برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب الخامس

برامج -> قيصر والمسيح -> الخاتمة -> ما قامت به رومة من جلائل الأعمال

الفصل الثاني  

ما قامت به روما من جلائل الأعمال

إن تعليل سقوط روما لأيسر من تعليل طول حياتها- وأهم عمل قامت به روما هو أنها، بعد أن استولت على عالم البحر الأبيض المتوسط، تثقفت بثقافته، ووهبته النظام، والرخاء، والسلم مدى مائتي عام، وصدت عنه غارات البرابرة قرنين من الزمان، وأورثت الغرب قبل موتها تراث اليونان والرومان.

وليس لروما منافس قط في فن الحكم. نعم إن الدولة الرومانية قد ارتكبت آلافاً من الأخطاء السياسية، فقد أقامت صرحها على الجركية أنانية، وكهنوت ذي طقوس غامضة خفية، وأنشأت ديمقراطية من الأحرار ثم قضت عليها بالعنف والفساد، واستغلت ما فتحته من البلاد لتزود بخيراتها إيطاليا الطفيلية، فلما عجزت عن الاستغلال تقوضت دعائمها وانهارت، وخلفت في أماكن متفرقة في الشرق والغرب قفاراً وسمت هذا سلاماً. ولكنها أقامت وسط هذا الفساد كله نظاماً فخماً من الشرائع أمن الناس في أوربا كلها تقريباً على أنفسهم وأموالهم وكان باعثاً قوياً على الجد والمثابرة من أيام المشترعين العشرة إلى أيام نابليون. وشكلت حكومة انفصلت فيها السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية، وظل ما فيها من ضوابط وموازين مصدراً ملهماً لواضعي الدساتير إلى عهد الثورتين الأمريكية والفرنسية. ولقد جمعت زمناً ما بين النظم الملكية والأرستقراطية والديمقراطية، ونجحت في عملها هذا نجاحاً أثنى عليه الفلاسفة، والمؤرخون، ورعاياها وأعداؤها على السواء. ووضعت أنظمة الحكم البلدي المحلي، وأمكنت نصف ألف مدينة من أن تستمتع بالحرية زمناً طويلاً، وأدارت شئون إمبراطوريتها في أول الأمر بشره وقسوة، ثم بدلتهما تسامحاً وعدالة رضيت بهما الدولة العظيمة رضاً لم تعرف له نظير فيما تلا ذلك من الزمان، وجعلت الصحراء تزدهر بالحضارة، وكفّرت عن ذنوبها بما بسطته على بلادها من سلم دائمة طويلة، وها نحن أولاء في هذه الأيام نبذل أعظم الجهود لنحيي السلم الرومانية في هذا العالم المضطرب.

في هذا الإطار الذي لم يسم عليه إطار غيره شادت روما صرح حضارة يونانية في أصلها، رومانية في تطبيقها ونتائجها، ولسنا ننكر أن انهماكها في شئون الحكم قد شغلها عن أن تنتج من الأعمال الذهنية مثل ما أنتجت بلاد اليونان؛ ولكنها استوعبت التراث الصناعي، والعقلي، والفني الذي تلقته عن قرطاجنة ومصر وبلاد الشرق، وقدرته أعظم التقدير، واستمسكت به اشد الاستمساك. ولسنا ننكر كذلك أن العلوم لم تتقدم على يديها، ولم تدخل شيئاً من التحسين الآلي على الصناعة، ولكنها أغنت العالم بتجارة كانت تسير في بحار آمنة، وأنشأت شبكة من الطرق الباقية حتى الآن أضحت شرايين يجري فيها دم الحياة الجياش. ولقد مرت فوق هذه الطرق، وفوق ألف من الجسور الجميلة إلى عالم العصور الوسطى والعالم الحديث أساليب الزراعة والصناعات اليدوية، والفنون، وعلم إقامة المباني التذكارية وأعمال المصارف والاستثمار، وتنظيم الأعمال الطبية والمستشفيات العسكرية، ونظام المُدن الصحي، وأنواع مختلفة من الفاكهة، أشجار النقل، ونباتات الحقول والزينة، التي جاءت بها من الشرق لتتأقلم في الغرب، وحتى سر التدفئة المركزية قد انتقل من الجنوب الدافئ إلى الشمال البارد. ولقد خلق الجنوب الحضارات ثم غليها الشمال على أمرها فدمرها أو استعارها من أهلها.

ولم تخترع روما نظم التربية، ولكنها أنمتها ووسعتها إلى حد لم يُعرف له مثيل من قبل، وأمدتها بمعونة الدولة، ووضعت المنهاج الذي ظل باقياً يعذبنا في أيام شبابنا. وفي العمارة لم تخترع الأقواس أو العقود أو القباء، ولكنها استخدمتها بجرأة وفخامة جعلت بعض الطرز من عمائرها أرقى من جميع نظائرها إلى هذه الأيام؛ ولقد أخذت الكنائس الكبرى في العصور الوسطى جميع عناصرها من الباسلقا الرومانية. ولم تخترع روما التماثيل، ولكنها وهبتها قوة واقعية، قلما سما إليها اليونان أصحاب هذه النزعة؛ ولم تبتدع الفلسفة ولكن لكريشيوس وسنكا هما اللذان وجدت فيهما الأبيقورية والرواقية صورتيهما النهائيتين المصقولتين أعظم صقل. ولم تنشئ الأنماط الأدبية إنشاء، لا نستثني من ذلك الهجوا نفسه، ولكن مَن منا يستطيع أن يقدر حق التقدير ما كان لشيشرون من أثر في فنون الخطابة، والمقالة، وأسلوب النثر، أو أثر فرجيل في دانتي، أو تسو Tasso في ملتن... أو ليفي وتاستس في كتابة التاريخ، أو هوراس وجوفنال في دريدن، وسوفت، وبوب؟.

وقد أضحت لغتها بفضل ما دخل عليها من مسخ يثير الإعجاب لغة إيطاليا، ورومانيا، وفرنسا، وأسبانيا، والبرتغال، وأمريكا اللاتينية، أي لغة نصف عالم الرجل الأبيض؛ وقد ظلت تلك اللغة حتى القرن الثامن عشر اللغة الدولية للعلم والتبحر في الدرس، والفلسفة في بلاد الغرب. وكانت هي المعين الذي اغترفت منه مفردات دولية سهلة لعلمي الحيوان والنبات. ولقد بقيت حية في الطقوس المنغمة والوثائق الرسمية للكنيسة الكاثوليكية، ولا تزال تكسب بها تذاكر الأطباء، وتتردد كثيراً في المصطلحات القانونية؛ ودخلت عن طريق اللغات الرومانسية  مثل (royal yegal, reyalis، و pessant, pagan, paganus؛ لتزيد من اللغة الإنجليزية ومرونتها. وملاك القول أن ما ورثناه من الرومان يظهر أمامنا آلاف المرات في كل يوم.

ولما أن فتحت المسيحية روما انتقل إلى الدين الجديد بناء الدين الوثني القديم، انتقل إليه لقب الحبر الأعظم pontifex meximus، وعبادة الأم العظمى، وعدد لا يحصى من الأرباب التي بثت الراحة والطمأنينة في النفوس، والإحساس بوجود كائنات في كل مكان لا تدركها الحواس، وبهجة الأعياد القديمة أو وقارها، والمظاهر الخلابة للمواكب القديمة التي لا يعرف الإنسان بدايتها، نقول ان هذه كلها انتقلت إلى المسيحية كما ينتقل دم الأم إلى ولدها، وأسرت روما الأسيرة فاتحها، وأسلمت الإمبراطوريّة المحتضرة أزمة الحكم والمهارة الإدارية إلى البابوية القوية، وشحذت الكلمة المواسية بقوة سحرها ما فقده السيف المفلول من قوته؛ فحل مبشرو الكنيسة محل جيوش الدولة، وأخذ هؤلاء يجوبون الآفاق في جميع الجهات متتبعين الطرق الرومانية، وعادت الولايات الثائرة بعد أن اعتنقت المسيحية إلى الاعتراف بسيادة روما. وحافظت العاصمة القديمة على سلطانها، خلال الكفاح الطويل الذي دام في عصر الإيمان، ومازال ينمو هذا السلطان، ينمو ويقوى حتى خيل إلى العالم في عصر النهضة أن الثقافة القديمة قد انبعثت من قبرها، وأن المدينة الخالدة أضحت مرة أخرى مركز حياة العالم وثرائه وقمة تلك الحياة وذينك الثراء والفن. وقد احتفلت روما في عام 1963 بمضي 2689 عاماً على تأسيسها، وكان في وسعها أن تعود بنظرها إلى ما تمتاز به حضارتها من استمرار رائع في تاريخ الإنسانية. ألا ليتها تعود إلى حياتها الماضية.

خريطة الموقع

برامج : برامج خدمية العاب الكمبيوتر برامج ملتيميديا برامج حماية برامج الإنترنت برامج تصميم برامج مكتبية برامج الجوال برامج متنوعة اخبار البرامج.