برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانتالكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر |
|
برامج -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> روما الأببيقورية -> الشعب الباب السابع عشر روما الأبيقورية 30 ق. م-96 م الفصل الأول
الشعب
برامج -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> روما الأببيقورية -> التعليم الفصل الثاني
التعليم
برامج -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> روما الأببيقورية -> الرجال والنساء الفصل الثالث
الرجال والنساء
برامج -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> روما الأببيقورية -> الثياب الفصل الرابع
الثياب
برامج -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> روما الأببيقورية -> يوم في حياة روماني الفصل الخامس
يوم في حياة روماني
وكانت أمعاء الخنازير المحشوة Potule تباع في الشوارع في أفران متنقلة كما تباع في طرقاتنا العامة اليوم. وكان الروماني، إذا دعى إلى وليمة، ينتظر أطعمة أندر من هذه الأطعمة السالفة الذكر. وكانت الوليمة تبدأ في العادة في تمام الساعة الرابعة وتدوم إلى وقت متأخر من الليل أو إلى صباح اليوم التالي. وكانت الأزهار والبقدونس تنثر على المائدة، والهواء يعطر بالأرواح المحضرة من خارج البلاد، والمضاجع تغطى بالوسائد اللينة الناعمة، وكان الخدم يرتدون أزياء خاصة متماثلة. وتقدم أولاً المشهيات (Gustatio)، ثم تأتي بينها وبين الحلوى المسماة عندهم Secunda Mensa أو المائدة الثانية الأصناف الشهية النادرة التي يفخر بها المضيف ورثيس طهاته. وكانت أنواع السمك والطيور والفاكهة النادرة تشبع غريزة التشوف ولذة الحلق معاً، فكان سمك البيّاح يبتاع بألف سسترس للرطل الواحد، وقد ابتاع أسنيوس سلر Asinius Celer سمكة من هذا النوع بثمانية آلاف سسترس. ويقول جوفنال وهو غضبان أسف إن الصياد كان أقل قيمة من السمكة. وكان مما يزيد من بهجة الضيوف أن تحضر السمكة حية وتطهي أمام أعينهم، حتى يستمتعوا بمختلف الأوان التي تتلون بها وهي تعالج سكرات الموت(85). وكان فديوس بليو Vedius Pollis يربى هذا السمك، الذي يبلغ طول الواحدة منه قدماً ونصف قدم، في حوض كبير ويطعمه لحم المغضوب عليهم من العبيد(86). وكان سمك الجريث Eel والحلزون Snails عندهم من الأطعمة الشهية، ولكن القانون كان يحرم أكل الزغبة (الدرموس Dormouse) . وكانت أجنحة النعام، وألسنة (البشروش) (Flamingo)، ولحوم الطيور المغردة وأكباد الإوز، من أشهى الأطعمة الرومانية. وقد اخترع أبسيوس Apicius- وهو من مشهوري الأبيقوريين في عهد تيبيريوس- "فطائر الأكباد السمان" وذلك بزيادة سمنة أكباد الخنازير بإطعامها التين . وكان العرف يبيح للطاعم أن يفرغ معدته من الطعام بتناول مقيئ بعد الوليمة الثقيلة. وكان بعض النهمين يفعلون هذا في أثناء الوليمة ثم يعودون إليها ليشبعوا جوعهم. وقد قال سنكا في هذا "إنهم يتقايئون ليأكلوا ويأكلون ليتقايئوا"(90) (Vomunt Set Edant, Ant, Edant Ut Vomant). لكن هذا كان مسلكاً شاذاً، وليس هو أسوأ من مسلك مدمني الخمر من الأمريكيين. وكان أظرف من هذه العادة عادة تقديم الهدايا إلى الضيفان أو إسقاط الأزهار أو العطور عليهم من سقف الحجرات، أو تسليتهم بالأنغام الموسيقية، أو الرقص، أو الشعر، أو التمثيل وكانت الليالي تختتم بالحديث فتنطلق الألسن من عقالها بسبب الخمر، ويثيرها وجود النساء في المآدب. وليس لنا أن نظن أن هذه المآدب كانت هي الخاتمة العادية التي يختتم بها كل يوم من حياة الروماني، أو أنها كانت أكثر في حياتهم من مآدب هذه الأيام. إن التاريخ، كالصحف، يسيء تصوير الحياة، لأنه مولع بالشاذ من كل شيء، ويتجنب حياة الرجل الشريف التي لا أخبار فيها، والحياة اليومية الهادئة الرتيبة السوية. لقد كان معظم الرومان خلقاً عاديين أشبه الناس بنا وبحيرتنا، يستيقظون من النوم كارهين، ويفرطون في الأكل، وفي العمل، ولا يلعبون إلا قليلاً، ويحبون كثيراً، وقلّما يكرهون، ويتشاجرون بعض الشيء، ويكثرون من الكلام، ويحلمون أحلام اليقظة وينامون.
برامج -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> روما الأببيقورية -> يوم عطلة روماني -> المسرح الفصل السادس يوم عطلة روماني 1- المسرح كان لروما أيام عطلة كثيرة، كانت في أيامها القديمة مطبوعة بطابع الوقار الديني، وفي الأيام التي نتحدث عنها مرحلة ملؤها المباهج الدنيوية. وترجع هذه الكثرة إلى تعدد آلهتهم وكثرة الأقاليم التي تمتص خيراتها. وكان الكثيرون من فقرائها يفرون في الصيف من حرارتها ورطوبتها إلى حانات الضواحي وشواطئ البحر وأيكها، يشربون، ويأكلون، ويرقصون، ويعشقون في الهواء الطلق. وكان ذوو اليسار منهم يذهبون إلى شواطئ الاستحمام المنتشرة على الساحل الغربي، أو إلى خليج بايا Baiae مع واسعي الثراء. وكان من أشد ما يرغب فيه كل من يعتد بطبقته أن يذهب إلى الجنوب- إلى رجيوم Rhegium أو تارنتم إن استطاع- ويعود منه وقد لفحت الشمس جلده ليثبت أنه من ذوي اليسار. ولكن الذين يبقون في روما لم يكونوا يعدمون فيها الكثير من ضروب اللهو والتسلية القليلة الكلفة. لقد كانوا يجدون فيها تلاوة الشعر، والمحاضرات والحفلات الموسيقية، والكثير من المجون، والمسرحيات، والمباريات الرياضية والاقتتال لنيل الجوائز، وسباق الخيل، والعرباتـ والصراع المميت بين الرجال والرجال أو بين الرجال والوحوش، والمعارك البحرية الصاخبة الزائفة في البحيرات الصناعية- وقصارى القول أن روما لم تكن تضارعها قبلها مدينة أخرى في كثرة ضروب اللهو والتسلية. وكان لروما في عهد الإمبراطورية الباكر خمسة وسبعون عيداً تقام فيها الألعاب، منها خمس وخمسون تخصص للمسرحيات أو ألعاب المجون، و22 للألعاب في الحلبات أو المضامير أو المدرجات. وازداد عدد الألعاب حتى أصبحت في عام 354 م تعرض في 175 يوما(91)؛ ولم يصحب هذه الزيادة زيادة في المسرحيات الرومانية؛ بل حدث عكس هذا، حدث أن اضمحلت المسرحيات في الوقت الذي ازدهر فيه المسرح، وكانت المسرحيات الجديدة تكتب الآن لتقرأ لا لتمثل، واكتفت دور التمثيل بالمآسي القديمة الرومانية واليونانية، والمسالي والمساخر القديمة الرومانية. وكان نجوم التمثيل يسيطرون على المسرح ويجمعون من عملهم أموالهم طائلة؛ فقد ترك إيسبس Aasopus ممثل المآسي عشرين مليون سسترس بعد حياة من الإسراف والبذخ؛ وكان رسيوس Roscuis الممثل الهزلي يكسب خمسمائة ألف سسترس في العام، وقد بلغ من الثراء حداً جعله يمثل في عدة مواسم من غير أجر- وكان هذا احتقاراً للمال جعل هذا العبد المحرر واسطة العقد في مجالس الأشراف. أما الألعاب التي كانت تدور في الحلبات والمدرجات فكانت تستحوذ على اهتمام الجمهور وتفسد أذواقه، وقد مات التمثيل الروماني ودفن في المجتلدات، وكان شهيداً آخر من شهداء أيام الأعياد الرومانية. ولما زاد الاهتمام في التمثيل بحركات الممثلين وبالمناظر بدل الحبكات والأفكار تخلى التمثيل عن مكانه في المسرح إلى التهريج والمساخر. وكانت المساخر لا تحتوي إلا على القليل من الحوار، وكانت تختار موضوعاتها من حياة أحط الطبقات، وتعتمد على تصوير الشخصيات تصويراً بارعاً في التقليد الساخرز وبعد أن قضى على حرية القول في الجمعيات وفي السوق بقيت بعض الوقت في هذه المهازل القصيرة، حيث كان في وسع الماجن أن يجازف برفع رأسه وإطلاق لسانه لينال بذلك تصفيق الجماهير بتورية يسددها إلى الإمبراطور أو الملتفين حوله. وقد أمر كلجيولا بحرق أحد الممثلين حياً في المدرج عقاباً له على إشارة من هذا النوع(92). وفي اليوم الذي دفن فيه فسبازيان الشحيح مثلت مهزلة قلدت فيه جنازته تقليداً ساخراً، كان من مناظرها أن جلست الجثة في أثناء موكب الجنازة وسألت كم أنفقت الدولة على هذه الجنازة؛ ولما قيل لها إنها أنفقت "عشرة ملايين سسترس" أجابت بقولها "أعطوني مائة ألف فقط ألقوني في نهر التيبر"(93). ولم يكن يسمح للنساء بالتمثيل إلا في هذه المهازل، وإذ كانت هذه النسوة يعتبرن بهذا العمل من العاهرات فإنهن لم يكن يخسرن شيئاً بما ينطقن به من بذيء اللفظ. وكان النظارة في بعض المناسبات الخاصة كعيد فلورا ربة الزهر يطلبن إلى أولئك الممثلات أن يخلعن جميع ملابسهن(94). وكان الرجال والنساء يشهدون هذا الضرب من التمثيل كما يشهدونه الآن وقد وجد شيشرون فيه عرائس له كما عثر العرائس عليه فيه. ولما منع الكلام في هذه المهازل منعاً باتاً، وارتفعت موضوعاتها فأصبحت تستمد من الآداب القديمة، تطورت المهازل الماجنة إلى استعراضات صامتة. وكان في ترك الكلام على هذا النحو كسب للجمهور. ذلك أن سكان روما المختلفي الأجناس كانت كثرتهم لا تفهم إلا اللغة اللاتينية البسيطة إلى أقصى حد، ومن أجل هذا أصبح في استطاعتها أن تتبع حركات الممثلين بعد أن لم تعد مثقلة بعبء الألفاظ. وفي عام 21 م قدم إلى روما ممثلان أحدهما من قليقية ويدعى بيلاديس Pylades، والآخر من الإسكندرية ويسمى باثيلس Bathylus؛ وأدخلو فيها التمثيل بالإيمان والحركة- وكان قد انتشر في الشرق الهلنستي. وقد مثلا فيه مسرحيات من فصل واحد ليس فيها إلا الموسيقى، والحركات، والإيماءات والرقص. ورحبت روما بهذا الفن الجديد لأنها سئمت المسرحيات المؤلفة بالشعر القديم الطنان الرنان، وأعجبت إيما إعجاب بحذق الممثلين ورشاقتهم، وسرت بفخامة ملبسهم وجمال أقنعتهم أو ظرفها، وبأجسامهم المدربة التي أعد للعمل بالغذاء المناسب المنتقى، وبحركات الأيدي التي تحسن التعبير عن المعاني على الطريقة الشرقية البارعة، وسرعة تقليدهم للشخصيات على اختلاف مشاربها، وتمثيلهم مناظر العشق المثيرة للغرائز الجنسية. وكان النظارة ينقسمون طوائف وجماعات تؤيد كل منها الممثلين المتنافسين، وكثيراً ما كانت نساء الطبقات العليا يقعن في حب الممثلين ويتعقبنهم بالهدايا والعناق، حتى قطعت رأس واحد منهم بسبب علاقته بزوجة دومتيان. وما لبث هذا التمثيل الصامت أن طرد من المسرح الروماني كل ما عداه من أنواع التمثيل ما عدا المساخر الماجنة. وحلت المراقص والمساخر محل المسرحيات الجدية.
برامج -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> روما الأببيقورية -> يوم عطلة روماني -> الموسيقى الرومانية 2- الموسيقى الرومانية وكان تطور الموسيقى والرقص ورقيهما هما اللذين جعلا هذا الفوز مستطاعاً. فقد كان ينظر إلى الرقص في عهد الجمهورية على أنه عمل مرذول يجلل الراقص العار. وكان سبيو الأصغر قد أرغم الدولة على أن تغلق المدارس التي تعلم الموسيقى والرقص(95)، وكان مما قاله في هذا "أن الذي ذهب عقله هو وحده الذي يرقص وهو غير سكران"(96). ولكن المسرحية الصامتة جعلت الرقص طرازاً حديثاً مرغوباً فيه، ثم جعلته بعدئذ شهوة قال عنها سنكا: "لا يكاد يخلو بيت واحد من مرقص يردد أصداء وقع أقدام الرجال والنساء؛ وأصبح الآن في بيوت كل ثري معلم للرقص كما فيه طاه وفيلسوف، وأضحى وجود هذا المعلم من مستلزمات هذه البيوت. وكان الرقص في صورته المألوفة في روما يتطلب حركات منتظمة باليدين والجزء الأعلى من الجزع أكثر مما يتطلبه من حركات الأرجل والأقدام. ولم يكن النساء يتعلمن هذا الفن ويمارسنه لما يكسبهن من جاذبية فحسب، بل لأنه يكسب الجسم مرونة ورشاقة. وكان الرومان يحبون الموسيقى حباً لا يفوقه إلا حبهم للسلطان، والمال، والنساء، والدماء. وأخذ الرومان موسيقاهم، كما أخذوا كل شيء سواها في حياتهم الثقافية، عن بلاد اليونان؛ وكان لا بد لهذه الموسيقى أن تشق طريقها وسط مقاومة المحافظين الذين لا يفرقون بين الفن والانحطاط. ذلك أن الرقباء كانوا قبل عام 115 ق. م قد حرموا العزف على أية آلة موسيقية أو النفخ فيها ما عدا الناي الإيطالي القصير، وكان سنكا الأكبر بعد قرن كامل من ذلك الوقت لا يزال يعد الموسيقى غير جديرة بالرجال؛ ولكن فارو Varro كان قبل ذلك الوقت قد خص إلهة الموسيقى De Musica بكتاب من قلمه؛ وأصبحت هذه الرسالة، هي والمصادر اليونانية التي استمدت منها، معيناً لا ينضب لمؤلفات رومانية كثيرة في النظريات الموسيقية(97). وما لبثت الأنغام الموسيقية الخصبة الشهوانية، والآلات اليونانية، أن تغلبت آخر الأمر على الأنغام والآلات الرومانية الساذجة السمجة، وأصبحت الموسيقى عنصراً أساسياً في تعليم النساء، وكثيراً ما كانت عنصراً هاماً في تعليم الرجال أيضاً. وما وافى عام 50 م حتى عمت جميع الطبقات، وتعلمها الذكور والإناث، فكان الرجال والنساء يقضون أياماً كاملة في الاستماع إلى الأنغام أو تأليف المقطوعات أو غنائها. وانتهى الأمر بأن أصبح الأباطرة أنفسهم من الموسيقيين، فكان هدريان الفيلسوف ونيرون المخنث ممن يزدهون بحذقهم العزف على القيثارة. وكان المقصود من قرض الشعر الغنائي أن يغني بمصاحبة الموسيقى، وقلما كانت الألحان الموسيقية توضع إلا للشعر؛ ذلك أن الموسيقى القديمة كانت خاضعة للشعر، عكس ما هي عليه اليوم إذ أنها تنزع إلى السيطرة على الألفاظ وتخضعها لها. وكانت الموسيقى الجماعية منتشرة محبوبة وكثيراً ما كانت تعزف في حفلات الزواج والألعاب والجنائز، وفي الاحتفالات الدينية. وقد تأثر هوراس أشد التأثر بأصوات الفتية والعذارى وهو يغنون Carmen Secul Are، وكان المغنون جميعهم في هذه الأغاني الجماعية يغنون نغمة واحدة وإن اختلفت مقاماتها، ويلوح أن الغناء الانفرادي لم يكن معروفاً عندهم. وكانت الآلتان الرئيسيتان عندهم هما الناي والقيثارة، ولا تزال آلات النفخ والآلات الوترية عندنا مجرد تحوير وتعديل لهاتين الآلتين، فأقوى السمفونيات عندنا ليست إلا تأليفاً حكيماً بين النفخ والجذب، والحك، والضرب. وكان الناي يصحب التمثيل، وكان يظن أنه يثير العواطف؛ أما القيثارة فكانت تصحب الغناء، وكان يرجى منها أن تسمو بالروح. وكان الناي طويلاً، ذا ثقوب كثيرة، وأوسع مدى في التعبير من ناي هذه الأيام. أما القيثارة فكانت أشبه بقيثارتنا ولكنها كانت على أنواع وأشكال كثيرة، فكانت عند اليونان ذات حجم صغير ولكن الرومان زادوه إلى حد جعل أميانوس يصف القيثارة بأنها "كبيرة كالعربة"(98) ويمكن القول بوجه عام إن الآلات الموسيقية الرومانية نشأت كما نشأت آلاتنا نحن مما أدخل من تحسين على الآلات القديمة وخاصة على رنينها وحجمها. وكانت أوتار القيثارة تصنع من أمعاء الحيوان أو أوتار أجسامها، وقد بلغ عددها ثمانية عشر وتراً. وكانت تشد عند العزف عليها بمضراب (ريشة) أو بالأصابع، وكانت الأصابع وحدها هي التي تستطيع إخراج سلسلة الأنغام السريعة. وجاء من الإسكندرية في أوائل القرن الأول الأرغن المائي المتعدد النغمات والأنابيب، وقد وقع في قلب نيرون وتأثر كونتليان الهادئ بقوته وتعدد نغماته. وكانت تقام من آن إلى آن حفلات موسيقية رسمية، وكان للمباريات الموسيقية شأن في بعض الألعاب العامة، بل إن الولائم المتواضعة كانت تتطلب قدراً ولو قليلاً من الموسيقى. وكان مارتيال يعد ضيفه بالاستماع إلى نافخ في الناي على الأقل(99). أما في حفلات تريملكيو Trimalchio فكان الطعام يرفع عن المائدة على أصوات المغنين. وكان لكلجيولا فرقة موسيقية وجوقة من المغنين تطربه في قارب نزهته. وفي التمثيل الصامت كان الغناء الجماعي والرقص يصحبان عزف الفرقة الموسيقية. وكان الممثل في بعض الأحيان يغني أدواره الإنفرادية، وكان يحدث أحياناً أن يغن مغن محترف ألقاط الدور بينما كان الممثل يقوم بالحركات التمثيلية أو الرقص. ولم يكن من الأمور الشاذة النادرة أن يصحب التمثيل الصامت ثلاثة آلاف راقص(100). وكان قوام الفرقة الموسيقية النايات تساعدها القيثارات، والصنج، والمزامير، والأبواق، والاسكابلا Scabella وهي ألواح معدنية تشد إلى أقدام بعض أفراد الفرقة يضربونها بها فتحدث أصواتاً أشد إزعاجاً من أصوات الفرق الموسيقية الحديثة في أعلى قوتها. ويشير سنكا إلى الإيقاع في عزف الأفراد(101)، ولكنا لا نجد ما يدل على وجوده عند الفرق الموسيقية القديمة. وكانت الموسيقى التي تصحب الغناء تعلو عنه في النغمة عادة ولكن مبلغ علمنا أنها لم تكن تسير على نظام متدرج متتابع واضح. وكان مهرة الموسيقيين كثيرين، وكذلك كان غير الماهرين، فقد كان ذوو المواهب يهرعون إلى مركز الذهب في العالم من جميع الولايات، وكان نظام الاسترقاق يسمح بتدريب فرق المغنين والعازفين في نطاق واسع وإن كان كثير النفقات. وكان للكثير من الجماعات والهيئات الفنية موسيقيون تختص بهم، وكانت ترسل من تتوسم فيهم النبوغ منهم إلى مهرة الأساتذة لرفع مستواهم، فمنهم من تخصصوا في العزف على القيثارة وأقاموا الحفلات يغنون فيها ويعزفون؛ ومنهم من تخصصوا في الغناء وكان هؤلاء في العادة يؤلفون أغانيهم، وآخرون منهم كانوا يقيمون الحفلات يعزفون فيها على الأرغن وينفخون في الناي، ومن هؤلاء كانوس Cannus الذي كان يفخر كما يفخر بيتهوفن بأن موسيقاه تستطيع تخفيف الحزن وزيادة الفرح، وتعين على التقي وتلهب نار الحب في الصدور(102). وكان هؤلاء الموسيقيون المحترفون يطوفون الولايات النائية في الإمبراطورية، يكسبون المال والثناء وتقام لهم التماثيل ويفتتن بهم النساء، ومنهم على حد قول جوفنال، من كانوا يبيعون حبهم ليزيدوا بذلك أجورهم(102). وكانت النساء يتنافسن في الحصول على الريشة التي يمس بها مشهورو الموسيقيين أوتار آلاتهم، ويقربن القرابين على المذابح ليفوز من يحببن من الموسيقيين في الألعاب النيرونية والكبتولية. وفي وسعنا أن نرسم في الخيال صورة وإن تكن غير واضحة للمنظر الرائع الذي يجمع الموسيقيين والشعراء من جميع أنحاء الإمبراطورية، وهم يتبارون أما الجموع المحتشدة، والذي يتقدم فيه الفائزون المجهدون ليضع الأباطرة بأيديهم أكاليل أوراق البلوط على رؤوسهم. ولسنا نعرف عن الموسيقى الرومانية ما يكفي لبسط القول في وصفها. ويلوح أنها كانت أرقى، وأكمل، وأكثر عجيجاً من الموسيقى اليونانية. وقد دخلت عليها من صبغة شرقية من مصر وآسية الصغرى وسوريا. وكان المتقدمون في السن من الرومان يأسفون لأن المؤلفين المحدثين أخذوا يهجرون ما يمتاز به النمط القديم من تمنع ووقار، وأنهم كانوا يتلفون أرواح الشباب وأعصابهم بالأنغام الشاذة والآلات الصاخبة. والذي لا جدال فيه أنه ما من شعب قديم أحب الموسيقى كما أحبها الرومان. فقد كانت أغاني المسرح تتلقفها الجماهير المرحة السريعة الحركة فتردد أصداءها في شوارع روما ونوافذ بيوتها، وكانت أغاني التمثيل الصامت المعقدة تنطبع في ذاكرة المعجبين بها انطباعاً بلغ من قوته أن كان في مقدورهم إذا سمعوا أولى نغماتها أن يقولوا لك من أية مسرحية هي، ومن أي فصل في المسرحية. على أن روما لم تفد الموسيقى فائدة حقة اللهم إلا ما عسى أن تكون قد فعلته من تنظيم اللاعبين إلى فرق كبيرة تنظيماً أحسن مما كان عند من سبقهم من الأمم. ولكنها كرمت الموسيقى بإشاعة استخدامها، وبالاستجابة إليها والتأثر بها، يضاف إلى هذا أنها جمعت التراث الموسيقي للعالم القديم في هياكلها، ودور تمثيلها، وبيوتها؛ ولما أن سقطت أورثت الكنيسة الآلات والعناصر المستخدمة في الموسيقى التي تتأثر بها نفوسنا وتحرك مشاعرنا في هذه الأيام.
برامج -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> روما الأببيقورية -> يوم عطلة روماني -> الألعاب 3- الألعاب ولما لم يعد للحرب أثر في هذا العهد، أصبحت الألعاب العظيمة أكثر حوادث العام إثارة لمشاعر الرومان. وكانت تقام، أكثر ما تقام، في الاحتفال بالأعياد الدينية- كعيد الأم العظمى، وعيد سيريس Ceres، وعيد فلورا ربة الأزهار، وعيد أبلو، وعيد أغسطس. وقد تكون أحياناً "ألعاب العامة" التي تقام لتسلية الطبقات الدنيا، وقد تكون "الألعاب الرومانية" التي تقام تكريماً للمدينة وإلهتها روما. وكانت تقام أحياناً احتفالاً بنصر، أو نيل منصب رئيسي، أو فوز في انتخاب، أو بمناسبة أحد الأعياد الإمبراطورية. وربما أقيمت احتفلاً بمرور فترة معينة في التاريخ الروماني. وكانت ألعاب إيطاليا في بادئ الأمر تقام زلفي للأموات وتكريماً لهم، شأنها في هذا شأن الألعاب التي أقامها أخيل تكريماً لبتروكلس. من ذلك أنه لما مات بروتس بيرا Brutus Pera في عام 264 ق. م عرض ابنه ثلاث مبارزات؛ ودارت في جنازة ماركس لبدس Marcus Lepidus عام 216 ق. م اثنتان وعشرون معركة، وفي عام 174 احتفل تيتس فلامنيوس Titus Flaminius بجنازة أبيه بأن أقام صراعاً في مجتلد اقتتل فيه اثنان وعشرون رجلاً. وكانت أبسط الألعاب العامة هي المباريات الرياضية التي تقام في ملعب عام. وكان معظم اللاعبين من المحترفين والغرباء، وكانوا يتبارون في العدو، وقذف القرص، والمصارعة، والملاكمة. ولكن جمهرة الرومان الذين اعتادوا ألعاب المجتلد الدموية لم يكونوا يحبون هذه الألعاب الرياضية إلا قليلاً، وكانوا مولعين بالقتال لنيل الجوائز وهو القتال الذي كان اليونان ينهمكون فيه حتى يكادوا يخرون صرعى، وقد لبسوا في أيديهم قفازات مقواة عند البراجم بأطواق من الحديد يبلغ سمكها ثلاثة أرباع بوصة. ويصف فرجيل- وهو الرجل الرقيق- حفلة ملاكمة غير شديدة في لغة لا تكاد تفترق عن لغة هذه الأيام فيقول: "ثم جاء ابن أنكيسيز Anchises بقفازات من الجلد متساوية في الوزن، وربط بها أيدي الملاكمين... ووقف كلاهما في موضعه معتمداً على أطراف أصابع قدميه، ورافعاً ذراعه... ثم يبعد رأسه إلى الوراء ليتقي ضربات خصمه ويبدأ التلاكم باليدين، ويسدد كل منهما ضربات قوية همجية إلى صدر الآخر، وجنبيه، وأذنيه، وجبهته، وخديه، يردد الهواء صداها. ويمد إنتلس Entellus يمناه، وينحرف دارس Dares إلى أحد الجانبين بحركة رشيقة... ويهاجم أنتلس دارس بقوة، ويطرحه على أرض المجتلد، ويكيل له الضربات بيمناه تارة وبيسراه تارة أخرى... ثم يجيء إينياس وينهي المعركة، ويقبل رفقاء دارس ويقودونه إلى السفن تصطك ركبتاه ويتأرجح رأسه من ناحية إلى أخرى وفمه تخرج منه الأسنان والدماء. وكان السباق في الحلبة الكبرى Circus Maximus أكثر من هذه الملاكمات إثارة لمشاعر النظارة. وكانت أربعون سباقاً تقام في يومين متتاليين منها سباق الخيل يركبها راكبون محترفون؛ ومنها سباق العربات الخفيفة ذات العجلتين يجرها جوادان أو ثلاثة جياد أو أربعة مشدودة إليها جنباً إلى جنب. وكانت الاصطبلات المتنافسة التي يملكها الأغنياء هي التي تؤدي نفقات السباق. وكان الراكبون المحترفون وسائقو المركبات يلبسون حللاً تختلف ألوانها وتطلى المركبات نفسها بألوان مختلفة لكل اصطبل لون خاص يميزه من غيره من الاصطبلات: منها الأبيض والأخضر والأحمر والأزرق. فإذا اقترب موعد هذه المباريات انقسمت روما كلها شيعاً تسمى كل شيعة باسم اللون الذي تناصره وخاصة اللونين الأحمر والأزرق. وكان نصف الأحاديث في المنازل، والمدارس، والمحاضرات، والسوق الكبرى يدور حول راكبي الخيل المحترفين، وراكبي العربات، وتعلق صورهم في كل مكان، وتعلن أنباء فوزهم في النشرة اليومية. ومنهم من كان يجني من وراء ذلك ثروات طائلة، ومنهم من كانت تقام له التماثيل في الميادين العامة. وإذا أقبل يوم السباق سار مائة وثمانون ألفاً من الرجال والنساء في حللهم ذوات الألوان الزاهية إلى المضمار الرحب الكبير. وهناك ترتفع حماسة النظارة إلى حدالجنون، فترى أشياع كل جواد يشمون روثه ليتأكدوا من أن ذلك الجواد قد أطعم الطعام الذي يليق به(105). وكان النظارة يمرون بالحوانيت والمواخير الممتدة على طول أسوار المضمار الخارجية، ثم يدخلون من مئات الأبواب ويوزعون أنفسهم على المقاعد المنظمة على شكل حذاء الفرس، والعرق يتصبب من جباههم من فرط الشوق والقلق، والبائعون يبيعون الوسائد لأن المقاعد كانت تصنع في العادة من الخشب الصلب، ولأن السباق كان يستمر طول النهار. وكان لأعضاء مجلس الشيوخ وغيرهم من العظماء مقاعد خاصة من الرخام مزينة بالبرونز، وكان من خلف مقصورة الإمبراطور طائفة من الحجر الفخمة يستطيع- إذا شاء- أن يأكل فيها ويشرب، ويستريح، ويستحم وينام. وكانت حمى المراهنات ترتفع إلى أقصى حد، والثروات تنتقل من يد إلى يد كلما تقدم النهار. وكانت الخيل وراكبوها، والعربات وسائقوها، تخرج من فتحات تحت المقاعد، وكلما بدا لون منها قابله أنصاره بتصفيق ترتج المقاعد من شدته. وكان سائقو العربات- ومعظمهم من العبيد- يلبسون جلابيب زاهية الألوان ويضعون على رؤسهم خوذاً براقة، ويمسك كل منهم بإحدى يديه سوطاً، وفي منطقته سكين يقطع بها السيور المربوطة في وسطه، إذا حدثت له حادثة. وكان شكل المضمار إهليجياً تمتد في وسطه "الشوكة" (Spina) وهي جزيرة طولها ألف قدم تزدان بالتماثيل والمسلات، وفي طرف من أطراف المضمار تقوم "المقاييس" (Metae) وهي عمد مستديرة ينتهي عندها السباق. وكان طول سباق المركبات سبع دورات في العادة، أي حوالي خمسة أميال. وكان مقياس مهارة السائق هو قدرته على أن يدور حول الأهداف (العمد) بأسرع وأحد ما يستطيع من غير أن يتعرض للخطر, وكثيراً ما كان المتسابقون يصطدمون في هذه الأماكن فتقع المآسي المروعة التي يكون ضحاياها الرجال والمركبات والحيوانات. فإذا ما وصلت الخيل أو المركبات إلى أهدافها قام النظارة، وكأنهم قد استيقظوا من سبات عميق، وماج بهم المكان كما يموج البحر المتلاطم، وأخذوا يشيرون بأيديهم وأجسامهم، ويلوحون بمناديلهم، ويصيحون، ويبتهلون، ويثنون، ويلعنون، ويهللون وهم في نشوة غير طبيعية. وكان التصفيق الذي يحيا به الفائز يسمع على مسافة بعيدة خارج أسوار المدينة. وكان أعظم المناظر روعة وفخامة منظر الاحتفالات الرومانية التي تمثل فيها المعركة البحرية الرائمة. وكانت أول معركة بحرية كبيرة من هذا النوع هي التي دارت بأمر قيصر في حوض كبير احتفر لهذا الغرض خاصة في خارج حدود المدينة. ولما أراد أغسطس أن يهدي الهيكل الذي أقامه "للمريخ المنتقم" إلى هذا الإله أمر أن تدور معركة بحرية تمثل معركة سلاميس بين ثلاثة آلاف مقاتل في مياه بحيرة صناعية طولها ألف وثمانمائة قدم وعرضها ألف ومائتا قدم. وقد سبق القول إن كلوديوس احتفل بإتمام نفق فوسين Fucine بتمثيل معركة اقتتلت فيها سفن من ذوات الصفوف الثلاثة والأربعة من المجاديف، عليها نحو تسعة عشر ألف رجل. ولكن القتال جرى في رقة أغضبت الإمبراطور واضطرته إلى أن يرسل جنوداً إلى السفن لكي يضمن قدراً كافياً من سفك الدماء(106). ولما احتفل بتدشين الكولوسيوم أمر تيتس بأن تغرق حلبتها بالماء وأن تمثل فيها معركة الكورنثيين والكرثينيين التي أعقبتها حرب البلوبونيز. وكان المقتتلون في هذه المعارك من أسرى الحروب أو المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام؛ وكانوا يقتتلون بحق ويقتل بعضهم بعضاً حتى يفنى أحد الفريقين؛ فإذا ما تبين أن الفريق الفائز أظهر الشجاعة المطلوبة في التقتيل أمر أن يحرر من الأسر أو ينجو من الإعدام. وكانت هذه الألعاب تصل إلى غايتها في صراع الحيوانات والكتابين في المجتلد أو في الكولسويم بعد أيام فسبازيان. وكان المجتلد أرضاً من الخشب فرش عليها الرمل. وكان في الإمكان خفض أجزاء من هذه الأرض ثم رفعها على الفور إذا أريد تغيير المنظم، أو غمر الأرض كلها بالماء بمجرد إشارة تصدر بهذا. وكانت غرف كبيرة تحت أرض المجتلد تحتوي الوحوش، والآلات، والرجال استعداداً لذلك اليوم. وكان من فوق سور المجتلد شرفة من الرخام صفت فيها مقاعد مزينة يجلس عليها الشيوخ والكهنة وكبار الموظفين. وكان فوق هذه الشرفة مقصورة عالية (Suggestum) يجلس فيها الإمبراطور والإمبراطورة على عرشين من العاج والذهب، ومن حولهما أعضاء الأسرة الإمبراطورية والحاشية. ومن خلف هذه الدائرة الممتازة، دائرة الأشراف، يجلس فيها أفراد طبقة الفرسان في عشرين صفاً من المقاعد. ويفصل سور عال مزدان بالتماثيل الطبقات العليا عن السفلى في المقاعد العالية. وكان في وسع أي شخص من الأحرار ذكراً كان أو أنثى أن يشهد الجلاد، ويلوح أنه لم تكن ثمة رسوم تؤدي عن الدخول، وكانت الجماهير تنتهز فرصة وجود الإمبراطور في المجتلد وفي مضمار السباق لتسمعه رغبتها- في العفو عن أسير أو مصارع مهزوم، أو تحرير عبد شجاع، أو حضور مجالد محبوب، أو إصلاح غير ذي بال. وكانت مظلات تنشر فوق المجتلد عند الحاجة إليها، وتمتد على مكان في السور إلى حواجز المجتلد لتظليل ما يتعرض من أجزائه لأشعة الشمس. وكانت في أماكن متفرقة منه تقذف الماء المعطر لتبريد الهواء. فإذا انتصف النهار أسرع معظم النظارة إلى أسفله ليتناولوا غداءهم، وكانوا يجدون حاجتهم من الطعام والشراب والحلوى عند أناس رخص لهم ببيعها في هذا المكان. وكان يحدث في بعض المناسبات أن يأمر الإمبراطور بإطعام الجماهير المحتشدة كلها من خيراته، وأن تنثر الأطعمة الشهية والهدايا على الجماهير فتتلقفها أيديهم. وإذا ما أقيمت الألعاب في الليل، وكان هذا يحدث أحياناً، كان في الاستطاعة إنزال دائرة من النور فوق المجتلد والنظارة. وكانت فرق موسيقية تطرب المجتمعين في الفترات التي تتخلل الألعاب؛ وفي الأوقات التي تبلغ المباريات حدتها، كانت الموسيقى تعزف أنغاماً مهيجة مثيرة مطردة العلة في النغمة. وكانت أبسط الحوادث التي تشاهد في المدرج عرض حيوانات أجنبية تجمع من جميع أنحاء العالم المعروف: من فيلة، وأساد، ونمورة رقط وسود، وتماسيح، وأفراس بحر، وأويسات، وقردة، وفهود، ودببة، وخنازير برية، وذئاب، وزرافات، ونعام، ووعول، وغزلان، وطيور نادرة الوجود. وكان يحتفظ بهذه كلها في حدائق الحيوان التي يملكها الأباطرة والموثرون من الأهلين، وتدرب على القيام بألعاب مضحكة. فكانت القردة تعلم ركوب الكلاب وسوق المركباب، والتمثيل في المسرحيات؛ والثيران تدرب على ترك الغلمان يرقصون فوق ظهورها، وآساد البحر تدرب على النباح إذا ذكرت أسماؤها، والفيلة ترقص على صوت صنوج تضربها فيلة أخرى، أو تمشي على حبل، أو تجلس حول مائدة الطعام، أو تكتب حروفاً يونانية أو لاتينية. وكان يكتفي في بعض الأحيان بعرض هذه الحيوانات في حلل زاهية أو مضحكة، ولكنها في العادة كانت تقتل بعضها بعضاً، أو تقاتل الرجال، أو تضرب بالسهام والحراب حتى تموت. وقد حدث في أيام نيرون أن اقتتل أربعمائة نمر مع ثيران وفيلة، وقتل في يوم آخر من أيام كلجيولا أربعمائة دب، ومات في يوم تدشين الكولوسيوم خمسة آلاف حيوان(107). وإذا تبين أن الحيوانات قد فترت غريمتها عن القتال ضربت بالسياط، أو رميت بالسهام، أو كويت بالحديد المحمي ليثار غضبها فتنفر للقتال. وقد أرغم كلوديوس فرقة من الحرس البريتوري على قتال الفهود، وأرغم نيرون فرقة أخرى على أن تقاتل أربعمائة دب وثلثمائة أسد(108). وأدخل قيصر إلى روما عادة صراع الثيران والآدميين، وهي العادة التي كانت شائعة في كريت وتساليا من قبله بزمن طويل، وأصبحت منذ عهده من المناظر المألوفة في المدرجات(109). وكان المجرمون المحكوم عليهم بالإعدام يلقون إلى الحيوانات التي استوحشت لهذا الغرض خاصة، وكثيراً ما كان هؤلاء الرجال يغطون بجلود لكي يشبهوا الحيوانات. وكانوا يعانون في أثناء موتهم أشد أنواع الآلام، وكانت جراحهم تتعمق أحياناً في أجسامهم حتى كان الأطباء يستخدمون هذه الأجسام لدراسة تشريحها الداخلي. وليس في العالم من يجهل قصة أندركليز Androcles العبد الآبق، وكيف ألق به إلى أسد في المجتلد بعد أن قبض عليه، ولكن الأسد كما تقول القصة تذكر أن أندركليز خرج في ذات يوم شوكة من مخلبه، فأبى أن يمسه بسوء، وكيف عفى عن أندركليز بعدئذ وظل يكسب عيشه بعرض أسده المتحضر في الحانات(110). وكان يطلب إلى المقضي عليه بالموت في بعض الأحيان أن يمثل تمثيلاً واقعياً دوراً مشهوراً في إحدى المآسي: فقد يمثل دور منافسة ميديا، فيرتدي ثوباً جميلات يلتهب فجأة ويحرقه؛ وقد يمثل هرقل فيحرق حياً فوق كومة من الحطب، وقد تجب خصيتاه علناً كما فعل بأرتيز (إذا صدقنا قول ترتليان Tertullian)، وقد يمثل دور موسيوس اسكافولا Mucius Scaevola فيبسط يده فوق نار فحم حتى تحترق؛ وقد يمثل دور إكارس Icaeus فيسقط من السماء، لا في بحر رحيم، بل بين قطيع من الوحوش الضاربة، وقد يكون باسفيا Pasipha(، فيحتضن ثوراً. وألبس أحد الضحايا مرة ثياباً كثياب أرفيوس Orpheus، وبعث به ومعه قيثارة إلى مجتلد مثلث فيه أيكة جميلة من الأشجار والجداول، ثم أطلقت من خبايا المجتلد على حين غفلة وحوش جياع ومزقه إرباً(111). وصلب لص يدعى لوريولس Laureolus في المجتلد ليتسلى النظارة برؤيته؛ ولما لم يلفظ آخر أنفاسه بالسرعة المطلوبة جيء إليه بدب وسلطوه عليه ومازالوا يغرونه به حتى أكله قطعة بعد قطعة وهو معلق في الصليب. ويصف مارتيال هذا المنتظر وصف المعجب به الراضي عنه(112). وكانت أروع الحادثات في هذه الألعاب هي قتال الرجال المسلحين، إما في صورة مبارزات فردية أو معارك جماعية. وكان المتقاتلون في هذه الحالة من أسرى الحروب، أو المجرمين المذنبين، أو العبيد العاصين. وكان حق المنتصرين في أن يقتلوا أسراهم من الحقوق المعترف بها عادة في العهود القديمة جميعها، ومن أجل هذا كان الرومان يرون أنهم رحماء كرام حين يتيحون لأسراهم فرصة ينجون فيها من الموت بإرسالهم إلى المجتلد. كذلك كان المحكوم عليهم في الجرائم الكبرى يرسلون من كافة أنحاء الإمبراطورية إلى روما، فيلحقون بمدارس الكتابين ولا يلبثون أن يظهروا في الألعاب، فإذا ما أظهروا في الصراع شجاعة نادرة فقد يحررون من فورهم. وأما إذا نجوا من القتل من غير أن يظهروا هذه الشجاعة فكانوا يرغمون على القتال مرة بعد مرة في الأعياد والمواسم المتوالية؛ فإذا ظلوا أحياء ثلاث سنين استبدل الاسترقاقي بالإعدام؛ وإذا ما أرضوا سادتهم عامين نالوا حريتهم. وكانت الجرائم التي يحكم على مرتكبيها بحياة الكتابين مقصورة على القتل، والسرقة، والتسميم، وتدنيس الأماكن المقدمة، والتمرد؛ ولكن حكام الأقاليم المجدين كانوا يحرصون في بعض الأحيان على سد حاجة الأباطرة إلى أمثال هؤلاء الناس، فيتخطون هذه القيود إذا نقص عدد الكتابين(113). وكان الفرسان وأعضاء مجلس الشيوخ أنفسهم يحكم عليهم أحياناً بأن يقاتلوا في المجتلد؛ بل إن شهوة الثناء وحب التصفيق كانت في بعض الأحيان تدفع أفراداً من طبقة الفرسان لأن يتطوعوا لهذا القتال مختارين، ومن الناس عدد غير قليل كانوا بدخول مدارس الكتابين حباً في المغامرة ومغالبة الأخطار. وقد وجدت هذه المدارس في روما من عام 105 ق. م. وكان فيها أربع مدارس من هذا النوع في عهد الإمبراطورية، عدا ما كان منها في أنحاء إيطاليا وكانت واحدة في الإسكندرية، وكان للأغنياء في أيام قيصر مدارس أنشأوها لأنفسهم ليعدوا فيها العبيد ليكونوا مجالدين، وكانوا يتخذون خريجيها حرساً خاصاً لها في زمن السلم وجنوداً في وقت الحرب، ويؤجرونهم للقتال في المآدب الخاصة، ويعيرونهم للقتال في الألعاب. وكان الكثيرون ممن يدخلون مدارس الكتابين المحترفين يقسمون عند دخولهم يميناً بأن "يقبلوا الضرب بالعصي والحرق بالنار، والقتل بحد السنان"(114). وكان التدريب والنظام فيها صارمين، وكان الأطباء يراقبون ما يقدم فيها من الطعام، ويصفون للطلاب أكل الشعير ليقووا بأكله عضلاتهم. وكان عقاب من يخرج على القواعد والنظم الموضوعة الجلد، والكي، والسجن والأغلال. ولم يكن طلاب الموت هؤلاء جميعهم غير راضين عن مصيرهم، فمنهم من كانوا يزدهون بما سوف يحرزون من نصر، وكانوا يفكرون في شجاعتهم أكثر من تفكيرهم فيما يتعرضون له من الأخطار(115)، ومنهم من كان يشكو أنه لم تتح له فرص كافية للقتال، وكان هؤلاء يحقدون على تيبريوس لأنه لا يكثر من إقامة الألعاب. لقد كان يعزيهم عن الخطر الذي يتعرضون له، ويغريهم بركوب هذا الخطر، ما سوف ينالون من الشهرة، فقد كان المعجبون بهم يكتبون أسماءهم على جدران المباني العامة، وكانت النساء تعشقهم، وكان الشعراء يغنون بمدحهم، والمصورون يصورونهم، والمثالون يخلدون للأجيال المقبلة صور عضلات أذرعهم الحديدية، وعبوسة وجوههم الرهيبة. على أن منهم كثيرين كانوا يألمون لسجنهم الطويل، وحياتهم الوحشية الرتيبة، وما يتوقعون لأنفسهم من آجال قصيرة، ومنهم من كانوا ينتحرون، وقد انتحر واحد منهم بأن كتم نفسه بإسفنجة كان يستخدمها في تنظيف أعضائه السرية، وانتحر آخر بوضع رأسه بين أنصاف محاور عجلة تتحرك، وانتحر كثيرون منهم بشق بطونهم في المجتلد(116). وكانوا في الليلة السابقة للقتال تولم لهم وليمة طيبة؛ فمن كان منهم فظاً خشن الطباع ملأ بطنه بلذيذ الطعام والشراب، ومنهم من كان يودع زوجته وأبناءه وهو حزين كظيم؛ وكان المسيحيون منهم يجتمعون ليتناولوا معاً "طعام المحبة" (Agap(). وكان هؤلاء وأولئك يأتون إلى المجتلد في اليوم الثاني في حلل فاخرة ويذرعونه من أوله إلى آخره، وكانوا يسلحون في العادة بالسيوف، أو الرماح، أو الخناجر، ويلبسون خوذاً من البرونز، ودروعاً، ووقايات للأكتاف وتروساً وجراميق. وكانوا يصنفون حسب أسلحتهم؛ فمنهم أصحاب الشباك الذين يوقعون خصومهم في الأحابيل ثم يقضون عليهم بطعنات الخناجر، ومنهم من يحذقون مطاردة مقاتليهم بالتروس والسيوف؛ ومنهم من يرمون بالمقالع، ومنهم من يقاتل الواحد منهم بسيف قصير في كلتا يديه، ومنهم من يقاتلون في المركبات، ومنهم من يصارعون الوحوش. وكان الكتابون فضلاً عن هذه المغامرات كلها يتبارزون مثني مثني أو جماعات، وإذا جرح أحد المتبارزين جرحاً شديداً في مبارزة فردية طلب من أقام المباراة إلى النظارة أن يدلوا برأيهم، فإذا رفعوا إبهامهم أو لوحوا بمناديلهم كان ذلك دليلاً على أنهم يريدون الرحمة بالجريح، وإذا ما خفضوا إبهامهم عرف أنهم يطلبون إلى الفائز أن يقتل المغلوب من فوره(117). وإذا أظهر أحد المقاتلين أنه لا يحب أن يموت أثار بذلك غضب النظارة وأثيرت حميته وشجاعته بوخزه بالحديد المحمي(118).وإذا أريدت مجازر كبيرة هيئت معارك جماعية يقتتل فيها آلاف الرجال بوحشية المستيئسين. وقد اشترك في الثمان المعارك التي أعدها أغسطس عشرة آلاف مقاتل اقتتلوا فيها مجتمعين. وكان رجال في ثياب كارون Charon ينخسون من يسقطون في المعركة بأسنان العصى الحادة ليعرفوا هل ماتوا حقاً أو أنهم يتصنعون الموت. فإذا وجدودهم يتصنعوه قتلوهم بضربات المطارق على رؤوسهم. وكان هناك رجال آخرون في ثياب عطارد رسول الآلهة يجرون أجساد الساقطين بخطاطيف في الوقت الذي يجمع فيه عبيد من المغاربة التراب المبلل بالدماء في مجارف، ويفرشون الرمل على الأرض لاستقبال من يأتون بعدهم من الأموات. وكان معظم الرومان يدافعون عن الألعاب في المجتلدات بقولهم إن الضحايا كانوا من المحكوم عليهم بالإعدام لما ارتكبوه من الجرائم الشنيعة، وإن ما يلقون بالعذاب يحول بين غيرهم وبين ارتكاب أمثال هذه الجرائم، وإن الشجاعة التي يدرب عليها المقضي عليهم ليلاقوا بها الجراح والموت تغرس في قلوب الشعب الفضائل العسكرية، وإن اعتياد العين رؤية الدماء والمعارك الحربية تعود الرومان مطالب الحرب والتضحية بالنفس. وها هو ذا جوفنال الذي ندد بكل شيء عدا هذه الألعاب قد تركها من غير تجريح، وامتدح بلني الأصغر، وهو الرجل الراقي المتحضر، تراجان لأنه عرض على الشعب مناظر تثير في الناس رغبة أن يُثخنوا "بالجراح الشريفة والاستهزاء بالموت"(119). وكان تاستس يرى أن الدماء التي تراق في المجتلد، أياً كان شأنها، هي "الدماء الرخيصة" التي تجري في عروق العامة(120). أما شيشرون فكانت نفسه تتقزز من هذه المجازر وهو يسائل الناس "أية تسلية يمكن أن تتسلى بها الروح الرقيقة الإنسانية حين ترى وحشاً شريفاً يطعنه الصائد في قلبه بلا رحمة، أو ترى إنساناً يمزقه وحش ضار أقوى منه جسماً؟" ولكنه يضيف إلى ذلك قوله. "إذا ما اضطر المجرمون إلى القتال فإن العين لا تشهد طريقة تهيئ الإنسان لملاقاة العذاب واستقبال الموت خيراً من هذه الطريقة"(121). وأقبل سنكا على الملاعب في وقت الظهيرة حين خرجت كثرة النظارة للغداء، فهاله وحز في نفسه أن يرى مئات المجرمين يساقون ليتسلى من بقوا فيها برؤية دمائهم المراقة: "وأعود إلى منزلي أكثر مما كنت نهماً وقسوة ووحشية، لأني كنت بين آدميين. لقد شاهدت بمحض المصادفة معرضاً مقاماً في وقت الظهيرة، وكنت أتوقع أن أرى بعض ما يبعث السرور أو الفكاهة أو يروح عن النفس بعض متاعبها... وتستطيع عين الإنسان أن تستريح به من رؤية المجازر التي تذهب فيها حياة أخيه الإنسان... ولكني رأيت عكس هذا... إن هؤلاء المحاربين في وقت الظهيرة يخرجون وليس عليهم دروع من أي نوع كان، أجسامهم معرضة للطعنات، في كل جزء من أجزائها، فكل طعنة تصيبهم في الصميم... إنهم في الصباح يلقون الناس أمام الآساد، أما في الظهيرة فيقذف بهم أمام النظارة، فترى الجماهير تطلب إلى المنتصر الذي قتل خصيمه أن يقاتل الرجل الذي سوف يقتله، ويحتفظ بالمنتصر الأخير ليُقتل قتلة أخرى... وهذه الأمور وأمثالها تحدث والمقاعد تكاد تكون خالية... إن الآدمي الذي لا يحل للإنسان قتله، يقتل لعباً ولهواً وجلباً للمسرة"(122).
برامج -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> روما الأببيقورية -> العقائد الجديدة الفصل السابع العقائد الجديدة رضى الدين عن الألعاب وعدها الصور الصحيحة للاحتفالات الدينية، ولذلك كانت تبدأ بمواكب فخمة وقورة، وكان الكهنة والعذارى الفستية يحتلون أماكن الشرف في دور التمثيل، وفي مضامير السباق وأمام المجتلد، وكان الإمبراطور الذي يرأس هذه الاحتفالات هو الكاهن الأكبر لدين الدولة. وقد بذل أغسطس وخلفاؤه كل ما وسعهم من جهد ليعيدوا الحياة إلى الدين القديم، إلا عنصراً من عناصره وهو الحياة الأخلاقية الفاضلة؛ وحتى أشد الأباطرة كفراً بهذا الدين أمثال كلجيولا ونيرون كانوا يؤدون جميع المراسم والطقوس الواجبة للآلهة الرسمية، وظل اللوبرسي يرقصون في الشوارع في يوم عيدهم، كما ظل إخوان أرفال Arval ينطقون بالدعوات والصلوات للمريخ بلغة لاتينية قديمة لا يفهم أحد معناها. وكان التنبؤ بالغيب وزجر الطير من الأعمال التي لا ينقطع الناس عن ممارستها والثقة العظيمة بها، وكان الأباطرة الذين يخرجون المنجمين من البلاد يستشيرونهم في مهام الأمور. وأدخل السحر والشعوذة والخرافات والأوهام الباطلة، والرقي، والتعاويذ، والتفاؤل، والتطير، وتفسير الأحلام في نسيج الحياة الرومانية حتى أصبحت لحمتها وسداها، وكان أغسطس يدرس أحلامه دراسة جدية لا تقل عن دراسة علماء النفس في هذه الأيام؛ ويحدثنا سنكا أنه شاهد بعينيه نساء يجلسن على درج الكبتول ينتظرن أن يستمتع بهن جوبتر لأنهن رأين في أحلامهن أن الإله راغب فيهن(123). وكان كل قنصل يحتفل بتقلده منصبه احتفالاً يضحي فيه بعدد من العجول؛ وحتى جوفنال نفسه، وهو الذي كان يسخر بكل ما عدا هذه الأعمال، قطع بيده في تقي وخشوع أعناق حملين وعجل حنيز شكراً للآلهة على أن صديقاً له عاد من رحلته سالماً. وغصت الهياكل بقرابين الذهب والفضة؛ وكانت الشموع تضاء أمام المذابح، وقد بليت شفاه التماثيل المقدسة وأيديها وأقدامها من كثرة ما طبعه عليها الأتقياء الصالحون من قبلات. وقصارى القول أن الدين القديم بدا وكأنه لا يزال محتفظاً بقوته، وظل يخلق آلهة جدداً مثل أنونا Anona (جامعة حبوب العالم إلى روما)، ويبعث حياة جديدة في عبادة فورتونا Fortuna وروما Roma ويؤيد القانون، والنظام، والاستبداد أقوى تأييد. ولو أن أغسطس بعث حياً بعد عام واحد من وفاته لما كان عليه حرج إن قال إن ما بذله من هود لإحياء الدين قد نجح أعظم نجاح. لكن الدين القديم، رغم هذه المظاهر الخارجية، دب فيه دبيب الفناء من أعلاه ومن أسفله على السواء. ولم يكن تأليه الأباطرة دليلاً على إجلال الطبقات العليا لحكامها، بقدر ما كان شاهداً على قلة إجلالها لآلهتها. وأخذت الفلسفة تمحو العقائد الدينية من قلوب المتعلمين وإن كانت في الوقت نفسه تبسط على هذه العقائد حمايتها، ولم تكن كتابات لكريشيوس Lucritius عديمة الأثر في العقول؛ نعم إن الناس لم يكونوا يذكرونه، ولكن إغفالهم ذكره لم يكن له من سبب إلى أن الانغماس في الأبيقورية كان أسهل عليهم من دراسة أبيقور أو شارحه المتحمس لمبادئه. ولم يجد الشبان الأثرياء الذين ذهبوا ليتزودوا بالدراسات العليا في أثينة والإسكندرية ورودس ما يزيد إيمانهم بالدين الروماني وعقائده. وكان الشعراء اليونان يسخرون من آلهة الرومان، وسرعان ما أخذ شعراء الرومان أنفسهم يحذون حذوهم، فكانت قصائد أوفد تفترض أن الحديث عنهم هزل لا جد فيه. ويلوح أن أحداً لم يشك من هذا أو يعترض عليه، وقام شخص وطرد ديانا من المسرح بعد أن انهال عليها ضرباً بالسياط، وجاء آخر فمثل جوبتر وهو يوصي بوصيته استعداداً للموت(124). ولاحظ جوفنال ما لاحظه أفلاطون قبل عهده بخمسة قرون، وما نلاحظه نحن بعده بثمانية عشر قرناً، أن خوف إله رقيب مطلع على السرائر لم يعد له من القوة ما يستطيع به أن يكشف الحنث على الإيمان(125). وحتى شواهد القبور نفسها تقرأ عليها ما يدل على ازدياد التشكك في الدين وعلى الانغماس الصريح في الشهوات. فقد كتبت على واحد منها هذه العبارة: "لم أكن، لقد كنت، ولست بكائن، ولا أبالي". وكتب على شاهد آخر: "لم أكن قد وجدت، لست موجوداً، لست أدري"، وعلى شاهد ثالث: "لم يكن لي إلا ما أكلت وشربت؛ لقد تمتعت بحياتي"(126). وكتب على شاهد آخر: "لا أومن بشيء وراء القبر". ويؤكد شاهده غير أن "ليس ثمة جحيم ولا كارون، ولا سربس Cerebus". وكتبت نفس قلقة كدرة: "لا حاجة لي الآن بأن أخشى الجوع، ولا حاجة لي بأن أؤدي الريع، ولقد تحررت من وجع المفاصل على الأقل". وكتب شخص نكد من أتباع لكريشيوس عن جثته المدفونة يقول: إن "العناصر التي تكونت منها تعود مرة أخرى إلى أصولها، إن الحياة عارية تعار للإنسان، وليس في مقدوره أن يحتفظ بها إلى أبد الدهر، وهو إذا مات يرد ما عليه من دين إلى الطبيعة"(127). لكن الشك مهما يكن فيه من إخلاص لا يمكن أن يحل محل الإيمان، ولم يجد ذلك المجتمع بين ملذاته كلها سعادة ما، بل سئم ما فيه من تنعم، واستنفد قواه فيما ساده من دعارة، وظل الفقراء والأغنياء على السواء معرضين للألم والحزن والموت، ولم تستطع الفلسفة بجميع أنواعها، وخاصة تلك العقيدة الباردة السامية عقيدة الرواقية، أن تهب الرجل العادي إيماناً يخفف عنه شعوره بفقره، ويشجعه على تهذيب خلقه، ويواسيه في أحزانه، ويبعث الأمل في قلبه. لقد كان الدين القديم يؤدي لوظيفة الأولى من هذه الوظائف الثلاث، وعجز عن أداء الوظيفتين الأخريين. ذلك أن الناس كانوا يحتاجون إلى وحي يوحي إليهم، ولكن الدين لم يهبهم إلا طقوساً ومراسم؛ وكانوا يطلبون خلوداً وحياة بعد الموت، ولكن دينهم جاء لهم بدل هذا بألعاب. كذلك شعر الناس الذين جاءوا من بلاد أخرى عبيداً أو أحراراً أنهم محرومون من هذه العبادات القومية، ومن أجل هذا جاءوا معهم بآلهتهم، وأقاموا لها هياكل خاصة بها، ومارسوا شعائرهم الخاصة؛ وغرسوا في قلب بلاد الغرب دين الشرق. وبدأت بين عقائد الفاتحين وإيمان المهزومين، حرب لم تنفع فيها أسلحة الجحافل الرومانية؛ وكانت حاجات القلوب هي التي قررت لمن يكون الفوز. وجاء الأرباب الجدد مع أسرى الحروب، ومع الجنود العائدين من ميادين القتال ومع التجار. وأقام التجار الوافدون من آسية ومصر هياكل في بتيولي Puteoli، وأستيا Ostia روما ليعبدوا فيها آلهتهم التقليدية. وكانت الحكومة الرومانية تنظر إلى هذه الأديان الأجنبية نظرة التسامح في العادة؛ ذلك أنها لم تكن تريد أن تسمح للأجانب أن يشاركوا الرومان في عباداتهم، ومن أجل هذا كانت ترى أن ممارستهم شعائر دينهم الذي جاءوا به معهم أفضل من تركهم بلا دين. وكانت تطلب إليهم في نظير هذا أن يكون كل دين أجنبي متسامحاً كذلك مع غيره من الأديان، وأن تتضمن طقوسه ما يشعر بالخضوع إلى "عبقرية" الإمبراطور، وإلى الآلهة "روما" ليعبروا بذلك عن ولائهم للدولة؛ وشجع هذان التساهل والتسامح الأديان الشرقية، وكانت قد استقرت في روما، فأضحت هذه الأديان الكبرى المنتشرة بين العامة. وأراد كلوديوس أن يهذب هذه العبادات الشرقية فرفع القيود المفروضة على عبادة الأم العظمى، وأجاز للرومان أن يكونوا لها كهنة لها وقائمين على خدمتها، وقرر لها عيداً رسمياً حوالي الاعتدال الربيعي بين 5 و 27 مارس. وكانت منافستها الكبرى في القرن الأول الميلادي هي إيزيس المصرية إلهة الأمومة، والإخصاب، والتجارة. وكانت الحكومة قد حرمت المرة بعد المرة عبادة هذه الآلهة الأجنبية في روما، ولكنها لم تكن تلبث أن تعود بعد كل تحريم لأن تقوى عبادها كانت أقوى من سلطان الدولة، وأيد كلجيولا استسلام الدولة لها بأن شاد لها من الأموال العامة ضريحاً فخماً في ميدان المريخ. واشترك أتو Otho، ودومتيان في الاحتفالات الإيزيسية، ومشى كومودس عاري الرأس خلف كهنتها يمسك بيديه في خشوع تمثالاً لأنوبيس Anubis القرد إله المصريين. وزاد شأن هذا الغزو الديني عاماًبعد عام، فجاءت من جنوبي إيطاليا عبادة فيثاغورس-وهي الاقتصار على أكل الخضر، والاعتقاد بعودة الأرواح إلى التجسد. وجاءت من هيربوليس Hierapolis الإلهة أترجانس Atargatis المعروفة عند الرومان "بالإلهة السورية"، كما جاء منها أيضاً أزيز Aziz المعروف "بزيوس دلوكي Dolochi" وغيره من الأرباب العجيبة. ونشر التجار والأرقاء السوريون عبادة هذه الآلهة، وما زال عبادها يقوون حتى اعتلى العرش آخر الأمر من شاب كهنة "بعل" السوري وتسمى باسم إلجبالس Elagabalus-عابد إله الشمس. وجاءت من بارثيا عدوة روما عبادة إلهة من إلهات الشمس هي مثرا Mithra. وكان عبادها يعتقدون أنهم جنود في الحرب الكونية العظيمة حرب الضياء على الظلام، وحرب الخير على الشر. وكان في هذا الدين كثير من صفات الرجولة، ولهذا كان أكثر أنصاره من الرجال لا من النساء، وأعجبت به الفيالق الرومانية المرابطة عند الحدود النائية حيث كان يصعب عليهم أن يسمعوا أصوات آلهتهم القومية. وجاء من بلاد اليهود إلههم يهوة إله الموحدين الذين لا يقبلون معه شريكاً، والذي كان دينه يتطلب من أهله حياة شاقة من التقي ورعاية القواعد والنظم، ووضع لهم قانوناً أخلاقياً صارماً، وأكسبهم شجاعة كانت لهم عوناً فيما نزل بهم من محن، وأسبغت على حياة أفقر الفقراء وأقلهم جاهاً جلباباً من النبل والشرف. وكان بين اليهود الرومان أتباع هذا الدين طائفة لم تكن قد تميزت بعد من سائر الطوائف تمييزاً واضحاً، كانت تعبد ابنه الذي حلت فيه روحه والذي بعث حياً. |
|
برامج : برامج خدمية العاب الكمبيوتر برامج ملتيميديا برامج حماية برامج الإنترنت برامج تصميم برامج مكتبية برامج الجوال برامج متنوعة اخبار البرامج. |