برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب السادس

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بيزنطة

الباب الخامس والعشرون

أوربا تفيق من رقدتها  

1095-1300

الفصل الأول

بيزنطة

اختتم ألكسيوس الأول كمنينوس Alexius I Comnenus حكمه الطويل (1108-1118) على أثر مؤامرة من طراز المؤامرات التي اختصت بها بيزنطية، وذلك بعد أن قاد سفينة الإمبراطورية بنجاح في حروب الترك والنورمان، وفي الحرب الصليبية الأولى. وكانت ابنته الكبرى أنا كمنينا Anna Comnena مضرب المثل في العلم، كما كانت ملمة بخلاصة الفلسفة، وكانت شاعرة موهوبة، وسياسية ذات بهاء، ومؤرخة مهذبة تميل في كتابتها إلى الكذب والاختلاق. ولما خطبت إلى ابن الإمبراطور ميخائيل السابع حسبت أنها بحكم مولدها وبفضل جمالها ومواهبها الذهنية قد اختارتها الأقدار للتربع على عرش الإمبراطورية؛ ولم تكن تغفر لأخيها جون John أنه ولد وارث للعرش، فدبرت مؤامرة لاغتياله، ولكن تدبيرها افتضح وعفي عنها، وآوت إلى أحد الأديرة، وكتبت سيرة أبيها في قصة نثرية تدعى ألكسياد Alexiad. وأدهش جون كمنينوس (1118-1143) أوربا بالتمسك بالفضائل الشخصية، وبكفايته الإدارية، وبانتصاره في حروبه ضد أعدائه من الوثنيين والمسيحيين والمسلمين، وخيل إلى الناس حيناً من الدهر أنه سيعيد الدولة إلى ما كانت عليه من مجد وسعة رقعة، ولكن خدشاً من سهم مسموم في كنانته قضي على حياته وأحلامه.

وكان ابنه مانويل الأول Manuel I (1143-1180) إله الحرب مجسماً، وهب نفسه للحرب ومتعتها؛ يسير على الدوام في طليعة جنوده؛ ويرحب بالمبارزة الفردية، وقد انتصر في كل واقعة خاض غمارها إلا الأخيرة من هذه المواقع. وكان في ميدان القتال رواقياً في مبادئه، أما في قصره فكان أبيقورياً، مترفاً في طعامه ولباسه، سعيداً في عشقه الحرام لابنة أخيه. وعادت الآداب والعلوم إلى سابق ازدهارها بفضل ترفه ومناصرته؛ وكانت سيدات البلاط يشجعن المؤلفين، وقد نزلن هن أيضاً من عليائهن ليقرضن الشعر؛ وجمع زناراس Zanaras في أيامه كتابه الضخم الذي أسماه موجز التاريخ. وشاد مانويل لنفسه قصراً جديداً هو قصر البلاشرني Blachernae على شاطئ البحر عند طرف القرن الذهبي؛ وكان أودم الدويلي Odom of Deuil يظنه "أجمل بناء في العالم، فقد كانت عمده وجدرانه مغطاة إلى نصفها بالذهب، ومرصعة بالجواهر التي كانت تتلألأ حتى في ظلام الليل"(1). لقد كانت القسطنطينية في القرن الثاني عشر صورة أخرى من النهضة الإيطالية.

وتطلبت فخامة العاصمة، والحروب الكثيرة التي شنتها الإمبراطورية العجوز لتصد عنها الموت، تطلبت هذه وتلك ضرائب فادحة ألقاها المترفون على المنتجين لضرورات الحياة. وكانت النتيجة إن زاد فقر الفلاحين، واستسلموا للاسترقاق الأراضي، وأن سكن عمال المدن اليدويون في مساكن قذرة كثيرة الضجيج، يُرتكب في ظلماتها وأفذارها ما لا يحصى من الجرائم.

وكانت حركات ثورية شبه شيوعية تضطرم نارها في قلوب صعاليك المدن(2)، ولكن هذه الحركات قد عفا ذكرها لكثرة ما حدث من أمثالها على مر الأيام. وكان استيلاء الصليبيين على فلسطين قد فتح ثغور الشام لتجارة اللاتين، وخسرت القسطنطينية ثلث تجارتها البحرية التي استولت عليها المدن الناهضة في إيطاليا. وكان من أعظم الآمال التي تداعب قلوب المسيحيين والمسلمين على السواء أن يستولوا على ما فيها من الكنوز التي أنفقت في جمعها ألف عام؛ وحدث أن زار المدينة أحد المسلمين الصالحين في أيام مانويل الزاهرة فدعا الله أن يمن على المسلمين بفضله وكرمه فيجعل القسطنطينية عاصمة بلاد الإسلام(3). وحتى البندقية نفسها ربيبة بيزنطية دعت فرسان أوربا لأن ينضموا إليها في انتهاب ملكة البسفور.

ولم تعش المملكة اللاتينية التي أقامتها الحملة الصليبية الرابعة في القسطنطينية إلا سبعاً وخمسين سنة (1204-1261)، ذلك أن المملكة الجديدة لم تقو على البقاء إلا ريثما كانت بيزنطية المتحفزة للثأر منها تعوزها الوحدة وقوة السلاح. أما هي فلم تكن لها أصول تقوم عليها من عنصرية الشعب أو دينه أو عاداته، وكانت تكرهها الكنيسة اليونانية التي خضعت مكرهة لروما، ويضعضعها انقسامها إلى إمارات إقطاعية تدعى كل منها لنفسها السيادة الكاملة، وتعوزها جميعاً التجربة التي لا غنى عنها لتنظيم اقتصادياتها الصناعية والتجارية، وتهاجمها الجيوش البيزنطية من خارجها، وتحرقها المؤامرات في داخلها، ولا تستطيع أن تستمد من سكانها المعادين لها ما تحتاجه من المال للدفاع العسكري عن كيانها.

لكن الغزاة الفاتحين كان مصيرهم في بلاد اليونان خيراً من مصيرهم في القسطنطينية. ذلك أن الفرنجة، والبنادقة، وغيرهم من الأشراف الطليان عجلوا بتقسيم تذلك البلاد التاريخية إلى أقسام إقطاعية، وشادوا القصور الجميلة فوق التلال العالية تشرف على ما حولها من المواقع، وشرعوا وأظهروا في حكم السكان المتراخين المجدين حكماً حازماٍ جريئاً. وحل مطارنة الكنيسة اللاتينية محل أساقفة المذهب الأرثوذكسي الذين نفوا من اللابد، وأنشأ الرهبان القادمون من بلاد الغرب على التلال أديرة كانت من روائع الفن ومستودعاً لكنوزه. وقام رجل فخور من الفرنجة فلقب نفسه "دوق أثينا"، وجاء شكسبير في غير منطق سليم وأخطأ خطأ يغتفر له، ورجع به إلى الوراء ألفي عام، وسماه ثيسيوس، ولكن الروح الحربية التي أقامت هذه الممالك الصغيرة كانت هي بعينها القاضية عليها لكثرة ما ثار بينها من المنازعات والأحقاد القاتلة؛ فقد كانت الأحزاب المتنافسة يحارب بعضها بعضاً على تلال المورة وسهول بؤوتيا حرباً طاحنة قضت عليها جميعاً؛ ولما أن غزت اليونان "الشركة القطلونية Catalian Company" الكبرى المؤلفة من جماعة المغامرين القادمين من قطلونيا (1311) ذبحت زهرة فرسان الفرنجة في المعركة التي دارت قرب نهر سفسوس Cephisus، وأضحت المنهوكة القوى ألعوبة في أيدي القراصنة الأسبان.

وبعد عامين من سقوط القسطنطينية أقام لسكاريس Theodoae Lescaris حمو ألكسيوس الثالث حكومة بيزنطية في منفاه في نيقية. ورحبت بحكمه جميع الأناضول بما فيها مدائن بورصة، وفلدلفيا، وأزمير، وإفسوس الغنية؛ وأفاءت إدارته الحازمة القديرة العادلة على هذه الأقاليم رخاء جديداً، وبعثت في الآداب اليونانية حياة جديدة، وأحيت قلوب الوطنيين اليونان آمالاً جديدة. وأنشأ ألكسيوس كمنينوس ابن مانويل في شرق تلك البلاد وفي طربزون بالذات مملكة بيزنطية أخرى، ونشأت مملكة ثالثة في إبيروس برياسة ميخائيل أنجلوس؛ وضم جون فتاتزيس John Vatatzes زوج ابنه لسكاريس وخليفته (1222-1254) جزءاً من أبيروس إلى مملكة نيقية، واسترد سالونيك من الفرنجة (1246)، وكاد يستولي على القسطنطينية نفسها لولا أنه عاد إلى آسيا الصغرى لأنه عرف أن البابا إنوسنت قد دعا المغول الزاحفين غرباً إلى الإغارة على بلاده من جهة الشرق (1248). ورفض المغول مشروع البابا محتجين بتلك الحجة الساخرة وهي أنهم لا يريدون أن يعملوا على "إثارة الأحقاد بين المسيحيين بعضهم وبعض"(4). وكان حكم الملك جون الطويل الأمد من خير الأحكام في التاريخ وأعظمها تشريفاً لصاحبها، فقد استطاع أن يخفف الضرائب، ويشجع الزراعة، وينشئ المدارس، ودور الكتب، والكنائس، والأديرة، والمستشفيات وملاجئ لكبار السن والفقراء، على الرغم من الحروب الكثيرة النفقات التي خاض غمارها ليعيد بها وحدة الإمبراطورية البيزنطية(5). وازدهرت الآداب والفنون في عهده، وأصبحت نيقية في القرن الثالث عشر من أكثر مدن العالم ثروة وأعظمها جمالاً.

وكان ابنه ثيودور لسكاريس الثاني (1254-1258) شغوفاً بالعلم معتل الجسم، عالماً ومضطرب العقل؛ مات بعد حكم قصير، واغتصب العرش بعد موته ميخائيل بليولوجوس Michael Paleologus زعيم الأشراف المتذمرين (1259-1282). وإذا جاز لنا أن نصدق المؤرخين قلنا إن ميخائيل كان متصفاً بكل نقيصة- كان "أنانياً، منافقاً... كذوباً بغريزته، مغروراً، قاسياً، شرهاً"(6). ولكنه كان واسع الحلية شديد الدهاء، دبلوماسياً، معقود لواء النصر، استطاع بمعركة واحدة أن يثبت قدمه في ابيروس، كما استطاع بحلفه مع جنوى أن يفوز بمعونتها على البنادقة والفرنجة في القسطنطينية؛ وأمر قائده استراتيجوبولس Strategopulus أن يتظاهر بالهجوم على العاصمة من ناحية الغرب. وزحف استراتيجولس على المدينة ولم يكن معه أكثر من ألف رجل، فلما وجد حاميتها خفيفة دخلها واستولى عليها دون عناء، وفر الملك بلدوين الثاني هو وحاشيته، وتبعه رجال الدين اللاتين الذين كانوا في المدينة وقد استولى عليهم رعب كانوا خليقين به. وعبر ميخائيل البسفور وهو لا يكاد يصدق النبأ وتوج إمبراطور (1261)، وهكذا بعثت الإمبراطورية البيزنطية من رقادها، وكان الناس يظنونها قد قضت نحبها، واستعادت الكنيسة اليونانية استقلالها، وظلت الدولة البيزنطية الفاسدة قائمة تصرف شئونها قرنين آخرين احتفظت فيهما بالآداب القديمة ونقلتها إلى العالم الغربي، وصدت رغم ضعفها جيوش المسلمين في تلك الفترة من الزمان.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> الأرمن

الفصل الثاني

الأرمن

(1060-1300)

وحدث حوالي عام 1080 أن غادرت أسر أرمنية كثيرة بلادها لعدم رضائها عن سيطرة السلاجقة عليها، وعبرت جبال طوروس، وأنشأت مملكة أرمينية الصغرى في قليقية. وبينما كان الأتراك، والكرد، والمغول، يحكمون أرمينية الحقيقية، احتفظت الدولة باستقلالها مدى ثلاثة قرون. واستطاع ليو الثاني Leo II في حكمه الذي دام أربعة وثلاثين عاماً (1185-1219) أن يصد هجمات سلاطين حلب ودمشق، ويستولي على إسوريا Isauria وينشئ عاصمة مملكته في سيس Sis (وهي الآن في تركيا)، ويعقد حلفاً مع الصليبيين، ويدخل الشرائع الأوربية في بلاده، ويشجع الصناعة، والزراعة، ويمنح تجار البندقية وجنوى عدداً من الامتيازات، ويقيم الملاجئ للأيتام، والمستشفيات للمرضى، والمدارس لطلاب العلم. واستمتع رعاياه في أيامه برخاء منقطع النظير، وكسب بحق اسم ليو الأفخم، وكان من أعظم ملوك العصور الوسطى حكمة وأكثرهم خيراً وصلاحاً. ووجد صهره هثوم الأول Hethumi (1226-1270) المسيحيين غير أهل لأن يعتمد عليهم، فتحالف مع المغول، وسره أن يطردوا السلاجقة من أرمينية (1240). فلما أن اعتنق المغول الإسلام حاربوا أرمينية الصغرى ودمروها تدميراً (1303 وما بعدها). وفتح المماليك المصريون أرمينية في عام 1335، وقسمت البلاد بعد الفتح بين سادة الإقطاع. وظل الأرمن من خلال هذا الاضطراب يبدون ضروباً من المهارة الفنية في العمارة، وحذقاً عظيماَ في النقش الدقيق، يستمسكون بنوع من الكثلكة المستقلة عن سائر المذاهب، استطاعوا به أن يصدروا كل المحاولات التي بذلتها القسطنطينية أو روما للسيطرة على بلادهم.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> روسيا والمغول

الفصل الثالث

روسيا والمغول

 (1054-1315)

كانت قبائل نصف همجية تسيطر في القرن الحادي عشر على بلاد روسيا الجنوبية، وهذه القبائل هي الكومان Cumans، والبلغار، والخزر Khazars، والبلوفتسي، والبتزيناك Patzinaks... أما ما بقي من روسيا الأوربية فكان مقسماً إلى أربع وستين إمارة- أهمها كيف Kiev، وفلهينيا Volhynia، ونفجورود، وسزداليا Suzdalia، واسمولنسك Smolensk، وريازان Ryazan، وشرنيجوف Chernigov، وبرياسلافل Pereyaslavl. وكانت معظم هذه الإمارات تعترف بسيادة كيف عليها؛ ولما قربت منية يارسلاف Yaroslav أمير كيف الأكبر (1054) وزع هذه الولايات بترتيب أهميتها بين أبنائه حسب سنهم؛ فأعطى أكبرهم إمارة كيف، ثم وضع نظاماً دورياً فذاً يقضي بأنه إذا مات أمير ينتقل الباقون من الأمراء كل منهم إلى الولاية التي تلي ولايته في الأهمية. وانقسمت طائفة من هذه الإمارات في القرن الثالث عشر إلى عدد من الإقطاعيات وراثية على مر الزمن، فكانت أساساً للنظام الإقطاعي المعدل الذي تعاون فيما بعد هو وغارات المغول على إبقاء بلاد الروسيا بحالها التي كانت عليها في العصور الوسطى بعد أن خرجت أوربا الغربية من هذه العصور. على أن بلاد الروسيا كان لها في هذه الفترة صناعات يدوية نشيطة، وتجارة أغنى مما أصبح لها في كثير من القرون المتأخرة.

وكانت سلطة كل أمير وراثية في العادة، ولكنها كانت تحددها جمعية شعبية تسمى الفيشي Veche ومجلس من أعيان البلاد يدعى بويارسكايا دوما Boyarskaya duma. وتركت معظم الشئون الإدارية والقانونية في أيدي رجال الدين، وكادت معرفة القراءة والكتابة تقتصر على هؤلاء هم وعدد قليل من الأعيان، والتجار، والمرابين. وقد استعان هؤلاء بالنصوص أو النماذج البيزنطية، فأنشئوا للروسيا آدابها، وقوانينها، ودينها، وفنونها. وبفضل جهودهم هذبت وحددت الحقوق أو القوانين الروسية Russkaya Pravda التي وضعت أول مرة في أيان يارسلاف، وصيغت صياغة قانونية (حول 1160). وجعلت للكنيسة الروسية الولاية النامة على شئون الدين ورجاله، وشئون الزواج والأخلاق والوصايا، وكان لها سلطان مطلق على الأرقاء وغيرهم من الموظفين الذين يعملون في أملاكها الواسعة. وارتفعت بفضل جهودها منزلة العبيد في الروسيا من الوجهة القانونية إلى حد ما، ولكن تجارة الرقيق ظلت قائمة حتى بلغت ذروتها في القرن الثاني عشر(7).

وشهد هذا القرن نفسه اضمحلال مملكة كيف وسقوطها، فقد كان للفوضى الإقطاعية السائدة في غرب أوربا ما يماثلها من الفوضى السائدة بين القبائل والأمراء؛ وشبت بين عامي 1054،1224 ثلاث وثمانون حرباً أهلية في الرسيا، وأغير عليها ست وأربعون مرة، وشنت دول روسية ست عشرة حرباً على شعوب غير روسية، وتنازع 293 أميراً عرش أربع وستين إمارة(8). وحدثت في عام 1113 اضطرابات ثورية في كيف كان سببها ما حل بالأهلين من فقر من جراء الحروب، وارتفاع سعر الفائدة على الديون، والاستغلال، والتعطل. وهاجمت الجماهير الحانقة الثائرة بيوت رجال الأعمال والمرابين ونهبتها، واحتلت دواوين الحكومة وبسطت سيادتها عليها لحظة من الزمان. واستدعت الجمعية البلدية مونوماخ Monomakh أمير برياسلافل ليكون أمير كيف الأعظم؛ وجاء الأمير وهو كاره، وقام فيها بما قام به صولون في اثنينا عام 594ق.م، فخفض سعر الفائدة على القروض، وقيد بيع المدينين المفلسين أرقاء من تلقاء أنفسهم، كما قيد سلطة أرباب الأعمال على العمال والموظفين؛ فاستطاع بفضل هذه الوسائل وأمثالها- التي لم يرض عنها الأغنياء ووصفوها بأنها بمثابة مصادرة لأموالهم، وعابها الفقراء لأنها في نضرهم غير كافية- أن ينجي المدينة من الثورة ويعيد تنظيم السلام في ربوعها(9). وبذل جهوداً كبيرة للقضاء على نزاع الأمراء وحروبهم، وتوحيد بلاد الروسيا من الوجهة السياسية. ولكن هذا العمل كان أكبر من أن يقوم به في حكمه الذي لم يدم أكثر من اثني عشر عاماً.

وعاد النزاع بيم الأمراء وبين الطبقات بعد موته إلى ما كان عليه من قبل. وفي هذه الأثناء كانت سيطرة القبائل الأجنبية سيطرة مستمرة على المجاري الدنيا لأنهار الدنيستر، والدنيبر، والدن؛ وكان نمو التجارة الإيطالية في القسطنطينية، والبحر الأسود، وموانئ الشام، قد حولا إلى خلجان البحر المتوسط كثيراً من التجارة التي كانت تنتقل قبل ذلك الوقت من بلاد الإسلام وبيزنطية إلى دويلات البحر البلطي مارة بأنهار الروسيا. ونقصت من جراء ذلك ثروة كيف وضعفت وسائلها المادية وروحها المعنوية، وأخذ جيرانها الهمج منذ عام 1096 يغيرون على ما وراءها من الأصقاع وما حولها من الضواحي، ينهبون الأديرة ويبيعون من يأسرونهم من الفلاحين بيع الرقيق. وأضحت كيف مكاناً غير أمين، فنقص سكانها، وأدى هذا إلى نقص الأيدي العاملة فيها. وهاجم جيش أندرى بجوليوبسكي Andrey Bogolyubski كيف في عام 1169، ونهبها وخربها تخريباً كاملاً، واسترق آلافاً من أهلها حتى كادت "أم المدائن الروسية" يعفو ذكرها من التاريخ مدى ثلاثة قرون. وأتم هذه الخراب الذي حل بكيف استيلاء البنادقة والفرنجة على القسطنطينية في عام 1204، وغارات المغول التي امتدت من عام 1229 إلى عام 1240.

وانتقلت زعامة الروسيا في النصف الثاني من القرن الثاني عشر من "الروس الصغار" أهل أكرنيا إلى "الروس الكبار" الأكثر منهم غلظة وأقدر منهم على تحمل المشقة، وهم أهل الإقليم المحيط بموسكو والممتد على ضفتي الفلجا الأعلى. وكانت موسكو قد أنشئت في عام 1156، ولم تكن في ذلك الوقت إلا قرية صغيرة تستخدمها سوزداليا Suzdalia (التي كانت تمتد في الجهة الشمالية من موسكو) مركزاً أمامياً على حدودها على الطريق الذي يصل مدائن فلادمير Vladimir وسزدال Suzdal بكيف. وحارب أندري بجوليوبسكي (1157-1174) ليجعل إمارة سوزداليا الجالس هو على عرشها صاحبة السيادة على الروسيا بأجمعها. ولكنه اغتيل وهو يقاتل ليخضع نفجورود لسلطانه كما اخضع كيف من قبل.

وكانت مدينة نفجورود واقعة في الشمال الغربي من الروسيا على ضفتي نهر فلخوف Volkhav قرب مخرج هذه النهر من بحيرة إلمن Ilmen. وإذ كان نهر فلخوف يصب في بحيرة لدوجا Lagoga في الشمال، وكانت أنهار أخرى تخرج من بحيرة إلمن متجهة نحو الجنوب والغرب والى البحر البلطي عن طريق بحيرة لدوجا، فإن هذه المدينة لم تكن قريبة من الحدود قرباً يهدد أمنها، ولا هي بعيدة عنها بعداً يضر بتجارتها، ولهذا نشأن فيها تجارة داخلية وخارجية نشيطة، وأضحت هي المركز الشرقي لتجارة مدن العصبة الهانسية. فكانت تتجر عن طريق نهر الدنيبر مع كيف وبيزنطية، وعن طريق نهر الفلجا مع بلاد الإسلام. وكادت تحتكر تجارة الفراء الروسية لأن سلطانها كان يمتد من بسكوف PskoV في الغرب إلى المحيط الجامد الشمالي، ويكاد يصل إلى جبال أورال في الشرق. وسيطر تجار نفجورود الأقوياء الأشراف بعد عام 1196 على الجمعية التي كانت تحكم الإمارة عن طريق أميرها المنتخب. فقد كانت هذه المدينة- الدولة جمهورية حرة تطلق على نفسها اسم "سيدي نفجورود الأكبر". فإذا لم ينل أمير لها رضاء أهلها فإن "سكانها يقدمون له واجب الاحترام ويرشدونه إلى طريق الخروج" من المدينة؛ فإذا قاومهم زجّوه في السجن؛ ولما أراد اسفياتوبولك Sviatopolk أمير كيف الأكبر أن ينصب ابنه أميراً عليهم رغم أنوفهم (1015) قال له أهل نفجورود: "ابعثه إلى هنا إن كان له رأس ليس هو في حاجة إليه"(10). ولكن الجمهورية لم تكن ديمقراطية، لأن العمال وصغار التجار لم يكن لهم صوت في حكومتها، ولم تكن في وسعهم أن يؤثروا في سياستها إلا بالعصيان المتكرر.

وبلغت نفجورود ذروة مجدها في عهد الأمير ألكسندر نفكي Alexander Nevsky (1238-1263) فقد أراد البابا جريجوري التاسع أن يخرج الروسيا من المذهب المسيحي اليوناني إلى المذهب اللاتيني، ودعا إلى حرب صليبية على نفجورود؛ وظهر جيش سويدي على نهر النيفا، فهزمه ألكسندر بالقرب من مدينة ليننغراد الحالية (1240) واشتق لقبه من اسم هذا النهر. وكان نصره هذا أعظم من أن يبقيه رئيساً لجمهورية، فنفي بسببه من المدينة، فلما أن تولي الألمان الحرب الصليبية، واستولوت على بسكوف وتقدموا حتى أصبحوا على بعد سبعة عشر ميلاً من نفجورود، توسلت الجمعية المرتاعة إلى ألكسندر أن يعود، فعاد، واسترد المدينة، وهزم فرسان ليفونيا Livonine على جليد بحيرة بيبوس (1242) وقضي سنيه الأخيرة ذليلاً مهيناً يتزعم أهل بلده تحت نير المغول.

ذلك أن المغول دخلوا الروسيا بقوات لا حصر لها. جاءوا من التركستان، واخترقوا جبال القفقاس، وأبادوا عندها جيشاً من الكرج، ونهبوا بلاد القزم. واستنجد القومان، الذين ظلوا عدة قرون يحاربون كيف، بالروس وقالوا لهم: "لقد امتلكوا اليوم ديارنا، وسيملكون دياركم غداً"(11) وعرف بعض المراء الروس صدق قولهم وقادوا عدة فرق يريدون أن ينضموا بها للدفاع عن القومان. وبعث المغول رسلاً منهم يعرضون على الروس أن يحالفوهم ضد القومان، فقتل الروس الرسل ودارت معركة على شاطئ نهر كلكا Kalak بالقرب من بحر آزاق Azov، هزم فيها المغول جيش الروس والقومان، وأسروا عدداً من قواد الروس  بالخيانة، وكبلوهم بالأغلال، وأقاموا فوقهم طواراً جلس عليه كبار رجال المغول ليطعموا وليمة النصر، بينا كان الأسرى الأشراف يموتون اختناقاً (1223).

ثم ارتد المغول إلى منغوليا، وصرفوا جهودهم في فتح الصين، وعاد الأمراء الروس إلى الحرب فيما بينهم، ولكن المغول عادوا في عام 1237 بقيادة باتو Batu ابن ابن أخي جنكيز خان؛ وكانت عدتهم 500.000كلهم تقريباً من الفرسان؛ وكان الطريق الذي جاءوا منه حول الطرف الشمالي من بحر الخزر، وأعملوا السيف في رقاب الضاربين على ضفتي نهر الفجا، وخربوا مدينة بلغار Bolgar عاصمتهم. وبعث باتو برسالة إلى أمير ريازان يقول فيها: "إن كنت تبغي السلم فأعطنا عشر ما عندك"، فرد عليه بقوله: "إن في وسعك أن تأخذ كل ما عندنا بعد أن نموت"(12)، واستنجدت ريازان بالإمارات الروسية، فأبت أن تنجدها؛ فقاتلت وحدها قتال الأبطال، وخسرت جميع ما تملكه، فقد نهب المغول الذين لا يغلبون جميع مدن ريازان، وحاصروا فلدمير؛ واجتاحوا سورذاليا، وبددوا جيشها، وحرقوا مسكو، وحاصروا فلدمير؛ وقص النبلاء شعرهم واختبئوا في الكنائس ولبسوا مسوح الرهبان، فلما أحرقت الكنيسة والمدينة كلها قتلوا عن آخرهم؛ ودمرت النيران سوزال، ورستوف، وعدداً كبيراً من قرى الإمارة (1238). وزحف المغول على نفجورود، فلما وقفت في سبيلهم الغابات الكثيفة، والأنهار الغزيرة المياه، خربوا شرنجوف Chernigov وبريسلافن، وبلغوا في زحفهم مدينة كيف وبعثوا برسلهم يطلبون إلى المدينة الاستسلام؛ ولما قتل أهل كيف الرسل، عبر المغول نهر الدنيبر، وتغلبوا عليها بالقوة بعد مقاومة ضعيفة، وخربوا المدينة، وقتلوا آلافاً مؤلفة من أهلها؛ ولما أن رأى جيوفني ده بيانو كربيني هذه المدينة بعد ست سنين من ذلك الوقت، وصفها بأنها بلدة تحتوي على مائتي كوخ، وأن الأرض التي حولها كانت تتناثر فيها الجماجم. ولم تكن الطبقات الوسطى والعليا تجرؤ في يوم من الأيام على أن تسلح الفلاحين أو العامة من سكان المدينة، فلما أن جاء المغول كان الأهلون ضعافاً عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم. فأخذ الفاتحون يقتلون أو يسترقونهم كما يحلو لهم.

وتقدم المغول إلى وسط أوربا يغلبون ويُغلبون، ثم عادوا أدراجهم مخترقين الروسيا يعيثون فيها فساداً، فأقاموا على أحد روافد الفلجا مدينة سراي Sarai واتخذوها عاصمة لعشائر مستقلة تعرف باسم الحشد الذهبي. وظل باتو وخلفاؤه يسيطرون على الجزء الأكبر من الروسيا مدة مائتي عام وأربعين عاماً من ذلك الوقت؛ وسمح للأمراء الروس بأن يحتفظوا بأرضهم على شرط أن يؤدوا عنها جزية سنوية لخان الحشد الذهبي، أو للخان الأعظم لقرقورم المغولية، وأن يقدموا من حين إلى حين بزيارة لهذا أو ذاك يقدمون لهما فروض الولاء، ويقطعون فيها مسافات طويلة. وكان المراء يجمعون هذا الخراج ويفرضونه على الأهلين بالمساواة القاسية، يدفع الغني منه بقدر ما يدفع الفقر، ومن عجز عن الدفع بِيْع بَيْع الرقيق. واستسلم الأمراء وخضعوا لسيادة المغول لأنها حمتهم من الثورات الاجتماعية، وانضموا إلى المغول في هجومهم على الشعوب الأخرى ومن بينها الإمارات الروسية نفسها. وتزوج كثيرون من الروس مغوليات، ولربما دخلت بعض ملامح الوجوه، والأخلاق المغولية، في السلالات الروسية(13). وأخذ بعض الروس عن المغول أساليبهم في التحدث والملبس. ولما أصبحت الروسيا تابعة لدولة أسيوية انفصلت إلى حد كبير عن الحضارة الأوربية، وتعاون استبداد الخان مع استبداد أباطرة بيزنطية على إيجاد "حاكم جميع الروس المطلق" في الدولة المسكوفية المتأخرة.

وعرف زعماء المغول أنهم لا يستطيعون إخضاع الروسيا بالقوة وحدها، فاصطلحوا مع الكنيسة الروسية، وحموا لها ممتلكاتها ورجالها، وأعفوا هذه الممتلكات وأولئك الرجال من الضرائب، وجعلوا الإعدام عقاباً لمن ينتهك حرماتها. وقابلت الكنيسة هذا الجميل بمثله- أو لعلها أرغمت على رده إرغاماً- فأوصت الروس بالخضوع للسادة المغول، ودعت الله جهرة أن يهبهم السلامة(14). وأراد آلاف من الروس أن يضمنوا لأنفسهم الأمن والسلام وسط عواصف الرعب فترهبوا؛ وتوالت الهبات على المؤسسات الدينية، حتى أثرت الكنيسة الروسية ثراء فاحشاً وسط الفقر السائد في جميع البلاد. ونمت في الشعوب روح الخضوع والاستسلام، ومهدت السبيل إلى الاستبداد الذي سلط عليها قروناً طوالاً. لكن الروسيا ظلت مع ذلك هي الروسيا وإن حنت رأسها لعاصفة المغول الهوجاء، ووقفت سداً منيعاً تصد عن أوربا سيل الغزاة الأسيويين، فقد تحطمت قوة التيار البشري الجارف على صخرة الأجناس الصقلبية- الروس، والبوهيميين، والمورافيين، والبولنديين- والمجرية؛ وقضت أوربا الغربية فترة من الزمن ترتجف من الهول ولكنها لم تكد يمسها أذى. ولعل بقية أوربا استطاعت أن تسير في طريقها نحو الحرية والسياسة والعقلية، ونحو الثروة، والنعيم، والفن، لأن الروسيا ظلت مائتي عام مغلوبة، ذليلة، راكدة، فقيرة.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> بحر البلقان المضطرب 

الفصل الرابع  

بحر البلقان المضطرب

يرى الناظر إلى بلاد البلقان عن بعد أنها خليط مضطرب من العواصف السياسية والدسائس، ومن الخداع الجذاب والمهارة التجارية، والحروب والاغتيال، والمذابح المدمرة. أما البلغاري، والروماني، والمجري، واليوغسلافي فيرى كل منهم أن أمته هي ثمرة ألف عام من الكفاح للظفر باستقلالها من الإمبراطوريات المحيطة بها، والاحتفاظ بثقافة فذة باهرة، والتعبير عن خصائصها القومية في البناء، واللباس، والشعر، والموسيقى والغناء دون أن يعوقها عن ذلك عائق.

وظلت بلغاريا، التي كانت من قبل دولة قوية في عهد كروم Krum وسيمون Simeon، ثمانية عاماً ومائة عام خاضعة لبيزنطية، ووجد تذمر البلغار والفلاخ Vlach أهل ولاشيا Wallachia من يعبر عنه في شخص أخوين هما يوحنا وبطرس آسن Asen كان لهما الأخوان أهل ترنوفا Trnova إلى كنيسة القديس كمتريوس وأقنعاهم بأن هذا القديس غادر مدينة سلانيك اليونانية ليتخذ ترنوفا موطناً له، وأن في وسع بلغاريا إذا انضوت تحت لوائه أن تستعيد حريتها. وأفلحا في بلوغ هدفهما، وقسما الدولة الجديدة تقسيماً ودياً بينهما، فاتخذ يوحنا ترنوفا مقراً لحكمة واتخذ بطرس برسلاف Preslav. وكان أعظم ملك من نسلهما، وفي تاريخ بلغاريا كله، هو يوحنا آسن الثاني (1218-1241)؛ ذلك أن هذا الملك لم يضم إلى ملكه تراقيا، ومقدونية، وإبيروس، وألبانيا فحسب، بل حكم هذه البلاد حكماً عادلاً أحبه من اجله رعاياه من اليونان أنفسهم. وكسب رضاء البابوات بإظهار الولاء لهم، وبإغداق الأموال على الأديرة؛ وشجع التجارة، والآداب والفنون بمناصرتها وبما سنه لها من القوانين المستنيرة، وجعل ترنوفا من أكثر مدائن أوربا جمالاً، ورفع منزلة بلغاريا في الثقافة والحضارة إلى مصاف معظم الأمم الراقية في تلك الأيام. لكن خلفاءه على العرش لم يرثوا منه حكمته؛ وأشاعت غزوات المغول الاضطراب في الدولة وأضعفتها (1292-1295)، وأدى ذلك إلى خضوعها في القرن الرابع عشر إلى الصرب أولاً ثم إلى الأتراك فيما بعد.

وأفلح الزهوبان Zhupan (الزعيم) استيفن نمانيا Stephen Nemanga في عام 1159 في إخضاع العشائر والأقاليم الصربية المختلفة لحكمه، فكان هو المؤسس الحقيقي لمملكة الصرب، التي ظلت خاضعة لحكم أسرته مائتي عام. وكان ابنه سافا Sava يؤدي للأمة أعمال كبير الأساقفة والحاكم السياسي في وقت واحد، فأصبح فيما بعد أعظم قديسيها منزلة في نفوس الأهلين.وكانت البلاد لا تزال فقيرة، حتى كانت القصور الملكية نفسها تقام من الخشب. وكانت لها فرصة بحرية مزدهرة هي مدينة راجوسا Ragusa (دبرفنيك Dubrovnik الحالية)، ولكن هذه المدينة كانت دولة مستقلة مفردة. أصبحت في عام 1221 خاضعة لحماية البندقية. واتخذ الفن الصربي في خلال هذين القرنين طرازاً خاصاً به وبلغ درجة عظيمة من الإتقان في هذا الطراز الخاص، نتبينهما في الصور والنقوش المرسومة على جدران كنيسة القديس بنتيليمون Panteleimon ذات الدير في نريز Nerez (حوالي عام 1164)، فهي تكشف عن واقعية مسرحية لم نعتدها في التصوير البيزنطي، وتسبق بقرن من الزمان بعض أساليب التصوير التي كانت في ظن الناس من ابتكار دشيو Duccio وجيتو Giotto. وتظهر في هذه الصور الجدارية وغيرها مما رسم في القرنين الثاني عشر والثالث عشر صور للملوك تنم عن فردية لا تضارعها فيها أية صورة بيزنطية قبل ذلك العهد(15).

 وبنما كانت بلاد الصرب في العصور الوسطى تسير نحو حضارة راقية، حطمت الاضطهادات والمروق من الدين وحدة الأمة، ولربما كان في وسعها لولا هذا أن تقف زحف الأتراك. كذلك أضعفت المنازعات الدينية البوسنة Bosnia بعد أن بلغت ذروة مجدها في العصور الوسطى تحت حكم البان Ban (أي الملك) كولين Kulin (1180-1204)، وما زالت كذلك حتى خضعت إلى المجر عام 1254.

وعم الاضطراب هنغاريا بعد موت استيفن الأول (1038) من جراء الفتن التي أثارها المجر الوثنيون على الملوك الكاثوليك، وما بذله هنري الثالث من محاولات لضم هنغاريا إلى ألمانيا. وهزم اندرو الأول Andrew I هنري، ولما جدد الإمبراطور هنري الرابع هذه المحاولة فوت الملك جيزا الأول Giza I عليه غرضه بأن أعطى هنغاريا إلى جريجوري السابع، ثم استردها منه إقطاعية بابوية (1076). وأدى التنافس على العرش في القرن الثاني عشر إلى تقوية الإقطاع في البلاد، فقد منح المتنافسون النبلاء إقطاعيات واسعة نظير تأييدهم لهم، حتى بلغ هؤلاء النبلاء من القوة في عام 1222 ما مكنهم من انتزع "مرسوم ذهبي Golden Bull" شبيه شبهاً عجيباً بالعهد الأعظم (مجنا كارتا) الذي وقعه جون ملك إنجلترا في عام 1215. وقد أنكر هذا المرسوم وراثة الإقطاعيات، ولكنه وعد أن يدعى مجلس كل عام، وألا يسجن أي نبيل إلا بعد أن يحاكم أمام كونت من القصر الإمبراطوري، وألا تفرض ضريبة ما على ضياع الأشراف أو رجال الدين. وظل هذا المرسوم الملكي المعروف باسم المرسوم الذهبي نسبة إلى غلافه أو خاتمه صك الحرية لأشراف هنغاريا، وأضعف سلطة الملكية الهنغارية وقت أن كان المغول يستعدون لإيقاع أوربا في أزمة من أشد الأزمات في تاريخها كله.

وفي وسعنا أن ندرك ما بلغه المغول من سعة الملك وقوة السلطان إذا ذكرنا أن أجادي Ogadi الخان الأعظم سير في عام 1235 ثلاثة جيوش للزحف على كوريا والصين وأوربا. وعبر الجيش الثالث بقيادة باتو نهر الفلجا في عام 1237، وكانت عدته ثلاثمائة ألف مقاتل. ولم يكن هذا الجيش حشداً غير نظامي، بل كان قوة جيدة التدريب، حسنة القيادة مجهزة بآلات قوية للحصار وبأسلحة نارية جديدة عرف المغول طريقة استعمالها من الصينيين. وخرب هؤلاء المحاربون في مدى ثلاث سنين الروسيا الجنوبية كلها تقريباً. وكأنما كان باتو غير قادر على أن يفكر في الهزيمة فقسم هذا الجيش قسمين، زحف أحدهما على بولندة، واستولى على كركوفيا Cracow ولبلين Lubiln وعبر نهر الأودر وهزم الألمان في ليجنتز Leignitz (1241)؛ وتسلق الجيش الثاني بقيادة باتو نفسه جبال الكربات، وهاجم هنغاريا، والتقى بقوات هنغاريا والنمسا المتحدة عند موهي Mohi وأوقع بها هزيمة الاعتدال فيما يذكرون من الأرقام- عدد القتلى من المسيحيين بمائة ألف، وقدر الإمبراطور فردريك الثاني خسائر الهنغاريين بما "لا يكاد يقل عن جميع القوة الحربية للملكة"(16). ومن سخريات التاريخ أن الغالبين والمغلوبين في هذه البلاد كانوا من دم واحد، فقد كان للقتلى من أشراف هنغاريا أبناء المجر المغول الذين اجتاحوا البلاد قبل ثلاثة قرون من ذلك الوقت. واستولى باتو على بست Pesth وإزترجوم Eztergom (1241)؛ وعبرت قوة من المغول نهر الدانوب، وأخذت تطارد الملك الهنغاري بيلا الرابع Bela IV حتى وصلت إلى شاطئ البحر الأدرياوي، وكانت أينما حلت تنزل الخراب والدمار. وأخذ فردريك الثاني يهيب بأوربا

أن تتحد لتستطيع الوقوف في وجه تيار الغزو الأسيوي الجارف، ولكن نداءه كان صرخة في واد. وحاول أنوسنت الثالث أن يدعو المغول إلى المسيحية والى السلام، ولكن دعوته هو الآخر ذهبت أدراج الرياح؛ وكان الذي أنجى المسيحية وأوربا هو موت أجادي وعودة باتو إلى قوقورم للاشتراك في انتخاب خان جديد. ولم يحدث في التاريخ كله تخريب أشمل من هذا التخريب أو أوسع فقد امتد من المحيط الهادي إلى البحرين الأدرياوي والبلطي.

وعاد بيلا الرابع إلى بست المخربة وعمرها بالألمان، ونقل عاصمة ملكه إلى بودا Buda على الضفة الأخرى من الدانوب (1247)؛ وأعاد على مهل اقتصاديات بلاده المحطمة. وقامت طبقة جديدة من الأشراف فأعادت تنظيم المراعي والضياع الكبرى التي كان الرعاة الفلاحون الأذلاء ينتجون منها الطعام للأمة. وهبط عمال المناجم الألمان من أرزجيرج واستخرجوا المعادن الخام الغنية من ترنسلفانيا Transylvania. وكانت حياة الأهلين وعاداتهم لا تزال خشنة غليظة، وأدوات العمل بدائية، والبيوت أكواخاً من الأغصان والطين. وقام الرجال في هذه البيئة التي تضطرب فيها الأجناس واللغات، وينقسم فيها الأهلون إلى طبقات ومذاهب دينية متنابذة متعادية، قام الرجال في هذه البيئة يعملون لتحصيل أرزاقهم ومكاسبهم، ووصل أسباب الاقتصاد الذي هو منبت الحضارة. 

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> دول التخوم

الفصل الخامس  

دول التخوم

كما أن كل نقطة في الكون اللانهائي يمكن أن تعد مركزاً له، كذلك نرى كل أمة وكل نفس في موكب الحضارات والدول تفسر مسرحية التاريخ والحياة تفسيراً يدور حول صفاتها هي والدور الذي قامت به فيه. وكان في شمال جبال البلقان خليط آخر من الشعوب- من البوهيميين، والبولنديين، واللتوانيين، والليفونيين، والفنلنديين، كل واحد منها يجعل تاريخه القومي المحور الذي حوله العالم كله مستمسكاً في ذلك بالعزة القومية التي تبعث الحياة في نفوس الشعوب.

وكان الفلنديون الذين تربطهم بالمجر والصرب صلات دم بعيدة، يعيشون في بداية العصور الوسطى على ضفتي نهر الفلجا الأعلى والأوكا Oka. وقبل أن يستهل القرن الثامن هاجر أولئك الأقوام إلى الأراضي الجدباء المسرحية المناظر المعروفة عند غيرهم باسم فنلندة وعندهم هم باسم السؤمي Suomi أو أرض المناقع، ولما أخذوا يغيرون على سواحل اسكنديناوة اضطر إرك التاسع Eric Ix ملك السويد إلى فتح بلادهم في عام 1157. وترك إرك أسقفاً عندهم في أبسالا لينشر بينهم الحضارة، فقتل الفنلنديون الأسقف هنري ثم اتخذوه بعد قتله قديسهم الشفيع، وأخذوا في بسالة هادئة يزيلون ويجففون المناقع، ويصرفون مياه العشرة "الآلاف بحيرة"(17) ويجمعون الفراء، ويجاهدون ضد الثلوج.

وأخذت قبائل قريبة في أصولها من الفنلنديين تعمل بالفأس والمجرف جنوب خليج فنلندة، وهي قبائل البروسيين Borussians أو Prussians، والإسث Esths (الإستونيين)، واللف، Livs (اللفونيين)، واللتفا Litva (اللثوانيين) واللت Letts واللتفيين. فكانوا يصيدون الحيوان من الغابات، والسمك من مياه البحار والأنهار، ويربون النحل، ويفلحون الأرض، ويتركون وراءهم تراثاً من الآداب والفنون لمن هم أقل منهم قوة من خلفائهم الذين كانوا هم يكدحون من أجلهم. وظلت هذه القبائل كلها ما عدا الأستونيين وثنية حتى القرن الثاني عشر حين نشر الألمان بينهم المسيحية والحضارة بالنار والسيف. ولما وجد اللفونيون أن الألمان يتخذون الدين المسيحي وسيلة للتسلل إلى بلادهم والسيطرة عليهم قتلوا المبشرين، ونزلوا إلى نهر الدفينا Dvina ليتطهروا فيه من دنس التعمد، وعادوا إلى آلهتهم القدامى. ودعا إنوسنت الثالث إلى شن حرب صليبية عليهم، ودخل الأسقف ألبرت Albert نهر الدفينا لحكم الألمان 1201. وأتمت طائفتان من الفرسان الدينيين- العسكريين طائفتا الفرسان اللفونيين، والفرسان التيوتون إخضاع دول البحر البلطي لألمانيا، وامتلكوا فيها أرضين واسعة، ونشروا الدين المسيحي بين أهلها، واتخذوهم رقيق أرض(18). وقويت قلوب الفرسان التيوتون بهذا النجاح، فتقدموا نحو الروسيا يرجون أن يخضعوا في القليل ولاياتها الغربية لألمانيا وللمسيحية اللاتينية، ولكنهم هزموا عند بحيرة بيبوس (1242) في واقعة من مواقع التاريخ الحاسمة التي لا يحصى لها عدد.

وكان بحر آخر من الصقالية يموج حول هذه الدول البلطية. وكان منهم طائفة تسمى البولانيين أي "شعب الحقول"- وكانت تفلح أودية أنهار الوارث Warthe والأودر Oder، وطائفة أخرى تسمى المازور Mazurs، تسكن على ضفتي نهر الفستيولا Vistula، وطائفة ثالثة تدعى البومرزاني Pomerzani (أي "بجانب البحر") هي التي اشتق منها اسم بمرانيا Pomerania. وأراد الأمير البولندي ميسزكو الأول Mieszko I أن يجنب بلاده فتح الألمان، فوضع بولندة تحت حماية البابابوات، وأدارت بولندة من ذلك الحين ظهرها نحو صقالبة الشرق نصف البيزنطيين، وألقت بنفسها في أحضان أوربا الغربية والمسيحية الرومانية. وفتح بلسلاف الأول Boleslav I، (992-1025) ابن ميسزكو بومرانيا، وضم إلى بلاده برسلو Breslau وكركوفيا Cracow ونصب نفسه أو ل ملك على بولندة. وقسم بلسلاف الثالث Boleslav III (1102-1139) المملكة بين أبنائه الأربعة؛ وضعفت الملكية بعد هذا التقسيم، وقسم الأشراف الأرض إمارات إقطاعية، وأخذت بولندة تنقلب بين الحرية تارة والخضوع لألمانيا وبوهيميا تارة أخرى. واندفع عليها تيار المغول الجارف في عام 1241، واستولوا على كركوفيا عاصمة البلاد، ودكوها دكاً. ولما انحسر تيار الأسيويين طغت في أثره موجة من المهاجرين الألمان على بولندة الغربية، وخلقت فيها مزيجاً قوياً من لغة الألمان وشرائعهم، ودمائهم، ورحب بلسلاف الخامس في هذا الوقت عينه (1246) باليهود الفارين من المذابح في ألمانيا، وشجعهم على تنمية الأعمال التجارية والمالية، واختير ونسسلاس الثاني Wenceslas II ملك بوهيميا ملكاً على بولندة في عام 1310، وضم الأمتين تحت تاج واحد.

واستقر الصقالبة في بوهيميا ومورافيا في القرنين الخامس والسادس؛ وقام زعيم صلقبي يدعى سامو في عام 623 وحرر بوهيميا من حكم الآفار وأسس فيها دزلة ملكية مطلقة ماتت بموته في عام 658. وغزا شارلمان أرضها في عام 805، وظلت بوهيميا ومورافيا جزأين من الدولة الكارولنجية زمناً لا نعرف مداه. حتى إذا كان عام 894 أخضعت أسرة بريميزل Premysl كلا الإقليميين لسلطانها الدائم، ولكن المجر حكموا مورافيا نصف قرن من الزمان (907-957). وفي عام 928 أخضع هنري الأول بوهيميا للألمان. وعم الرخاء بوهيميا في عهد الدوق ونسسلاس الأول Wencaslas I، (928-935) على الرغم من خضوعها للألمان هذا الخضوع المتقطع. وكانت أم هذا الدوق القديسة لدملا St. Ludmilla قد ربته تربية مسيحية خالصة، وظل بعد أن تولى الحكم مسيحياً مخلصاً يطعم الفقراء ويكسوهم، ويحمي الأرامل والأيتام، ويستضيف الغرباء، ويحرر الأرقاء من ماله. وحاول أخوه أن يغتاله لأنه تعوزه الرذائل التي لابد من وجودها في الملوك، فضربه ونسسلاس بيده وعفا عنه، ولكن غيره من المتآمرين اغتالوا الملك وهو في طريقه لحضور القداس في اليوم الخامس والعشرين من شهر سبتمبر عام 935؛ ولا تزال أهل بوهيميا يحتفلون بهذا اليوم ويسمونه عيد ونسسلال قديس بوهيميا وحارسها.

وخلفه أدواق ذوو نزعة حربية، وزحف بلسلاف الأول Boleslav I (939-967) والثاني (967-999)، وبراتسلاف الأول Bratislav I (1037-1055) من عاصمتهم ذات الموقع الحربي المنيع وفتحوا مورافيا، وسيليزيا، وبولندة؛ ولكن هنري الثالث أرغم براتسلاف على الجلاء عن بولندة والعودة إلى أداء الجزية لألمانيا. ثم حرر أتوكار الأول Attokar I 1197-1230 بوهيميا وصار أول ملوكها، وأخضع أتوكار الثاني النمسا، واستيريا Styria وكارنثيا؛ وكان أرتوكا هذا شديد الرغبة في تنمية الصناعة وإيجاد طبقة وسطى في البلاد يقاوم بها النبلاء المتمردين، فشجع الألمان على أن يهاجروا إلى بلاده حتى أصبح العنصر الألماني هو الكثرة الغالبية من سكان مدن بوهيميا ومورافيا كلها تقريباً(19)، وأصبحت مناجم الفضة في كتناهورا Kutna Hora أساس رخاء بوهيميا ومطمع غزاتها الكثيرين. وأعلن الألمان الحرب على أتوكار في عام 1274، وأبى أشراف بلاده أن يساعدوه على الغزاة، فتخلى لهم عن فتوحه، واحتفظ بعرشه بوصفه أميراً إقطاعياً خاضعاً لألمانيا. ولما أن تدخل الإمبراطور ردولف هبسبرج Rudolf of Hapsburg في شئون بوهيميا الداخلية عبأ أتوكار جيشاً جديداً حارب به الألمان عند درنكروت Durnkrut؛ وتخلى عنه النبلاء للمرة الثانية، فألقى بنفسه في وطيس المعمعة بين صفوف الأعداء المتراصة، ومات وهو يقاتل قتال المستيئس.

وصالح ونسسلاس الثاني (1287-1305) الألمان على أن يعود أميراً إقطاعياً خاضعاً لهم، وبذل جهوداً جبارة في إعادة النظام والرخاء إلى البلاد. وانتهى بموته عهد الأسرة البريمسلية بعد أن حكمت البلاد خمسمائة عام. كان البوهيميون، والمورافيون، والبولنديون هم كل من بقي من المهاجرين الصقالبة الذين كانوا يملئون من قبل ألمانيا الشرقية إلى حدود نهر الإلب، كانوا في الوقت الذي نتحدث عنه خاضعين لسلطان الألمان.

 

 برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> ألمانيا 

الفصل السادس

ألمانيا

كان الذين كسبوا المعركة في النزاع التاريخي القائم حول تولي غير رجال الدين المناصب الكهنوتية هم أشراف ألمانيا- الأدواق واللوردة، والأساقفة، ورؤساء الأديرة. وقد سيطر هؤلاء على الملكية الضعيفة بعد هزيمة هنري الرابع؛ وأقاموا في البلاد نظاماً إقطاعياً يعمل على تفكيكها وإضعاف سلطان حكومتها المركزية، وأدى هذا النظام إلى حرمان ألمانيا في القرن الثالث عشر من زعامة أوربا.

وخلع هنري الخامس (1106-1126) أباه عن العرش، وواصل كفاح أبيه ضد البارونات والبابوات. ولما رفض بسكال الثاني Paschael II أن يتوجه إمبراطوراً إلا إذا نزل عن حقه في تولية غير رجال الدين المناصب الكهنوتية، زج بالبابا والكرادلة في السجن. ولما مات ألغي الأشراف نظام الملكية الوراثية، وقضوا على الأسرة الفرنكونية Franconian، وولوا لوثير الثالث Lothair III السكسوني ملكاً على البلاد، وبعد ثلاثة عشر عاماً من ذلك الوقت أسس كنراد الثالث Conrad III أسرة هوهنستاوفن Hohenstaufen السوابية أقوى أسرة ملكية في تاريخ ألمانيا كله.

ولم يوافق الدوق هنري البافاري على من وقع عليه اختيار الناخبين، وأيده في هذا الرفض عمه ولف Welf أو جلف Guelf؛ وشب النزاع من هذا الوقت بين جلف وغبلين Ghibelline وهو النزاع الذي اتخذ في القرنين الثاني عشر والثالث عشر صوراً كثيرة، وكانت له نتائج متعددة .

وحاصر جيش آل هوهنستاوفن العصاة البافاريين في بلده ويزبرج Weisberg وقلعتها. وتقول إحدى الروايات القديمة إن المدينتين المتنازعتين "هي ولف!" ز"هي ويبلنجّ" سجلتا اسم الطائفتين المقتتلتين، وتقول القصص الظريفة إنه لما قبل السوابيون المنتصرون استسلام المدينة على أن يؤمن النساء وحدهن من القتل، وان يسمح لهن بمغادرتها ومعهن كل ما يستطعن حمله، خرجت من القتل، وأن يسمح لهن بمغادرتها وهن يحملن أزواجهن على ظهورهن(20). وعقدت هدنة في عام 1142 حين خرج كنراد للحرب الصليبية، ولكن كنراد أخفق في غرضه وعاد يجلله العار. وخيل إلى الناس أن بيت هوهنستاوفن قد تلطخ اسمه بالعار حين جلس على العرش أعظم رجل من رجاله.

وكان فريدريخ friedrich (سيد السلام) أو فردريك الأول (1152-1190) في سن الثلاثين حين اختير ملكاً. ولم يكن رجلاً مهيب الطلعة- فقد كان قصير القامة، أبيض البشرة، أصفر الشعر، ذا لحية حمراء أكسبته في إيطاليا اسم بربروسه Barbarossa، ولكنه كان ذا عقل صاف وعزيمة ماضية؛ قضي حياته في العمل لخير الدولة، وأعاد ألمانيا إلى زعامة العالم المسيحي وإن كان قد مني بكثير من الهزائم. وإذ كان يجري في عروقه دم آل هوهنستاوفن وآل ولف جميعاً، فقد نادى بسلم في البلاد Landfried، وصالح أعداءه، وهدأ أصدقاءه، وقضى بشدة على المنازعات، والاضطرابات، والجرائم. ويصفه معاصروه بدماثة الخلق، وباستعداده الدائم ابتسامة رقيقة جذابة، وإن كان "شديد الوطأة على الأشرار" حتى كانت قسوة قوانينه الجنائية، وهمجيتها عاملاً في تقدم الحضارة في ألمانيا. وكان الناس يثنون بحق على حياته الخاصة لما عرف عنه من تمسكه بأهداب العفة والفضيلة، وإن كان قد طلق زوجته الأولى لقربها إليه من ناحية العصب، وتزوج بوريثة كونت برغندية فنال بهذا الزواج مع عروسة مملكة.

وإذ كان يتوق لأن يتوجه البابا إمبراطوراً، فقد وعد يوجنيوس الثالث Eugenius III أن يساعده على الرومان المتمردين، والنورمان المشاكسين، إذا حقق البابا رغبته، وقدم الملك الشاب الفخور إلى نيبي Nepi القريبة من روما حيث التقى بهدريان الرابع البابا الجديد، وأغفل الشعيرة المعتادة القاضية بأن يمسك الحاكم الزمني زمام جواد البابا وركابه ويساعده على النزول. وبذلك نزل هدريان إلى الأرض من غير معونة، وأبى على فردريك "قبلة السلام" وتاج الإمبراطورية إلا إذا أدى فردريك هذه الشعيرة. وظل أعوان البابا والملك يومين كاملين يتناقشون في هذه المسألة ويجعلون تاج الإمبراطورية معلقاً على أداء المراسم الشكلية، حتى خضع فردريك آخر الأمر، فانسحب البابا وعاد إلى المدينة ممتطياً صهوة جواده، وأمسك فردريك بزمام فرس البابا وركابه، وظل من ذلك الحين يتحدث عن الإمبراطورية المقدسة، يرجو من وراء هذا أن يعترف العالم بأن الإمبراطور هو البابا النائبان عن الله في الأرض.

وجعله لقبه الإمبراطوري ملكاً على لمبارديا أيضاً؛ ولم يكن حاكم ألماني بعد هنري الرابع يستمسك بحرفية هذا اللقب، ولكن فردريك سرعان ما بعث إلى كل بلد من بلدان إيطاليا الشمالية حاكماً يصرف أمورها باسمه. وقبلت بعض المدن أولئك السادة الأجانب ولم يقبلهم بعضها. وإذ كان فردريك يحب النظام أكثر من الحرية، ولعله أيضاً كان يرغب في السيطرة على المنافذ الإيطالية لتجارة ألمانيا مع بلاد الشرق، فقد خرج في عام 1158 ليخضع البلاد الثائرة التي تعشق الحرية أكثر من النظام. واستدعى إلى بلاطه في رنكاجليا Roncaglia فقهاء القانون الذين كانوا يحيون الشريعة الرومانية في بولونيا؛ وسره أن يعرف منهم أن هذه الشريعة تجعل الإمبراطور صاحب السلطة المطلقة على جميع أجزاء الإمبراطورية والمالك لكل ما فيها، وتخوله حق تعديل الحقوق الشخصية أو إلغائها إذا رأى في تعديلها أو إلغائها مصلحة للدولة. ورفض البابا اسكندر الثالث هذه الادعاءات لخوفه منها على حقوق البابوية الزمنية، وأيد هذه الرفض بإعلانه أن هذه الحقوق هبات من بيبين وشارلمان؛ ولما أصر فردريك على الاستمساك بمطالبه حرمه البابا من الكنيسة (1160). وانتقلت وقتئذ صيحات مدينتي جلف وغبلين لتمثل أولاهما مؤيدي البابا والثانية مؤيدي الإمبراطور. وحاصر فردريك مدينة ميلان العنيدة عامين كاملين، حتى إذا استولى عليها آخر الأمر حرقها عن آخرها (1162). وأغضبت هذه القسوة مدائن فيرونا، وفيسنزا، وبدوا، وترفيزو، وفرارا، ومانتوا، وبرشيا، وبرجامو، وكرمونا، وبياسنزا، وبارما، ومودينا، وبولونيا، وميلان، فعقدت فيما بينهما حلف جامعة المدن اللمباردية (1167) وهزمت جيوش تلك الجامعة جيش فردريك الألماني عند لنيانو في عام 1176، وأرغمته على أن يعقد هدنة تدوم ست سنين. واصطلح الإمبراطور والبابا بعد عام من ذلك الوقت، ووقع فردريك معاهدة صلح في كنستانس (1183) أعاد بها الحكم الذاتي إلى المدن الإيطالية. وأقرت هذه المدن في نظير هذا بالسيادة الاسمية للإمبراطورية عليها، ووافقت كرماً منها وشهامة على أن تمد فردريك وحاشيته بما يلزمه من الزاد في زيارته للمبارديا.

وهكذا هزم فردريك في إيطاليا ولكنه انتصر في جميع البلاد الأخرى، وأفلح في تثبيت دعائم السلطة الإمبراطورية على بولندة، وبوهيميا، وهنغاريا. وفرض من جديد على رجال الدين الألمان، بالفعل إن لم يكن بالقول، جميع حقوق تولي المناصب التي كان يطالب بها هنري الرابع، وكسب معونة هؤلاء الرجال حتى على البابوات أنفسهم(21). ونعمت ألمانيا بما ناله من مجد، وسرها أن تستدعيه من إيطاليا، واغتبطت بمواكب الفرسان التي كانت تسير في حفلات تتويجه، وزيجاته، وأعياده. وخرج الإمبراطور الشيخ في عام 1189 على رأس مائة ألف من الرجال إلى الحرب الصليبية الثالثة، ولعله كان يرغب في أن يؤلف من الشرق والغرب إمبراطورية رومانية تعود إلى رقعتها القديمة. ومات الإمبراطور غريقاً في قليقية بعد عام من ذلك الوقت.

وكان فردريك كما كان شارلمان مشبعاً إلى أقصى حد بالتقاليد الرومانية، وقد أنهك قواه بما بذله من الجهد لإحياء ماضيها الميت. وحزن أنصار الملكية المطلقة المعجبون بها لما مني به من الهزائم، وعدوها انتصاراً للفوضى، أما عشاق الديمقراطية فيسرون بها ويرونها مراحل في طريق الحرية. وإذا ما نظرنا إلى أعماله بعينه هو رأيناه على حق فيما فعل؛ فقد كانت ألمانيا وإيطاليا تسيران مسرعتين في طريق الفساد واختلال النظام، ولم تكن سلطة غير سلطة الإمبراطورية القوية تستطيع القضاء على المنازعات والاضطرابات الإقطاعية والحروب القاتمة بين المدن المختلفة، وكان لابد أن يستتب النظام ليمهد السبيل إلى نشأة الحرية القومية. ونسجت حول فردريك الأول في عهود الضعف الألمانية المقبلة أقاصيص دالة على حب الشعب له، وخلع على بربروسه بعد حين من الصفات ما كان القرن الثالث عشر يتصور وجوده في حفيده: فقيل إنه لم يمت بحق بل كل ما في الأمر أنه كان نائماً في جبال كيفهوزر Kyffhauser بثورنجيا Thuringia، وكان في مقدور الناس أن يروا لحيته الطويلة تنمو مخترقة ما يغطيه من الرخام؛ وسوف يستيقظ من نومه في يوم من الأيام، وينفض الثرى عن كتفيه، ويعيد إلى ألمانيا النظام والقوة. ولما أنشأ بسمارك دولة ألمانيا الموحدة قال هذا الشعب الفخور إنه هو بربروسه نهض ظافراً من قبره(22).

وكاد هنري السادس (1190-1197) يحقق حلم أبيه، فقد انتزع في عام 1194 جنوبي إيطاليا وصقلية من النورمان بمعونة جنوى وبيزا، وخضعت له إيطاليا كلها عدا الولايات البابوية. وضمت بروفانس، ودوفينيه Cauphine، وبرغندية؛ وألساس، ولورين، وسويسرا، وهولندة، وألمانيا، والنمسا، وبوهيميا، ومورافيا، وبولندة ضمت هذه كلها إلى أملاك هنري، واعترفت إنجلترا بسيادته عليها، وأدى له المسلمون الموحدون الجزية، وطلبت إنطاكية، وقليقية، وقبرص أن تضم إلى الإمبراطورية، وكان هنري ينظر بنهم إلى فرنسا وأسبانيا، وقد وضع الخطط للاستيلاء على بيزنطية، وكانت الفرق الأولى من جيشه قد أبحرت إلى بلاد الشرق حين أصيب بزحار البطن وقضي نحبه في صقلية وهو في الثالثة والثلاثين من عمره.

ولم يكن هنري قد حسب حساب مناخ هذه البلاد التي فتحها وأعد العدة لاتقاء ثأرها منه. ولم يكن له إلا ولد واحد هو طفل في الثالثة من عمره، وأعقبت موته فترة من الفوضى دامت نحو عشر سنين أخذ المطالبون بالعرش فيها يقتتلون فيما بينهم. ولما أن بلغ فردريك الثاني سن الرشد تجددت الحرب بين الإمبراطورية والبابوية، تجددت في إيطاليا على يد ملك ألماني- نورماني أصبح إيطاليا، سنتحدث عنه فيما بعد حين نتكلم على إيطاليا. وأعقبت موت فردريك الثاني (1250) نحو ثلاثين عاماً أخرى من الفوضى يسميها شلر: "العهد المرعب الذي لا سادة فيه"، باع فيه الأمراء الناخبون عرش ألمانيا لكل مستضعف يتركهم أحراراً في أن يوطدوا أركان سلطانهم المستقبل. وتكشف عهد الفوضى عن نهاية أسرة هوهنستاوفن، وأنشأ رودلف الهبسبرجي في عام 1273 أسرة جديدة واتخذ فينا عاصمة له. وأراد رودلف أن يكسب تاج الإمبراطورية، فوقع في عام 1279 إعلاناً يعترف فيه بخضوع السلطة الملكية البابوية خضوعاً تاماً؛ ويتخلى فيه عن جميع مطالبه في إيطاليا الجنوبية وصقلية. ولم يصبح رودلف إمبراطوراً قط، ولكنه استطاع بشجاعته، وإخلاصه، ونشاطه أن يعيد النظام والرخاء إلى ألمانيا، وأن ينشئ أسرة قوية ظلت تحكم النمسا وهنغاريا حتى عام 1918.

وبذل هنري السابع (1308-1313) آخر الجهود لتوحيد ـألمانيا وإيطاليا فعبر جبال الألب (1310) بمعونة ضئيلة من الأشراف الألمان وقوة صغيرة من فرسان الوالون Walloon ، ورحبت به كثير من مدن لمبارديا، وكانت قد سئمت حرب الطبقات ونزاع المدن بعضها مع بعض، وتاقت نفسها إلى التحرر من سلطان الكنيسة عليها. ورحب دانتي بالغزاة برسالة عن الملكية، أعلن فيها بشجاعة تحرر السلطة الزمنية من السلطة الروحية، وطلب فيها إلى هنري أن ينقذ إيطاليا من سيطرة البابوية، ولكن الجلف من أهل فلورنس أصبحت لهم الغلبة في البلاد، وسحبت المدن المشاكسة تأييدها، ومات هنري، وهو محوط بالأعداء، بحمى الملاريا وهي الداء الذي تجزي به إيطاليا بلين الفنية والفنية عاشقيها المملقين.

وصدت ألمانيا في الجنوب حواجز من طبيعة الأرض، واختلاف العنصر، واللعنة، فوجدت لها مخرجاً وتعويضاً في جهة الشرق، فاستردت الهجرات والفتوح والاستعمار الألماني والهولندي ثلاثة أخماس ألمانيا من الصقالبة؛ وانتشر الألمان الكثير والنسل على ضفتي الدانوب ووصلوا هنغاريا ورومانيا؛ وأقام التجار الألمان أسواقاً وثغوراً في فرانكفورت على الأودر، وفي برسلاو، وبراج، ودانترج وريجا ودوربات Dorpt وريفال Reval، ومراكز تجارية في كل مكان في الرقعة الممتدة من بحر الشمال والبحر البلطي إلى جبال الألب والبحر الأسود. لقد كانت فتوحهم وحشية، ولكن النتائج أدت إلى رقي لا يستطاع تقديره في حياة سكان الحدود الاقتصادية والثقافية.

وكان انهماك الأباطرة في هذه الفترة السالفة الذكر في شئون إيطاليا، وحاجتهم المتكررة إلى ضمان تأييد الأشراف والفرسان، أو مكافأتهم على هذا التأييد بهبات الأرض أو السلطان، وما طرأ على سلطة الملوك الألمان من الضعف بسبب مقاومة البابا لهم وخروج اللمبارد عليهم، كان هذا كله قد ترك الأشراف أحراراً يتملكون الأرض في الريف، وينزلون الفلاحين منزلة الرقيق؛ فعلاً بذلك شأن الإقطاع في القرن الثالث عشر في ألمانيا بينما كان سلطان الملوك يقضي عليه في فرنسا. وأصبح الأساقفة الذين قربهم الأباطرة الأولون ليكونوا في ظهر الأشراف، أصبح هؤلاء طبقة ثانية من النبلاء، لا يقلون ثروة وقوة واستقلالاً عن الأشراف الدنيويين. ولم يحل عام 1263 حتى عهد الإقطاعيون إلى سبعة من الأشراف- هم كبراء أساقفة مينز وتريير، وكولوني، ودوقا سكسونيا وبارفيا، وكونت بلاتين ومارجريف برندنبرج حق اختيار الملك. وحد هؤلاء الناخبون من سلطان الحاكم، واغتصبوا الامتيازات الملكية، واستولوا على أراضي التاج. ولقد كان يسعهم أن يعملوا عمل الحكومة المركزية ويهيئوا للأمة وحدتها، ولكنهم لم يفعلوا، بل كانوا فيما بين الانتخابين يسيرون كما يحلو لهم، ولم تكن أمة ألمانية قد وجدت بعد، وكل ما كان موجوداً هم السسكون والسوابين، والبافاريون، والفرنجة... وكذلك لم يكن هناك برلمان قومي، بل كانت في البلاد المختلفة مجالس إقليمية تسمى لاندتاج Landtage. ولما قام مجلس ريشستاغ Reichstag أو مجلس لمجموعة البلاد الألمانية في عام 1247، اضمحل فيما بين عهدي الانتخاب، ولم يعل شأنه إلا في عام 1338، وكانت طائفة من الموظفين- من رقيق الأرض أو الأحرار المعينين من قبل الملوك. يؤلفون بيروقراطية مفككة ويكسبون نظام الحكم نوعاً من الاستمرار غير المترابط. ولم يكن للبلاد عاصمة موحدة يتركز فيها ولاء الشعب واهتمامه؛ ولم تكن هناك مجموعة موحدة من القوانين تحكم بها البلاد كلها، فقد احتفظ كل إقليم بعاداته وقوانينه رغم ما بذله بربروسه من الجهد لفرض القانون الروماني على ألمانيا كلها. وحدث في عام 1225 أن صيغت قوانين سكسونيا في كتاب واحد سمي المرآة السكسونية Sachsenspiegel، وفي عام 1275 صيغت قوانين سوابيا وعاداتها في "المرآة السوابية" Schwabenspiegel؛ وأيد هذان القانونان ما كان للشعب من حق قديم في اختيار ملوكه، وما كان للفلاحين من حق الاحتفاظ بحريتهم وأرضهم، وقالت المرآة السكسونية في هذا الصدد إن رق الأرض والاستعباد يتعارضان مع الطبيعة البشرية ومع إرادة الله، وأن أصلهما يرجع إلى القوة أو الغش(23)، لكن رق الأرض أخذ مع ذلك ينمو ويزداد.

وكان عهد آل هوهنستاوفن (1183-1254) أعظم العهود الألمانية قبل بسمارك. نعم إن عادات الشعب وآدابه كانت لا تزال خشنة غليظة، وكانت قوانينه مضطربة هي والفوضى سواء، وأخلاقه خليطاً من الأخلاق المسيحية والوثنية، ومسيحيته نصف ستار لانتهاب الأراضي واغتصابها من أصحابها. كذلك لم تكن ثروة الشعب أو وسائل نعيمه تضارع ثروة شعب إيطاليا أو فلاندرز إذا وازنا مدينة في ألمانيا بمدينة مثلها في ذينك البلدين الأخيرين. ولكن الفلاحين الألمان كانوا مجدين كثيري النسل، وكان التجار الألمان مغامرين ذوي إقدام، والأشراف أكثر سكان أوربا ثقافة وقوة، والملوك هم الرؤساء الزمنيين للعالم الغربي يحكمون بلاداً تمتد من نهر الرين إلى نهر الفستيولا، ومن نهر الرون إلى جبال البلقان، ومن البحر البلطي إلى الدانوب، ومن بحر الشمال إلى صقلية. ونشأت وترعرعت مائة مدينة ومدينة بفضل حياتها الاقتصادية الناشطة، وكان لكثير منها صكوك ومواثيق تؤيد حكمها الذاتي؛ وأخذت على مر السنين تزداد ثروتها وتزدهر فنونها حتى كانت في عصر النهضة فخر ألمانيا وشاهداً على عظمتها ومجدها، وإنا ليعترينا الآن الأسى والحزن على ما كان لها من جمال زال ولم يبق له وجود.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> اسكنديناوة 

الفصل السابع

اسكنديناوة

عادت الدنمرقة إلى الظهور في التاريخ مرة أخرى في عهد ولدمار الأول Waldemar I (1157-1182) بعد أن ظلت مائة عام تنعم بالاختفاء عنه، فقد استعان هذا الملك بوزيره أبسالون Absalon كبير أساقفة لند Lund على إقامة حكومة قوية، طهرت البحار من القراصنة. واعتنت الدنمرقة بحماية التجارة وتشجيعها، وأسس أبسالون في عام 1167 مدينة كوبنهاجن Copenhagen أي "مرفأ السوق"- Kjoebenhaven. وردّ ولدمار الثاني (1202-1241) على الاعتداءات الألمانية بالاستيلاء على هولستين Holstein، وهمبرج، وعلى البلاد الألمانية الواقعة في الشمال الشرقي من نهر الإلب. ثم قام بثلاث حروب "صليبية" ضد صقالبة البحر البطلطي "تكريماً للعذراء المباركة" واستولى على إستونيا الشمالية، وأسس مدينة ريفال Reval. وهوجم في إحدى هذه الحروب وهو في معسكره؛ ويقول الرواة إنه نجا من الموت بسببين أولهما شجاعته وثانيهما أنه نزلت من السماء في وقت الهجوم عليه راية حمراء عليها صليب أبيض. وأصبحت هذه الراية المعروفة باسم الدنبرج Dannebrog أي القماش الدنمرقي علم القتال الدنمرقي؛ وأسره الكونت هنري الشويريني Count Henry of Schwerin في عام 1223، ولم يطلق سراحه بعد أن قضي في الأسر عامين ونصف عام إلا بعد أن نزل للألمان على جميع فتوحه الألمانية والصقلبية ما عدا روجن Rügen. وقضي هذا الملك بقية حياته العجيبة النافعة في الإصلاحات الداخلية وتقنين جميع شرائع الدنمرقة. وكانت مساحة الدنمرقة حين وفاته ضعفي مساحتها في هذه الأيام، وكانت تشمل الجزء الجنوبي من بلاد السويد، وكان عدد سكانها مساوياً لعدد سكان السويد (300.000) والنرويج (200.000) مجتمعين. ثم ضعفت سلطة الملوك بعد وفاة ولدمار الثاني، حتى إذا كان عام 1282 حصل الأشراف من إرك جلبنج Eric Glipping على عهد يعترف فيه بأن جمعيتهم "الدنهف Danehof" برلمان قومي.

وليس في نقدور كائن من كان أن يجعلنا نتصور أعمال أهل اسكنديناوة في هذه الأيام الأولى اللهم إلا إن كان قصاصاً واسع الخيال، وحسبنا أن نقول عنها إنها جهود جبارة تبذل في سبيل الاستيلاء على هذه الشبه الجزيرة الوعرة الخطرة يوماً بعد يوم وقدماً بعد قدم. لقد كانت الحياة لا تزال فيها بدائية؛ وكانت موارد الغذاء الأولية فيها هي صيد الحيوان والسمك والزراعة. وكان لابد من تقطيع أشجار الغابات المترامية الأطراف، وتأنيس الحيوان البري، وجر الماء إلى مجار تمكن الأهلين من الإنتاج، وإنشاء المرافئ البحرية؛ وكان لابد من أن يعتاد الرجال الجلد وتحمل المشاق لمغالبة الطبيعة التي بدت وكأنها تغضب من تطفل الإنسان عليها وتدخله في شئونها. وكان للرهبان السسترسيين Cistercian شأن عظيم في هذا الكفاح الذي قضوا فيه حياتهم جيلاً بعد جيل، فكانوا يقطعون الأشجار، ويفلحون الأرض، ويعلمون الفلاحين أساليب الزرع الراقية. وكان من أبطال هذا الكفاح إيرل برجر Earl Birger رئيس وزراء السويد من 1248 إلى 1266. فهو الذي ألغي رق الأرض، وأقام حكم القانون، وأسس مدينة استكهولم Stokholm (حوالي عام 1255)، وأنشأ أسرة فولكنج Folkung (1250-1363) بأن أجلس ابنه ولدمار على العرش. وأثرت مدينة برجن لأنها كانت منفذ تجارة النرويج، وأضحت مدينة فزبي Visby القائمة على جزيرة جتلند Gotland مركز الاتصال بين بلاد السويد والعصبة الهانسية. وشيدت كنائس فخمة ممتازة، وتضاعف عدد الكنائس الكبرى والمدارس، وأخذ الشعراء يغنون قصائدهم؛ وفي القرن الثالث عشر أضحت جزيرة أيسلندة Iceland القائمة بعيداً عن البلاد في ضباب المحيط الجامد الشمالي أكثر المراكز الاسكندويناوية في العالم نشاطاً في الأدب.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> وليم الفاتح

الفصل الثامن

إنجلترا

1- وليم الفاتح

حكيم وليم الفاتح إنجلترا حكماً جمع فيه بمهارة عظيمة بين الشدة، والقانون، والتقوى، والدهاء، والخداع. فلما أن رفعه إلى العرش الويتان Witan تحت تأثير الخوف والإرهاب، أقسم أن يطيع القوانين الإنجليزية المعمول بها وقتئذ. وانتهز بعض الأعيان في غربي إنجلترا وشماليها فرصة غيابه في نورمندي وحاولوا إيقاد نار الثورة في البلاد (1067)، فعاد إليهم واندفع في البلاد ينتقم من أهلها أشد الانتقام، فأطلق لنفسه فيه العنان يقتل الأهلين، ويهلك الحرث والنسل، ويدمر البيوت بأساليب منظمة محكمة لم تنج إنجلترا من آثارها كلها حتى القرن التاسع عشر(24). وقسم أخصب أراضي المملكة إلى ضياع واسعة وزعها على أعوانه النورمان، وشجعهم على بناء قصور حصينة يتخذونها قلاعاً يدافعون بها عن أنفسهم ضد السكان المعادين . واحتفظ هو بمساحات من الأرض واسعة لتكون ملكاً للتاج، واتخذ قطعة من هذه الأرض طولها ثلاثون ميلاً، مسارح للملك يصيد فيها الوحوش. ودمر كل ما في هذه البقعة من منازل، وكنائس، ومدارس ليفسح الطريق للخيل والكلاب، وكان يعاقب كل من يقتل أيلاً أو أيلة في الغابة الجديدة بفقء عينه(25).  

وهكذا نشأت في إنجلترا طبقة الأشراف الجدد الذين لا يزال أبناؤهم من حين إلى حين يسمون بأسماء فرنسية، وانتشر الإقطاع الذي كان من قبل ضعيفاً نسبياً في طول البلاد وعرضها، وحول الشعب أرقاء الأرض. وجعلت الأرض كلها ملكاً للملك، ولكنه سمح للإنجليز الذين استطاعوا أن يبرهنوا على أنهم لم يقفوا في وجه الفاتحين بأن يعودوا إلى شراء أرضيهم من الدولة. وأراد وليم أن يسجل مغانمه ويعرفها، فأرسل عماله في عام 1083 ليسجلوا اسم مالك كل قطعة من الأرض في إنجلترا، وحالها، ومحتوياتها؛ وقد ورد في هذا السجل أن الملك "شدد عليهم في أوامره تشديداً لم تبق معه ياردة واحدة من الأرض، لا... بل ولا ثور أو بقرة، أو خنزير، لم يكتب في سجله"(26). وكانت نتيجة هذا العمل هو كتاب الأحكام وهو اسم ينذر بما سيكون له من شأن خطير إذ أصبح هو "الحكم" الأخير في جميع المنازعات العقارية. وأراد وليم أن يضمن لنفسه معونة البلاد الحربية، ويحد من سلطان أتباعه العظام، فاستقدم إليه جميع كبار الملاك في إنجلترا- وكان عددهم ستين ألفاً- إلى اجتماع عقد في سلزبري Salisbury (1086)، وجعل كل واحد منهم يقسم يمين الإخلاص التام للملك. وكان عمله هذا احتياطاً حكيماً ضد الإقطاعية الفردية التي كانت وقتئذ تقطع أوصال فرنسا.

وبعد فلابد للإنسان أن يتوقع قيام حكومة قوية بعد الفتح. وهذا ما حدث في إنجلترا وقتئذ، فقد أقام وليم أو خلع فرساناً ونبلاء، وأساقفة ورؤساء أساقفة وأديرة؛ ولم يتردد لحظة في أن يزج في السجن لوردة عظماء. وأن يتمسك بما له من حق تعيين رجال الدين في مناصبهم. ويقاربه في هذه الناحية جريجوري السابع الذي كان مثله ذا حول وطول، والذي كان في هذا الوقت عينه يستقدم الإمبراطور هنري الرابع إلى كنوسا Canossa . وأراد الملك أن يمنع الحرائق فأمر سكان إنجلترا بإطفاء نار المدافئ أو تغطيتها قبل الساعة الثامنة مساء، ومعنى هذا أن يأوي الأهلون إلى فراشهم في فصل الشتاء في هذا الوقت(27). واشتدت حاجته إلى المال للإنفاق منه على حكومته الآخذة في الاتساع، وعلى فتوحه المترامية الأطراف، ففرض ضرائب باهظة على جميع البيوع، والواردات، والصادرات، واستخدام القناطر، والطرق. وأعاد جميع الضرائب التي ألغاها من قبل إدوارد المعترف. ولما علم أن بعض الإنجليز أودعوا أموالهم في سراديب الأديرة ليخففوها عنه، أمر بتفتيش جميع الأديرة وبنقل كل ما هو مخبأ فيها إلى بيت ماله، ولم يكن بلاطه الملكي يتورع عن قبول الرشا، وتسجيلها بأمانة في السجل العام(28). لقد كانت حكومته في صراحة تامة حكومة فاتحين يعتزمون أن يجعلوا مكاسب مغامرتهم تتناسب مع ما تعرضوا له من الأخطار.

وكان لرجال الدين النورمان نصيبهم من النصر، فقد جئ بلافرانك Lafranc القدير المرن من كائن Caen ونصب كبيراً لأساقفة كنتربري وكبيراً لوزراء الملك. فلما جاء وجد رجال الدين الأنجليسكسون مولعين بالصيد، ولعب النرد، والزواج(29)، فاستبدل بهم قساوسة وأساقفة، ورؤساء أديرة من النورمان؛ ووضع دستوراً جديداً للأديرة هو المعروف بعادات كنتربري، ورفع مستوى رجال الدين الإنجليز من الناحيتين العقلية والخلقية. وأصدر وليم- بإيحاء منه في أغلب الظن- قراراً بفصل المحاكم الكنسية عن المحاكم المدنية، وأمر بأن ينظر في جميع المسائل الروحية بمقتضى قانون الكنيسة، وتعهد بأن تنفذ الدولة كل ما تحكم به المحاكم الكنسية من عقوبات. وأمر بأن تجبى العشور من الشعب لمعونة الكنيسة، ولكنه طلب ألا يذاع أو ينفذ قرار بابوي أو رسالة بابوية في إنجلترا بغير موافقته، وألا يدخل إنجلترا مبعوث من قبل البابا إلا بإذن ملكي. وفصلت من ذلك الحين جمعية الأساقفة الوطنية عن الويتان وكانت من قبل جزءاً منه، وأصبحت هيئة مستقلة، لا تنفذ قراراتها إلا إذا صادق عليها الملك(30).

ووجد وليم أن حكم مملكته أيسر عليه من حكم أسرته، شأنه في هذا شأن الكثرة الغالبة من عظماء الرجال. فقد كانت الإحدى عشرة السنة الأخيرة من حياته مليئة بالنزاع بينه وبين زوجته الملكة ماتلدا Matilda، وطلب ابنه روبرت أن يكون له السلطان الكامل على نورماندي، فلما رفض طلبه هذا خرج على أبيه، وحاربه وليم حرباً غير حاسمة، ثم صالحه على أن يوصي له بهذه الدوقية بعد وفاته. وزاد جسم الملك زيادة صعب عليه معها أن يركب الخيل؛ وحارب فليب الأول ملك فرنسا لخلاف على الحدود؛ ولما طال مكثه في رون، وكاد يعجز عن الحركة لبدانته، سخر منه فليب- على حد قول بعضهم- بأن قال إن ملك إنجلترا "ملازم الفراش للنفاس"، وأن الشموع ستوقد في الاحتفال العظيم الذي سيقام في الكنيسة بعد أن يلد. وأمر وليم جيشه أن يحرق مانت Mantes عن آخرها هي وما جاورها، وأن تتلف كل المحصولات والفاكهة، ونفذ أمره بحذافيره. وبينما كان وليم يسير فوق جواده وسط مظاهر التخريب والتدمير وهو ثمل بخمرة النصر إذ عثر به الجواد فسقط فوق قربوس السرج الحديدي، فحمل إلى صومعة القديس جوفاس Gervase القريبة من رون، حيث اعترف بذنوبه اعترافاً كاملاً، وأدلى بوصيته، وكفر عن هذه الذنوب بأن وزع ثروته على الفقراء والكنيسة، ووهب المال لإعادة بناء مانت. وترك أبناؤه جميعاً، عدا، هنري، فراش موته ليقتتلوا من أجل وراثة العرش، وفر ضباطه وخدمه بما استطاعوا أن يستولوا عليه من المغانم؛ وحمل جثته قروي من أتباعه إلى "دير الرجال" Abbay aux Hommes في كائن (1087). ووجد أن التابوت الذي صنع له لا يتسع لجثته؛ فلما أراد الخدم أن يحشروا جسمه الضخم في هذا التابوت الضيق، انفجر الجسم؛ وملأ الكنيسة كلها برائحة الملك الكريهة(31).

وكانت نتائج الفتح النورماني كثيرة يخطئها الحصر، فقد فرض شعب جديد وفرضت طبقة جديدة على الدنمرقيين الذين حلوا محل الإنجليز والسكسون، الذين غلبوا البريطانيين الرومان، الذين فرضوا سيادتهم على الكلت ؛ وكان لابد أن تمر عدة قرون قبل أن يثبت الأنجليسكسون والكلت وجودهم في الدم البريطاني واللغة البريطانية؛ وكان بين النورمان والدنمرقيين أواشج قربى، ولكنهم في المائة السنين التي جاءت بعد رولو Rollo أصبحوا فرنسيين، فلما نزلوا بإنجلترا أصبحت عاداتها الرسمية ولغتها الرسمية عادات ولغة فرنسية، وظلت كذلك ثلاثة قرون. وجاء مع الفاتحين من فرنسا إلى إنجلترا نظام الإقطاع بكل ما فيه من زينة الخيول، وفروسية، وعلامات الدروع ونقوشها، والمفردات التي تعبر عنها. وفرض رق الأرض على إنجلترا فرضاً كاملاً قاسياً إلى حد لم تعرفه من قبل في تاريخها(32)، وكان المرابون اليهود الذين جاءوا مع وليم حافزاً جديداً للتجارة والصناعة؛ ونشاـ من الاتصال الوثيق بين إنجلترا والقارة الأوربية أفكار جديدة في الأدب والفن، وبلغ فن العمارة النورماني ذروة مجده في بريطانيا؛ وجاء الأشراف الجدد بعادات جديدة وأخلاق جديدة، وحيوية جديدة، وبنظام زراعي خير مما كان في البلاد من قبل. وحسن الأشراف والأساقفة النورمان النظام الإداري للدولة تحسيناً كبيراً فقد أصبح الحكم مركزياً، ووحدت الدولة وإن لم يكن هذا التوحيد قد تم عن طريق الحكم المطلق، وأصبحت الحياة والأموال أكثر أمناً من ذي قبل، وأقبلت إنجلترا على عهد طويل من السلام الداخلي لم تغز بعده أبداً غزواً ناجحاً.

 

 برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> توماس أبكت 

2- تومس أبكت

من الأقوال المأثورة في إنجلترا أن يتوسط ملك ضعيف بين كل ملكين قويين، ولكن الحقيقة أن الملوك الضعاف الذين يتوسطون ملكين قويين لا حد لعددهم. ومصداقاً لهذا نقول إنه لما مات وليم الفاتح استولى ابنه روبرت على نورمندي وجعلها مملكة مستقلة، وتوج ابنه الأصغر منه وليم روفس (الأحمر 1087-1100) ملكاً على إنجلترا بعد أن قطع على نفسه عهداً بأن يسلك مسلكاً حسناً مع لانفكرانك متوجه ووزيره. وحكم هذا الملك حكماً استبدادياً حتى عام 1093، ثم مرض ووعد بأن يكون حسن السلوك، فلما شفي من مرضه، عاد إلى استبداده وظل كذلك حتى اغتالته يد مجهولة في أثناء صيده. وظل الرجل التقي أنسلم الذي أصبح بعد لانفرانك كبير أساقفة كنتربري يقاوم مقاومة طويلة، أعيد بسببها إلى فرنسا.

ودعا ابن ثالث من أبناء وليم الفاتح يدعى هنري (1100-1135) أنسلم إلى العودة، فطلب المطران- الفيلسوف أن يمتنع الملك عن اختيار الأساقفة، فلما رفض الملك هذا الطلب نشب بينهما نزاع طويل اتفق بعده على أن تختار جمعيات رجال الكنائس والرهبان بحضور الملك نفسه الأساقفة الإنجليز ورؤساء الأديرة، وأن يقدموا له مراسم الولاء بوصفه مصدر أملاكهم وسلطاتهم الإقطاعية وكان هنري يحب المال ويكره التبذير؛ ولهذا فرض الضرائب الفادحة ولكنه راعى جانب الاقتصاد والعدالة في حكمه؛ وحافظ على السلم والنظام في إنجلترا، عدا معركة واحدة- في تنشبريه عام 1106- استرد فيها نورمندي إلى التاج البريطاني. وأمر النبلاء أن "يضبطوا أنفسهم في معاملاتهم لزوجاتهم وأبنائهم وبنات رجالهم"(33). وكان له هو أبناء غير شرعيين وبنات غير شرعيات من عشيقاته المتعددات(34)، ولكنه أوتى من الكياسة والحكمة ما جعله يتزوج مود Maud سليلة الملوك الاسكتلنديين والإنجليز السابقين على عهد النورمان، فطعم بذلك الأسرة المالكة الجديدة بالدم الإنجليزي القديم.

وأرغم هنري الأشراف والقساوسة على أن يقسموا يمين الولاء لابنته ماتلدا وابنها الشاب الذي أصبح فيما بعد هنري الثاني. فلما مات الملك اغتصب العرش استيفن بلوا Blois وحفيد وليم، وظلت إنجلترا أربعة عشر عاماً تعاني كوارث الموت والضرائب الفادحة في حرب داخلية امتازت بأشد ضروبات القسوة والإرهاب(35). وكبر هنري الثاني في هذه الأثناء، وتزوج اليانور الأكتانية Eleanor of Aquitaine واستولى على دوقيتها، وغزا إنجلترا، وأرغم استيفن على الاعتراف به وارثاً للعرش. ولما توفي استيفن صار ملكاً على إنجلترا (1154)؛ وبذلك انتهى عهد أسرة النورمان وبدأ عهد أسرة البلانتجنت . وكان هنري رجلاً حاد الطبع، كثير المطامع، قوي الذهن، يميل بعض الميل إلى الكفر بالله(36). وكانت له السيادة الاسمية على مملكة تمتد من أسكتلندة إلى جبال البرانس، وتشمل نصف فرنسا، ولكنه ألفى نفسه بادي العجز في مجتمع إقطاعي، مزق فيه كبار الأشراف بجنودهم المرتزقة وحصونهم المنيعة الدولة إلى إقطاعيات يحكمونها بأنفسهم، ولهذا شرع الملك بنشاط رهيب يجمع المال والرجال، ويحارب الأشراف ويخضعهم سيداً بعد سيد، ويدمر القصور الإقطاعية الحصينة، ويوطد أركان النظام والأمن والعدالة والسلم. وأخضع لحكم إنجلترا أيرلندة التي غلبها ونهبها قراصنة ويلز؛ وكان في إخضاعها حكيماً مقتصداً في ماله وفي جنده. ولكن هذا الرجل القوي، الذي يعد من أعظم الرجال في تاريخ إنجلترا كله، قد ذل وتحطم حين التقي بتومس أبكت Thomas àBecket، وهو رجل ذو إرادة لا تقل مضاء عن إرادته ودين أعظم قوة من أية دولة قائمة في ذلك الوقت.

ولد تومس في لندن عام 1118 من أبوين نورمانيين من أبناء الطبقة الوسطى. واسترعى الغلام انتباه ثيوبولد Theobald كبير أساقفة كنتربري بذكائه الناضج قبل الأوان، فأرسله إلى بولونيا Bologna وأكسير Auxerre ليدرس الشرائع المدنية والكنسية. ولما عاد إلى إنجلترا انتظم في سلك رجال الدين، وما لبث أن ارتقى في المناصب الدينية حتى صار كبير شمامسة كنتربري. ولكنه كان مثل كثيرين غيره من رجال الدين في تلك القرون الماضية، رجل عمل أكثر مما كان رجل دين؛ فكانت الشئون الإدارية والدبلوماسية أكثر ما تظهر فيها مهارته؛ وأظهر في هذين الميدانين مقدرة فائقة رفعته إلى مقام الوزارة ولم يتجاوز السابعة والثلاثين من عمره. وساد الوئام بينه وبين هنري إلى حين، فكان المستشار الوسيم موضع ثقة الملك في أخص شئونه، يشاركه ألعاب الفروسية، ويكاد يشاركه في ثروته وسلطانه. وكانت مائدته أفخم الموائد في إنجلترا كلها، وكانت صدقاته للفقراء تضارع كرم ضيافته لأصدقائه. وكان في الحرب يقود بنفسه سبعمائة من الفرسان، ويبارز الأعداء فرداً لفرد، ويضع الخطط الحربية؛ ولما أرسل في بعثة إلى باريس ارتاع الفرنسيون حين رأوا حاشيته الفخمة المؤلفة من ثمان مركبات، وأربعين جواداً، ومائتين من الأتباع؛ وقالوا في أنفسهم ترى ماذا يكون الملك الذي له مثل هذا الوزير!

وعين كبيراً لأساقفة كنتربري في عام 1162، فلم يكد يتولى منصبه حتى تبدلت أساليبه تبدلاً فجائياً كاملاً كأنما حدث ذلك بسحر ساحر، فتخلى عن قصره الفخم، وثيابه الملكية، وأصدقائه من الأشراف، وبعث إلى الملك باستقالته من الوزارة وارتدى الثياب الخشنة، فلبس شعاراً من الصوف، وعاش على الخضر، والحبوب، والماء، وكان كل ليلة يغسل قدمي ثلاثة عشر متسولاً وأضحى من ذلك الوقت مدافعاً عن جميع حقوق الكنيسة، وامتيازاتها، ومصادر إيرادها. وكان من بين هذه الامتيازات عدم محاكمة رجال الدين أمام المحاكم المدنية. وثارت ثائرة هنري، وهو الذي كان يطمع في أن يبسط سلطانه على كافة الطبقات، حين وجد أن المحاكم الكنسية كثيراً ما تترك رجال الدين دون أن تعاقبهم على ما يرتكبونه من الجرائم. ولهذا دعا فرسان إنجلترا وأساقفتها إلى اجتماع عقده في كلارندن Clarendon (1164)، وحملهم على أن يوقعوا دستور كلارندن الذي قضي على كثير من الحصانات التي كان يتمتع بها رجال الدين. ولكن بكت رفض أن يختتم الوثائق بخاتم أسقفيته الكبرى، فما كان من هنري إلا أن أذاع القوانين الجديدة غير عابئ بهذا الرفض، وقدم الرئيس الديني المريض للمحاكمة أمام المحكمة الملكية. وجاء بكت، وعارض في هدوء أساقفته الذين أعلنوا مع الملك أنه مذنب لخروجه على قوانين سيده الإقطاعي ملك البلاد. ولما أمرت المحكمة بالقبض عليه أعلن أنه سيستأنف القضية أمام البابا، ثم خرج سالماً من القاعة بثيابه الأسقفية التي لم يجرؤ أحد على لمسها. وأطعم في ذلك المساء عدداً كبيراً من الفقراء في بيته بلندن، ثم فر في أثناء الليل متخفياً سالكاً طرقاً ملتوية إلى القناة الإنجليزية، وعبر المضيق المضطرب الماء قارب ضعيف، ووجد ملجأ له في دير قائم في سانت أومرOmer St. في بلاد ملك فرنسا، ثم قدم استقالته من منصب كبير الأساقفة إلى البابا اسكندر الثالث. وأيده البابا في موقفه، وأعاد تعيينه في كرسيه، ولكنه أرسله ليعيش مؤقتاً معيشة راهب سسترسي في دير بنتني Pontigny.

ونفي هنري من إنجلترا جميع أقارب بكت ذكوراً وإناثاً، صغاراً كانوا أو كباراً. ولما جاء هنري إلى نورمندي خرج تومس من صومعته وصعد منبراً في فيزلاي Vezelay، وأعلن حرمان جميع رجال الدين الإنجليز الذين أيدوا دستور كلارندن (1166). وكان جواب هنري أن هدد بمصادرة أملاك جميع الأديرة والصوامع القائمة في إنجلترا، ونومندي، وأنجو، وأكتين، والمنتسبة إلى دير بنتني إذا استمر هذا الدير على إيواء بكت. وتوسل الرئيس المرتاع إلى بكت أن يغادر الدير، وعاش الرجل المتمرد المريض من الصدقات في نزل قذر ببلدة سان Sens. وأغرى لويس السابع ملك فرنسا البابا اسكندر الثالث، فأمر هنري أن يعيد كبير الأساقفة إلى كرسيه، وأنذره إذا رفض بأنه سيحرم إقامة جميع الصلوات والخدمات الدينية. والأقاليم الخاضعة لحكم إنجلترا (1169). فاضطر هنري إلى الخضوع، وجاء إلى أفرانش Avranches، والتقى ببكت، ووعده بأن يصلح كل ما يشكو منه، وأمسك بركاب كبير الأساقفة المنتصر وهو يهم بالركوب عائداً إلى إنجلترا (1169). فلما عاد تومس إلى كنتربري كرر قرار الحرمان على الأساقفة الذين قاوموه. فذهب بعضهم إلى هنري في نومندي وأثاروا غضبه، ولعلهم بالغوا في وصف مسلك بكن. فصاح هنري قائلاً: "عجباً!... أيجرؤ رجل يُطعم خبزي... على أن يهين الملك والمملكة جميعها، ولا يأخذ بحقي واحد من أولئك الخدم الكسالى الذين يُطعمون على مائدتي فيغسل تلك الإهانة؟". وذهب إلى إنجلترا أربعة من الفرسان الذين سمعوه، من غير علم الملك على ما يظهر؛ ووجدوا كبير الأساقفة عند مذبح كنيسة كنتربري في يوم 30 من ديسمبر سنة 1170، فقطعوا جسمه بسيوفهم وهو واقف في مكانه.

وروعت المسيحية كلها وثار ثائرها على هنري ودمغته من تلقاء نفسها بطابع الحرمان العام. فاعتزل الملك العالم في حجرته ثلاثة أيام لا يذوق فيها الطعام؛ أصدر بعدها أمره بالقبض على القتلة، وبعث بالرسل إلى البابا يعلنون براءته من الجريمة، ووعد بأن يكفر عن ذنبه بالطريقة التي يرتضيها الإسكندر. ثم ألغي دستور كلارندن، ورد إلى الكنيسة جميع مالها في بلاده من حقوق وأملاك. وقام الناس في هذه الأثناء يقدسون بكت ويعلنون أن معجزات كثيرة حدثت عند قبره، وأعلنت الكنيسة قداسته رسمياً (1172)، وسرعان ما أخذت الآلاف المؤلفة. تحج إلى ضريحه. وجاء هنري أخيراً إلى كنتربري حاجاً نادماً؛ ومشى الثلاثة الأميال الأخيرة من الطريق على الحجارة الصوان حافي القدمين ينزف الدم منهما؛ ثم استلقى على الأرض أمام قبره عدوه الميت، وطلب إلى الرهبان أن يضربوه بالسياط، وتقبل ضرباتهم؛ وهكذا تحطمت إرادته القوية أمام السخط العام عليه والمتاعب المتزايدة في بلاده. وأخذت زوجته إليانور، التي طردها الملك الزاني وسجنها، تأتمر به مع أبنائه لتخلعه عن العرش؛ وتزعم هنري أكبر أبنائه فتنتين إقطاعيتين قامتا عليه في عامي 1173و1183، ومات وهو خارج على أبيه. ثم تحالف ولداه رتشرد وجون، بعد أن طال انتظارهما موته، مع فليب أغسطس ملك فرنسا وانضما إليه في حرب ضد أبيهما، ولما طرد من لمان Le Mans جهر بالطعن على الإله الذي حرمه من البلدة التي ولد فيها وأحبها، ومات في شينون Chinon (1189)؛ وكان آخر ما نطق به أن سب أولاده الذين غادروا به، والحياة التي وهبته المجد والسلطان، والغنى، والعاشقات، والأعداء، والعار، والغدر، والهزيمة.

لكنه لم يخفق الإخفاق كله. نعم إنه قد سلم لبكت الميت بما لم يسلم به لبكت الحي، لكن حجة هنري هي التي كسبت المعركة على توالي الأيام: ذلك أن المحاكم المدنية هي التي وسعت اختصاصها وبسطت سلطانها في عهد كل ملك جاء بعده على رعايا الملك سواء كانوا من رجال الدين أو رجال الدنيا(37). ولقد حرر القانون الإنجليزي من القيود الكنسية والإقطاعية، ومهد السبيل لنمائه ذلك النماء الذي جعله من أجل الأعمال التشريعية التي ظهرت منذ عهد روما الإمبراطورية. ولقد حذا حذو جده العظيم وليم الفاتح فقوى حكومة إنجلترا ووحدها بإخضاع الأشراف المتمردين الذين أشاعوا الفوضى في البلاد إلى القانون والنظام. وكان نجاحه في هذه الناحية أكثر مما يجب أن يكون: ذلك أن الحكومة المركزية قويت حتى كادت تصبح حكومة مطلقة غير مسئولة إلى أقصى حد، وحتى كانت الجولة الثانية في المعركة التاريخية بين النظام والحرية هي التي قام بها الأشراف المناضلون عن الحرية.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> أوروبا تفيق من رقدتها -> إنجلترا -> العهد الأعظم أو مجنا كارتا 

3- العهد الأعظم أو مجنا كارتا

لقد ورث ريتشارد الأول الملقب بلقب الأسد عرش أبيه دون أن ينازعه منازع، وكان رتشرد ابن إليانور المغامرة المتهورة التي لا تغلب، ولقد تتبع خطاها ولم يتبع خطا هنري القدير النكد. وولد رتشرد في أكسفورد 1157 وانتدبته أمه ليصرف شئون أملاكها في أكتين، وفيها أشربت نفسه بثقافة بروفانس المتشككة، و"بعلوم" الشعراء الغزليين "المرحة" ولم يعد قط رجلاً إنجليزياً. وكان حبه للمغامرات والغناء أكثر من حبه للسياسة والإدارة، وامتلأت الاثنتان والأربعون سنة التي عاشها بحوادث روائية تكفي لأن تملأ مائة عام، وكان لشعراء زمانه مثالاً يحتذونه ونصيراً يلقون منه التشجيع. وقد قضي الخمسة الشهور الأولى من حكمه في جمع المال اللازم لحرب صليبية؛ فخص بهذا الغرض جميع الأموال التي خلفها وراءه هنري الثاني، وأقصى آلافاً من الموظفين ثم أعاد تعيينهم نظير جعل يتقاضاه منهم، وباع صكوكاً بالحرية للمدن التي تستطيع أداء ثمنها، واعترف باستقلال اسكتلندة نظير 15.000 مارك، ولم يقبل هذا الثمن القليل لأنه يزهد في المال بل لأنه شديد الحب للمغامرات. ولم يمض على اعتلائه العرش نصف عام حتى أبحر إلى فلسطين، ولم يكن حرصه على سلامته أكثر من حرصه على حقوق غيره؛ وقد أثقل كاهل البلاد بالضرائب إلى أقصى طاقتها، وبدد ما جمعه من المال في الترف، والولائم، والمظاهر الكاذبة، واندفع في العمل خلال العقد الأخير من القرن الثاني عشر بجرأة وتهور جعلا زملاءه الشعراء يضعونه في صف الإسكندر، وآرثر، وشارلمان.

وحارب صلاح الدين وأحبه، وعجز عن هزيمته وأقسم أن يهزمه، وقفل راجعاً إلى بلاده وأسره في طريق عودته (1192) ليوبولد دوق النمسا، وكان قد أساء إليه في آسيا، وأسلمه ليوبولد في بدء عام 1193 إلى الإمبراطور هنري السادس. وكان لهنري هذا ثأر قديم عند هنري الثاني ورتشرد، واحتفظ هنري السادس بملك إنجلترا سجيناً في حصن ببلدة درنشتين Dürnstein على نهر الدانوب على الرغم من القانون الذي كان معترفاً به في أوربا بوجه عام والذي يحرم اعتقال رجال الحروب الصليبية؛ وطلب إلى إنجلترا فدية قدرها 150.000 مارك (15.000.000 دولار أمريكي) أي نصف الإيراد السنوي لأملاك التاج البريطاني. وكان جون أخو رتشرد وقتئذ يحاول اغتصاب العرش، فلما لقي مقاومة فر إلى فرنسا وانضم إلى فليب أغسطس في هجومه على إنجلترا. ونكث فليب بعهد قطعه على نفسه بالمحافظة على السلم، فهاجم الأملاك الإنجليزية في فرنسا واستولى عليها، وعرض رشا كبيرة على هنري السادس ليبقى رتشرد أسيراً. وضاقت نفس رتشرد بسجنه المريح، وكتب قصيدة من الشعر الممتاز(38)، يطلب فيها إلى بلاده أن تفتديه من الأسر. وكانت إليانور في أثناء هذه الأحداث المضطربة تحكم البلاد حكماً ناجحاً بوصفها نائبة عن الملك معتمدة على النصائح الحكيمة التي يقدمها لها القاضي الأكبر هيوبرت ولتر Hubert Walter كبير أساقفة كنتربري، ولكنهما وجدا من العسير عليهما جمع الفدية المطلوبة. ولما أطلق سراح رتشرد آخر الأمر (1194) أسرع إلى إنجلترا، وجبى الضرائب وجمع الجند وقاد بنفسه جيشاً عبر به القناة الإنجليزية ليثأر لنفسه ولإنجلترا من فليب. وتقول الرواية المأثورة إنه ظل عدة سنين يرفض القداس لئلا يطلب إليه أن يصفح عن عدوه الغادر. فلما تم له استعادة جميع الأملاك التي استولى عليها فليب ركن إلى السلم التي أمكنت فليب من أن يعيش. وتنازع في هذه الأثناء مع أحد أتباعه الإقطاعيين وهو أدهمار Adhemar فيكونت مدينة ليموج Limoges، وكان قد وجد كنزاً من الذهب مخبوءاً في أرضه، وعرض على رتشرد جزءاً منه، لكن رتشرد أبى إلا أن يأخذه كله، وحاصر أدهمار. وأصاب رتشرد سهم منطلق من قصر أدهمار الحصين فمات رتشرد "قلب الأسد" في الثالثة والأربعين من عمره إثر نزاع قام على كومة من الذهب.

وخلفه على العرش أخوه جون (1199-1216) بعد أن لقي بعض المقاومة وعدم الثقة، وبعد أن اضطره ولتر كبير الأساقفة أن يقسم حين تتويجه أنه قد نال عرشه منتخباً من الأمة (أي الأعيان والمطارنة) وبنعمة الله. ولكن جون الذي خان أباه، وأخاه، وزوجه، لم تكن تقف في وجهه يمين أخرى بعد أيمانه الماضية أو يهتم كثيراً بهذه اليمين، ولم يكن يبدو عليه شيء من التمسك بالعقائد الدينية شأنه في هذا شأن هنري الثاني ورتشرد الأول، حتى ليقال إنه لم يتناول قط القربان المقدس بعد أن بلغ سن الرشد، بل لم يتناوله أيضاً في يوم تتويجه(39). واتهمه الرهبان بالكفر وقالوا إنه اقتنص مرة وعلاً سميناً وقال: "ما أسمن هذا الحيوان وما أحسن طعامه! ولكني أقسم أنه لم يسمع قط بالقداس" وغضب الرهبان من قوله هذا لأنه رأوا فيه سخرية ببدانتهم(40). وكان جون رجلاً حاد الذهن مجرداً من الضمير، وكان إدارياً حازماً ممتازاً "ولم يكن صديقاً حميماً لرجال الدين"، ولهذا افتري عليه بعض الافتراء المؤرخون الإخباريون من رجال الأديرة كما يقول هولنشد Holinshed(41)؛ ولم يكن مخطئاً على الدوام، ولكنه كثيراً ما أغضب الناس بمزاجه الحاد، وملحه، وفكاهاته البذيئة الشائنة، واستبداده وغطرسته، وما فرضه من الضرائب الفادحة التي يحس أنه مضطر إليها للدفاع عن الأملاك الإنجليزية في القارة ضد فليب أغسطس.

ونال جون في عام 1199 على إذن من البابا إنوسنت الثالث بتطليق إزبل Isabel أميرة جلوسستر Gloucester بحجة أنها تمت إليه بصلة القرابة، ولم يلبث

بعد طلاقها أن يتزوج بإزبلا أميرة أنجوليم Isabella of Anguleme رغم أنها كانت مخطوبة لكونت لوزنيان Lusignan. وغضب الأشراف في كلا البلدين لهذا العمل واستنجد الكونت بفليب ليأخذ له بحقه. واحتج في الوقت نفسه بارونات أنجو، وتورين، وبواتو Poitou، ومين لدى فيليب قائلين إن جون يستبد بأقاليمهم. وكانت فروض الطاعة الإقطاعية التي ترجع إلى عهد تسليم نورمندية إلى رولو تقضي بأن يعترف الأعيان الإقطاعيون في فرنسا، حتى في المقاطعات التي تملكها إنجلترا، بملك فرنسا سيداً إقطاعياً عليهم؛ وكان جون حسب قانون الإقطاع، بوصفه دوق نورمندية، تابعاً لملك فرنسا، وأمر فليب تابعة الملكي بالقدوم إلى باريس، ليبرئ نفسه من عدة تهم وادعاءات، وأبى جون أن يطيع الأمر، فقضت محكمة الإقطاع الفرنسية بمصادرة أملاكه في فرنسا، ومنحت نورمندية، وأنجو، وبواتو لآرثر كونت بريطاني Briltany وحفيد هنري الثاني. وطالب آرثر بعرش إنجلترا، وحشد لذلك جيشاً، وحاصر الملكة إليانور في ميرابو Mirabeau، فقادت الملكة بنفسها، وهي في الثمانين من عمرها، قوة للدفاع عن ولدها المشاكس. وأنقذها جون من عدوها، وقبض على آرثر، ويبدو أنه أمر بقتله، فما كان من فليب إلا أن غزا نورمندية، وكان جون وقتئذ يقضي شهر العسل في رون وفي شغل شاغل عن قيادة جنده، فمنوا بالهزيمة. وفرّ جون إلى إنجلترا، وانتقلت نورمندية، ومين، وأنجو، وتورين إلى التاج الفرنسي.

وبذل البابا إنوسنت الثالث، ولم يكن على وئام مع فليب، كل ما في وسعه لمساعدة جون، ثم دب النزاع بينه وبين جون. وكان سبب هذا النزع أنه على أثر وفاة هيوبرت ولتر (1205) حمل الملك كبار الرهبان في كنتربري على أن يختاروا جون ده جراي John de Gray، أسقف نوروك Norwich للمنصب الشاغر، ولكن طائفة من الرهبان الشبان اختارت رجنلد Reginald نائب رئيس ديرهم ليكون كبيراً للأساقفة. وأسرع المرشحان المتنافسان إلى رومة يطلب كل منهما تأييد البابا؛ ولكن إنوسنت رفض أن يؤيدهما جميعاً، وعين في المنصب الشاغر استيفن لانجتن Stephen Langton، وهو مطران إنجليزي قضى الخمس والعشرين سنة الأخيرة مقيماً في باريس، وكان وقت اختياره أستاذاً للاهوت في جامعتها. واحتج جون على هذا الاختيار وقال إن لانجتن لم يكن لديه ما يؤهله لأن يشغل أكبر منصب ديني في إنجلترا، وهو منصب يجمع بين الوظائف السياسية والدينية. وتجاهل إنوسنت احتجاج جون، ودشن استيفن كبيراً لأساقفة كنتربري (1207) في فيتربو Viterpo من أعمال إيطاليا. وتحدى جون لانجتن بأن يطأ بقدمه أرض إنجلترا، وأنذر رهبان كنتربري العصاة بحرق الأديرة فوق رؤوسهم، وأقسم "بأسنان الله" بأن ينفي كل قس كاثوليكي من إنجلترا إذا أصدر البابا قراراً بحرمانها، ويسمل أعين بعضهم ويجدع أنوفهم جزاء وفاقاً لهم على فعل رئيسهم. وأصدر البابا قرار الحرمان (1208)، وامتنعت كل الخدمات الدينية في إنجلترا ما عدا التعميد والمسح وقت الوفاة. وأغلق القساوسة الكنائس، وسكنت الأجراس، ودفن الموتى في أرض لم تدشن. ورد جون على هذه الأعمال بمصادرة جميع أملاك الكنائس والأديرة وأعطاها لغير رجال الدين؛ وحرم إنوسنت الملك من حظيرة المسيحية، ولكن جون لم يعبأ بقرار الحرمان، وانتصر في عدة وقائع حربية أيرلندة، واسكتلندة، وويلز. ووجفت قلوب الشعب هلعاً من قرار الحرمان، ولكن الأشراف رضوا بانتهاب أملاك الكنيسة لأن ذلك الانتهاب يحول نهم الملك إلى حين عن أملاكهم هم.

واختال جون عجباً بانتصاره المؤقت، وأساء إلى الكثيرين بتطرفه وعنته؛ فقد هجر زوجته الثانية ليلد أطفالاً غير شرعيين من عشيقات مستهترات، وزج اليهود في السجن لينتزع منهم أموالهم، وترك بعض المطارنة السجناء  يموتون من فرط المشقة، وأغضب الأشراف بأن أضاف الإهانات إلى الضرائب الفادحة، وتشدد في تنفيذ قانون الغابات البغيض. ولجأ إنوسنت في عام 1213 إلى آخر ملجأ له، فأصدر مرسوماً بخلع الملك الإنجليزي عن العرش، وأعفي رعايا جون من بين الطاعة التي أقسموها له، وأعلن أن أملاك الملك أضحت غنيمة مشروعة لكل من يستطيع انتزاعها من يديه النجستين. وقبل فليب أغسطس الدعوة، وحشد جيشاً رهيباً، وزحف به على شاطئ القناة الإنجليزية. واستعد جون لصد الغزو، ولكنه تبين وقتئذ أن أعيان البلاد لن يساعدوه في حرب ضد بابا مسلح بقوة مادية ودينية معاً. واستشاط الملك غضباً من فعلتهم، ورأى في الوقت نفسه خطر الهزيمة محدقاً به. فعقد اتفاقاً مع بندلف Pandulf، مبعوث البابا مضمونه أنه إذا ألغى إنوسنت قرار الحرمان الصادر على الملك وعلى إنجلترا، وقرار الخلع، واستحال من عدو إلى صديق، فإن جون يتعهد بأن يرد إلى الكنيسة كل ما صادره من أملاكها، وأن يضع تاجه ومملكته تحت سيادة البابا الإقطاعية. واتفق الطرفان على هذا، وأسلم جون إنجلترا كلها للبابا، ثم استعادها منه بعد خمسة أيام بوصفها إقطاعية بابوية تدين للبابا بالولاء وتؤتى الجزية عن يد وهي صاغرة (1213).

وأقلع جون إلى بواتو ليهاجم فليب، وأمر بارونات إنجلترا أن يتبعوه بالسلاح والرجال،