برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب السادس

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> عصر الخيال -> إحياء اللغة اللاتينية 

الباب الثامن والثلاثون

عصر الخيال

1100-1300

الفصل الأول  

إحياء اللغة اللاتينية

كل عصر في حياة العالم عصر خيال، لأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا بالخبز وحده، والخيال عماد الحياة، ولعل القرنين الثاني عشر والثالث عشر من تاريخ أوربا كانا إلى حد قليل أبعد خيالاً من معظم العصور الأخرى. ذلك أن هذين القرنين لم يرثا جميع المخلوقات الخفية التي ابتدعها خيال أوربا الوثاب فحسب، بل قبلاً الملحمة المسيحية بكل ما فيها من جمال الخيال ورهبته، واتخذا الحب والحرب فناً وديناً؛ وشهد هذان القرنان الحروب الصليبية وجاءا بمئات القصص والعجائب من بلاد الشرق، وكتبا في واقع الأمر أطول القصص الخيالية المعروفة في التاريخ كله.

وكان مما ساعد على ازدهار الأدب قي هذين القرنين ازدياد الثروة، والفراغ والأدب غير الديني، ونشأة المدن والطبقة الوسطى، وارتفاع شأن المرأة في الدين، ونظام الفروسية. ولما تضاعف عدد المدارس بهر شيشرون، وفرجيل، وهوارس، وأوفد، وليفي، وسالست، وسنكا، واستاتيوس، وجوفنال، وكونتليان، وسيوتونيوس، وأبوليوس، وسيدونيوس، وحتى ماريتال وبترونيوس السفيهان المفحشان، بهر هؤلاء بفنهم وعالمهم الغريب كثيراً عن ملاجئ الأساتذة والأديرة المنعزلة عن العالم وتسربا في بعض البلاد إلى قصور الأعيان.واختلست الأرواح المسيحية من جيروم إلى ألكوين، إلى هلواز، وهيدلبيرت، دقائق من أوقات صلواتهم لينشدوا أغاني الإنياذة وهم صامتون. وكانت جامعة أورليان تعتز اعتزازاً خاصاً قوياً بآداب روما الوثنية، حتى شكا أحد المتزمّتين وهو مرتاع وجل قائلاً إن الآلهة القدامى، لا المسيح أو مريم، هي التي تعبد فيها. وكاد القرن الثاني عشر يصبح "عصر أوفد"؛ فقد أنزل فرجيل عن العرش الذي رفعه إليه ألكوين حتى جعله شاعر بلاط شارلمان؛ وكان الرهبان، والسيدات، "والعلماء الجاءلون" على السواء يقرءون بنشوة وابتهاج كتب التحولات، والهيرويدات، وفن الحب. وفي وسعنا أن نعفو عن كثير من أسباب اللهو المباح عند الرهبان الذين أحبوا هذه الكتب الملعونة، وحفظوها من الضياع، ولقّنوها بإخلاص ووفاء إلى الشبان المتبرمين الشاكرين.

ونشأت من هذه الدراسات القديمة لغة لاتينية خاصة بالعصور الوسطى، كان فيها من التنوع وأسباب المتعة ما يعد من أعظم المفاجآت السارة في الكشوف الأدبية. مثال ذلك أن القديس برنار الذي لم يكن يعتد إلاّ قليلاً بالمزايا العقلية، كتب رسائل تفيض بالحب الرقيق، والقدح الفصيح، واللّغة اللاتينية الممتازة؛ وقد احتفظت عظات بطرس دميان، وبرنار، وأبلار، وبرثولد الرجنز برجي للّغة اللاتينية بقوتها وحيويتها.

وكتب المؤرخون الأخباريون في الأديرة بلغة لاتينية فظيعة، ولكنهم يدعون أنهم يكتبون كتابة تشبع حاسة الجمال لدى القرّاء. بل كانوا يسجلون أولاً نشأة أديرتهم وتاريخها - انتخاباتها، ومبانيها، ووفاة رؤسائها، ومعجزات الرهبان ومنازعاتهم؛ وأضافوا إلى ذلك مذكرات عن الخسوف والكسوف، والمذنّبات، والجفاف، والفيضان، والقحط، والأوبئة، ونذر أيامهم؛ وتوسع بعضهم فضمن كتاباته بعض الحوادث القومية والدولية نفسها. وقلّ منهم من كان يبحث في المراجع التي يعتمد عليها بروح النقد الصحيح، أو يفحص عن العلل؛ وكان معظمهم مهملين غير دقيقين، يضيفون إلى أرقامهم صفراً أو صفرين ليبعثوا الحياة في الإحصاءات الميتة. وكلّهم بلا استثناء يأتون بالمعجزات، ويظهرون سذاجةً أو استعداداً ظريفاً لتصديق كل ما يقال. من ذلك أن الإخباريين الفرنسيين افترضوا أن فرنسا قد استوطنها الطرواديون النبلاء، وأن شارلمان فتح أسبانيا واستولى على بيت المقدس، وحاول كِتاب أعمال الفرنسيين Gesta Francorum (حوالي 1100) أن يروي بأمانة نسبية قصة الحرب الصليبية الأولى، ولكن كتاب أعمال الرومان Gesta Romanortum (حوالي 1280) يروي في صراحة تاريخاً مخترعاً لتشوستر، وشكسبير، وألفاً من كتّاب الروايات. وجعل جوفري المنموثي Geoffrey of Monmouth حوالي (1100-1154) من كتابه تاريخ بريطانيا Historia Britonum ضرباً من الأساطير القومية، وجد فيها الشعراء قصص الملك لير، وآرثر، وميرلين Merlin، ولانسلت Lancelot، وترسترام Tristram، وبرسفال، وبرسفال Perceval، وجريل المقدس Holy Grail. ومن الأدب الحي حتى الآن ثرثرة جوسلين Jocelyn وما رواه من أخبار بيوري سانت إدمندس Bury St. Edmonds (حوالي 1200) وما رواه الأخ سلمبيني Salimbene عن بارما (حوالي 1280).

وفي عام 1208 أهدى ساكسولانج (اللغوي) Saxo Lange الذي سمّى بعد وفاته ساكسو النحوي Saxo Grammaticus إلى أبسالوم كبير أساقفة لند Lund كتابه أعمال الدنمرقيين، وهو كتاب فيه بعض الحشو وفيه من سرعة التصديق مالا يصدّقه الإنسان(1). ولكنّه مع ذلك قصة قوية حية، فيها من الاتصال أكثر مما في كثير من تواريخ الغرب في هذه الأيام. ففي الكتاب الثالث من هذا المؤلف نقراً عن أملث Amleth أمير جتلندة Jutland الذي قتل عمه الملك وتزوج الملكة. ويقول سكسو إن أملث هذا "اختار أن يتظاهر بالبلادة وفقدان الوعي فقداناً كاملاً، وضمن بهذا الصنع الماكر سلامته".

وارتقى خمسة من المؤرخين اللاّئين في ذينك القرنين من طبقة الإخباريين إلى طبقة المؤرخين وإن احتفظوا بالطابع الإخباري. من هؤلاء وليم المالزبري (حوالي 1090-1143) الذي رتّب مادة كتابه أعمال الأحبار Gesta Pontificum، وأعمال الملوك الإنجليز Gesta Regum Anglorum ليجعل منها قصة متصلة حية، نزيهة، جديرة بالثقة، تروي أخبار الأحبار والملوك.وأرسل أردركس فيتالس Ordericus Vitalis (حوالي 1075-1143) المولود في شروزبري Shrewsbury إلى دير القديس إفرول St. Evroul في نورمندية في العاشرة من عمره وفاءً لنذر، وعاش فيها بقية سنيه الثمان والستين، ولم ير خلالها أبويه. وقضى من هذه السنين ثماني عشرة في كتابة تاريخ الكنيسة المكون من خمسة مجلدات، ولم يمتنع عن العمل في خلال تلك السنين، كما يقول الرواة، في أشد أيام الشتاء برداً حين كانت أصابعه تفقد حساسيتها من فرط البرد. ومن عجب أن عقلاً مضيقاً عليه في المكان يستطيع التحدّث عن هذا الحديث الحسن في مختلف الشئون الدينية والدنيوية، فضلاً عن استطرادات في تاريخ الرسائل والأخلاق العادية. وقص أتو Otto أسقف فرايزنج (حوالي 1114-58) في كتابه في المدينتين تاريخ الدين والعالم الدنيوي من خلق آدم إلى 1146، وبدأ ترجمة مليئة بالفخر لابن أخيه فردريك بربرسا، ولكنه توفي ولمّا يتجاوز بطله منتصف حياته. وعيّن رجل فرنسي مولود في فلسطين يدعى وليم الصوري William of Tyre(حوالي 1130-1190) مستشاراً لبولدون الرابع ملك بيت المقدس، ثم أصبح بعدئذ كبير أساقفة صور؛ وتعلّم اللغات الفرنسية، واللاتينية واليونانية والعربية وقليلاً من اللغة العبرية؛ وكتب بلغة لاتينية سليمة كتاباً هو خير ما يعتمد عليه من المصادر في تاريخ الحملات الصليبية الأولى، وسمّاه تاريخ حوادث ما وراء البحار Historia reum in partibus transmarinis gestarum. وقد حاول فيه أن يفسّر الحوادث جميعها بالاستناد إلى الأسباب الطبيعية. وكانت نزاهته في تصوير أخلاق نور الدين محمود وصلاح الدين من أكبر أسباب عقيدة أوربا المسيحية في هذين العاهلين اللذين يخالفانها في الدين. وكان ماثيو باريس (حوالي 1200-1259) راهباً في دير سانت أولبنز، وشغل أولاً منصب مؤرخ لديره، ثم بعد ذلك منصب مؤرخ للملك هنري الثالث،واستعان بهذين المنصبين على تأليف كتابه التاريخ الكبير بلغة شيّقة ممتعة؛ وهو يروي الحوادث الهامّة التي وقعت في تاريخ أوربا بين عامي 1235، 1259. ويمتاز كتابه بالوضوح والدقّة، ولكن فيه تحيّزاً لم يكن متوقعاً منه؛ وندّد فيه "بالبخل الذي نفر الشعب من البابا"، وانحاز إلى فردريك الثاني ضد البابوية. وملأ صفحاته بأنباء المعجزات، وروى قصة اليهودي الجوّال (في عام 1228)، ولكنه روى بصراحة تشكّك أهل لندن في انتقال بعض نقط من دماء المسيح إلى دير وستمنستر (1247). ووضّح كتابه بعدّة خرائط لإنجلترا رسمها بنفسه، وهي خير ما رسم من الخرائط في ذلك الوقت،وربما كان هو الذي رسم أيضاً الأشكال التي وضّح بها كتابه. وإنّا لنعجب بجدة وغزارة علمه، ولكن الصورة التي رسمها للنبي محمد (1236) تكشف عمّا يمكن أن يكون عليه رجل مسيحي متعلّم من جهل عجيب بالتاريخ الإسلامي.

أمّا أعظم المؤرخين في ذلك العصر فهما فرنسيان كتبا بلغتهما القومية، وكان لهما مع الشعراء الغزلين ورواة الملاحم وشعرائها الفضل في جعل اللغة الفرنسية لغة أدبية. فأمّا أوّلهما جيوفروي ده فيل هاردون Geoffroy de Villehardouin (حوالي 1150- حوالي 1218). فكان من النبلاء والمحاربين لم ينل من التعليم النظامي إلاّ القليل؛ ولكن جهله بالحيل البلاغية التي تعلمّ في المدارس هو الذي مكّنه من أن يملي كتابه فتح القسطنطينية (1207) بلغة فرنسية دقيقة خالية من التنميق، تتّجه نحو الغرض من أقرب طريق،ومن أن يجعل هذا الكتاب من أهم ما كتب في فن كتابة التاريخ. ولم يكن من أسباب شهرة هذا الرجل بعده عن التحيّز، فقد كان وثيق الصلة بالحرب الصليبية الرابعة، واضطلع فيها بدور هام، فلم يستطيع لهذين السببين أن يرى تلك الخيانة الجميلة الظاهرة، خيانة الحقيقة والتاريخ، بعين الرجل الموضوعي الذي ينظر إلى الحقائق دون غيرها؛ ولكن من أهم مزاياه أنه كان في وسط الحوادث نفسها يشهدها ويحس بها حين وقوعها، ممّا أضفى على كتابه حيوية لا يكاد يبليها الزمن.وظهر بعد قرن أو نحوه من ذلك الوقت جان سير ده جوانفيل Jean Sire de Joinville قيم القصر في شمبانيا؛ وبعد أن خدم لويس التاسع في حملته الصليبية وفي فرنسا، كتب وهو في الثامنة والخمسين من عمره كتابه تاريخ القديس لويس (1309)؛ ونحن نحمد له وصفه خلائق التاريخ وصفاً أميناً بعيداً عن التكلف، واهتمامه بعاداتهم وقصصهم التي توضّح سيرهم وتنير ما يكتنفها من ظلمات. وبفضله نستطيع أن نحس بالجو الذي كان سائداً في ذلك العصر كما لا نحس به في كتاب فيل هاردون، فنصحبه حين يخرج من قصره بعد أن يرهن ما يمتلكه كله تقريباً لينضم إلى الحملة الصليبية؛ ويقول إنه لم يجرؤ على النظر إلى الوراء حتى لا يذوب قلبه أسىً حين تقع عينه على زوجته وأبنائه، ولعلّه لن يراهم بعد ذلك اليوم. ولم يكن لهذا الرجل ما كان لفيل هاردون من دهاء وسعة حيلة، ولكنه كان يمتاز بالإدراك الفطري السليم، وكان يرى ما في قديسه من عيوب، ولهذا رفض أن ينضم إلى الحملة الصليبية التالية حين طلب إليه لويس الانضمام إليها،

 لأنه رأى ببصيرته أن هذه مغامرة لا يرجى لها فلاح، ويقول إنه حين سأله هذا الملك الورع: "أيّهما تفضّل - أن تصاب بالجذام أو أن ترتكب خطيئة موبقة؟".

"فأجبته وأنا الذي لم يكذب عليه قط بأنه خير لي أن أرتكب ثلاثين خطيئة موبقة من أن أصاب بالجذام.ولمّا خرج الرهبان من حضرته استدعاني وحدي وأجلسني عند قدميه وقال لي: كيف تجرؤ على هذا القول؟... فأجبته بأني قلته مرة أخرى بعد ذلك الوقت؛ فردّ عليّ بقوله: لقد تسرّعت وكنت أحمق في ردّك، فإن من واجبك أن تعرف أنه ليس ثمة جذام أبشع من ارتكاب الخطيئة الموبقة... وسألني: هل غسلت أقدام الفقراء يوم خميس الصعود؟ فأجبته: يا مولاي، لو فعلت لأصبت بالغثيان، إني لن أغسل قط أقدام أولئك الأدنياء.فقال لي الملك: الحق أنك قد أخطأت إذ نطقت بهذا القول، لأن عليك ألاّ تحتقر ما فعله الله ليعلمنا، ولهذا فإني أرجوك بحق حبّك الله أوّلاً وحبّك إياي ثانياً أن تعوّد نفسك غسل أقدام الفقراء"(2).

ولم تكن حياة القديسين كلها تروى بمثل هذا الصدق وتلك الأمانة، ذلك أن الإحساس بالتزام الأمانة ومراعاة الضمير في رواية التاريخ كانا من الضعف في عقول الناس في العصور الوسطى بحيث يخيّل إلينا معهما أن كتّاب هذه القصص الأخلاقية كانوا يظنّون أن لا ضرر مطلقاً في اعتقاد الناس أن ما يروونه صحيح كله، وأن الخير كل الخير في أن يصدقوه.وأكبر الظن أن المؤلفين كانوا في معظم الأوقات يأخذون القصص المنتشرة عن غيرهم، وأنهم كانوا يصدّقون ما يكتبون. وإذا أخذنا تراجم القديسين على أنها قصص لا أكثر وجدناها مليئة بالطرائف والمتع. فلينظر القارئ مثلاً إلى الطريقة التي حصل بها القديس كرستفر Christopher على اسمه. لقد كان في أول حياته رجلاً جباراً من أهل كنعان يبلغ طوله ثماني عشرة قدماً، ثم دخل في خدمة أحد الملوك لأنه سمع أن هذا الملك أقوى رجل في العالم. وحدث في يوم من الأيام أن رسم الملك على نفسه علامة الصليب حين ذكر بعضهم أمامه اسم الشيطان، فاستدل كرستفر من هذا على أن الشيطان أقوى من الملك، ولم يكن منه إلا أن دخل في خدمة الشيطان. ولكن الشيطان رأى علامة الصليب إلى جانب الطريق فولّى هارباً، واستدل كرستفر من هذا على أن عيسى (عليه السلام) أقوى بلا شك من الشيطان، فوهب نفسه للمسيح. ووجد الرجل مشقّة في الصوم المسيحي، فقد كان جسمه الضخم يتطلب الطعام الكثير،وكان لسانه الكبير يتعثر في أبسط الصلوات. ووضعه ناسك صالح على شاطئ مخاضة أغرق تيارها السريع كثيرين ممن حاولوا اجتيازها. وحمل كرستفر المسافرين على ظهره ونقلهم إلى الشاطئ الآخر في أمان دون أن يبتلّوا بالماء، حتى كان في يوم من الأيام يحمل طفلاً صغيراً ليعبر به المجرى، فوجده ثقيلاً؛ ولمّا سأله عن السبب أجابه الطفل بأنه يحمل ثقل العالم كله؛ ولمّا وصل هذا الطفل إلى بر السلامة شكر له حسن صنيعه وقال له: "أنا المسيح عيسى" ثم اختفى؛ وفي هذه اللحظة أزهرت فجاءة عصا كرستفر وكان قد غرسها في الرمل(3). ثم لينظر القارئ إلى قصة القديس جورج شفيع بريطانيا. فمن هو هذا القديس؟ لقد كان بالقرب من سيلينم Silenum في ليبيا تنين يقدّم له في كل عام شاب أو شابة طعاماً له؛ وكان هذا الشاب (أو الشابة) يختار بالقرعة ويقدّم للتنين حتى لا يسمّم القرية بنَفَسه. ووقعت القرعة في أحد الأعوام على ابنة الملك العذراء؛ ولمّا أقبل اليوم الموعود مشت نحو البِركة التي يقيم فيها التنين، فرآها القديس جورج وسألها عن سبب بكائها، فأجابته الفتاة قائلة: "أيها الشاب، أرى أن لك قلباً كبيراً نبيلاً، ولكني أرجوك أن تبادر بالابتعاد عني". وأبى الشاب أن يجيبها إلى ما طلبت، وما زال بها حتى أجابته عن سؤاله، فلما فعلت قال لها:  

"لا تخافي فإني سأساعدك باسم عيسى المسيح". وخرج التنين من الماء في هذه اللحظة ورسم جورج علامة الصليب، ونادى باسم المسيح، وهجم على التنين، وطعنه بحربته، وأمر الفتاة أن تلقى بمنطقتها حول عنق التنين الجريح، ففعلت ما أمرها به؛ وخضع التنين لسحر جمالها الفتّان كما يخضع له كل شهم من الرجال، وسار خلفها مطيعاً ذليلاً طوال حياتها. وجمع ياقوبو ده فوراجين Jacopo de Voragine كبير أساقفة جنوى هاتين القصتين وأمثالهما في كتاب ذائع الصيت نشر حوالي 1290؛ فكان يروى لكل يوم من أيام السنة قصة قديسها المخصص هذا اليوم له، وسمّى كتابه قراءات عن القديسين Legenda sanctorum. وصارت مجموعة قصص ياقوبو من الكتب المحببة للقرّاء في العصور الوسطى، وأطلقوا عليها اسم القراءات الذهبية. وأشارت الكنيسة بوجوب الاحتياط في تصديق بعض هذه القصص(4)، ولكن الناس أحبّوها وصدّقوها كلها، ولعلهم لم يكونوا في هذا أكثر انخداعاً في الحياة عن السذّج من الناس الذين يصدّقون القصص الخرافية هذه الأيام.

وكان الشعر أحسن ما كتب باللغة اللاتينية في العصور الوسطى، ولم يكن الكثير منه شعراً إلاّ بالاسم فحسب، لأن جميع المواد التلقينية على اختلاف أنواعها - من تاريخ، وقصص، ورياضة، ومنطق، ودين، وطب ـ كانت تكتب في أبيات موزونة مقفاة، ليسهل بذلك استظهارها. وكتبت أيضاً ملاحم تافهة عظيمة الطول مثل ملحمة الكسندريس Alexandreis (1176) التي نظمها ولتر الشاتيوني Walter of Chatillon؛ وتبدو لنا هذه الملاحم الآن مملة بقدر ما تبدو قصيدة الفردوس المفقود Paradise Lost. وكتب أيضاً جدل شعري ـ بين الجسم والنفس، والموت والإنسان، والرحمة والصدق، والفلاّح والقس، والمرأة والرجل، والنبيذ والماء، والنبيذ والجعة، والورد والبنفسج، والطالب الفقير والقس الذي ينال من الطعام كفايته. بل ذهب بعضهم إلى أبعد من هذا فكتب جدلاً بين هِلين وجنيميد ليوازن بين فضائل عض الرجال للنساء وعشق الرجال للغلمان(5). وقصارى القول أن شيئاً ما من شئون الآدميين لم يكن غريباً على الشعر.

وترك الكتَّاب من القرن الخامس وما بعده قياس أوزان الشعر بمقدار ما فيه من الحروف المتحركة كما كانوا يفعلون في الشعر القديم، وجاء الشعر اللاتيني المستمد من الشعور العام لا من الفن العلمي بنوع من الشعر جديد يعتمد على النبرات والوزن والقافية. وكانت هذه الضروب من الشعر موجودة بين الرومان قبل أن تغزو الأوزان اليونانية بلادهم، وظلّت ألف عام مع الطراز اليوناني. وبقيت الأنماط الفصحى - من شعر سداسي الأوتاد، ومراث، وشعر من نوع شعر سابقو طوال العصور الوسطى؛ ولكن العالم اللاتيني حلّ هذه الأنماط، فقد خيّل إليه أنها لا تتناغم مع أمزجة التقى، والرحمة، والرقة، والأدعية الدينية التي نشرها الدين المسيحي؛ فدخلت فيه أوزان أكثر منها بساطة، هي الأبيات القصيرة من البحر العمبقي تكاد تنقل كل عاطفة بشرية من خلجات القلب إلى ضربات أرجل الجند الزاحفين إلى الحرب.

وما من أحد يعرف من أين جاءت القافية إلى العالم المسيحي الغربي وإن الكثيرون يبدون آراء تعتمد على الحدس وحده. لقد اتبعت القافية في عدد قليل من القصائد الوثنية كقصائد إينوس، وشيشرون، وابوليوس؛ وكانت تستعمل أحياناً في الشعر العبري والسرياني، واستعملت مراراً متفرقة في الشعر اللاتيني أثناء القرن الخامس؛ وهي شائعة الاستعمال في الشعر العربي منذ عهد قديم يرجع إلى القرن السادس الميلادي. ولعل حب المسلمين للقافية قد أثر في

المسيحيين الذين اتصلوا بالإسلام؛ ويذكرنا الإفراط في التزام القافية في أواسط الأبيات وأواخرها في شعر العصور الوسطى اللاتيني بهذا الإفراط عينه في الشعر العربي.ومهما يكن في هذا من خير أو شر فإن هذه الصيغ الجديدة قد أنتجت ضرباً جديداً من الشعر اللاتيني، يختلف في كل شيء عن الشعر القديم، موفوراً وفرة عجيبة، يبلغ من الجودة درجة لم تكن متوقعة. وإلى القارئ مثلاً من شعر بطرس دميان (1007-1072) الناسك المصلح يشبّه دعوة المسيح بدعوة محب فتاة يحبها:

 

 منذا الذي يدق بابي؟ 

 أتريد أن تبدد أحلام ليلى؟ 

فيناديني: "يا أجمل العذارى،   

يا أختي، ورفيقتي، يا جوهرة متألقة! 

أسرعي! قومي! افتحي يا أحلى الفتيات! 

***   

أنا ابن الملك العليّ الأعلى 

أنا أكبر أبنائه وأصغرهم 

هبط من السماء إلى هذه الظلمة   

ليحرر أرواح الأسرى 

لقد تحملت الموت وكثيراً من ضروب الأذى" 

فغادرت فراشي من فوري 

وهرولت نحو عتبة الباب 

لكي يفتح البيت كله إلى الحبيب 

وتتملى روحي برؤية  

من تتحرق شوقاً إليه. 

ولكنه مرّ بنا مسرعاً 

وغادر بابي   

فماذا أفعل أنا الشقية البائسة؟  

فتبعت والدمع ينهمر من عيني 

الشاب الذي صوّرت يداه الإنسان.   

وكان قول الشعر عند بطرس دميان أمراً عارضاً؛ أما عند هيلدبرت اللفرديني Hildebert of Lavardin (1055-1133) كبير أساقفة تور فكان هياماً شق به طريقه إلى الإيمان. ولعل برنجر Birenger عالم تور Tours الذي درس على فلبرت في بلدة شارتر Chartres قد بعث فيه حباً للآداب اللاتينية القديمة. ونزلت به محن كثيرة سافر بعدها إلى رومة، وهو لا يدري أي الأمرين أقوى عنده من الآخر: أهو السعي إلى البركة البابوية، أم إلى رؤية الأماكن التي جعلتها القراءة عزيزة عنده؟وتأثر الرجل بعظمة العاصمة القديمة واضمحلالها، وأنطقه شعوره بمرثاة من الطراز القديم.

"أي روما! ليس في المدائن كلها ما يماثلك! وإن كدت تصبحين خربات! ألا ما كان أعظمك وأنت بمنجاة من الدمار! إننا نتعلم منك في محنتك؛ لقد حطم كبرياءك مر الدهور، فتداعت في المناقع حصون قيصر مع هياكل الأرباب. وتهدمت تلك الصروح، تلك الصروح الشاهقة التي كان البرابرة العتاة يرتعدون خوفاً حين يرونها قائمة، ويحزنون حين يرونها متداعية... ولكن كر الدهور وقعقعة السيوف لا يقويان على إبادة هذا المجد".

في هذه المرثاة برع شاعر في العصور الوسطى في استخدام اللغة اللاتينية براعة لا تقل عن براعة فرجيل نفسه. ولكنه لم تفارقه قط نزعته المسيحية، فقد كان يجد من السلوى في المسيح ومريم أكثر مما يجدها في جوبتر ومنيرفا، ولهذا نراه في قصيدة متأخرة عن القصيدة السابقة يهجر الأضرحة القديمة ويقول:

(روما تتحدث): إن هذه الهزيمة أحلى عندي من تلك الانتصارات وإني في فقري لأعظم مني في غناي، وإني وأنا ملقاة على الأرض لأعظم مني وأنا رفيعة العماد، ولقد أمدني عَلَم الصليب بأكثر ممّا أمدّتني النسور، ووهبني بطرس أكثر ممّا وهبني قيصر، وحبتني الجموع العزلاء بأكثر مما حباني القواد المدججون بالسلاح. لقد سدت الأمم وأنا قائمة على قدمي، وهأنذا وأنا مخربة أضرب في أعماق الأرض؛ ولقد سيطرت على الأجسام وأنا قائمة، وهأنذا وأنا محطمة جاثية أحكم الأرواح؛ لقد كنت في الزمن القديم آمر شعباً بائساً، أما الآن فإني أصدر أوامري إلى أمراء الظلام؛ لقد كانت المدائن مملكتي في الزمن القديم أما الآن فمملكتي هي السماء.

إن اللغة اللاتينية لم يكتب بها حتى ذلك الوقت شعر يضارع هذا الشعر منذ أيام فورتناتس Fortunatus.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> عصر الخيال -> الخمر والمرأة والأغاني 

الفصل الثاني

الخمر والمرأة والأغاني

من الطبيعي أن يكون علمنا بالنواحي الوثنية أو المتشككة في حياة العصور الوسطى قطعاً متفرقة؛ ذلك بأن الماضي لم يصل إلينا نزيهاً أميناً إلا في دمائنا. وهذا يزيد من إعجابنا بروح التسامح والتحرر ـ أو روح الزمالة في الغبطة ـ التي حملت دير بندكتبيرن Benediktbeuern (في بافاريا العليا) على الاحتفاظ بالمخطوط الذي شق طريقه إلى المطبعة في عام 1847 وسمّي باسم قصائد بيران Carmina Burana والذي يعد الآن أهم ما لدينا من المصادر لشعر "العلماء الجوالين" ولم يكن هؤلاء من الذين يضربون في الآفاق؛ فقد كان منهم رهبان ضلوا في طريقهم إلى أديرتهم، ومنهم قساوسة فقدوا مناصبهم، وكانت كثرتهم طلاباً في طريقهم من موطنهم إلى جامعتهم أو من إحدى الجامعات إلى الأخرى؛ وكثيراً ما كانوا يقطعون طريقهم هذا سيراً على أقدامهم. وكان كثيرون من الطلاب بعرجون على الحانات في الطريق، ومنهم من كانوا يتذوقون الخمر والنساء، ويستمعون إلى المعارف غير المدونة، ومنهم من كانوا يؤلفون الأغاني، ويتغنون بها، ويبيعونها لمن يطلبها؛ ومنهم من فقدوا أملهم في أن يكونوا من رجال الدين فكانوا يعيشون بأقلامهم يخصون بشعرهم الأساقفة والأعيان. وكانت أكثر ميادين نشاطهم فرنسا وألمانيا الغربية؛ ولكن شعرهم ما لبث أن انتشر بين البلدان المختلفة لأنهم كانوا يكتبونه باللغة اللاتينية. وكانوا يدّعون أنهم ينتظمون في هيئة خاصة هي نقابة الجوّالين، واخترعوا لها مؤسساً موهوماً وقديساً شفيعاً هو شخصية أسطورية شبيهة بشخصيات ربليه وسمّوه جلياس Golias. وإنا لنجد من ذلك الزمن البعيد، وهو القرن العاشر الميلادي، ولتر كبير أساقفة سان Sens ساخطاً أشد السخط على "أسرة جلياس" المرذولة، كما أن مجلساً كنسياً عقد في عام 1227 جهر بسخطه على الجلياردي Goliardi لأنهم ينشدون أشعاراً يسخرون فيها من أقدس الأناشيد والطقوس الدينية(6). ويقول مجلس سلز برج المنعقد في عام 1281 إنهم "يسيرون بين الناس عراة، وينامون في أفران الخبز، ويغشون الحانات، وأماكن الألعاب، والمواخير،ويكسبون عيشهم برذائلهم، ويتشبثون اشد التشبث بشيعتهم"(7).

ولسنا نعرف من هؤلاء الشعراء الجليارديين، إلاّ أفراداً قلائل، منهم شاعر يسمّى هيو Hugh أو هوجو بريماس Hugo Primas، وكان راهباً علمانياً في أورليان عام 1140 يصفه كاتب من منافسيه(8) بأنه "إنسان دنيء"، مشوه الوجه"، ولكنه اشتهر "في كثير من الأقاليم" بحضور البديهة، وقرض الشعر، هلك لأن أحداً لم يبتع شعره؛ وكان يقذف الأغنياء من رجال الدين بأقذع أنواع الهجاء التي يمليها عليه حقده. كان رجلاً غزي العلم، صفيق الوجه، قليل الحياء، يصوغ أفحش المعاني في شعر سداسي الأوتاد، لا يقل روعة عن شعر هيلدبرت.

وكان أوسع منه شهرة شاعر آخر لا نعرف الآن اسمه ولكن المعجبين به كانوا يسمّونه "كبير الشعراء Archipoeta" (حوالي 1161)؛ وهو فارس ألماني يفضل الخمر والمداد عن السيف والدم، ويعيش عيشاً مضطرباً على الصدقات التي كان يمده بها من حين إلى حين رينلد فن داسل Rainald Von Dassel كبير أساقفة كولوني المنتخب، وسفير بربرسافي بافيا. وحاول رينلد أن يصلح ما فسد من أخلاقه، ولكن الشاعر توسل إليه أن يتركه وشأنه، وكان ذلك في قصيدة من أشهر ما قيل من القصائد في العصور الوسطى، وهي قصيدة "اعتراف جالوت" - التي أصبحت المقطوعة الأخيرة منها نشيد الشراب المحبب الشائع في الجامعات الألمانية:

 

 1- أنا الذي فاضت نفسي بالحقد الدفين الشديد، 

استمع يا صاح إليّ أعلن ما في نفسي من حقد مرير:

لقد خلقت من عنصر واحد، مادتي الطيش، 

أشبه الأشياء بورقة من شجرة في مهب الريح. 

*** 

2- لم أطق حتى اليوم الأحزان ولا الاعتدال في الشهوات،

أحب النكات، والمرح عندي أحلى من الشهد. 

وكل ما أمرت به فينوس هو عندي الغبطة التي لا تعادلها غبطة،   

وهي لم تتخذ قط لها مسكناً في قلب خبيث. 

*** 

3- إني أسير في الطريق الرحب شاباً غير نادم على شيء؛ 

إلا فلفني في الرذائل لفاً لكي أنسى كل الفضائل 

فإن شرهي لعب اللذات أكثر من شوقي إلى ملكوت السموات، 

لأن ما كان فيّ من روح قد مات، وأصبح من الخير لي أن أنجي الجسد. 

*** 

4- عفواً أيها السيد الصالح، يا صاحب العقل الحصيف، 

إن هذا الموت الذي أسعى إليه حلو، وهو سم ما أحلاه. 

لقد نفذت في جسمي سهام لحاظ فتاة جميلة. 

وماذا على العقل لو عبدها إن لم يكن إليها من سبيل؟ 

*** 

5- ألا تحرقك النار إن جلست في وسطها؟ 

وإن جئت إلى بافيا، فهل تعود منها طاهراً عفيفاً كما جئتها؟ 

بافيا التي تجتذب الشباب بأطراف أناملها، 

الشباب الذي وقع في شرك عينيها وافتتن بسحر شفتيها. 

*** 

6- جيء بهبوليتس ليتعشى في بافيا، 

فإذا أصبح الصباح اختفى هبوليتس عن الأنظار. 

فليس في بافيا طريق لا يؤدي إلى الفجور، 

وليس في أبراجها الكثيرة برج واحد للعفاف 

*** 

7- إن هذا هو معقد أملي؛ فإذا دنت الساعة مني، 

فدعني أمت في الحانة وكأس الخمر إلى جواري، 

والملائكة يطلون عليّ ويغنون مغتبطين: 

"رضي الله عن هذا السكير" 

وتشمل قصائد بيرن جميع موضوعات الشباب: تشمل الربيع، والحب، والافتخار بغواية النساء، والفحش الرقيق، وأغاني الحب الحنونة التي لا يستجيب لها الحبيب، وأغنية ينشدها طالب علم يشير فيها بوقف الدرس، وتقرير يوم عطلة للحب... وفي إحدى الأغاني تفاجئ فتاة شاباً أثناء كدحه وتسأله: "ماذا تفعل يا سيدي؟ هيا بنا نلعب سوياً"؛ وتتغنى أنشودة أخرى بخيانة النساء.، وأخرى غيرها بحزن فتاة غدر بها الحبيب، وكانت بدانتها سبباً في الضربات يكيلها لها أبواها. ويتغنى كثير من القصائد بملذات الشراب، والميسر، ومنها ما يتلذذ بثروة الكنيسة مثل "قصيدة الإنجيل حسب المارك الفضي"؛ ومنها ما يقلد أنبل الترانيم، ومنها قصيدة على غرار قصائد هوتمان Whitman تتغنّى بالطريق المفتوح(10). وكثير منها شعر غث لكن منه ما هو آية رائعة من آيات الشعر الغنائي. وهاهي ذي أنشودة محب يتغنى فيها بالموت المثالي:

  لما أن استسلَمَت في غير مبالاة للحب ولي، 

ضحك الجمال من كوكبها الوضّاء البعيد في السماء، 

وغمرتني نشوة لا حد لعظمتها، 

ولم يتّسع قلبي لهذه الغبطة العظيمة التي فاضت عليّ 

حين بدّلتني حبيبتي، وقد طوّقتني بذراعيها، غير ما كنت، 

وصبّت كل ما في شفتيها من رحيق في قُبلة حبتني بها. 

وما أكثر ما أحلم بالحرية التي نلتها من صدرها اللين. 

لقد أصبحت بعدها ربّاً آخر بين أرباب السماء، 

وإذا ما وجدت يدي مرة أخرى فوق صدرها فسأكون المحكمُ الأعلى 

بين الآلهة والخلق   

ومعظم الشعر الغزلي في قصائد بيرن شهواني صريح. نعم إن فيه أبياتاً تفيض رقةً وظرفاً ولكنها أبيات قليلة نادرة الوجود؛ وكان علينا ولو لم نعثر على هذا الشعر أن نتوقع وجود ترانيم ألفينوس تنشأ عاجلاً أو آجلاً إلى جوار ترانيم الكنيسة، ذلك أن المرأة، وهي الدعامة القوية الوفية للدين، هي أكبر منافس للآلهة. وظلت الكنيسة تستمتع وهي صابرة لهذه الأغاني، أغاني الحب والخمر، ولكن مجلساً لها عقد في عام 1281 قرر أن كل قس (ومن ثم كل طالب) يؤلف أغاني شهوانية أو خارجة على الدين، أو يتغنى بها، يفقد بذلك منصبه الديني وحقوقه. وبذلك انحط من بقى من الطلاب بعد هذا القرار موالياً لجولياث إلى منزلة المغنى، وخرج من سلك الأدباء إلى سلك الوزانين المفحشين. ولم يحل عام 1250 حتى كان عهد الطلاب الجوّالين قد انقضى.ولكنهم كانوا قد ورثوا تياراً وثنياً يسري في طيّات القرون المسيحية، ولهذا فإن مزاجهم وشعرهم بقيا كامنين حتى دخلا في عصر النهضة.

وكان الشعر اللاتيني نفسه يلفظ آخر أنفاسه بانقضاء عهد الطلاب الجوّالين؛ ذلك أن القرن الثالث عشر قد وجه العقول نحو الفلسفة؛ وانزوت الآداب القديمة وقنعت بمنزلة صغرى في برامج الجامعات.ولم يجد الأدب الظريف الممتع أدب هيلدبيرت ويوحنا السلزبري الذي كان يضارع أدب عصر أغسطس، لم يجد هذا الأدب من يرثه. ولما تصرم القرن الثالث عشر واتخذ دانتي اللغة الإيطالية أداة يكتب بها شعره، أضحت اللغات القومية لغات الأدب؛ وحتى التمثيل ربيب الكنيسة وخادمها خلع عنه رداء اللاتينية ونطق بلغات الشعوب.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> عصر الخيال -> بعث التمثيل

 الفصل الثالث

بعث التمثيل

مات فن التمثيل القديم قبل بداية العصور الوسطى، لأنه انحدر إلى تمثيليات هزلية ماجنة ثم حلت محله استعراضات للألعاب؛ وكانت تمثيليات سنكا وهرسويذا Hroswitha حركات رياضية لا أكثر، ويبدو أنها لم تجد سبيلها إلى المسرح. وبقيت بعد ذلك ناحيتان من نواحي النشاط التمثيلي تصلان الماضي القديم بالزمن الذي تلا العصور الوسطى: أولاهما مناظر المحاكاة التي كانت تجري في الأعياد الزراعية، وثانيتهما التمثيليات الهزلية التي كان يمثلها المغنون الجوّالون والمهرّجون في أبهاء القصور أو ميادين القرى(12).

ولكن اشهر منابع التمثيل في العصور الوسطى هي الطقوس الكنسية شأنها في هذا شأن اليونان القديمة. فالقداس نفسه منظر تمثيلي،والحرم المقدس مسرح مقدس، وكان القساوسة القائمون بخدمة القداس يلبسون حللاً رمزية؛ ويقومون هم وخدم الكنيسة بالحوار. وأناشيد القساوسة والمرتلين المتبادلة، والمرتلين بعضهم مع بعض، توحي بأن التمثيل تطور من الحوار الذي نشأت منه المسرحية الديونيسية. وفي الاحتفالات التي كانت تقام في بعض الأعياد المقدسة نشأ العنصر التمثيلي نشأة واضحة صريحة؛ فقد كان الناس في بعض الطقوس الدينية التي تقام في يوم عيد الميلاد في القرن الحادي عشر يدخلون الكنائس في زي رعاة الغنم ويحييهم غلام "ملاك" من المغنين بقوله: "أخبار سارّة"، ويتعبّدون أمام صورة طفل من الجبس في مذود. ثم يدخلون ثلاثة "ملوك" من باب في الجهة الشرقية ويقودهم إلى المذود نجم يُجرّ على سلك(13). وكانت بعض الكنائس تمثل في الثامن والعشرين من ديسمبر "مذبحة البريئين": فكان بعض الغلمان المرتّلين يمشون في صحن الكنيسة وجناحيها، ويسقطون على الأرض كأن هيرود قد ذبحهم، ثم يقومون،ويسيرون إلى الحرم المقدس، يرمزون بذلك لصعودهم إلى السماء(14). وفي يوم الجمعة الحزينة كانت كنائس كثيرة ترفع صور المسيح المصلوب من المذبح. ثم تحمل هذه الصور وتوجع في مستقر يشبه الضريح المقدس، تعاد منه بعد ذلك إلى المذبح في صباح عيد الفصح باحتفال مهيب رمزاً لبعث المسيح(15). وكتب جريجوري نزيانزين Gregory Nazianzen بطريق القسطنطينية في عام 380 لا بعد قصة آلام المسيح في صورة تمثيلية يوربيدية Euripidean(16)، ولا تزال تمثيلية آلام المسيح من ذلك الوقت حتى الآن ذات شأن عظيم عند الشعوب المسيحية. وكانت الكتب تقول إن أول مسرحية من هذا النوع هي التي مثلت في سينا حوالي عام 1200، ولكن أكبر الظن أن مسرحيات أخرى كثيرة من نوعها مثلّت قبل ذلك التاريخ بزمن طويل.

وإذ كانت الكنيسة تستعين بالبناء، والنحت، والتصوير، والموسيقى لتطبع في عقول المؤمنين المناظر والأفكار الرئيسية في الملحمة المسيحية، فإنها بذلك كانت تلجأ إلى خيال الشعب وتزيد تقواه بما تضفيه على المناظر التمثيلية في الأعياد الكبرى من روعة وتفاصيل مطردة الزيادة؛ وكانت النصوص الموضحة التي أضيفت إلى الطقوس الدينية لتكسبها الروعة الموسيقية، كانت هذه النصوص الموضحة تحوّل أحياناً إلى تمثيليات قصيرة. من ذلك أن نصّاً موضّحاً لعيد الفصح في مخطوط من القرن العاشر في سانت جول St. Gall يدخل الحوار الآتي في ترنيمة مقسمة لتمثل فيها الملائكة والمريمات الثلاث .

الملائكة: منذ الذي تبحثين عنه في الضريح يا خادمات المسيح؟ 

المريمات: نبحث عن المسيح الذي صلب يا رسلاً من السماء. 

الملائكة: ليس هو في هذا المكان، لقد صعد كما قال من قبل؛ اذهبن وأذعن أنه قد صعد. 

المرتّلون جميعاً : احمدوا الرب، الرب قد صعد(17).   

وأخذت المناظر الدينية منذ القرن الثاني تزداد تعقيداً على مر الأيام حتى لم يعد تمثيلها في داخل الكنيسة مستطاعاً. ولذا أقيم سوار مرتفع في خارجها ومثّل المسرحية فوقه ممثلون يختارون من بين أفراد الشعب، ويدرّبون على استظهار أدوار مطولة مكتوبة. وأقدم ما لدينا من أمثلة لهذا الضرب من التمثيل تمثيلية آدم التي كتبت في القرن الثاني عشر باللغة الفرنسية بينها سطور باللغة اللاتينية مكتوبة بالمداد الأحمر لتكون تعليمات للممثلين.

وفي هذه المسرحية يظهر آدم وحواء في دثارين أبيضين يلعبان في جنة ممثلة بأعشاب وأزهار أمام الكنيسة. ثم تظهر الشياطين في الأثواب الحمراء الملتصقة بالجسم التي أضحت من ذلك الوقت ثيابهم الخاصة في دور التمثيل، ويجري أولئك الشياطين بين النظارة يلوون أجسامهم ويقطّبون وجوههم تقطيباً مروعاً رهيباً، ويقدّمون الفاكهة المحرّمة لآدم فيرفضها، فيقدّمونها لحواء، فتتناولها، وتقنع آدم بأن يحذو حذوها. ويدان آدم وحواء برغبتهما في المعرفة فيسلكان في أغلال من الحديد وتجرّهما الشياطين إلى الجحيم ممثلة بحفرة في الأرض ينبعث منها صوت رهيب دال على الفرح. وفي الفصل الثاني يستعد قايين لذبح هابيل وينادي: "يا هابيل سوف تموت"، فيسأله هابيل: "ولم أموت؟" فيجيبه قايين: "أتريد أن تعرف لم أريد أن أقتلك؟... سأخبرك. سبب ذلك أنك تفرط في سعيك لتنال الحظوة عند الله". ويلقى قايين بنفسه فوق هابيل ويضربه حتى يموت. ولكن مؤلف الرواية تأخذه الرأفة فيكتب بين السطور بالمداد الأحمر: "سيكون تحت ثياب هابيل جفنة"(18).

وأطلق فيما بعد على هذه التمثيليات المستمدة من الكتاب المقدس اسم "الأفعال الخفية"؛ واللفظ مشتق من الكلمة اللاتينية ministerium ومعناها الفعل، وكان هذا أيضاً هو معنى drama. ولمّا أضحت القصة تمثّل أحداثاً وقعت بعد زمن الكتاب المقدس سمّيت بمسرحيات المعجزات، وكانت تدور في العادة حول بعض الأفعال العجيبة التي قامت بها العذراء أو قام بها بعض القديسين. وقد كتب هيلاريوس Hillarius تلميذ أبلار كثيراً من هذه المسرحيات (حوالي 1125) بخليط من اللغتين اللاتينية والفرنسية،ولم ينتصف القرن الثالث عشر حتى كانت اللغات القومية الأداة التي تكتب بها "مسرحيات المعجزات". وأخذت الفكاهات المتزايدة الصراحة تصبح فيها ذات شأن مطرد الزيادة، كما أصبحت موضوعاتها تتجه شيئاً فشيئاً وجهة دنيوية غير دينية.

وكانت "المهازل" في هذه الأثناء قد أخذت تتطور تطوراً مستقلاً نحو المسرحيات. ويتمثل هذا التطور في مسرحيتين قصيرتين وصلتا إلينا من قلم آدم ده لا هال Adam de la Halle (حوالي 1260)، وهو رجل أحدب من أراس Arras. وتدور إحدى هاتين المسرحيتين، مسرحية آدم Li jus Adam، حول حياة المؤلف نفسه. فقد كان يفكر في أن يكون قساً، ولكنه أحب مارية الحسناء. "وفي يوم جميل من أيام الصيف سماؤه صافية، وجوّه لطيف، بينما كانت الطيور تنطلق بأصواتها العذبة،لمحت بين الأشجار العالية على شاطئ النهر فتاة هي الآن زوجتي... لقد رويت الآن ظمأي منها". ويخبرها بهذا في صراحة ظريفة ويعتزم الذهاب إلى باريس وإلى الجامعة. ويدخل المؤلف في هذا الفصل الخاص بشئونه هو وزوجته، طبيباً ومجنوناً، وراهباً، يستجدي الناس الصدقات ويعدهم بالمعجزات، وجماعة من الجنيات ينشدن الأناشيد، ويذكّرنا هذا بأدوار الرقص التي تقحم إقحاماً في التمثيليات الغنائية الحديثة. ويسيء آدم إلى إحدى الجنيات، فتصب عليه لعنة تمنعه أن يفارق زوجته طول حياته، ومن هذا الهراء أخذت المسرحيات تتطور تطوراً مستمراً حتى وصلت إلى مسرحيات برناردشو Bernard Shaw.

وكلما بعدت المسرحيات عن الموضوعات الدينية واقتربت من الموضوعات الدنيوية، انتقل تمثيلها شيئاً فشيئاً من الكنيسة وما حولها إلى السوق العامة أو إلى غيرها من ميادين البلدة. ذلك أنه لم تكن هناك وقتئذ دور للتمثيل، فكانوا إذا أرادوا أن يمثّلوا في مكان ما تلك المسرحيات القليلة ـ وكان ذلك يحدث في العادة في عيد من الأعياد الصيفية ـ يقيمون مسرحاً مؤقتاً، ويضعون مقاعد للنظارة، وينشئون مظلات مزركشة لأصحاب المقامات العالية. وكان من المستطاع أن تستخدم البيوت المحيطة بالميدان لتمثيل المناظر الخلفية وغيرها مما يحتاجه الممثلون. وكان الذين يقومون بالأدوار في المسرحيات الدينية هم الشبان من رجال الدين؛ أمّا في المسرحيات غير الدينية فكان الممثلون هم أهل المدينة "الماجنين" أو المغنّين الجوّالين؛ وقلّما كانت النساء يشتركن في التمثيل. ولما زاد بعد التمثيليات عن الكنيسة في مناظرها وموضوعاتها، نزعت هذه التمثيليات إلى التهريج والخلاعة والفحش؛ ورأت الكنيسة، وهي التي نشأت في أحضانها المسرحية الجدية، أن لابد لها من أن تعلن أن التمثيليات القروية تجافي الأخلاق الفاضلة.وهكذا نرى جروستستي أسقف لنكلن يضم التمثيليات، ومنها "تمثيليات المعجزات" إلى مجالس الشراب، "وعيد الحمقى" ، ويقول إن هذه أعمال يجب ألاّ يشهدها أي مسيحي؛ وصدرت بعده أوامر شبيهة بهذا الأمر (بين عامي 1136و 1144) تقضي بأن الممثلين الذين يشتركون في هذه التمثيليات يحرمون من الدين. أمّا القديس تومس فكان أكثر من هذا تسامحاً، وقال إن مهنة التمثيل قد وجدت لمواساة الإنسانية، وإن الممثل الذي يمارسها على خير وجه ربما نجا من الجحيم برحمة من الله.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> عصر الخيال -> الملاحم والقصص المنثورة

الفصل الرابع

الملاحم والقصص المنثورة

سار اصطباغ الأدب بالصبغة الدنيوية مع نشأة اللغات القومية جنباً إلى جنب. ويمكن القول بوجه عام إن رجال الدين وحدهم هم الذين كانوا يفهمون اللغة اللاتينية قبل القرن الثاني عشر، وإن الكتّاب الذين كانوا يريدون أن يتصلوا بغير رجال الدين كانوا مضطرين إلى الكتابة باللغات القومية؛ وكان جمهور القرّاء يزداد اتساعاً كلما زاد النظام الاجتماعي نماء، وأخذت الآداب القومية ترتقي تدريجاً لتسد مطالب هذا الجمهور. وكانت نتيجة هذا أن نشأ الأدب الفرنسي في القرن الحادي عشر، والأدب الألماني في القرن الثاني عشر، والإنجليزي والأسباني والإيطالي في القرن الثالث عشر.

وكان من الطبيعي أن تصبح الصورة الأولى لهذا الأدب القومي هي الأغنية الشعبية، ثم طالت الأغنية فأضحت هي القصيدة الغنائية، ثم كبرت القصيدة الغنائية بما أدخل عليها من تطور وتضخم فصارت هي الملحمة الصغرى كملحمة بيولف Beowulf، وأغنية رولان Chanson de Roland ونيبلنجنلايد Nibelungenlied والسيد Cid. وأكبر الظن أن أغنية رولان ضمت بعضها إلى بعض حوالي عام 1130 من أغان كانت شائعة في القرن التاسع أو القرن العاشر. وهي تروى في أربعة آلاف بيت من الشعر السهل المنسجم العمبقي الوزن قصة موت رولان في رنسسفال Roncessvales. وتفصيل ذلك أن شارلمان بعد أن "فتح" بلاد الأندلس الإسلامية كان عائداً بجيشه نحو فرنسا، فما كان من جانيلون Ganelon الخائن إلا أن دل العدو على طريق الجيش، وتطوع رولان لقيادة المؤخرة لينجيها من مأزق خطر. وبينا هو سائر في أخدود ضيق ملتو في جبال البرانس إذ انقض حشد من الباشقنس من شعاب الجبال على قوة رولان الصغيرة. ويرجوه صديقه ألفييه أن ينفخ في بوقه الكبير ليستنجد بشارلمان، ولكن رولان يأبى أن يطلب النجدة، ويقود هو وألفييه، وتوربين Turpin كبير الأساقفة، جنودهم، ويدافعون عن أنفسهم دفاع المستميت حتى يقتلوا كلهم تقريبا. وينزف الدم من جروح مميتة في رأس ألفييه ويغشى عليه فيظن رولان جندياً من الأعداء ويضربه بسيفه ويشق خوذته من أعلى رأسه إلى موضع أنفه ولكنه ينجو من الموت:

 

وينظر إليه رولان وهو يضربه، 

ويسأله بصوت لينحنون: 

"أيها السيد الرفيق، أتفعل هذا بجد؟ 

إني أنا رولان الذي يحبك أعظم الحب 

ولم تطلب إليّ قط النزال" 

فيقول ألفييه: "أنا الآن أستمع إلى قولك؛ 

ولكني لا أراك، رعاك الله وأنجاك! 

لقد ضربتك، فاغفرها لي!"  

فيجيبه رولان: "لم أصب بسوء 

وأعفو عنك لساعتي وأشهد الله." 

فلمّا نطق بهذا انحنى كلاهما لصاحبه 

وافترقا متحابين(20). 

 وينفخ رولان أخيراً في بوقه العاجي، ويواصل النفخ حتى ينبثق الدم من صدغيه، ويسمعه شارلمان فيعود لنجدته و"لحيته البيضاء تطير في الريح". ولكن الطريق طويل و"الجبال شامخة، شاسعة مظلمة، والوديان عميقة، والأنهار سريعة التيار". ورولان في هذه الأثناء حزين مكب على جثة ألفييه

يناديها بقوله: "أيها السيد الرفيق، لقد كنا زميلين أياماً وليالي طوالاً، لم تسيء إلي فيها ولم أسيء إليك، فإذا مت فالحياة من بعدك كلها آلام". ويتوسل إليه كبير الأساقفة وهو يحتضر أن ينجو بالهرب، ويأبى رولان، ويواصل الحرب حتى يفرّ المهاجمون، ولكنه هو أيضاً يصاب بجرح مميت. ويستجمع آخر ما فيه من قوة ويحطم فوق صخرة من الصخور سيفه دورندال Durendal المطعّم بالجواهر حتى لا يقع في أيدي الكفار. و"رقد الكونت رولان تحت شجرة صنوبر ووجهه متجه نحو أسبانيا... وطافت به وقتئذ ذكريات كثيرة، ففكر في البلاد التي فتحها، وفي فرنسا الحلوة، وفي أسرته، وفي شارل الذي رباه، وبكى". ورفع قفازه إلى السماء دليلاً على خضوعه لله، ووفائه. ويقبل شارل ويجده قد مات. تلك هي خلاصة القصة مترجمة ولكن الترجمة أياً كانت لا تستطيع محاكاة أصلها السهل الجذل، وما من أحد غير من نشأ على حب فرنسا وتكريمها يستطيع أن يحس بالقوة والعاطفة اللتين تفيض بهما هذه الملحمة التي يحفظها كل طفل فرنسي ويتلوها في كل صلواته.

ووهب شاعر مجهول حوالي عام 1160 أسبانيا ملحمة قوية يمجد فيها أخلاق راي Ruy أو ردريجو دياز (المتوفى سنة 1099)، وهي المعروفة بملحمة السيد Poema de Cid. وموضوعها هي الأخرى القتال بين الفرسان المسيحيين والمسلمين في الأندلس، وتمجيد بطولة سادة الإقطاع، وشرفهم، وعظمتهم، وتفضيل أمجاد الحرب عن ذلة الحب. وينفي رولان ملك جاحد بفضله، فيودع زوجته وأبناءه في أحد الأديرة ويقسم ألاّ يعيش بينهم بعدئذ حتى ينتصر في خمس معارك، ويخر لقتال المسلمين. ويردد النصف الأول من القصيد ذكر انتصارات هومرية. وينهب السيد في خلال الفترات الواقعة بين المعارك أموال اليهود، ويوزع الصدقات على الفقراء، ويقدم الطعام بيده إلى مجذوم، ويأكل معه في صفحة واحدة، وينام معه في فراش واحد، ويتبين أنه ألعازر Lazarus الذي رفعه المسيح من بين الموتى. وليست هذه بطبيعة الحال هي صفات السيد التاريخية، ولكنها لا تسيء إلى التاريخ أكثر مما تسيء إليه أغنية رولان بتمجيدها شارلمان وجعلها إياه مثلاً أعلى للرجال. وأضحت ملحمة السيد حافزاً قوياً للتفكير الأسباني والعزة الوطنية الأسبانية؛ ,الفت مئات الأغاني الشعرية التي تدور حول بطلها، كما ألفت عنه مئات من الكتب متفاوتة القرب من الحقيقية التاريخية. وبعد فليس في الأشياء ما هو أبعد عن قلوب الناس من الصدق، وعماد النفس والدول هو الروايات الخيالية التي تتعاقب على مدى الأيام.

ولننتقل بعد ذلك إلى أيسلندة فنقول إن أحداً لم يفسر لنا بعد كيف أخرجت هذه الجزيرة الصغيرة، التي قست عليها الطبيعة وفصلتها البحار عن غيرها من البلدان، في تلك الفترة من الزمان، أدباً لا يتناسب في مداه ولا في بهائه مع مكانها وحجمها. لقد ساعدها على ذلك عاملان: قدر كبير من الروايات التاريخية المتواترة، العزيزة على قلب كل جماعة من الناس معزولة عن غيرها من الجماعات، وحب للقراءة، أو الاستماع إلى القارئين - أعان عليه طول الشتاء. لقد وجد في الجزيرة منذ القرن الثاني عشر لا بعد كثير من دور الكتب بالإضافة إلى مكتبات الأديرة. ولمّا أن أصبحت الكتابة من مميزات الشخص المهذب، صاغ الكتاب من رجال الدنيا والدين هذه القصص الشعبية صياغة أدبية بعد أن كانت من قبل ملكاً للشعراء الشعبيين.

وكان من بعض المصادفات النادرة أن نرى زعيم كتّاب القرن الثالث عشر في أيسلندة كان هو أغنى أهلها، والرجل الذي اختير مرتين ليكون رئيساً لجمهوريتها - الناطق بالقانون كما يسمونه فيها. كان أسنري استورلسون Snorri Sturlson (1178-1241) يحب الحياة أكثر مما يحب الأدب، وكان كثير الأسفار، منهمكاً في السياسة والمنازعات، ثم قتله زوج ابنته وهو في الثانية والستين من عمره.  

وقد روى في كتابه العالم المستدير Heimskringla تاريخ بلاد الشمال وقصصها بما فطر عليه رجل الجد والعمل من بساطة وإيجاز؛ وروى في كتاب أدا استرا استور لسونر Edda Snorra Sturlsoner أو إدا المنشورة موجز التاريخ الورد في الكتاب المقدس، وشذرات من أساطير الشماليين، وضمنه مقالاً في أوزان الشعر، ورسالة فنه، وشرحاً فذاً لنشأة هذا الفن من البول يقول فيه إن طائفتين من الأرباب اقتتلوا ثم عقدوا الصلح بأن أخذوا يبصقون في جرة، ونشأ من هذا البصاق نصف إله يدعى أكفاريز Kvasir علّم الناس الحكمة كما علّمهم إياها بروميثيوس. وقتل الأقزام أكفاريز، ومزجوا دمه بالخمر وصنعوا رحيقاً يهب كل من يشربه القدرة على الغناء. واتخذ الإله العظيم أودين Odin سبيله إلى المكان الذي خزن فيه الأقزام هذا الخمر الشعري، وشربه كله، وطار إلى السماء؛ غير أن بعض السائل المحبوس خرج منه بطريقة قلّما تستخدم في الفساقي العامة؛ وسقط هذا الماء الإلهي رذاذاً ملهماً على الأرض، وامتص من سقط عليه موهبة قرض الشعر(21). ذلك هراء جاء به عالم من العلماء وليس هو أبعد عن العقل من التاريخ.

وهذه الفترة من تاريخ أيسلندة غنية بأدبها غنى تحار في العقول، ولا يزال هذا الأدب يفيض طرافةً، ومرحاً، وفكاهةً، وفتنة شعرية تسرى في نثره. وكتبت في ذلك العهد مئات من القصص المنثورة بعضها قصير وبعضها في طول الروايات النثرية، بعضها تاريخي وبعضها يخلط التاريخ بالأساطير. وكلها بوجه عام ذكريات للحضارة من عصر الهمجية، مليئة بأعمال المروءة والعنف، يُعَقّدها التقاضي ويخفف من مللها الحب. وكثيراً ما يرد في قصص إنجلنجا Ynglinga تأليف أستري ذكر فرسال الشمال الذين يحرق بعضهم بعضاً، أو يحرق الواحد منهم نفسه، أو ذكر أبهائهم أو أقداح شرابهم. وأوسع هذه القصص خيالاً قصص الفلسنجاساجا Volsungasaga. وقد وردت قصصها في صورة باكرة في الإدا الكبرى أو الإدا الشعرية؛ وأحدث صورة لها هي التي وردت في خاتم النبلنجيين تأليف فاجنر Wagner.

والفلسنج Volsung هو كل من تناسل من ويلز Waels، وويلز هذا ملك من ملوك الشمال، وهو ابن حفيد أودين وجدّ سيجورد Sigurd (سيجفريد Siegreied). والنيبلنجيون حسب نص النيبلنجيد Nibelungenlied ملوك برغنديون، أما في الفلسنجاساجا فهم سلالة من الأقزام يحرسون في بلاد الرين كنزاً وخاتماً من الذهب يجلاّن من التقدير، ولكنهما يجلبان النقمة لكل من يمتلكها. ويقتل سيجورد فهنير Fahnir التنين الذي يحرس الكنز ويستولي عليه، ويصل في تجواله إلى تل تحيط به النيران وتنام عليه برندهلد Brundhild الفلكيرية Valkyrie (نصف الإلهة التي هي من نسل أودين). وتلك إحدى صور قصة الجميلة النائمة Sleeping Beauty. ويفتتن سيجورد بجمالها وتفتتن هي به، ويقسمان يمين الوفاء، ثم يتركها ويواصل أسفارها - كما يفعل الرجال في كثير من فصص العصور الوسطى. ويلتقي في بلاط جيوكي Guki أحد ملوك بلاد الرين بالأميرة جدرون Gudrun، وتسقيه أمها شراباً مسحوراً ينسيه برندهلد ويتزوج جدرون؛ ثم يتزوج جنار Gunnar بن جيوكي برندهلد ويأتي بها إلى بلاط أبيه، ويسوؤها نسيان سيجورد إياها فتعمل على قتله، ثم تندم على فعلتها فتعلو كرمة حريقه، وتنتحر بسيفه وتحترق معه.

وأحدث صورة لهذه القصص الأيسلندية هي قصة أنجال المحترق Njal (حوالي 1220). وشخصيات هذه القصة واضحة تحدد أعمالهم وأقوالهم أكثر مما يحدهم وصفهم. والقصة محكمة البناء وتنتقل حوادثها المثيرة تنقّلاً يحتمه السياق حتى تصل إلى الكارثة التي تدور حولها حوادثها - وهي احتراق بيت نجال، وأحتراقه هو وزوجته برجثورا Bergthura وأبنائه على أيدي جماعة مسلحة من الأعداء يقودهم شخص يدعى فلوسيFlosi يحقد على أبناء نجال ويعمل على الانتقام منهم:

 

ثم نادى فلوسي... نجال، وقال له: "إني آذن لك، يا سيد نجال، أن تخرج لأنه لا يليق بك أن تحترق في    داخل الدار" 

فيرد عليه نجال قائلاً: "لن أخرج لأني شيخ كبير، لا أقوى على الثأر 

لأبنائي، ولكن لن أعيش مجللاً بالعار" 

ثم نادى فلوسي برجثورا قائلاً: "أخرجي يا صاحبة الدار لأني لا أريد

أن أحرقك داخل البيت مهما تكن الأسباب" 

فتجيبه برجتورا بقولها: "لقد تزوجت نجال وأنا صغيرة، ووعدته 

أن ألقى وإياه نفس المصير" 

ثم عادا بعد ذلك إلى البيت. 

وسألته برجثورا: "أية نصيحة نتبعها الآن؟" 

فيجيبها نجال: "سنذهب إلى فراشنا، ونرقد عليه، فطالما تاقت نفسي 

إلى الراحة" 

ثم قالت للغلام ثورد Thord بن كاري Kari: "سأخرجك أنت ولن   

تحترق هنا" 

فيجيبها الغلام قائلاً: لقد وعدتني يا جدتي ألاّ نفترق ما دمت أرغب 

في البقاء معك؛ ولكني أرى أن موتي معك ومع نجال خير من 

حياتي بعدكما" 

ثم حملت الغلام إلى سريرها و... ووضعته بينها وبين نجال، ورسما عليهما 

وعلى الغلام علامة الصليب، وأسلما روحهما إلى الله، 

وكان هذا آخر لفظ سمعه الناس منهما(22).   

وكان عصر الهجرة (300-600) قد ترك في ذكريات الشعوب والمغنين المضطربة ألف قصة وقصة عن الفوضى الاجتماعية، والشجاعة الهمجية، والحب القاتل؛ وانتقلت بعض هذه القصص إلى بلاد النرويج وأيسلندة وأثمرت الفلسنجاساجا، وكثير منها متقاربة الأسماء والموضوعات، وقد عاشت وتضاعف عددها في ألمانيا في صورة قصص تاريخية، وقصائد غنائية، وقصص شعبية، حتى قام رجل ألماني غير معروف في زمن غير معروف أثناء القرن الثاني عشر وصاغ من تلك المواد النيبلنجنليد أو أغاني النيبلنجببين، وهي مصوغة من قصص مسلسل من الشعر لكي بيتين منه قافية واحدة بلغة القسم الأوسط من ألمانيا العليا؛ وقصصها مزيج من الانفعالات البدائية والأمزجة الوثنية.

وحكم الملك جنثر Gumther وأخواه برغندية زمناً لها في القرن الرابع الميلادي من قصرهم في ورمز على ضفة نهر الدين، وكانت تقيم معهم في ذلك القصر أختهم الشابة كريمهيلد Kremhild - "التي لم يكن أجمل منها في بلد من البلاد". وكان الملك سجمند في هذه الأثناء يحكم الأراضي الوطيئة، وأقطع ابنه سيجفريد (سيجورد) ضيعة غنية بالقرب من أكسنتين Xanten الواقعة هي الأخرى على ضفة الرين. وترامت إلى مسامع سيجفريد أخبار جمال كريمهيلد فذهب لزيارة بلاط جنثر وأقام هناك على الرحب والسعة مدة عام، ولكنه لم ير كريمهيلد قط، وإن كانت هي قد أبصرت من نافذتها الشبان يتثاقفون في فناء القصر، فأحبته من أول نظرة. ذلك أن سيجفريد كان يفوق سائر الشباب في قراع السيوف، وأظهر بسالة عظيمة في حربة مع صفوف البرغنديين؛ واراد جنثر أن يحتفل بعقد الصلح بعد انتصاره فأمر سيدات القصر أن يشهدن الاحتفال!

 وزينت كثيرات من بنات الأشراف أحسن زينة، وتاقت نفوس الشبان لنيل رضاء السيدات وإعجابهن، ونزلوا عن حقهم في أرض الملك الغنية نظير فوزهم بهذا الإعجاب... وتبدت كريمهيلد كأنها كوكب الصباح يتألق بين السحب الدكناء؛ ولم يكد يراها الشاب الذي انطوى قلبه على حبها من زمن بعيد حتى ذهب عنه ما كان يحس به من تعب.... وسر سيجفريد وحزن، فقد قال في نفسه: "كيف أخطب ود فتاة مثلك؟ تلك لا ريب أضغاث أحلام، ولكن الموت عندي أفضل من البعد عنك"... واحمرت وجنتاها حين أبصرت أمامها ذلك الرجل ذا النفس العالية، وقالت: "مرحباً بك يا سيجفريد، أيها الفارس الباسل النبيل". وامتلأ قلب الفارس شجاعة حين سمع هذه الألفاظ، وانحنى أمامها انحناءة جميلة شأن الفارس الشهم، وشكر لها تحيتها. وارتبط قلباهما برباط الحب القوي وتبادلا النظرات سراً.

وترامت أخبار برنهيلد ملكة أيسلندة إلى جنثر وكان أعزب، وقيل له إنها لا ينالها إلاّ من يتفوق عليها في ثلاث تجارب للقوى، وإنه إذا أخفق في أية تجربة منها جوزي بقطع رأسه. ووافق سيجفريد على أن يساعد جنثر على نيل برنهيلد إذا زوجه بكريمهيلد. ويعبران البحر بسرعة القصص وسهولتها؛ ويلبس سيجفريد طيلساناً سحرياً يخفيه عن الأنظار، ويساعد جنثر على الخروج ظافراً من التجارب الثلاث، ويأتي جنثر ببرنهيلد إلى موطنه ليتزوجها على كره منها. وتساعد ست وثمانون فتاة كريمهيلد على إعداد الأثواب الغالية للعروس. ويحتفل بزواج جنثر وبرنهيلد وبزواج سيجفريد وكريمهيلد احتفالاً فخماً.

ولكن برنهيلد تبصر سيجفريد فتحس أن هو لا جنثر الذي يليق أن يكون زوجها. ويقبل جنثر عليها ليلة زفافها فترده عنها خائباً، وتربطه في عقدة وتعلقه على الجدار. وينطلق جنثر من العقدة ويستنجد بسيجفريد؛ وفي الليلة الثانية يتخفى البطل في زي جنثر وينام بجوار برنهيلد، بينما يكون جنثر نفسه مختبئاً في

حجرة مظلمة يستمع إلى كل شيء ولا يرى شيئاً. وتلقى برنهيلد بسيجفريد بعيداً عن الفراش وتشتبك معه في معركة تفري العظم، وتحطم الرأس، ولا تجري على سنن متبعة. ويقول في نفسه أثناء المعركة: "واحسرتاه! إنني إذا مت بيد امرأة فإن الزوجات جميعهن سيحتقرن أزواجهن". وتهزم برنهيلد آخر الأمر، وتعد أن تكون زوجة. وينسحب سيجفريد دون أن يراه أحد حاملاً معه منطقتها وقرطها، ويحل جنثر نحله بجوار الملكة الخائرة القوى. ويهدي سيجفريد المنطقة والقرط إلى كريمهيلد، ويأتي بها إلى أبيها، فيتوجه ملكاً على الأراضي الوطيئة. ويستخدم سيجفريد ما له من ثروة في سنيبلنجن فيلبس زوجته ووصيفاتها من الثياب ما لم تلبسه امرأة أخرى قبلهن.

وتزور كريمهيلد بعد فترة من ذلك الوقت برنهيلد في مدينة ورمز. وتبصر برنهيلد أثواب كريمهيلد الغالية فتدب الغيرة في قلبها، وتذكّرها بأن سيجفريد من أتباع جنثر. وترد عليها كريمهيلد بأن تكشف لها عن المنطقة والقرط لتثبت لها أن سيجفريد لاجنثر هو الذي غلبها على أمرها. وكان لجنثر أخ نكد غير شقيق يدعى هاجن Hagen ملأ صدره حقداً على سيجفريد؛ فأرسلا إليه يدعوانه للخروج إلى الصيد. وينحني سيجفريد فوق مجرى ماء ليروي ظمأه، فيطعنه هاجن بحربة، وتبصر كريمهيلد بطلها يلقى منيته "فيغمى عليها وتفقد وعيها طوال ذلك اليوم وتلك الليلة". وترث كنز نيبلنج بوصفها أرملة سيجفريد، ولكن هاجن يغري جنثر باغتصابه منها، ويدفن جنثر وأخوته هذا الكنز في نهر الرين ويقسموا ألاّ يكشفوا لأحد عن مخبئه.

وتظل كريمهيلد ثلاثة عشر عاماً تفكر في الثأر من هاجن وأخوتها، ولكنها لا تجد الفرصة التي تمكنها من هذا الثأر، ثم تقبل ما عرضه عليها إتزل Etzel (أتلا Atilla) ملك الهون من زواجه بها؛ وتنتقل إلى فينا Vienna لتعيش فيها وتكون زوجة له. "وكان إتزل ذا شهرة عظيمة تجتذب إلى بلاطه بلا انقطاع أشجع الفرسان مسيحيين وكفاراً على السواء.... وكان الإنسان يرى عنده ما لا يستطيع أن يراه في هذه الأيام - يرى المسيحيين والكفرة جنباً إلى جنب. وكان الملك ندي اليد سخياً على الناس جميعاً أياً كانت عقائدهم، فلم يكن ثمة أحد لا ينل رفده". وظلت كريمهيلد تحكم البلاد "حكماً صالحاً" مدى ثلاثة عشر عاماً بدا فيها أنها لم تعد تفكر في الانتقام؛ وبلغ من أمرها أن طلبت إلى إتزل أن يدعو هاجن وإخوتها إلى وليمة؛ ويلبي هؤلاء الدعوة رغم تحذير هاجن، ولكنهم يأتون معهم بحاشية من الفلاحين والفرسان المسلحين. وبينما كان إخوة الملك وهاجن ومن معهم من الفرسان يستمتعون بضيافة حاشية الهون في بهو إتزل، إذ يقتل الفلاحون الذين في خارج البهو بأمر كريمهيلد، ويتلقى هاجن النبأ، فيستل سيفه، وتدور معركة رهيبة في البهو بين البرغنديين والهون (ولعل القصة ذكرى حربهم الحقيقية التي دارت في عام 437). ويطيح هاجن بضربته الأولى برأس أرتليب Artlieb ابن كريمهيلد وإتزل البالغ من العمر خمس سنين ويلقى برأسه في حجر كريمهيلد وجنثر. ولمّا كاد البرغنديون جميعاً يهلكون يطلب جرنوت Gernot أخو كريمهيلد وجنثر إلى إتزل أن يسمح للباقين من الزوار بالخروج من البهو. ويظهر فرسان الهون رغبتهم في إجابة هذا الطلب ولكن كريمهيلد ترفضه، وتستمر المذبحة. ويتوسل إليها جزلهر Gisslher أخوها الأصغر الذي كان غلاماً بريئاً في الخامسة من عمره لما قتل سيجفريد ويناديها: "أختي يا أجمل النساء، بأي ذنب أستحق الموت بأيدي الهون؟ لقد كنت على الدوام وفياً لك، لم تمسسك يداي بأذى؛ ولكني جئت إلى هذا المكان يا أعز الأخوات لأني وثقت بحبك، فهلاّ رحمتني". وترضى كريمهيلد بأن يخرج الباقون إذا أسلموا هاجن، فيرد عليها جرنوت بقوله: "ذلك يا أماه الله في علو سمائه، خير لنا أن نهلك عن آخرنا من أن نفتدي أنفسنا بواحد ما". وتخرج كريمهيلد الهون من البناء، وتغلق الأبواب على من فيه من البرغنديين، وتأمر بإحراقه. ويجن البرغنديون من فرط الحرارة والظمأ فيصيحون من شدة الألم، فيأمرهم هاجن بأن يطفئوا ظمأهم بشرب دماء القتلى، فيصدعون بما يؤمرون، ويخرج بعضهم من بين الأخشاب الملتهبة المتساقطة، وتستمر المعركة دائرة في الفناء حتى لا يبقى حياً من البرغنديين غير جنثر وهاجن. ويقاتل ديتريخ Dietrich القوطي وهاجن، وينتصر عليه، ويأتي به إلى كريمهيلد مكبلاً بالأغلال. وتسأله هاجن أين أخفى كنز نيبلنج، فيجيبها بأنه لن يكشف لها عن ذلك السر ما دام جنثر حياً؛ ويقتل جنثر، وكان لا يوال حياً، بأمر أخته، ويحمل رأسه إلى هاجن، ولكن هاجن يتحداها بقوله: "إن مكان الكنز لا يعرفه الآن إلاّ الله وحده وأنا، ولن تعرفي هذا السر أيتها المرأة الشيطانة"، فتقبض بيدها على سيف وتقتله به. وتشمئز نفس هلدبراند Hildebrand القوطي مما سفكته كريمهيلد من الدماء فيقتلها.

تلك قصة رهيبة تجري فها الدماء كما تجري في أية قصة أخرى في عالم الأدب أو فيما هو دونه. وإنا لنظلم هذه القصة بعض الظلم إذا انتزعنا لحظاتها الرهيبة مما يحيط بها من ولائم، ومثاقفة، وصيد، وشئون النساء. ولكن هذا هو الموضوع الذي تدور حوادثها حوله - فتاة رقيقة يبدلها ما صادفته من الشر امرأة وحشية سفاحة. ومن عجب أنه قلّما يبقى في القصة بعد هذا شيء يقربها من الدين المسيحي، فهي في الواقع مأساة يونانية تدور حول الانتقام، ولا تفعل ما تفعله المآسي اليونانية إذ تأبى أن تقع في أعمال العنف على المسرح. وتطغى هذه الجرائم على جميع فضائل الإقطاع فلا يكاد يظهر منها شيء حتى إكرام رب الدار أضيافه الذين دعاهم لزيارته، وليس ثمة ما يفوق وحشية هذه القصة إلاّ وحشية أيامنا هذه.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> عصر الخيال -> شعراء الفروسية الغزليون 

الفصل الخامس

شعراء الفروسية الغزليون Troubadour  

في أواخر القرن الثالث عشر، أي في الوقت الذي كنا نتوقع فيه أن يكون الأدب الأوربي مصطبغاً بالحماسة الدينية التي بعثتها في الناس الحروب الصليبية، في أواخر هذا القرن بالذات نشأت في جنوبي فرنسا مدرسة من الشعر الغنائي أرستقراطية، وثنية، غير كهنوتية، عليها الطابع العربي، تنبئ بانتصار المرأة على القيود الثقيلة التي فرضتها عليها نظرية سقوط آدم. وانتقل هذا الطراز الشعري من طولوز إلى باريس ومن باريس إلى لندن ومع إليانور الأكتانية، واستحوذ على قلب ابنها الباسل رتشرد الأول، وأوجد المتصببين بالشعر من الألمان، وصاغ النغمات العذبة الهادئة التي مهدت السبيل إلى دانتي.

ويتلألأ في بداية هذا الطراز من الشعر وليم التاسع كونت بواتو، ودوق أكتين، وجد إليانور نفسها، وألفى هذا الخليع المستهتر نفسه في الحادية عشرة من عمره (1087) حاكماً لفرنسا الجنوبية يكاد يكون مستقلاً بحكمعا؛ واشترك في الحرب الصليبية الأولى وتغنى بنصرها؛ ولكنه كان مثل كثيرين من غيره من النبلاء في أرضه التي طغى عليها الإلحاد، فكان قليل الإجلال للكنيسة يسخر من قساوستها. وقد وُصف في ترجمة بروفنسالية له بأنه "من أكثر خلق الله أدباً وظرفاً، ومن أكثرهم غواية للنساء، وأنه فارس مغوار، كثير التورط في مغامرات الحب، يجيد الغناء وقرض الشعر، وقد ظل وقتاً طويلاً يجول في البلدان ويغوي النساء"(23). وقد اختطف وهو متزوج كونتة شاتل رول Chatellerault الحسناء، وعاش معها علناً دون حياء؛ ولمّا أمره أنجوليم Angouleme الأصلع الجريء أن يقلع عن غيه أجابه بقوله: "سأنبذ الكونتة في الساعة التي يحتاج فيها شعرك إلى مشط". والتقى يوماً ما بأسقف بواتيه بعد أن حكم بطرده من الكنيسة وقال له: "اغفر لي وإلاّ قتلتك" فرد عليه الأسقف وهو يمد له عنقه: "اضرب"، وأجابه وليم: "لست أحبك بالقدر الذي يكفي لأن أبعث بك إلى الجنة"(24). ووضع الدوق طرازاً من الشعر الغزلي يكتب إلى النبيلات، وكان يفعل ما يقول، وكانت حياته قصيرة مليئة بالمرح، فقد مات في السادسة والخمسين من عمره (1137)، وأورث إليانور ضياعه الواسعة وذوقه الشعري والغرامي.

وجمعت إليانور الشعراء حولها من طولوز، وسرّهم أن يتغنوا لها ولحاشيتها لجمال النساء وما تبعثه مفاتنهن من نشوة. وشرع برنار ده فنتادور Bernard de Ventadour، وكان شعره في نظر بترارك لا ينقص إلاّ قليلاً عن شعره هو نفسه، يتغنى بجمال فيكونتة فنتادور؛ وحملت الفيكونتة مديحه محمل الجد فاضطر زوجها أن يحبسها في برج قصره. وشجع هذا برنار فراح يتغنى بجمال إليانور نفسها وتبعها إلى رون Rouen؛ ولمّا أن فضلت حب ملكين أفرغ ما في قلبه من هيام في لحن حزين ذائع الصيت. وبعد جيل من ذلك الوقت أصبح الشاعر الغزلي برتران ده بورن Bertrand de Born صديق رتشرد الأول الحميم، ومنافسه المتفوق عليه في حب السيدة مينز المرتنياكية Dame Maens of Martignac؛ وصحب شاعر غزلي آخر يدعى بيرفيدال Piere Vidal (1167؟-1215) رتشرد الأول في الحرب الصليبية، ورجع سالماً، وعاش بعد مجيئه فقيراً يقرض الشعر حتى رفض آخر الأمر بضيعة وهبها له ريمند السادس كونت طولوز(25). ولدينا أسماء 446 شاعراً آخر من الشعراء الغزلين، ولكن حسبنا هؤلاء الأربعة دليلاً على ما كانت عليه هذه الطائفة المغنية من انحلال.

كان بعض أفرادها موسيقيين أفاقين، وكانت كثرتهم من صغار النبلاء المولعين بالغناء، وكان أربعة منهم ملوكاً - رتشرد الأول، وفردريك الثاني، وألفنسو الثاني، وبدرو الثالث ملك أرغونة. وظل هؤلاء الشعراء قرناً من الزمان (1150-1250) يسيطرون على أدب فرنسا الجنوبية، ويشكلون عادات الطبقة الأرستقراطية التي كانت تنتقل في ذلك الوقت من الوحشية الريفية إلى الفروسية التي كادت تكفّر بالمجاملات عن آثام الحرب، وبالظرف والأدب عن الفجور والفسق. وكانت لغة شعراء الفروسية الغزلين هي لانج دك Langue Dioc أو لغة الرومان Roman التي كانوا يتكلمون بها في جنوبي فرنسا وشمالي أسبانيا الشرقي. أما اشتقاق اسمهم فهو موضع الخلاف الشديد، والراجح أن كلمة تروبدرو Troubodour مشتقة من الكلمة الرومانية تروبار Trobar ومعناها يجد أو يخترع، كما أن من الواضح أن الكلمة الإيطالية Trovatore (تروفتوري) مشتقة من تروفاري Trovare، ولكن من الناس من يقول إنها مشتقة من كلمة الطرب العربية ومعناها الغناء(26). وكانوا يسمون فنهم "الحكمة المرحة" gai sebar أو gaya ciencia ولكنهم كانوا يرونه من الأعمال الجدية التي تتطلب وقتاً طويلاً من المران على الشعر، والموسيقى، وآداب الحديث التي تليق بالفرسان أولي النبل والشهامة. وكانوا يتزيّون بزي الأشراف، ويتّشحون برداء طرزت حواشيه بالذهب والفراء الثمينة، وكثيراً ما كانوا يركبون وهم مدرعون بدروع الفرسان، ويتسابقون في ألعاب البرجاس، سيقاتلون بالرماح وبالأقلام في سبيل السيدات اللاتي يقدمون لهن شعرهم وإن لم يقدموا لهن حياتهم.ولم يكونوا يكتبون لغير طبقة الأشراف، وكانوا عادة يلَحّنون بأنفسهم شعرهم الغنائي ويستأجرون المغنين ليغنوه في المآدب وألعاب البرجاس، ولكنه كثيراً ما كانوا هم أنفسهم يعزفون على القيثار وينفّسون بأغنية عن عاطفة مكبوتة.

وأكبر الظن أن العواطف التي كانوا يعبّرون عنها لم تكن إلاّ صورة أدبية، وأن تحرّقهم لم يكن أكثر من رغبة، وأن مسكنهم مع حبيباتهم في السماء تعبير عن إشباع رغبتهم، وأن يأس التروبدور المحزن إن هو إلاّ رخصة شعرية وأداة للتعبير.  

ويبدو أن الأزواج الذين كانوا يسمعون هؤلاء الشعراء يتشبثون بنسائهم لم يكونوا يرون في هيامهم أكثر من هذا، وأنهم لم يكونوا أكثر حرصاً على أزواجهم من معظم الذكور. وإذ كان الزواج بين الأشراف لا يعدو أن يكون حادثاً من حوادث تداول الثروة، فقد كان الحب إذا وجد يعقب الثروة لا يسبقها كما يحدث في القصص الفرنسي. وأما ما وجد من الحب في أدب العصور الوسطى فكان كله، من فرنسسكا Francesa وبيتريس Beatrice في الجنوب إلى إيسلد Isolde وجنيفير Guinevere في الشمال، حباً حراماً إذا استثنينا منه بعض الأمثلة القليلة. وكان عجز المحب عن الوصول إلى السيدة المتزوجة هو الذي أوجد طائفة التروبدور؛ ذلك أن من الصعب خلق رواية غرامية تدور حول الرغبة المشبعة، وحيث لا توجد العقبات لا يوجد الشعر.ولسنا نسمع إلاّ عن أفراد قلائل من شعراء الفروسية الغزلين حظوا آخر الأمر بعطف السيدات اللائي اختاروهن موضوعاً لأغانيهم، ولكن هذا لم يكن إلاّ خرقاً للمألوف من القواعد في العشر، فقد جرت العادة أن يطفئ الشاعر حرقته بقبلة من الحبيبة أو بلمس يدها. وكان هذا التمنع من أسباب الرقة والظرف؛ ومن أجل هذا انتقل شعر التروبدور - ولعله تأثر في هذا الانتقال بعبادة مريم - من الشهوانية إلى ما يقرب من الرقة الروحية.

لكنهم قلّما كانوا رجالاً أتقياء صالحين، وكان عدم تعففهم من أسباب التنافر بينهم وبين الكنيسة. وقد ألف بعضهم القصائد في هجو كبار رجال الدين، وفي السخرية من الجحيم(27)، والدفاع عن الملاحدة الألبجنسيين، والإشادة بالحملة الصليبية التي انتصر فيها فردريك العاصي حيث أخفق لويس الصالح. ولم يرض جولم أديمار Guillem Ademar إلاّ عن حملة صليبية واحدة، وكان سبب رضائه عنها أنها أبعدت من طريقه زوج سيدة يتشبّب بها. وكان ريمون جوردن Ra mon Jorden يفضل ليلة يقضيها مع محبوبته عن أية جنة سماوية يعدونها بها(28).

وكانت الصور الإنشائية في نظر شعراء الفروسية الغزلين أجل شأناً من الوصايا الأخلاقية. وكان لكل ضرب من قصائدهم اسم يتسمى به فالكانزو Canzo أغنية الغرام، و البلانتي plante مرثية لصديق أو حبيب مات، والسرفنتي sirvente أغنية الحرب، والنزاع والهجوم السياسي، والستينة sixtene قصيدة تتألف من ست مقطوعات معقدة القافية، في كل واحدة منها ستة أبيات، اخترعها أرنو دانيل Arnaud Daniel واعجب بها دانتي، والرعوية pastourelle حوار بين شاعر فروسية غزلي وراعية، والفجرية aubade أو alba أغنية الفجر، وهي في العادة تنذر العاشقين بأن النهار سوف يفضح أمرهم، والسيرينا أو السرنيد serena أو serenade أغنية المساء، والبلادا balada قصة شعرية. وهاهي ذي فجرية لشاعر غير معروف تنطق ببعض أبياتها فتاة من فتيات القرن الثاني عشر تذكرنا بجوليت Juliet:

 

 في حديقة ينشر فيها الشوك الأبيض أوراقه، 

كانت سيدتي يضطجع حبيبها بجوارها 

حتى نادي الرقيب بطلوع الفجر - ويلاه الفجر الذي يحزن المحبين! 

رباه، يا رباه، ما بال الفجر يقبل مسرعاً! 

*** 

أتوسل إليك يارب ألا ينقضي الليل، الليل الحبيب، 

وألاّ يبتعد عني حبيبي، 

وألاّ ينادي الرقيب "الفجر" - الفجر الذي يقضي على السلام! 

رباه! يا رباه! ما بال الفجر يقبل مسرعاً! 

*** 

"صديقتي الجميلة الحلوة، أنيليني شفتيك - شفتينا مرة أخرى! 

ها هي ذي الطيور في المراعي تشدو 

فليكن نصيبنا الحب، ونصيب الحسود الألم! 

رباه! يا رباه! ما بال الفجر يقبل مسرعاً! 

*** 

من تلك الريح الحلوة التي تقبل من بعيد 

شربت حتى ارتويت من أنفاس الحبيب، 

نعم، من أنفاس حبيبي المرح العزيز! 

رباه! يا رباه، ما بال الفجر يقبل مسرعاً!   

*** 

ألا ما لأجمل فتاتي وما أظرفها، 

وما أكثر من يرقبون الطريق الذي يتجلى فيه جمالها 

ولا يطوف بقلبها طائف القدر! 

رباه! يا رباه! ما بال الفجر يقبل مسرعاً!(29) 

وقضى على حركة شعراء الفروسية الغزلين في فرنسا في منتصف القرن الثالث عشر، وكان من أسباب القضاء عليها ما في صياغتها وعواطفها من تكلف وتصنع أخذا يتزايدان على مر الأيام، وما حل بجنوبي فرنسا من دمار بسبب الحروب الدينية الألبجنسية، فقد تهدمت في الوقت العصيب كثير من القصور التي كان يأوي إليها شعراء الفروسية الغَزِلون؛ ولمّا أن قاست طولوز نفسها حصاراً مزدوجاً انهار نظام الفروسية هذا في أكتين. وفر بعض المغنين إلى أسبانيا وبعضهم إلى

إيطاليا، وفيها بعث فن أغاني الحب بعثاً جديداً في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، ولم يكن بترارك ودانتي إلاّ وريثين للتروبدور. وكان ما خلفوه من تقاليد الشهامة والمرح عوناً على صياغة دستور الفروسية،وتحويل سكان جنوبي أوربا الهمج إلى رجال مهذبين؛ ولقد ظلت الآداب من ذلك الحين تحس بأثر أغانيهم الرقيقة، ولعل الحب تفوح منه في هذه الأيام رائحة ذكية مستمدة من عطر مديحهم.

 

برامج -> عصر الإيمان -> المسيحية في عنفوانها -> عصر الخيال -> المتصببون بالشعر من الألمان

 الفصل السادس

المتصببون بالشعر من الألمان

 

انتشرت حركة شعراء الفروسية الغزلين من فرنسا إلى جنوبي ألمانيا حيث ازدهرت في عصر أباطرة هوهنستاوفن الذهبي وكان الشعراء الألمان يسمون المنيسانجر Mennisanger أي المتصببين بالشعر، ووجد شعرهم في الوقت الذي وجدت فيه في دستور الفروسية المعاصر خدمة المحبوب Minnedienst وخدمة السيدات Fraundienst. ونحن نعرف أسماء ثلاثمائة من هؤلاء المتصببين، ولدينا ثروة موفورة من شعرهم؛ وكان بعضهم من طبقة الأشراف الدنيا، وبعضهم من الفقراء، يرعاهم الأباطرة أو الأدواق. وكان كثيرون منهم أميين وإن التزموا قواعد صارمة في الوزن والقافية، وكانوا يملون ألفاظ أغانيهم موسيقاها؛ ولا يزال الشعر يسمى في ألمانيا إلى يومنا هذا دختونج Dichtung أي الإملاء. وكانوا عادة يتركون المغنين العازفين يغنون أشعارهم، وكانوا أحياناً ينشدونها بأنفسهم. ويروي لنا الرواة مباراة غنائية Sangerkreig عظيمة عقدت في قصر وارتبيرج Wartburg عام 1207، ويقال إن تان هوزر Tannhauser وولفرام فن إشنباخ Wolfram von Eschenbach اشتركا فيها . وظل المتصببون قرناً من الزمان يعملون على رفع منزلة المرأة في ألمانيا، وأضحت نساء طبقة الأشراف الباعثة والملهمة لثقافة أرق من أية ثقافة عرفتها تلك البلاد فيما بعد حتى عصر شلر Schiller وجيته.

ويضم ولفرام وولتر فن در فوجلويد Walter von der Vogeleide إلى طائفة المتصببين لأنهما كتبا في أغاني الحب، ولكن الأفضل أن يسلك ولفرام وقصائده المعروفة باسم بارزفال Parzival في سلك كتاب الروايات الغرامية. وكان مولد ولتر "ابن مرج الطيور" في مكان ما في التيرول Tirol قبل عام 1170. وكان من طبقة الفرسان ولكنه من فقرائهم، وزاد أحواله سوءاً على سوء بأن اتخذ الشعر صناعة له.ونسمع عنه وهو في سن العشرين يكسب قوته بالغناء في بيوت الأشراف من أهل فينا. وكان وهو في سن الشباب هذه يكتب في الحب كتابة شهوانية طليقة أغضبت منه منافسيه، ولا يزال الألمان حتى الآن يعتزون بقصيدته تحت شجرة التيلياUnter den Linden :  

تحت شجرة التيليا وعلى الخلنج 

كان لنا نحن الاثنين فراش،   

وهنا كنت تبصيرنا وقد التفت حولنا 

الأزهار المتقطعة والكلأ الهشيم؛   

ومن أجمة في الوادي - تندرادى - 

يشدو البلبل بألحانه العذبة. 

***   

وأسرعتُ إليه من خلال الفضاء بين الأشجار، 

ووصل حبيبي إلى المكان قبلي، 

وهناك وقعت في شرك الحبيب - وكنت أسعد الفتيات،