنياء عن أن يحتكروا مبادئ العشق إلا بين أعلى الطبقات. وكانت القناة الكبرى وكل قنطرة مقوسة تموج بالرجال يحملون غلات نصف العالم، وكان في المدينة من الأرقاء أكثر ممن في غيرها من المدن الأوربية؛ وكان أكثرهم يؤتى بهم من الشرق، ولم يكونوا يستخدمون في الأعمال الشاقة، بل كانوا يعملون خدماً في البيوت، وحراساً خصوصيين، وكانت الجواري يعملن مرضعات، وخليلات، وكان للدوج بيترو مدتشينجو وهو في سن السبعين جاريتان تركيتان يستمتع بهما(20)، ويقول أحد سجلات البنادقة أن رجلاً من رجال الدين باع جارية لزميل آخر من طائفته، ولكن عقد البيع ألغي في اليوم الثاني لأن المشتري الجديد وجد الجارية حاملاً(21).

ولم تكن الطبقات العليا متعطلة خاملة رغم ما كانت تستمتع به من نعيم؛ فقد كان الكثيرون منهم حين يبلغون أشدهم يشتغلون بالتجارة، والأعمال المالية، والدبلوماسية، وفي شئون الحكم والحرب، ويظهرهم ما لدينا من صورهم أيضاً رجال جد أقوياء الشعور بما عليهم من واجبات. وكانت أقلية منهم تلبس الحرير والفراء، ولعلها كانت تفعل ذلك لتسر المصورين الذين كانوا يرسمونها؛ وكانت طائفة من شبان الطبقات الموسرة - مثل جماعة الجورب La Compagna della Scalza - تزدهي بصدرياتها الضيقة، وخزها المقصب، وجواربها المخططة المطرزة بخيوط الذهب أو الفضة، أو المطعمة بالجواهر. لكن كل شاب شريف كان يخفف من فخامة ثيابه حين يصبح عضواً في المجلس الأكبر؛ فقد كان يطلب إليه حينئذ أن يرتدي ((الطوجة)) (الشملة الرومانية)، لأن هذا الثوب يكاد يضفي الكرامة على كل من يلبسه من الرجال، والسرية والخفاء على كل من تأتزر به من النساء. وكان الأشراف يكشفون عن ثرائهم الخفي من حين إلى حين في قصورهم الفخمة بالمدينة، أو في حدائق بيوتهم الريفية في مورانو Murano أو غيرها من ضواحي حين يستقبلون بالذبح زائراً أو يحيون ذكرى حادث خطير في تاريخ المدينة أو الأسرة. من ذلك أن الكردنال جريماني Grimani أعد حفلة استقبال لرانتشيو فرنيزي Ranuccio Farnese (1542)، دعا إليها ثلاثة آلاف ضيف، جاء معظمهم في قمرات بالجندولات، مفرشة بالمخمل والوسائد المريحة، وأعد لهم الموسيقى والألعاب البهلوانية، والمشي على الحبال، والرقص، والطعام والشراب. لكن أشراف البندقية كانوا في الأحوال العادية، معتدلين في حياتهم، وفي طعامهم وشرابهم، وثيابهم، وكانوا يعملون لكسب بعض ما ينفقون.

 ولعل الطبقات الوسطى كانت أسعد أهل المدينة، وكانت تشترك وهي مرحة في المباهج الخاصة والعامة؛ وكان من هذه الطبقات صغار رجال الدين، وموظفو الحكومة، والأطباء، ورجال النيابة العامة، ورجال التعليم، والمشرفون على الصناعة ونقابات الحرف، والأعمال الحسابية في المصارف الأجنبية، والقائمون على التجار المحلية. ولم يكن يقلق بالهم حرصهم على الاحتفاظ بالمال الكثير كما يحرص الأغنياء، أو الكدح المتواصل لإطعام صغارهم وكسائهم كما يكدح الفقراء؛ وكانوا كغيرهم من الطبقات يلعبون الورق، والنرد، ويقضون الساعات في لعبة الشطرنج، ولكنهم قلما كانوا يتورطون في لعب الميسر حتى تخرب بيوتهم. وكان يطيب لهم أن يعزفوا على الآلات الموسيقية، ويغنوا ويرقصوا. وكانوا لضيق منازلهم أو مساكنهم يتنزهون ويقضون الوقت في الشوارع، وهي تكاد تخلو من الخيل والمركبات لأن وسيلة النقل المفضلة هي القنوات. ولهذا لم يكن من غير المألوف لدى الطبقات التي لا تميل كثيراً إلى السكون والجلوس أن تقيم في بعض الأمسيات في الأيام العادية أو في أيام الأعياد حفلات رقص وغناء في الميادين العامة لا تقتضيها شيئاً من سابق الاستعداد. وكانت لكل أسرة آلاتها الموسيقية وفيها أفراد يمكن الاستماع إلى أصواتهم؛ وكانوا شديدي التأثر بالغناء، وشاهد ذلك أنه لما أن تزعم أدريان ولارت Adrian Willaert جماعتي المرنمين في كنيسة القديس مرقس، واستمع الآلاف الذين استطاعوا دخول الكنيسة إلى هذه الترانيم، قلبوا شعارهم الشهير الذي كانوا يفخرون به وأصبحوا وقتاً ما مسيحيين أولاً وبنادقة فيما بعد.

وكانت حفلات البندقية أعظم الحفلات الأوربية فخامة، وذلك لما كان يحيطها من الكنائس، والقصور، والبحر؛ وكانت كل مناسبة يتذرع بها لإقامة الحفلات أو المواكب الفخمة كتتويج الدوج، أو عيد ديني، أو يوم عطلة قومية، أو زيارة كبير أجنبي، أو يوقع صلح مرضي، والجارنيجليو Gharingello أو عيد النساء، أو مولد القديس مرقس، أو مولد شفيع إحدى النقابات. وكانت ألعاب المثاقفة لا تزال أهم ألعاب الحفلات في القرن الرابع عشر؛ وليس أدل على هذا من أنه حين أقامت البندقية استقبالاً فخماً لملكة قبرص بعد نزولها عن العرش في عام 1491، احتوى هذا الحفل على ألعاب للمثاقفة قام بها جنود من كريت فوق ماء القناة الكبرى المتجمد، غير أن المثاقفة كانت تبدو من الألعاب التي لا تناسب الدولة البحرية، ولهذا استبدل بها تدريجياً نوع من الحفلات المائية كانت في العادة سباق الزوارق. وكان أعظم حفلات السنة كلها حفلة زواج البحر، وهو احتفال من أعظم الاحتفالات فخامة يمثل زواج البندقية - صاحبة العظمة والجلال La Serenissima - إلى البحر الأدرياوي. ولما قدمت إلى البندقية في عام 1493 بيتريس دست مبعوثة لدوفيكو صاحب ميلان الفاتنة، زينت القناة الكبرى على طولها كله زينة الطرق الفخمة في الأيام المسيحية، وخرجت لاستقبالها بوتشينتور Bucentour، ممثلة لدولة البندقية ومزدانة كلها بالأرجوان والذهب، يحف بها ألف قارب تسير بالأشرعة أو المجاذيف، مزدانة كلها بأكاليل الزهر والأعلام الملونة؛ وبلغ عدد القوارب من الكثرة درجة غطت صفحة الماء كله حتى تعذرت رؤيته في دائرة لا يقل نصف قطرها عن ميل، كما يقول أحد متحمسي المؤرخين.

وقد وصفت بيتريس في رسالة بعثت بها من البندقية حفلة تنكرية أقيمت لتكريمها في مقر الدوج بهذه المناسبة. وكانت حفلة تمثيلية معظمها من النوع الإيمائي الصامت يقوم بها ممثلون مقنعون يسمون المتنكرين. وكان البنادقة مولعين بأنواع مختلفة من هذا التمثيل، وظلوا حتى عام 1462 محتفظين بالتمثيلات الدينية ((الخفية))، ولكن الشعب اضطر القائمين بتمثيلها إلى أن يقدموا لها أو يمثلوا بين فصولها مناظر هزلية فاسدة مضطربة إلى حد اضطرت الدولة معه إلى تحريمها في ذلك العام. وكانت الحركة الإنسانية في هذه الأثناء قد جددت علم الإيطاليين بالمسالي اليونانية والرومانية القديمة فمثلت ((جماعة الجورب Compagna della Scalza)) وغيرها من الجماعات مسرحيات بلوتوس وترنس، وكذلك مثل جيوفني أرمونيو الراهب، والممثل، والموسيقي في عام 1506 مسرحية استفانيوم Stephanium أولى المسالي الحديثة باللغة اللاتينية في دير الإريمتاني Eremitani. وأخذت مسلاة البندقية تخطو من هذه البداية إلى الأمام نحو مسرحيات جلدوني Goldoni، وكانت في أثناء تقدمها تنافس المهازل الماجنة أو المهرجة ولم تكن أحياناً تقل عنها في الفكاهة البذيئة الطليقة، وبلغت في ذلك حداً اضطرت معه الكنيسة والدولة إلى الاشتباك في حرب دائمة مع مسرح البندقية.

وكان الفجور والدعارة يوجدان في أخلاق البنادقة والإيطاليين إلى جوار الاعتقاد الديني القوي، والصلاح الذي يتمثل في الصلوات والذهاب إلى الكنائس كل أسبوع. فقد كانت كنيسة القديس مرقس تزدحم في أيام الآحاد والأعياد المقدسة بالوافدين إليها لتلقي على مسامعهم مواعظ ملآى بالرهبان الدينية والأمل في النجاة تحيط بهم نقوش الفسيفساء أو تماثيل القديسين، أو النقوش. وكان ظلام الكهوف المعمدة المقصود يزيد من رهبة الصور الدينية والمواعظ؛ وحتى العاهرات كن يأتين إلى ذلك المكان بعد أن يسأمن صناعتهن طوال الليل، يخفين المنديل الأصفر الذي يحتم عليهن القانون لبسه رمزاً لجماعتهن، وذلك لكي يطهرن نفوسهن بالأدعية والصلوات. وكان مجلس شيوخ البندقية يرحب بتقوى الشعب هذه ويحيط الدوج والدولة بكل ما تخلعه المراسم الدينية من رهبة، حتى لقد أنفق الأموال الطائلة في استيراد مخلفات القديسين الشرقيين من القسطنطينية بعد سقوطها، وعرض أن يؤدي عشرة آلاف دوقة ليظفر برداء المسيح غير المخيط.

ومع هذا فإن مجلس الشيوخ نفسه الذي يشبّهه بترارك بمجلس من الآلهة(22) كثيراً ما سخر من سلطة الكنيسة، وتجاهل أشد القرارات البابوية رهبة، ولم يبال بلعناتها وقرارات حرمانها، وظل يرحب باللاجئين من المتشككين المتبصرين (حتى عام 1527)(23)، ووجه أشد اللوم لأحد الرهبان لأنه هاجم يهودياً (1512)، وحاول أن يجعل الكنيسة في البندقية من أملاك الدولة؛ فكان هو الذي يختار الأساقفة لأبرشيات البندقية، ثم يعرضهم على روما لتوافق على اختيارهم؛ وكثيراً ما كان تعيينهم يتم فعلاً وإن رفضت روما الموافقة على اختيارهم. ولم يكن أسقف يعين في أسقفية بندقية بعد عام 1488 إلا إذا كان من أهل البندقية نفسها، ولم يكن يسمح لأحد من رجال الكنيسة في البندقية أو أملاكها بأن يجمع إيراداً لها أو ينفقه في مصالحها إلا إذا كانت الحكومة قد وافقت على تعيينه. وكانت الكنائس والأديرة خاضعة للتفتيش عليها من قبل الدولة؛ ولم يكن من حق أحد من رجال الكنيسة أن يتولى منصباً عاماً(24). وكان ما يوصى به للأديرة أو مؤسساتها يؤدي ضريبة للدولة، وكانت المحاكم الكنسية تفرض عليها رقابة شديدة لكي تتأكد الدولة من أن المذنبين من رجال الدين يعاقبون بما يعاقب به غيرهم. وظلت الجمهورية زمناً طويلاً تقاوم دخول محكمة التفتيش في المدينة، ولما سلمت بذلك آخر الأمر جعلت تنفيذ أحكام محكمة التفتيش في البندقية مشروطاً بمراجعة لجنة من مجلس الشيوخ والموافقة عليها؛ وبهذا لم تصدر هذه المحكمة إلا ستة أحكام بالإعدام في تاريخ محكمة التفتيش بمدينة البندقية بأجمعه(25). وأصرت الحكومة في كبرياء على أنها في المسائل الزمنية ((لا تعترف بسلطة عليا إلا سلطة الجلالة القدسية))(26)؛ وكانت تنادي جهرة بالمبدأ القائل أن مجلس عاماً من أساقفة الكنيسة أعلى سلطة من البابا، وإن أحكام البابوات يمكن أن تستأنف إلى مجلس يعقد بعد صدورها. وأيدت الدولة ذلك حين صب البابا سكستس الرابع اللعنة على المدينة (1483) فما كان من مجلس العشرة إلا أن أمر جميع رجال الدين بأن يواصلوا خدماتهم كما اعتادوا قبل؛ ولما جدد يوليوس الثاني اللعنة واتخذها جزءاً من الحرب التي شنها على البندقية، منع مجلس العشرة نشر قرار اللعنة في جميع أملاك البندقية، وأمر عماله في روما بأن يلصقوا على أبواب كنيسة القديس بطرس استئنافاً للحكم لمجلس يعقد فيما بعد (1509)(27). لكن يوليوس انتصر في هذه الحرب وأرغم البندقية على أن تعترف بأن سلطته الروحانية سلطة مطلقة لا معقب لها.

وملاك القول أن الحياة في البندقية كانت في الجو المحيط بها أكثر بهجة منها في روحها. ولقد كانت الحكومة حازمة عظيمة الكفاية، وأظهرت في الشدائد شجاعة نادرة، ولكنها كانت في بعض الأحيان ذات قسوة وحشية، وكانت على الدوام تتسم بالأنانية؛ فلم تكن في يوم من الأيام تفكر في البندقية على أنها جزء من إيطاليا، ويبدو أنها قلما كان يهمها ما عساه يصيب تلك البلاد الممزقة من مآس. ولقد أنجبت البندقية رجالاً ذوي شخصيات قوية - يعتمدون على أنفسهم، ذوي بصيرة ودهاء، وقادرين على الكسب، شجعاناً، ذوي أنفة وكبرياء. وإنا لنعرف الكثيرين منهم من صورهم التي رسمها لهم فنانون كانوا يناصرونهم بالقدر الذي كان عندهم من الظرف والرقة لا يزيدون عليه. ولقد كانت حضارة البندقية إذا قيست بحضارة فلورنس، تنقصها المهارة والعمق، وإذا قيست بحضارة ميلان في عهد لدوفيكو تعوزها الرقة والرشاقة، ولكنها أكثر الحضارات التي عرفها التاريخ بهجة، وفخامة، وشهوانية ساحرة خلابة.

  

برامج -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> البندقية وأملاكها -> فن البندقية -> العمارة والنحت

الفصل الخامس

 فن البندقية  

1- العمارة والنحت  

الطابع الحسي هو أساس فن البندقية لا تستثنى من ذلك عمارتها نفسها، فقد كان في كثير من كنائس البندقية وقصورها، وبعض مباني الأعمال منها، فسيفساء ومظلمات على واجهاتها. وكانت واجهة كنيسة القديس مرقس تتلألأ بالذهب والزينة التي وضعت فيها وضعاً يكاد يكون خبط عشواء؛ وكان يأتي إليها في كل عشر سنين أو نحوها مغانم جديدة وأشكال جديدة حتى أضحى وجه المزار العظيم خليطاً من العمارة، والنحت، والفسيفساء، يطغي فيه الزخرف على البناء، وتُنْسِي فيه الأجزاء الوحدةَ والكلَّ. وإذا شاء الإنسان أن ينظر إلى تلك الواجهة بشيء أحب من الدهشة، وجب عليه أن يقف على بعد 576 قدماً منها عند الطرف الأقصى لساحة القديس مرقس Piazza San Marco؛ فعلى هذا البعد تمتزج أمام عينيه مجموعة المداخل الرومانسية، والمنحنيات المحدبة القوطية، والعمد الرومانية القديمة، والأسيجة التي من طراز عهد النهضة، والقباب البيزنطية، تمتزج هذه كلها في صورة خيالية عجيبة أشبه بحلم علاء الدين السحري.

ولم تكن الساحة وقتئذ رحبة فخمة كما هي الآن؛ فقد ظلت حتى القرن الخامس عشر غير مرصوفة، وكان جزء منها تشغله الأشجار والكروم، وجزء منها فناء لقطاع الأحجار وجزء آخر مرحاضاً. ثم رصفت بالآجر في عام 1495؛ وفي عام 1500 صب ألسندور ليوباردي لصواري الأعلام الثلاثة قواعد لم تفقها قط أية صواري أنشئت بعد ذلك الوقت، ثم أقام فيها بارتلميوبون الأصغر Bartolommeo Buon the Younger برج الجرس الفخم. (وقد سقط هذا البرج في عام 1902 ولكنه أعيد بناؤه بالتصميم عينه). ولا يضارعه في إدخال السرور على النفس مكتباً وكيلي كنيسة القديس مرقس - مكتب وكالة فيتشيو ومكتب الوكالة الجديدة (nuovo) - الذين شيدا بين عامي 1517 و 1640 عند طرفي الميدان في الجنوب والشمال بواجهتهما الضخمتين اللتين تبعثان الملل والمسامة.

وقامت بين كنيسة القديس مرقس والقناة الكبرى تاج العمائر المدنية في البندقية ونعني بها قصر الدوج. وقد أدخل عليه في تلك الفترة كثير من التجديد حتى لم يبق من شكله الأول إلا النزر اليسير. من ذلك أن بيترو باسيجيو Pietro Baseggio أعاد بين عامي 1309 و 1340 بناء الجناح الجنوبي المواجه للقناة؛ وأن جيوفني بون وابنه بارتلميوبون الأكبر شادا جناحاً جديداً (1424 - 1438) في ناحية الغربية أي الجانب المقابل للساحة الصغرى، ثم أقاماً ((باب الورق)) Porta della Carta القوطي (1438 - 1443) في الركن الجنوبي الغربي. وتعد هاتان الواجهتان الجنوبية والغربية، بما فيهما من البواكي والشرفات الرشيقة من أجمل ما خلفه عصر النهضة؛ وتنتمي معظم التماثيل والصور المنحوتة على الواجهات، وكذلك النقوش الفخمة المنحوتة على تيجان العمد إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر؛ ويظن رسكن Ruskin أن أحد هذه التيجان - وهو القائم تحت صورتي أدم وحواء - أجمل التيجان في أوربا كلها. وأقام بارتلميوبون الأصغر وأنطونيو رتسو داخل الفناء عقداً مزخرفاً سمي باسم فرانتشيسكو فسكاري يجمع بين ثلاثة بأنماط من العمارة ألف بينها ائتلافاً غير متوقع: جمع بين عمد النهضة وأسكفاتها، والعقود الرومانسية، والأبراج المستدقة القوطية وقد وضع رتسو Rizzo في كوتي العقد تمثالين عجيبين: تمثالا لآدم يؤكد برائته، وتمثالاً لحواء وهي تظهر دهشتها من العقاب الذي يفرض من أجل المعرفة. وقد صمم رتسو واجهة الفناء الشرقية وأتمها بيترو لمباردو. وهي قران مبهج بين العقود المستديرة والمستدقة ذات شرفات وطنوف. وكان رتسو نفسه هو الذي صمم بناء سُلَّم الجبابرة Scala de Giganti المؤدي من الفناء إلى الطابق الأول - وهو بناء بسيط، فخم اشتق اسمه من التمثالين الضخمين الممثلين للمريخ ونبتون اللذين أقامهما ياقوبو سانوفينو Jacopo Sanovino عند أول الدرج رمزاً لسيادة البندقة على البر والبحر. وكان في الداخل حجرات للسجن الانفرادي، ومكاتب للأعمال الإدارية، وحجرات استقبال، وقاعات كبيرة لاجتماع المجلس الأكبر، ومجلس الشيوخ، ومجلس العشرة. وكان عدد كبير من هذه الحجرات الجدارية في تاريخ الفن.

وبينما كانت الجمهورية تفخر بهذه الدرة المعمارية، كان كبار الأغنياء من النبلاء .. مثل آل جوستنياني، وكنتاريني، وجرتي، وبرباري، الكبرى بقصورهم. وليس لنا أن نتصور هذه القصور بحالها المنحطة الحاضرة، بل علينا أن نتصورها بما كانت عليه من العز أثناء القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بواجهاتها المبنية بالرخام الأبيض والرخام السماقي، والسربنتين، ونوافذها القوطية، وعمدها التي من طراز النهضة، وأبوابها المطلة على الماء، وأفنيتها المختبئة المزدانة بالتماثيل، والفساقي، والحدائق، والمظلمات، والقوارير، وما في داخلها من أرض صنعت من الرخام، ومن مدافيء فخمة، وأثاث مطعم مرصع، وزجاج من صنع مورانو Murano، والظل، والسجف المصنوعة من نسيج الذهب أو الفضة، والماثلات البرنزية المذهبة، أو المشغولة بالميناء، أو من المعدن المنقوش، واللوحات المنقوشة الغائرة في السقف، والرسوم الجدارية التي صورها رجال طبقت شهرتهم الخافقين. من ذلك أن قصر فسكاري قد زين برسوم ملونة من صنع جيان بليني، وتيشيان، وتنتوريتو، وباريس بردوني Paris Bordone، وفيرونيز. وربما كان في هذه الحجرات من الفخامة أكثر ما فيها من أسباب الراحة، فأظهر الكراسي مستقيمة أكثر مما ينبغي، والنوافذ تسبب بوضعها تيارات الهواء، وما بها من وسائل التدفئة لا يدفئ جانبي الحجرة أو جانبي الإنسان في وقت واحد.

ولكن في البندقية قصور أنفق على الواحد منها مائتا ألف دوقة، وسن قانون في عام 1476 أريد به تحديد نفقاتها بمائة وخمسين دوقة للحجرة الواحدة، ولكننا نسمع بعدئذ عن حجرات أنفق على تشييدها وتأثيثها ألفا دوقة. وأكبر الظن أن أعظم هذه القصور زينة كان هو بيت الذهب Ca,dOro الذي سمي بهذا الاسم لأن صاحبه مارينو كنتاريني Marino Contarini أمر بأن يغطى كل إصبع من واجهته الرخامية أو ما يقرب منه بالنقوش التي كان معظمها مطلياً بالذهب. ولا تزال شرفاته وزخارفه القوطية الطراز تجعل هذه الواجهة أجمل الواجهات المطلة على الفناء.

وبينا كان هؤلاء الرجال واسعوا الثراء يجملون بيوتهم ويؤثثونها بأفخم الأثاث، فأنهم لم يكونوا يضنون ببعض المال لتشييد الكنائس الفخمة التي كانوا يلجئون إليها بأرواحهم في بعض الأحيان. ومن عجب أن كنيسة القديس مرقس لم تكن قبل عام 1807 كنيسة البندقية الكبرى، بل كانت من الوجهة الرسمية الكنيسة الخاصة بالدوج ومزار قديس المدينة المشفع فيها، فكانت والحالة هذه ملكاً لدين الدولة إذ صح هذه التعبير. وكان كرسي الأسقفية ملحقاً بكنيسة أصغر منها هي كنيسة سان بيترو دي كاستيلو San Pietro di Castello القائمة في الركن الشمالي الشرقي من المدينة. وكان مركز الرهبان الدمنيك في هذا الجزء القاصي نفسه، في كنيسة سان جيوفني إي باولو San Giovanni e Paolo، وهناك وجد جنتيل وجيوفيني بليني راحتهما الأبدية. وكان أهم من هذه الكنيسة من الوجهة التاريخية كنيسة الرهبان الفرنسيس - كنيسة سانتا ماريا جلوريوزا دي فراري Santa Mario Gloriosa di Frari، (1310 - 1343) المعروفة باسم الموجز المحبب إي فراري I Frari أي ((الإخوان Friars)). ولم يكن منظر الكنيسة من الخارج ذا روعة وبهاء، ولكن شهرتها من الداخل أخذت تزداد على مر الأيام لأنها صارت قبراً يضم رفات عظام البنادقة - فرانتشيسكو فسكاري، وتيشيان، وكانوفا Canova - ومعرضاً للفنون. وفيها صمم أنطونيو رزو نصباً تذكارياً فخماً للدوج نقولو ترون Niccolo؛ وفيها وضع جيان بليني صورته الشهيرة فراري مادنا Frari modonna. ووضع تيشيان مادنا سليلة أسرة بيزارو؛ وأهم من هذه كلها تقوم صورة صعود العذراء لتيشيان في جلال وروعة خلف المذبح. وكانت تحف فنية أقل من هذه شأناً تزين المزارات الأقل من تلك الكنائس قدراً: فكانت كنيسة القديس زكريا تطالع المصلين فيها بصور سيدات مُلهمات من تصوير جيوفني بليني وبالما فتشيو؛ وكنيسة سانتا ماريا دل أورتو تطالعهم بصورة مخاض العذراء لتنتوريتو وبعظام تنتوريتو نفسه. وتلقت سان سبستيانو رفات فيرونيز وعدداً من أجمل صوره، ورسم تيشيان لكنيسة سان سلفادور صورة البشارة في الحادية والتسعين من عمره.

وكانت أسرة فذة من المهندسين والمثالين دائبة العمل في تشييد كنائس البندقية وقصورها. فقد جاء آل لمباردي إلى البندقية من شمالي إيطاليا الغربي ومن أجل هذا لقبوا بلقبهم الذي عرفوا به، ولكن اسمهم الحقيقي كان آل سولاري Solari، وكان منهم كرستوفورو سولاري الذي نحت تمثالي لدوفيكو وبيتريس، وأخوة أندريا المصور، وكان كلاهما يعمل في البندقية وميلان معاً. وكان منهم بيترو لمباردو الذ خلف أثره في نحو عشرين بناء في البندقية، وكان هو وولداه أنطونيو وتليو الذين خططا كنيستي جيبي San Giobbe وسانتا ماريا دي ميراكولي Santa Maria de'Mircoli - التي ينفر منها ذوقنا في هذه الأيام، كما خططا فبري بيترو موسينيجو، وقبر نقولو مارسلو في سانتى جيوفني إباولو، وقبر الأسقف دسانتي Zanetti في كتدرائية تريفيزو، وقبر دانتي في رافنا، وقصر فيندرامين كاليجري vendramin - Caiegri الذي مات فيه الموسيقي فاجنر، وكانوا في هذه المشروعات كلها هم أصحاب تصميمات البناء والتماثيل جميعاً. وقد قام بيترو نفسه بأعمال كثيرة بين البناء والتماثيل في قصر الدوج. وأنشأ تليو وأنطونيو يعاونهما ألسندرو ليوباردي قبر أندريا فندارمين في سانتى جيوفني إباولو - وهي أعظم أعمال النحت في البندقية لا يستثنى من ذلك إلا تمثال الكيلوني Colleoni (الفارس) الذي أقامه فيروتشيو وليوباردى مرقس Scuolia di San Marco مدخلا فخماً وواجهة غريبة الشكل، وأشترك في آخر الأمر فنان يدعى سانتى لمباردو في بناء مقر اخوة سان ركو Scuola di San Rocco، التي اشتهرت بست وخمسين صورة من رسم تنتوريتو. ويرجع إلى أعمال هذه الأسرة معظم الفضل في انتشار طراز النهضة من العمد وطيلاتها، والقواصر المزخرفة. وتغلبها على العقود والأبراج المستدقة القوطية والقباب البيزنطية. غير أن عمارة فن النهضة التي كانت لا تزال مزعزعة من أثر النفوذ الشرقي، وقد أسرفت في الزخارف إسرافاً أدى إلى طمس خطوطها ومعالمها، وكان في حاجة إلى جو روما وإلى التقاليد الرومانية القديمة لتكسب الطراز الجديد صورته المحددة المتنافقة.

 

 برامج -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> البندقية وأملاكها -> فن البندقية -> آل بيليني 

2- آل بيليني  

كان التصوير هو السبب الثاني من أسباب مجد البندقية الفني بعد كنيسة القديس مرقس وقصر الدوج؛ وقد اجتمعت عوامل كثيرة فجعلت المصورين موضع الرعاية الخاصة في مدينة البندقية. فقد كان على الكنيسة هنا، كما كان عليها في المدن الأخرى، أن يقص قصة المسيحية على شعبها الذي لم يكن يعرف القراءة منه إلا عدد قليل، وكانت من أجل ذلك في حاجة إلى الصور والتماثيل لتستبقي بها أثر الكلام السريع الزوال فكان لابد والحالة هذه أن يكون لكل جيل، وأن يكون في كثير من الكنائس والأديرة، صورة للبشارة، والولادة، والعبادة، وزيارة العذراء لإليصابات، والمخاض، ومذبحة الأبرياء ، والفرار إلى مصر، والتجلي، والعشاء الأخير، والصلب، والدفن، والبعث، وصعود المسيح إلى السماء، وصعود العذراء، والاستشهاد. وكانت الصور التي يمكن انتزاعها من مواضعها ونقلها إذا تقادم عهدها وحالت ألوانها، أو مل المصلون رؤيتها، تباع للمولعين بجمعها أو للمتاحف. وكانت من آن إلى آن ويعاد تلوينها أو إصلاحها في بعض الأحيان، ولو أن مصوريها بعثوا إلى الحياة اليوم لمل استطاعوا أن يتعرفوا عليها. ولا حاجة إلى القول إن هذا لا ينطبق على الصور الجذابة، فقد كانت هذه في العادة تتلف وهي على جدرانها. وكان مصيرها هذا يتقي أحياناً بتصويرها على القماش الخشن ثم يلصق هذا القماش بعدئذ على الجدار، كما حدث في قاعة المجلس الأكبر. وكانت الدولة تناقش الكنيسة في البندقية في حبها للصور الجدارية، لأن في وسع هذه الصورة أن تذكى نار الوطنية والعزة القومية حين يحتفل بعظمة الحكومة ومواكبها، وانتصارها، في ميدان التجارة أو الحرب. وكانت الجماعات المختلفة تطلب هي الأخرى صوراً جدارية، وأعلاماً لتخليد ذكرى قديسيها المشفعين أو لمواكبها السنوية. وكان الأغنياء يطلبون صوراً للمناظر الخارجية الجميلة، أو مناظر العشق داخل البيوت، ترسم لهم على جدران القصور، وكانوا يجلسون أمام المصورين ليرسموا لهم صوراً يخدعون بها ساعة من الزمان سخريات مجدهم السريع الزوال. وكان مجلس السيادة يطلب صورة لكل دوج يتولى الحكم، وحتى النواب القائمون بالعمل في كنيسة القديس مرقس عملوا على حفظ ملامحهم للخلف الذي لا يعنى بهم. ولهذا كله كانت البندقية هي المدينة التي انتشرت فيها الصور الملونة الثابتة وذات الحوامل أوسع انتشار.

وظل التصوير الملون يتقدم بخطى بطيئة في البندقية حتى منتصف القرن الخامس عشر، ثم ما لبث أن ازدهر ازدهاراً مفاجئاً، وتلألأ تلألؤاً منقطع النظير، وتفتح كما تتفتح الزهرة حين تستقبل شمس الصباح الساطعة، وذلك لأن البنادقة وجدوا فيه وسيلة لنقل الألوان والحياة التي تعلموا الافتتان بها، وربما كان بعض هذا الولع بالألوان قد جاء إلى البندقية من بلاد الشرق مع التجار الذين استوردوا من البضائع، ونقلوا عنهم ذكريات للقرميد البراق، والقباب المذهبة، وعرضوا في أسواق البندقية، أو كنائسها، أو بيوتها، حرير الشرق وطيلسانه، ومخمله، وديباجة، وأقمشته المنسوجة من خيوط الذهب والفضة، والحق أن البندقية لم تقرر في يوم من الأيام أهي دولة غربية أم شرقية، فقد كان الشرق والغرب يجتمعان في سوق المال، وكان في وسع عطيل ودزدمونا أن يتزوجا، وإذا لم تستطع البندقية أن تأخذ اللون من الشرق ولم يستطع مصوروها أن يأخذوه منه فقد كان من المستطاع أخذه من سماء المدينة، وحسبهم أن يراقبوا تعاقب الأضواء والغيوم تعاقباً لا ينقطع على مر الأيام، وبهاء مغرب الشمس حين ترسل أشعتها الذهبية على أبراج الجسور والقصور، أو تنعكس على مياه النهر. وكانت انتصارات جيوش البندقية وأساطيلها في تتلك الأيام، وانتعاشها ببسالة من خطر الخراب المحدق بها، مما أثار خيال أنصار الفن والمصورين وكبرياءهم، فخلدوا ذلك في الفن، وأدرن ذوو الثراء إن المال لا قيمة له إلا إذا استطاعوا أن يحولوه إلى صلاح، أو جمال، أو حق.  

وأضيف إلى هذه الحوافز حافز آخر خارجي عمل على قيام مدرسة بندقية للتصوير. وتفصيل ذلك أن جنتلي فبريانو Gentile Fabriano أستدعى إلى البندقية في عام 1409 ليزين القاعة الكبرى في المجلس الكبير، وجاء أنطونيو بيرانو المسمى بيزانيلو من فيرونا ليشترك معه في هذا العمل. ولسنا نعرف إلى أي حد أجادا عملهما، ولكنهما في أغلب الظن أثارا رغبة مصوري البندقية في أن يستبدلوا بالأشكال الدينية الجامدة القائمة المأخوذة من التقاليد البيزنطية، وبالأشكال الحائلة اللون العديمة الحياة المأخوذة من مدرسة جيتو ومن على شاكلته - أن يستبدلوا بهذه وتلك الخطوط الرفيعة والألوان الزاهية. ولعل بعض التأثيرات الصغرى قد هبطت عليها أيضاً من فوق الألب مع جيوفني الألماني Giovanni d'Alamagna (المتوفى عام 450)، ولكن أن جيوفني قد كبر في مورانو والبندقية وتعلم فيهما فنه، وقد صور هو وصهره أنطونيو فيفاريني Antonio Vivarini ستاراً لمحراب كنيسة القديس زكريا بدت في صوره تلك الرشاقة والرقة اللتان جعلتا أعمال بليني فيما بعد وحيا أوحى إلى البندقية.

وجاء أكبر المؤثرات إليها من صقلية أو الفلاندرز، وكان ممن جاء على أيديهم أنطونيلو دا مسينا Antonello d Messina. نشأ أنطونيلو نشأة رجال الأعمال، ولعله لم يكن في شبابه يظن أن اسمه سيخلد في تاريخ الفن قروناً طوالاً. وشاهد وهو في نابلي (إذا صدقنا قصة فارساي التي ربما كانت من نسج الخيال) صورة زيتية بعث بها إلى الملك ألفنسو جماعة من التجار الفلورنسيين من بروج. وكان المصورون الإيطاليون من عهد سيمابو Cimabue (من حوالي 1240 إلى حوالي عام 1302) الذين يصورون على الخشب أو القماش الخشن يعتمدون على الألوان الزلالية - فيمزجون الألوان بمادة هلامية. وهذه الألوان تترك سطح الصورة خشناً، ولم يكن مزيجاً صالحاً للظلال المتدرجة الدقيقة، وكانت تنتزع إلى التشقق والانطفاء حتى قبل موت الفنان. ولكن أنطونيلو أدرك فائدة خلط المادة الملونة بالزيت إذ وجدها أسهل مزجاً، وأيسر استعمالاً وتنظيفاً، وألمع صقلاً، وأطول بقاء. ثم سافر الرجل إلى بروج حيث درس صناعة التصوير بالزيت على المصورين الفلمنكيين الذين كانوا ينعمون وقتئذ بمجد بيرغندية. ولما له فرصة للذهاب إلى البندقية أحب المدينة - وكان هو نفسه ((زير نساء عاكفاً على اللذات))(25) - حباً حمله على أن يقضي فيها بقية حياته. وترك الأعمال المالية ووجه جهوده كلها نحو التصوير. فرسم لكنيسة سان كسيانو San Cassiano بالزيت شعاراً للمذبح أصبح فيما نموذجاً لمائة صورة من نوعه: نرى فيها العذراء متربعة على عرشها بين أربعة من القديسين، وتحت قدميها الملائكة الموسيقيون، وقد لونت أثواب الديباج والأطلس بالألوان البندقية الكاملة. وكان يشارك أنطونيو في عمله بالأسلوب الجديد غيره من الفنانين، وهكذا بدا عصر التصوير العظيم في البندقية. وجاءه كثير من النبلاء ليصورهم، ولا يزال لدينا حتى اليوم عدد من هذه الصور: صورة الشاعر الخشنة القوية في بافيا، وصورة المحارب المغامر في اللوفر، وصورة رجل بدين مستهزئ في مجموعة جنسن بفلدلفيا، وصورة شاب في نيويورك، وصورة المصور نفسه في لندن. ولما بلغ أنطونيو ذروة نجاحه انتابه المرض، وأصيب بالتهاب البلورة، ومات في سن التاسعة والأربعين، ودفنه فنانو البندقية في موكب فخم، واعترفوا بفضله عليهم في قبرية كريمة قالوا فيها:

في هذه الأرض يثوي أنطونيو المصور، أعظم من تزدان به مسنا وصقلية جميعها، ولم تقتصر شهرته على صوره التي امتازت بالحذق والجمال، بل امتاز فضلا عن هذا لأنه خلع على التصوير الإيطالي هالة من المجد والخلود بتحمسه العظيم له وبجهوده التي لا تعرف الملل، وبمزجه الألوان بالزيت(39).

 وكان من بين تلاميذ جنيتلي دافيريانو في البندقية ياقوبو بليني الذي أنشأ أسرة قصيرة الأجل ولكنها عظيمة الشأن في فن النهضة. وشرع ياقوبو بعد أن قضى عهد التلمذة يعمل في فيرونا، وفيرارا، وبدوا. وفي هذه المدينة الخيرة تزوجت ابنته بأندريا مانتينيا وفيها وقع ياقوبو تحت نفوذ اسكوراتشيوني بتأثير أندريا هذا وبغير تأثيره، فلما عاد إلى البندقية جاء إليها معه بمسحة من فن بدوا وصدى من فلورنس إذا أجيز لنا أن نستخدم هذه الكناية بعد أساليب أنطونيلو في استخدام الزيت، انتقلت إلى أبناء ياقوبو الذين ينافسون في عبقريتهم جنتيلي وجيوفيني بليني.

وكان جنتيلي في الثالثة والعشرين من عمره حين انتقلت أسرته إلى بدوا (1452) وفيها أحس إحساساً قوياً بتأثير صهره مانتينا، فحين أخذ ينقش مصراعي الأرغن لكتدرائية بدوا حاكى بعناية مفرطة الصور الجامدة وأساليب القرب والبروز في التصوير التي شاهدها في مظلمات إرمتاني. أما في البندقية فقد ظهرت في صورته التي رسمها لسان لورندسو جوستنياني رقة جديدة لم تعهد من قبل. وفيها عهد إليه مجلس السيادة عام 1474 والى جيوفني أخيه غير الشقيق أن يصوروا أو يعيدا تصوير أربع عشرة لوحة في قاعة المجلس الأكبر. وكانت هذه الصور المرسومة على القماش الخشن من أوائل الصور التي رسمت بالزيت في البندقية(30)، ولكن النار حرقتها في عام 1577. غير أن ما بقى من رسومها التخطيطية يدل على أن جنتيلي قد استخدم فيها طرازه القصصي الذي يمتاز به، والذي يصور فيه حادثة كبرى في الوسط والى جانبها نحو عشر حوادث أقل منها شأناً. وقد شاهد فارساي هذه الصور، ودهش من واقعيتها، وتنوعها، وتعقدها(31).

ولما بعث السلطان محمد الثاني إلى المجلس الأعلى في طلب مصور ماهر، اختير له جنتيلي فسافر إلى القسطنطينية وزين حجرات السلطان (1474) وأنعش روحه بصور غرامية، ورسم له صورة (توجد الآن في لندن) وصورة على مدلاة (بسطن) تدل كلتاهما على شخصية قوية صورتها يد صناع، ومات السلطان في عام 1481 وكان خليفته أكثر استمساكاً منه بقواعد الدين يطيع ما جرى عليه المسلمون من تحريم تصوير الآدميين، فبعثر كل ما وجده من هذه الصور ما عدا هاتين الصورتين اللتين صورهما جنيتلي في العاصمة التركية. وجر النسيان ذيوله على غيرهما من الصور. وكان من حسن حظ جنتيلي أنه عاد إلى البندقية في عام 1480 مثقلاً بالهدايا والنياشين من السلطان الشيخ، وعاد فانضم إلى جيوفني في قصر الدوج، وأتم ما تعاقد عليه مع المجلس الأعلى، وكافأه المجلس على عمله بأن رتب له معاشاً قدره مائتا دوقة كل عام.

وكانت أعظم صور له هي التي رسمها في شيخوخته. وكان في حوزة نقابة القديس يوحنا الإنجيلي الصليب الحقيقي الذي يعتقد انه يأتي بالمعجزات، فطلبت إلى جنتيلي أن يوضح في ثلاث صور شفاء أحد المرضى بقوة هذا الصليب، وموكباً فيه الجسد الطاهر يحمله، والعثور على الجزء المفقود بمعجزة. فأما اللوحة الأولى فقد عدا الدهر عليها فأفقدها بهائها ورونقها، وأما الثانية التي رسمها جنتيلي في سن السبعين فهي منظر متلألئ كبير من العظماء، والمرنمين، وحملة الشموع يسيرون حول ميدان القديس مرقس، الذي يرى في خلفية الصورة، ولم يكن منظره في ذلك الوقت يختلف كثيراً عما هو عليه اليوم. وأما الصورة الثالثة التي رسمها جنتيلي في الرابعة والسبعين فقد رسم هذا الصليب المقدس وقد سقط في قناة سان لورندسو وازدحم الناس في الطرق الجانبية والجسور وقد استولى عليهم الفزع، وخر الكثيرون منهم ركعاً ضارعين، ولكن أندرو فندرامين يقفز في الماء، ويستعيد الأثر المقدس، ثم يطفو وهو معه، ويتحرك في مهابة غير متصنعة نحو الشاطئ. وقد رسم كل شخص على هذا القماش المزدحم بإخلاص واقعي، ونرى الفنان مرة أخرى يبتهج إذ يحيط الحادثة الرئيسية فيها بالحوادث التي تسترعي الالتفات: بقارب يتسلل من حوضه في الوقت الذي يرقب فيه ملاح الجندول استعادة الأثر المقدس، والمغربي الأسود العريان وقد وقف متأهباً لأن يغطس في الماء.

ورسم جنتيلي آخر صورة عظيمة له (بريرا Bera) وهو في السادسة والسبعين من عمره، وقد رسمها إخوان لجماعة القديس مرقس ينتمي اليها، ومثل فيها الرسول يعظ في الإسكندرية. وهي كالعادة صورة مزدحمة، لأن جنتيلي كان يفضل تصوير الإنسانية جملة لا تفصيلاً، ومات الرجل في الثامنة والسبعين (1507) وترك الصورة ليكملها أخوه جيان.

ولم يكن جيوفيني بليني (جيان بليني، أو جيامبيليني Giambellini) أصغر من جنتيلي إلا بعامين ولكنه عاش بعده تسع سنين. وقد طاف في عمره المديد البالغ ستة وثمانين عاماً بجميع نواحي فنه فحاول وأتقن عدداً كبيراً من الصور المختلفة وسما بالتصوير البندقي إلى ذروة مجده. وقد استوعب وهو في بدوا تعاليم منتينيا الفنية دون أن يقلد طريقته أو طرازه في نحت التماثيل، ولما كان في البندقية سار بنجاح لم يسبق له مثيل على الطريقة الجديدة في خلط المادة الملونة بالزيت. وكان أول من كشف من البنادقة عن عظمة الألوان ومجدها، وبلغ في الوقت عينه درجة من الرشاقة والدقة في رسم الخطوط، وفي رقة الإحساس، وعمق التفسير، رفعته حتى في حياة أخيه إلى منزلة أعظم المصورين في البندقية وأكثر من يسعى إليه منهم.

ويلوح أن رجال الكنائس، ونقابات الحرف، وأنصار الفن لم يكونوا يملون من صور العذراء التي كان يخرجها لهم. وقد ترك من ورائه صوراً لها في مائة شكل وشكل في أكثر من عشرة بلاد.

وفي المجمع العلمي البندقي وحده مجموعة كبيرة من هذه الصور: صورة العذراء مع الطفل النائم، والعذراء مع امرأتين مقدستين، والعذراء مع بمبينو، وعذراء ألبرتيني، وعذراء القديس بولس والقديس جورج، والعذراء على العرس ... وخير هذه المجموعة كلها على الإطلاق عذراء القديس أيوب، ويقولون إن هذه الصورة الخيرة هي أولى الصور التي رسمها جيوفيني بالزيت، وهي أبهى الصور ألواناً في البندقية - أي في العالم أجمع. وفي متحف كرير Correr الصغير القائم في الطرف الغربي من ميدان القديس مرقس صورة أخرى للعذراء من رسم جيامبلينو حنونة، حزينة، جميلة، وفي كنيسة القديس زكريا صورة لعذراء أيوب تختلف عن مثيلتها السالفة الذكر، وفي كنيسة فراري Frari صورة العذراء على عرشها، وهي صورة جامدة بعض الشيء قاسية بعض القسوة، يحف بها قديسون مكتئبون، ولكنها تسترعي النظر بأثوابها القيمة الزرقاء. وفي وسع الجائل الطلعة أن يكشف عن كثير غير هذه من عذارى جيان في فيرونا، وبرجامو، وميلان، وروما، وباريس، ولندن، ونيويورك، وواشنجتن. ترى ماذا عسى يقال أكثر من هذا بالتصوير الملون، عن السيدة مريم بعد هذه الصور الممثلة للإخلاص والتعبد؟ إن في وسع بروجينو ورفائيل أن يضارعا هذه الصور في كثرتها، ولقد استطاع نيشيان فيما بعد أن يجد ما يقوله عنها في كنيسة فيراري نفسها.

ولم يوفق جيوفني هذا التوفيق كله فيما رسمه من الصور للمسيح نفسه، فصور بركة المسيح المحفوظة في متحف اللوفر لا تعلو على المرتبة الوسطى، ولكن صورة الحديث المقدس القريبة منها ذات جمال يثير الدهشة. وقد لاقت صورة الأتقياء في البرايرا بميلان ثناء جماً(32)، ولكنها تمثل مجموعة من ذوى الوجوه المنفرة، يمسكون بالمسيح الميت الذي يبدو أنه لا يطلب لراحته الجسمية الكاملة إلا أن يتخلص من ذلك الإسراف في الاهتمام به، وهذه الصورة الخشنة الفجة التي تمثل دفن المسيح - والتي لا يعرف تاريخها - من الصور التي رسمها بليني في شبابه على طراز منتينيا. وأجمل من هذه وأجلب للسرور صورة القديس جستينا وهي إحدى الصور في مجموعة خاصة بميلان. وهي أيضاً صورة تحكم فيها العرف ولكنها رقيقة المعارف، تنخفض جفونها في حياء، عليها ثياب رائعة، مما جعلها من أكثر جهود جيان نجاحاً. ويبدو أنها كانت لسيدة من الأحياء، ولقد برع جيان وقتئذ في تصوير وجوه الأحياء ونفوسهم براعة جعلت الكثيرين من أنصار الفن يرجون أن يشاركوه في خلود ذكراه. أنظر مرة أخرى إلى صورة الدوج لوردانو. لقد استطاع بليني بعمق فهمه، ونفاذ بصره، ومهارة يده، أن يستوعب قوة الرجل الصافية، الغير مترددة التي أمكنته من أن يقود شعبه إلى النصر في حرب حياة أو موت ضد هجمات الدول الكبرى في إيطاليا وفي أوربا شمالي جبال الألب جميعها إلا القليل منها، ثم هاهو ذا جيوفني ينافس ليوناردو الذي كان وقتئذ يطغي عليه في مهارته وشهرته، فيحاول أن يرسم مناظر طبيعية مختلفة غريبة كتلك المجموعة المختلطة من الصخور، والجبال، والقلاع، والضأن، والماء، والأشجار المنشقة، والسماء الغائمة التي يواجهها القديس فرنسيس في هدوء (في مجموعة فرك Frich) حين يكوى بالنار.

ولما بلغ الفنان سن الشيخوخة مل تكرار الموضوعات المقدسة المعتادة وأخذ يجرب الموضوعات الرمزية وموضوعات الأساطير القديمة، فجسد المعرفة، والسعادة، والصدق، والنميمة، والمطهر، والكنيسة نفسها، أو حولها إلى قصص، وحاول أن يبعث الحياة بالمناظر الطبيعية المغرية الفاتنة، ومن صوره اثنتان معلقتان في معرض الصور القومي بواشنجتن هما صورة اورفيوس بسحر الوحوش وصورة عبد الأرباب- وهما مجموعة من النساء العاريات النهود، والرجال نصف العرايا نصف السكارى. وتاريخ الصورة هو 1514، وقد صورت إجابة لطلب ألفنسو دوق فيرارا حينما كان الفنان في الرابعة والثمانين من عمره. وهي تذكرنا مرة أخرى بمفخرة ألفيري Alfieri وهي أن نماء الآدميين في إيطاليا أشد وأقوى من نمائهم في أي مكان آخر على وجه الأرض.

ولم يعش جيوفني إلا عاماً واحداً بعد أن ودع بهذه الصورة عهد الشباب؛ وقد عاش حياته كاملة سعيدة سعادة معقولة: لقد كان موكباً مدهشاً من روائع الفن، ومجموعة بديعة من الألوان النقية على الأثواب الملساء، وكان ارتقاء لا حد له من الرشاقة، والتركيب، والحيوية عن الحياة آل جيولسكي Giolleschi والمعجبين بفنون بيزنطية، وكان فيها من قوة الإدراك والانفرادية ما لا يرى قط الأشكال المجدبة والخليط الذي لا يستطاع تمييزه في صورة جنتيلي. كانت توسطاً مثمراً في الزمن والطراز بين منتينيا الذي لم يعرف غير الرومان، وتيشيان الذي كان يحس بكل ناحية من نواحي الحياة من فلورا Flora إلى شارل الخامس ويصورها. وكان من تلاميذ جيان جيورجيوني Giorgione الذي تلقى عنه ذلك التقليد العظيم. فقد كان للفن البندقي جيلاً في أثر جيل يجمع معارفه، وينوع تجاربه، ويعد العدة لذروة مجده.

  

برامج -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> البندقية وأملاكها -> فن البندقية -> من آل بيليني إلى آل جيورجيوني 

3- من آل بيليني إلى جيورجيوني  

وكان نجاح آل بيليني سبباً في نشر فن التصوير في البندقية، وكان فن الفسيفساء قبل عهدهم صاحب الشأن الأعلى فيها، فتضاعف عدد المراسم، وسخا أنصار الفن على المصورين، وزاد عدد هؤلاء، ولم يبلغون ما بلغه آل بيليني أو جورجيوني؛ ولكنهم لو شأوا وسط جماعات أقل من هؤلاء شأناً لكانوا من ألمع النجوم في هذا الفن. وقد بلغ من جمال الصور التي رسمها فنتشندسو كاتبنا أن كان بعض صوره يعزى إلى بيليني أو جيورجيوني. واستجاب بارتولميو الأخ الأصغر لأنطونيو فيفاريني إلى مطالب المتحفظين فاستخدم في موضوعات العصور الوسطى أساليب اسكوارتشيوني والألوان القوية التي عرف المصورون كيف يخلطونها وينقلونها. ولاح وقتاً ما أن ألفيزي فيفاريني Alvise Vivarini تلميذ بارتولميو وابن أخيه سوف ينافس جيان بيليني في رسم صورة جميلة للعذراء، وقد رسم بالفعل ستاراً لمحراب عليه صور العذراء مع القديسين انتقل من إيطاليا إلى متحف القيصر فريدريك في برلين. وكان ألفيزي هذا معلماً بارعاً؛ وشاهد ذلك أن ثلاثة من تلاميذه نالوا شهرة لا بأس بها. أولئك هم باريولميو منتانيا الذي نتركه لنتحدث عنه في فيتشندسا، أما ثانيهما جيوفني باتستاتشيما دا كونجليانو Giovanni Batltista Cima da Conegliano فقد كان يرسم صور العذراء لمن يطلبها في السوق، ومن هذه صورة في بدوا الآن رسم معها ميكائيل رسماً جميلاً. وأخرى في كليفلند Cleveland يغطي عيوبها لونها الزاهي. ورسم ماركو باسيتي Marco Basiti صورة جميلة هي صورة دعاء أبناء زبيدي (في البندقية الآن) وأخرى ذات بهجة - هي صورة شاب في المعرض القومي بلندن.

وربما كان كارلو كريفلي Carlo Crivelli أيضاً من تلاميذ آل فيفاريني؛ وسواء كان هذا أو لم يكن فقد اضطر إلى الفرار من البندقية بعد أن بلغ السابعة عشرة من عمره بقليل (1457): ذلك أنه اختطف زوجة بحار فحكم عليه بالسجن وبغرامة؛ فلما أطلق سراحه احتمى في بدوا حيث درس في مدرسة اسكوارتشيوني، ثم انتقل منها إلى أسكولي Ascoli في عام 1468 وقضى الخمسة عشر عاماً الباقية يرسم لهذه المدينة وما حولها. ولعل خروجه من البندقية بهذه السرعة قد حال بينه وبين الاشتراك في الحركة التقدمية لفن التصوير البندقي؛ وكان يفضل الألوان الزلالية على الألوان الزيتية، ويستمسك بالموضوعات الدينية التقليدية، واتبع طريقة تكاد تكون بيزنطية في إخضاع التمثيل للزخرف. وقد خلع على صوره صقلاً شبيهاً بصقل الميناء جعلها توائم الإطارات المذهبة الكثيرة الطيات التي وضعها فيها؛ وإن في صور العذارى التي أخرجها لرشاقة ورقة في الرسم يستبق بها جيورجيوني وإن بدا فيهما شيء من الفتور.

وكان فيتور Vettor (فتوري Vittore) كرباتشيو كبيراً بين هؤلاء الصغار. وقد بدأ تعليمه بدراسة المنظور والتخطيط على طريقة مانتينيا، ثم اتبع الطراز القصصي على نحو ما كان يفعل جنتيلي بليني، وأضاف إليه تفضيل الشباب أناشيد الرعاة الخيالية عن حادثات أيامه، واستخدم في موضوعاته الوجدانية فنه الذي أتقنه كل الإتقان. ومن صوره التي لا تتفق مطلقاً مع روحه المرحة الطروب صورة رسمها في بداية عهده (توجد الآن بنيويورك) هي صورة تفكير في آلام المسيح - وهي دراسة للموت يقوم بها القديسان جيروم وأونوفريوس Onofirus يتصوران المسيح الميت جالساً أمامهما وتحت أقدامهما جمجمة وعظام على شكل صليب، وفي خلفية الصورة سماء ملبدة بالغيوم. ولما بلغ كرباتشيو الثالثة والثلاثين من عمره عهد إليه عمل خطير (1488)؛ فقد طلب إليه أن يرسم لمدرسة القديس أرسولا Arsula سلسلة صور توضح تاريخها. واستجاب إلى الطلب وصور على تسع لوحات جملية مجيء كونون Conon أمير إنكلترا الوسيم إلى بريطانيا ليتزوج بأرسولا ابنة ملكها، ورجاءها إياه أن يؤجل الزفاف حتى تستطيع أن تحج إلى روما مع حاشية لها مؤلفة من أحد عشر ألفاً من العذارى، ثم مصاحبة كونون لها مدفوعاً إلى ذلك بحبها، ونيل الجميع بركة البابا، ثم ظهور ملك لأرسولا وإبلاغه إياها أنها لا بد لها أن تذهب هي وعذاراها إلى كولوني ليستشهدن، ثم تركها هي وصاحباتها كونون وهو حزين وذهابها إلى كولوني هادئة كريمة، وعرض ملكها الصغير الوثني عليها أن تتزوجه، ثم رفضها هذا العرض ومقتل الأحد عشر ألفاً وواحدة جميعهن. ووفقت هذه القصة خيال كرباتشيو، فقد كان يسره أن يرسم جماعات العذارى والحاشية، وقد جعل كل من رسمه منهم تقريباً أرستقراطياً حسن الوجه ذا ثياب زاهية؛ ولم يجيء إلى هذه المناظر بعلمه بالتصوير فحسب بل جاء معه بعلمه بالأشياء الواقعية - كالعمارة، ونقل البضائع في الخلجان، وانتقال السحب في السماء على مهل.

وفي خلال التسع السنين التي كان كرباتشيو يعمل فيها في تصوير أرسولا رسم لمدرسة القديس يوحنا الإنجيلي صورة شفاء المحسوس بتأثير الصليب المقدس. ثم بدا لفتوري أن يصور منظراً على قناة في البندقية يناظر فيه جنتلي بليني، وملأه بالناس؛ وقوارب النزهة، والقصور، فكان فيه بذلك كل ما عند جنتلي من واقعية وتفاصيل مصقولة صقلاً براقاً فوق متناول أرجل العجوز. ثم طلبت مدرسة القديس جورج شفيع السلافونيين إلى كرباتشيو أن يخلد لها شفيعها القديس على جدران محرابهم في البندقية مدفوعين إلى هذا الطلب بما لقيه من نجاح، واستغرق هذا العمل تسع سنين أخرى رسم فيها تسعة مناظر، لا تبلغ ما بلغته مناظر أرسولا، ولكنها تدل على أن كرباتشيو وهو في العقد السادس من عمره لم يفقد ميله إلى رسم الأجسام الرشيقة في مجموعات متناسقة، ومن ورائها العمائر الخيالية في التفكير والمقنعة في التصوير. ونرى في الصورة القديس جورج يهاجم التنين هجوماً عنيفاً ولكن القديس جيروم يظهر على النقيض من هذا في صورة العالم الهادئ المنهمك في الدرس في حجرة تدهش الناظر بجمالها، وليس معه رفيق غير أسده. وقد رسم كل مظهر من مظاهر الحجرة بأمانة ودقة ولم يترك حتى العلامات الموسيقية الواضحة على ملف ساقط في الحجرة وضوحاً حولها ملمينتي Malmenti إلى نغمات على البيان.

وفي عام 1508 عين كرباتشيو واثنان آخران من المصورين المغمورين ليقدروا قيمة رسم تجاري عجيب صورة مصور شاب ناشئ على الجدار الخارجي على مصنع التيديسكي - وهو مصنع يملكه التجار التيوتون بالقرب من جسر السوق المالية. وقدر قيمته بمائة وخمسين دوقة (1875 ؟ دولاراً). ولم يرسم كرباتشيو بعدئذ إلا صورتين عظيمتين وإن كان قد عاش بعد هذا الوقت ثماني عشرة سنة، فأما أحدهما فهي صورة المخلص في المعبد (1510) التي رسمها لمعبد أسرة سانودو Sanudo في كنيسة القديس جيني. وكان لا بد لها أن تنافس في هذا المكان صورة عذراء القديس أيوب لجيان بيليني؛ وجيوفني لافتوري هو الفائز في هذه المنافسة الصامتة وإن كانت عذراء ثانيهما وحاشيتها من السيدات بارعات الجمال. ولو أن كرباتشيو قد وجد في قرن آخر بعد الذي عاش فيه لكان هو سيد زمانه؛ ولكنه عاش لسوء حظه بين جيوفني بيليني وجيورجيوني.

  

برامج -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> البندقية وأملاكها -> فن البندقية -> جيورجيوني 

4- جيورجيوني  

قد يبدو غريباً أن يستأجر الفنانون بأجور عالية لنقش جدار في مخزن بضائع، ولكن البنادقة في عام 1507 كانوا يحسون بأن الحياة بلا لون هي والموت سواء، وكان لمن فيها من التجار الألمان، ومنهم من جاءوا من نورمبرج بلد Durer، إحساسهم العارم الخاص بالفن. ولهذا خصصوا بعض مكاسبهم لهذا الغرض السامي وهو رسم صورتين جداريتين، وكان من حظهم أن اختاروا لهذا العمل رجلين من الخالدين. وسرعان ما أفسدت رطوبة الجو وشمسه هاتين الصورتين، فلم يبقى منهما إلا قطع صغيرة متفرقة، ولكن هذه القطع وحدها تشهد بما كان لجيورجيوني دا كاستيلفرانكو من شهرة واسعة. وكان وقتئذ في التاسعة والعشرين ممن عمره؛ ولسنا نعرف اسمه على وجه التحديد، وتقول إحدى القصص إنه ابن رجل من الأشراف يدعى باربريلي Barbarelli من عشيقة له من بنات الشعب؛ ولكن لعل هذه قصة نسجت حوله في ما بعد(33). ولما بلغ الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمره (وقد يكون ذلك في عام 1490) أرسل من كاستيلفرانكو Caststelfranco إلى البندقية ليعمل صليباً عند جيان بليني. وتقدم الشاب بخطى سريعة، وعهدت إليه أعمال درت عليه مالاً كثيراً، فابتاع بيتاً، ونقش ورسم رسماً جصياً على واجهته، وملأ بيته موسيقى ومرحاً، لأنه كان يجيد العزف على العود، ويفضل الاستمتاع بأجسام النساء عن رسمهن على القماش. وليس من السهل علينا أن نعرف المؤثرات التي كونت طرازه المتأنق، لأنه لم يكن يشبه غيره من المصورين في عصره، في أنه ربما تعلم من كرباتشيو شيئاً من الرشاقة والجاذبية. وأكبر الظن أن أعظم ما تأثر به هو الأدب لا الفن. ذلك أن الأدب الإيطالي حين بلغ جيورجيوني السابعة والعشرين أو الثامنة والعشرين من عمره كان يتجه نحو النزعة الريفية؛ فقد نشر سنادساروا Sannazaro قصائد أركاديا في عام 1504؛ ولعل جويرجيوني قرأ هذه القصائد ووجد في أخيلتها الجميلة بعض ما أوحى إليه بالمناظر الطبيعية المثالية والحب المثالي. ولعل جيورجيوني قد أخذ عن ليوناردو - الذي مر بالبندقية في عام 1500 - ميلاً إلى رقة التعبير الخيالية الصوفية، والتدرج الخفيف غير المحس، ورقة الأسلوب التي جعلته لحظة قصيرة مفجعة حامل لواء البندقية.

ومن أقدم لأعمال التي تعزى إليه - ونقول تعزى إليه لأننا لا نستطيع أن نجزم بأن شيئاً ما من عمله هو - لوحتان خشبيتان تمثلان تعرض الطفل باريس لقسوة الجو ونجاته؛ وقد تذرع بهذه القصة لتصوير الرعاة، والمناظر الريفية الموحية بالسلام. وإنا لنجد في الصورة الأولى، التي يجمع الثقات على أنها من صنعه، صورة الغجرية والجندي الخيال الذي اختص به جيورجيوني: نجد امرأة نلتقي بها على غير انتظار، عارية إلا من لفاعة حول كتفيها، تجلس على أثوابها التي خلعتها على شاطئ يغشاه الطحلب لمجرى مائي دافق، ترضع طفلاً، وتتلفت حولها في قلق. ومن خلفها يمتد منظر من العقود الرومانية، ونهر، وجسر، وأبراج ، وأشجار غريبة، وبرق أبيض، وسحب خضراء تنذر بالعواصف، والى جانب المرأة فتى وسيم يمسك بعصا راع - ولكن ثيابه أغلى من ثياب الرعاة - وقد سره المنظر فغفل عن العاصفة التي توشك أن تثور. وليست القصة معروفة بوضوح، وكل ما تعنيه الصورة أن جيورجيوني كان يحب الشبان ذوي الجمال، والنساء ذوات الجسم الأملس الرقيق، والطبيعة حتى في نزواتها وغضبها.

ورسم في عام 1504 لأسرة ثاكلة في مسقط رأسه صورة سيدة كاستيلفرانكو. والصورة سخيفة جميلة، يرى في مقدمتها القديس لبيرالي St. Liberale في دروع براقة من التي يلبسها الفرسان في العصور الوسطى، ممسكاً برمح للعذراء، والقديس فرانسس يعظ الهواء. وفي أعلى الصورة جلست مريم العذراء هي وطفلها على قاعدة مزدوجة، والطفل ينحني إلى الأمام في غير اكتراث من موضعه العالي. غير أن الديباج الأخضر والبنفسجي الذي يرى عند قدمي مريم بعد من عجائب التلوين والتخطيط. وتسقط أثواب مريم حولها متثنية، أجمل ما يكون التثني. وينم وجهها عن الحنان الرقيق الذي يصوره الشعراء في رفاق خيالهم، ويتراجع المنظر في غموض شبيه بغموض مناظر ليوناردو حتى تذوب السماء في البحر.

ولما تلقى جيورجيوني وصديقه تدسيانو فيتشيلي Tiziano Vecelli الدعوة إلى نقش مخزن التجار التيوتون Fondaco dei Tedeschi، أختار جيورجيوني جداره لمواجه للقناة الكبرى واختار تيشيان الجدار المجاور للسوق المالية. وقد وجد فارساي، وهو يتأمل مظلم جيورجيوني بعد خمسين عاماً من ذلك الوقت، أنه عاجز عن أن يعرف بداية أو نهاية لهذا الخليط الذي وصفه مشاهد آخر بأنه: أنصاب تذكارية، وأجسام عارية، ورؤوس مظللة عليها بالجلاء والقتام .. ومهندسون يقيسون الكرة الأرضية، وفن المنظور ممثل في عمد، وبين هذه كلها رجال على ظهور الخيل، وما إلى ذلك من الأوهام))، غير أن هذا الكاتب نفسه يضيف إلى ذلك قوله: ((ونرى من هذا كيف كان جيورجيوني بارعاً في استخدام الألوان في الرسم على الجص))(34).

غير أن عبقريته كانت تتمثل في التفكير لا في الألوان. ذلك انه لما رسم صورة فينوس النائمة التي كانت ذخيرة لا تقدر بمال في معرض الصور في درسدن Dersden ربما كان يفكر فيها تفكيراً حسياً خالصاً بوصفها جسما مكوناً من جزيئات تثير الشهوة، وما من شك مطلقاً في أنها هذا الجسم أيضاً، وأنها تدل على انتقال فن البندقية من الموضوعات المسيحية إلى الموضوعات والاحساسات الوثنية. ولكننا لا نجد في فينوس ما يتنافى مع الأخلاق أو ما يوحي بما يناقض الفضيلة، فهي ترقد نائمة، عارية مقلقة في الهواء الطلق، على وسادة حمراء وثوب من الحرير الأبيض، وذراعها اليمنى تحت رأسها، وتتخذ من يدها اليسرى ورقة تين ، وأحد طرفيها البالغ غاية الكمال في التصوير ممتد فوق الطرف الآخر الذي يرتفع من تحته. وقلما وصل الفن إلى ما وصل إليه هنا من إبراز التكوين المخملي للبشرة النسائية أو إظهار ما في الوضع الطبيعي من رشاقة. ولكن وجهها ينم براءة وطمأنينة قلما تتفقان مع الجمال العريان، إن جيوجيوني في هذه الصور قد بعد بنفسه كل البعد عن الخير والشر على السواء، وجعل حاسة الجمال تسيطر برهة من الزمان على الشهوة. وفي صورة أخرى له هي صورة السمفونية الريفية المحفوظة في متحف اللوفر نرى اللذة ممثلة في صورة حسية صريحة، ولكن فيها مع ذلك كل ما في الطبيعة من براءة. ففي هذه الصور امرأتان عاريتان، ورجلان مرتديان أثوابهما يستمتعان بعطلة في الريف: وأحد الرجلين شاب من الأشراف في صدرية من الحرير الأحمر البراق، يعزف على عود بغير انتظام، والى جانبه راع أشعث الشعر يجهد نفسه في سد الثغرة القائمة بين العقل الساذج والعقل المثقف. والسيدة صاحبة الأرستقراطي ذات حركة رشيقة تفرغ إبريقاً من البلور في بئر، أما فتاة الراعي فتنتظره في صبر وأناة حتى يلتفت إلى مفاتنها أو إلى نايها. وليس لفكرة الخطيئة أي أثر في رؤوس هذه الجماعة لأن العود والناي قد ارتفعا بالغريزة الجنسية إلى التوافق الموسيقي والانسجام. ويقوم وراء صور الآدميين منظر من أغنى المناظر في الفن الإيطالي.

ويبدو أخيراً في صورة الحفلة الموسيقية المحفوظة في قصر بتي Pitti أن الشهوة قد نسيت لأنها بدائية غير لائقة، وأن الموسيقى هي كل شيء، أو أنها رباط للصداقة أدق وأسمى من الشهوة. وقد ظلت هذه الصورة، وهي أجمع الصور لخصائص جيورجيوني، حتى القرن التاسع عشر تعزى إليه هو نفسه، أما الآن فكثيرون من النقاد يعتقدون أنها من صنع تيشيان، وإذ كانت المسألة لا تزال موضعاً للشك فلنتركها لجيوجيوني، لأنه كان يحب الموسيقى حباً لا يعلو عليه إلا حبه للنساء، ولأن لتيشيان من روائع الفن ما يكفي قبعته بريشة، وهو يبدو عديم الحياة إلى حد ما، في وقفته، والى جانبه راهب جالس أمام معزف من نوع البيان القديم، ويداه اللتان أجيد تصويرهما على مفاتيحه، وقد استدار بوجهه إلى قس في الجهة اليمنى للناظر، والقس يضع إحدى يديه على كتف الراهب، ويمسك بالأخرى كماناً جهيراً مرتكزاً على الأرض. ترى هل انتهيا من العزف أو أنهما لم يبدأا به بعد؟ ليس هذا أمراً ذا بال، لأن الذي يحركنا ويثير مشاعرنا هو ما نشاهده في وجه الراهب من شعور عميق صامت، وقد رقت كل جارحة في وجهه وكل عاطفة في قلبه، وهذا وذاك بسحر الموسيقى التي يستمع إليها بعد أن صمتت الآلتان بزمن طويل. وهذا الوجه ليس فيه شيء من المثالية ولكن فيه أعمق الواقعية، هو من معجزات التصوير في عصر النهضة.

وكانت حياة جيورجيوني قصيرة الأجل، ويبدو أنها كانت حياة مرحة. والظاهر انه كانت له نساء كثيرات، وانه كان يعالج كل غرام مخفق بغرام جديد يبدؤه بعده بقليل. ويقول فارساي إن جيورجيوني أصيب بالطاعون لأن عدواه سرت إليه من آخر امرأة أحبها، ولك الذي نعرفه انه مات أثناء الوباء الذي انتشر في عام 1511، ولما يتجاوز الرابعة والثلاثين من عمره. وكان له قبل وفاته نفوذ واسع، فقد كان أكثر من عشرة فنانين صغار يرسمون مناظر لأناشيد الرعاة الريفية، وصوراً تمثل أحاديث الناس، وألحاناً موسيقية إضافية، وحللاً للمقنعات يحاولون بها عبثاً أن يبلغوا ما بلغه طرازه من رقة وصقل، وما بلغته مناظره الطبيعية من توافق وانسجام، وما في موضوعاته من غرام صادق صريح. وقد ترك من بعده تلميذين كان لهما أثر كبير في العالم: سيبستيانو دل بيمبو Sabastiano del piombo الذي ذهب إلى روما وتدسيانو فيتشيلي Tiziano Vecelli أعظم الفنانين البنادقة على الإطلاق.

  

برامج -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> البندقية وأملاكها -> فن البندقية -> تيشيان (دور التكوين) 

5- تيشيان (دور التكوين)

 1477 - 1533  

ولد في بلدة بييف Pieve في السلسلة الكادورية Cadorico من جبال الدلميت Dolmites، ولم ينس قط هذه الجبال الوعرة في مناظره. ولما بلغ التاسعة أو العاشرة من عمره جيء به إلى البندقية وتتلمذ على سيبستيانو زكاتو، وجنتيلي بيليني، وجيوفيني بيليني كل واحد منهم بعد الآخر، وكان هو في مرسم جيوفيني الذي لم يكن يكبره بأكثر من عام. ولما أنشأ هذا الغلام المصور مرسمه الخاص وأخذ ينتج الصور كما كان الغلام الشاعر كيتس يقرض الشعر، ذهب إليه تيشيان في أغلب الظن مساعداً له أو زميلاً، وبلغ من تأثير جيوفني فيه إن بعض  صوره الأولى تعزى إلى جيوفني، وأن بعض صور جيوفني المتأخرة تعزى إلى تيشيان. وأكبر الظن أن صورة الحفلة الموسيقية التي تجل عن المحاكاة مما صور في تلك الفترة، وقد عملا معاً في نقش جدران مخزن التجار التيوتون.

وفر تيشيان من الوباء الذي قضى على حياة جيورجيوني - أو لعله في من الجمود الذي أصاب الفن بسبب حرب عصبة كمبرية - إلى بدوا (1511)، حيث حكمنا بما يبدو في المظلمات من فجاجة قلنا انه هو في الخامسة والثلاثين من عمره كان لابد له أن يقطع شوطاً طويلاً قبل أن يبلغ المستوى الذي بلغته خير أعمال جيورجيوني، غير أن جوته Goethe قد رأى بعين بصيرته النافذة أنها تبشر بالشيء الكثير(36). ولما عاد تيشيان إلى البندقية وجه إلى الدوج ومجلس العشرة (31 مايو سنة 1513) رسالة تذكرنا بالدعوة التي وجهها لدوفيكو قبل ذلك بجيل من الزمان:

أيها الأمير الجليل، أيها السادة الأعلون العظماء! لقد ظللت أنا تيشيان الكادوري منذ طفولتي أدرس فن التصوير، وأهدف بذلك إلى أن أنال قليلاً من الشهرة أكثر مما أنال من المال .... ولقد تلقيت في الماضي وفي الحاضر دعوات ملحة من قداسة البابا وغيره من العظماء للدخول في خدمتهم، ولكنني وأنا أحد رعاياكم المخلص الأمين تحدوني الرغبة الصادقة في أن أترك لي أثراً في هذه المدينة الذائعة الصيت. فإذا راقكم ذلك يا أصحاب السعادة فإني أحب أن أزين قاعة المجلس الكبير وأن أبذل في هذا كل ما وهبت من قوة، وأن أبدأ برسم صورة على القماش للمعركة التي دارت على جانب الميدان الأصغر، وهو موضوع يبلغ من الصعوبة درجة لم يجرؤ معها أحد على محاولته. وإني قابل أن أتناول على جهودي أية مكافأة ترون أنها تليق بها أو أقل .. وإذ لم أكن، كما قلت قبل، أرغب إلا في أن أنال ذلك الشرف، وأن أدخل السرور على نفوسكم، فإني أرجو أن أنال أول رخصة لسمسار مدى الحياة تخلو في مخزن التجار التيوتون، وألا تحول بيني وبينها أية وعود بذلت لغيري، مع ما يصحبها من التكاليف والإعفاءات التي نالها السيد دسوان بيلين Zuan Belin (جيان بيليني)، فضلا عن تعيين مساعدين لي يتناولان أجرهما من مكتب الملح، وأن أحصل على جميع الألوان وما أحتاجه غيرها ... وأعدكم في نظير ذلك أن أقوم بالعمل السالف الذكر بالسرعة والإتقان اللذين يرضيان مجلس السيادة(37).

وكانت »رخصة السمسار« الواردة في هذه الرسالة وظيفة رسمية يعمل صاحبها وسيطاً بين تجار البندقية والتجار الأجانب. كانت رخصة السمسار لدى التجار الألمان في البندقية تجعل الحائز لها فعلاً المصور الرسمي للدولة ويتقاضى نظير ذلك 300 كرون (3750 دولاراً) في العام نظير رسم صورة للدوج وما عسى أن تتطلبه الحكومة من الصور الأخرى. ويبدو أن المجلس قبل اقتراح تيشيان على سبيل التجربة، وسواء كان ذلك أو لم يكن فقد بدأ الفنان برسم معركة كادوري في قصر الدوج. ولكن شانئيه أقنعوا المجلس بسحب الرخصة منه والامتناع عن أداء أجر مساعديه (1514). ثم دارت مفاوضات ضايقت كل من اشترك فيها، وانتهت بتعيينه في المنصب ونيله أجره دون لقبه (1516). وأخذ يؤجل العمل ويتباطأ فيه فلم يتم حتى عام 1537 الرسمين اللذين بدأهما في قاعة المجلس الأكبر. ودمرت النار الرسمين في عام 1577.

وارتقى تيشيان على مهل كما يرتقي أي كائن حي وهب من العمر مائة عام. ولكنه في عام 1508 لا بعد أظهر من تباشير نفاذ الروح وقوة التطبيق ما رفعه بعدئذ فوق منافسيه في التصوير. ولدينا الآن صورة لا اسم لها تعرف فيما مضى باسم أريستو تطالعنا بذكريات من طراز جيورجيوني - بالوجه الشعري والعينين اللتين تشع منهما الدقة وقليل من الخبث، وأثواب فخمة كانت نموذجاً نسجت على منواله ألف صورة أخرى، وفي هذه الفترة (1506 - 1516) كان الفنان السائر في طريق النهوض يعرف كيف يخلع على صور النساء قدراً كبيراً من الجمال فبدأت بذلك تختلف عن نساء جيورجيوني وتتجه نحو نساء روبنز Rubens. واستمر الانتقال من صور العذراء إلى صور فينوس على يد تيشيان، حتى وهو يرسم صوراً دينية ذات روعة وشهرة فائقة. فكانت اليد التي تبعث في القلوب التقي بصورة السيدة الغجرية وعبادة الرعاة هي نفسها التي تستطيع أن تصور امرأة تزدان وتصور تلك البراءة الخليعة التي نشاهدها في صورة فلورا الموجودة في معرض أفيزي. وأكبر الظن أن هذا الوجه الظريف وهذا الصدر الناهد وجدا أيضاً في صورة ابنة هرودياس، وشالوم في هذه الصورة لا يفترق في شيء عن أهل البندقية كما أن الرأس المقطوع رأس عبري بكل ما فيه.

وأخرج تيشيان في عام 1515 أو حواليه صورتين من أشهر صوره هما ثلاثة أعمار الإنسان وهي جماعة من الأطفال العراة نائمين تحت شجرة، ومعهم كيوبيد يلقنهم في هذه السن الصغيرة جنون الحب، وشيخ في العقد التاسع يتأمل جمجمة، وفتى وفتاة سعيدين في ربيع الحب، ولكن كليهما ينظر إلى الآخر نظرة تنم عن قلق كأنهما قد عرفا مقدماً إصرار الزمن على إبلاء تلك العاطفة. وصورة الحب الطاهر والحب الدنس قد خلع عليهما اسم حديث لو بعث تيشيان حيا لدهش منه. وقد سميت الصورة حين ذكرت لأول مرة الجمال المزدان وغير المزدان(38)، وأكبر الظن انه لم يكن بقصد بها تلقين درس في الأخلاق بل كان الغرض منها أن تزدان بها قصة من القصص. والجسم العاري الدنس في الصورة هو أكمل شكل في سجل أعمال تيشيان، فكأنه صورة فينوس ده ميكو نقلت إلى عصر النهضة. ولكن صورة المرأة الطاهرة عليها أيضاً صبغة دنيوية، فمنطقتها المزدانة بالحلي تستلفت الأنظار، ورداؤها الحريري يغري باللمس، وأكبر الظن أنها هي الخليلة المرحة التي كانت نموذج صورة فلورا أو المرأة تتزين. وإذا ما أنعم الإنسان النظر فيها تكشفت له خلف صور الآدميين عن منظر طبيعي معقد فيه نبات وحيوان وأجمة كثيفة من الأشجار، وراع يتعهد قطيعه، وعاشقان، وصائدون وكلاب يطاردون أرنباً برياً، وبلدة وأبراجها، وكنيسة وبرج جرسها، وبحر أزرق جيورجيوني الطراز، وسماء ملبدة بالغيوم. ترى ماذا يهمنا إذا كنا لا نعرف ماذا تعني هذه الصورة بالضبط؟ إنها الجمال ((يبقى برهة)) أمامنا، أليس هذا هو الذي يظن فاوست Faust انه هو الحياة والروح؟.

ولما أدرك تيشيان أن الجمال النسوي مزداناً أو طبيعياً يجد له على الدوام من يطلبه اتخذه موضوعاً له وهو جذلان، فقبل في بداية عام 1516 دعوة ألفنسو الأول لرسم بعض لوحات في قصره بفيرارا. وهيئ للفنان مسكن في القصر ومعه مساعدان له، وقضى فيه نحو خمسة أسابيع، ويلوح انه تردد عليه بعدئذ قادماً من البندقية.

ورسم تيشيان لقاعة المرمر ثلاث صور واصل فيها مزاج جيورجيوني الوثني. ففي صورة السكارى نرى رجالاً ونساء، وبعضهم عرايا، يشربون، ويرقصون، ويتغازلون، أمام منظر من الأشجار السمراء، وبحيرة زرقاء، وسحب فضية، وأمامهم على الأرض ملف يحمل شعاراً بالفرنسية: ((من يشرب ولا يعد إلى الشرب لا يعرف ما هو الشرب)). وعلى بعد من هذا الشعار نرى نوحاً طاعناً في السن يتمطى وهو عار سكران، وبالقرب من الجزء الأول فتى وفتاة يرقصان معاً، وأثوابهما تدور في الهواء، وفي الجزء الأمامي من الصورة امرأة يدل ثدياها الناهدان على أنها في مقتبل العمر نائمة على الكلأ عارية، والى جانبها طفل قلق يدفع ثوبه ليروح عن مثانته ويتم بذلك دورة السكارى خارجاً من الغابات يفاجئ المرأة المهجورة، ونرى ساتيرات مخمورات، ورجلاً عارياً تلتف الأفاعي حوله، وإله الخمر العاري يقفز من عربته ليمسك بالأميرة الهاربة. وتبلغ النهضة الوثنية في هذه الصورة وفي صورة عبادة فينوس أعظم ما بلغته من قوة وسلطان.

ورسم تيشيان في هذه الثناء صورة تستلفت الأنظار للدوق ألفنسو نصيره الجديد: رسمه ذا وجه جميل ينم عن ذكاء، وجسم ممتلئ تزيده مهابة ثياب رسمية فخمة، ويد جميلة (يصعب أن تكون يد فخراني ومحارب) متكئة على مدفع محبوب، وتلك هي الصورة التي أعجب بها وأثنى عليها ميكل أنجيلو نفسه. وجلس إريستو لتيشيان ليصوره، ورد هذه التحية لتيشيان ببيت من الشعر في إحدى طبعات فيور بوسو المتأخرة، كذلك جلست لكريدسيا بورجيا للمصور العظيم، ولكن أثراً ما لم يبق لهذه الصورة، ولربما جلست أيضاً لورا ديانتي Laura Diante عشيقة ألفنسو لصورة لم تبق إلا نسخة مأخوذة عنها في مودينا. وأكبر الظن أن ألفنسو هذا هو الذي رسم له تيشيان صورة من أجمل صوره وهي صورة مال الخراج، ترى فيها فريسياً له رأس فيلسوف يوجه سؤاله في إخلاص والمسيح يجيبه في غير غضب جواباً بليغاً.

ومن المميزات الخاصة بذلك العصر أن تيشيان قد استطاع الانتقال من تصوير باخوس إلى تصوير المسيح، ومن فينوس إلى مريم، ثم عاد من مريم والمسيح إلى فينوس وباخوس، دون أن يضطرب لذلك عقله، ذلك انه صور في عام 1518 لكنيسة الرهبان أعظم صورة على الإطلاق وهي صورة صعود العذراء. ولما وضعت هذه الصورة في إطار فخم من الرخام خلف المذبح العالي رأى سانودو Sanudo كاتب اليوميات البندقي أن هذا الحادث خليق بالتسجيل فكتب يقول: ((في 20 مايو 1518: أقيمت بالأمس اللوحة التي صورها تيشيان ... للرهبان الفرنسيس))(39). ولا تزال رؤية صورة الصعود في كنيسة الرهبان من الحوادث الهامة في حياة إنسان ذي إحساس رقيق. ويرى الإنسان في وسط اللوحة الضخمة التي رسمت عليها هذه الصورة العذراء كاملة قوية، مكتسبة ثوباً أحمر ومئزراً أزرق، ذاهلة متوجسة، ترفعها خلال السحب هالة مقلوبة من صغار الملائكة المجنحين. وفوق صورة العذراء حاول المصور محاولة مخففة - وكان لابد لها أن تخفق - أن يصور الله - فلم يرسم إلا ثوباً، ولحية، وشعراً تنفشه رياح السماء، وأجمل من هذا صورة الملك الذي يأتيه بتاج لمريم. وتحت هذا صور الرسل، وهم عدد متباين من الصور الفخمة، ينظر بعضهم في دهشة، وبعضهم يركع للصلاة والعبادة، وبعضهم يتطلع إلى أعلى كأنه يريد أن يؤخذ إلى الجنة. وإذا ما وقف متشكك نافر أمام هذه الدعوة القوية إلى الإيمان لم يسعه إلا أن يأسف لتشككه، ويقر بما في هذه الأسطورة من جمال، وما تبعثه في النفس من أمل.

وأراد ياقوبو بيزارو، أسقف باقوس Paphos في قبرص أن يعبر عن شكره لله لما أحرزه أسطول البندقية من نصر على العمارة التركية فعهد إلى تيشيان أن يصور ستاراً آخر في محراب كنيسة الرهبان - للمعبد الذي دشنته من قبل أسرة هذا الأسقف. وأدرك تيشيان الخطر الذي سوف يتعرض له إذ يقوم على رسم صورة عذراء أسرة بيزارو يتحدى بها تحفته الفنية التي نالت الإعجاب من وقت قريب. لكنه ظل يعمل في الصورة الجديدة سبع سنين قبل أن يطلقها من مرسمه. وآثر فيها أن يرسم العذراء جالسة على عرشها، لكنه خرج على السوابق المألوفة فرسم صورتها إلى اليمين مائلة من ركن فوضع بذلك من يقدم لها التاج جهة اليسار، كما وضع القديس فرانسس عند قدميها. ولولا النقش البراق الذي يركز انتباه الناظر على الأم وطفلها لأختل توازن الصورة. ورحب كثيرون من الفنانين بهذه التجربة وحذوا حذوه فيها بعد أن ملوا التركيب التقليدي المألوف المركز أو الهرمي.

ودعا المركيز فيدريجو جندساجا تيشيان إلى مانتوا في عام 1523، لكن الفنان لم يقم فيها طويلاً لأنه كلف بأعمال في البندقية وفيرارا. غير أنه بدأ فيها سلسلة من إحدى عشرة صورة تمثل أباطرة الرومان، وقد فقدت هذه كلها. وقد رسم في إحدى زياراته صورة جذابة للمركيز الشاب الملتحي. وكانت إزبلا العظيمة أم فيدريجو لا تزال على فقيد الحياة، فجلست إليه ليصورها، ولما وجدت أن الصورة واقعية أكثر مما تطيق، وضعتها بين عادياتها القديمة، وطلبت إلى تيشيان أن ينسخ لها صورة كان فرانتشيا Francia قد رسمها قبل أربعين عاماً من ذلك الوقت. تلك هي الصورة التي أخذ عنها تيشيان (ولعل ذلك كان في سنة 1534) صورة المشهورة ذات القلنسوة الشبيهة بالعمامة، والأكمام المزركشة، والفراء المثناة، والوجه الظريف. واحتجت إزبلا قائلة أنها لم تكن تظن نفسها بهذا الجمال، ولكنها عملت على أن تنحدر هذه الصورة التذكارية إلى الخلف.

والى هنا نترك تدسيانو فيتشيلي بعض الوقت، ذلك أننا لا نستطيع أن نفهم الشطر المتأخر من حياته إلا إذا أحطنا علماً بالحوادث السياسية التي كان لشارل الخامس أكبر أنصاره فيها شأن كبير بعد عام 1533. وكان تيشيان قد بلغ السادسة والخمسين من العمر في ذلك العام. ومنذا الذي كان يظن وقتئذ انه لا يزال أمامه من العمر ثلاثاً وأربعين سنة، وأنه سيرسم في النصف الثاني من حياته عدداً من روائع الفن لا يقل عما رسمه منها في نصفها الأول.

  

برامج -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطالية -> البندقية وأملاكها -> فن البندقية -> صغار الفنانين والفنون الصغرى

 6- صغار الفنانين والفنون الصغرى  

من واجبنا أن نعود الآن القهقرى لنشيد في إيجاز بذكر مصورين ولدا بعد مولد تيشيان ولكنهما توفيا قبله بزمن طويل. إن علينا أن ننحني في إجلال قبل أن نختم هذا الفصل أمام جيرولامو سافلدو Girolamo Salvaldo الذي قدم إلى البندقية من بريشيا وفلورنس، ورسم صورتين ممتازتين هما صورة العذراء والقديسين الموجودة الآن في معرض بريرا، ثم صورة فاتنة للقديس متى محفوظة في متحف الفنون بنيويورك، وصورة مجدلين المحفوظة في برلين، وهي أكثر إغواء من صورة السيدة البدينة المسماة بهذا الاسم نفسه والتي رسمها تيشيان.

وقد أطلق على جياكومو نجريتي Giacomo Nigreti اسم بالما Palma نسبة إلى بعض تلال بالقرب من مسقط رأسه سيرينا Serina في الألب البرماسية Bermasque، ثم أصبح اسمه بالما فتشيو حين ذاعت شهرة بالما جيوفاني ابن أخيه. وظل معاصروه هو وتيشيان وقتاً ما يرونهما ندين. ولعل عوامل الغيرة قد دبت بين الرجلين، ولم تخف حدتها بعد أن سرق تيشيان عشيقة جياكومو. ذلك أن جياكومو كان قد رسم لها صورة سماها فيولنتي Violante، ثم جاء تيشيان فاتخذها نموذجا لصورة فلورا. وكان بالما، كما كان تيشيان، بارعاً في تصوير الموضوعات الطاهرة والدنسة بدرجة واحدة من المهارة إن لم نقل بدرجة واحدة من الحماسة، وقد تخصص في تصوير الأحاديث الدينية أو الأسر المقدسة، ولكن شهرته في أكبر الظن ترجع إلى صور الفتيات البندقيات الشقراوات - أي النساء الناهدات اللائى يصبغن شعرهن صبغة سوداء ضاربة إلى الحمرة. مع هذا فان أجمل صوره هي الصور الدينية: القديسة بربارا المعلقة في كنيسة سانتا ماريا فرموزا Santa Maria Formosa، وهي شفيعة المدفعيين البنادقة، وصورة يعقوب وراحيل الموجودة في معرض درسدن ويرى فيها راع وسيم يقبل فتاة ناهدة. ولولا أن تيشيان قد رسم نحو خمسين صورة أعمق من صور بالما لكانت هذه الصورة الخيرة في مستوى أحسن صور عصره وبلده.