برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب الثاني

برامج -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> العمل والثروة في أثينة -> الأرض والطعام

 الباب الثاني عشر

العمل والثروة في أثينة

الفصل الأول

الأرض والطعام  

كان الأساس الذي يقوم عليه صرح هذهِ الدمقراطية وهذهِ الثقافة هو إنتاج الطعام والثروة وتوزيعهما بين الناس. ذلك أن من يقومون من الناس بحكم الدول، والبحث عن الحقيقة، وتأليف الألحان الموسيقية، ونحت التماثيل، وإبداع الصور، وتأليف الكتب، وتعليم الأطفال، وخدمة الآلهة، إنما يستطيعون هذا لأن غيرهم يكدحون لإنتاج الطعام، ونسج الثياب، وبناء المساكن، واستخراج المعادن، وصنع الأدوات النافعة، ونقل البضائع، واستبدال غيرها بها، أو تقديم الأموال اللازمة لإنتاجها أو نقلها. هذا هو أساس الدمقراطية والثقافة في كل مكان.

وعماد المجتمع كله هو الفلاح أفقر الناس فيه وألزمهم له. ولقد كان الفلاح في أتكا يستمتع على الأقل بحقوقهِ السياسية ذلك أن المواطنين وحدهم هم الذين كانوا يحق لهم أن يمتلكوا الأرض، وكان الفلاحون جميعهم تقريباً يمتلكون الأرض التي يفلحونها وكان نظام امتلاك العشيرة كلها للأرض قد اختفى، واستقر نظام الملكية الفردية وتوطدت أركانه. وكانت هذهِ الطبقة من صغار الملاك في أتكا، كما هي الآن في فرنسا وأمريكا، قوة محافظة تعمل على الاستقرار في الدمقراطية، على حين أن سكان المدن الذين لا ملك لهم كانوا يدفعون الدولة على الدوام نحو الإصلاح والتغير. وكانت نار الحرب القديمة العهد بين الريف والمدينة- بين الذين يريدون أثماناً عالية للغلات الزراعية وأثماناً منخفضة للسلع المصنوعة، وبين الذين يطلبون أثماناً منخفضة للسلع المصنوعة وأجوراً عالية أو أرباحاً كبيرة في مجال الصناعة- كانت نار هذه الحرب شديدة الاستعار في أتكا بنوع خاص. وبينما كانت الصناعة والتجارة تُعدان من أعمال العامة التي تزري بصاحبها في نظر المواطن الأثيني، كانت الأعمال الزراعية في اعتقادهِ مشرفة للمشتغل بها لأنها أساس الاقتصاد القومي، والخلق الشخصي القويم وقوة البلاد الحربية؛ وكان أهل الريف ينزعون إلى احتقار سكان المدن ويرون أنهم إما طفيليون مستضعفون أو عبيد أدنياء.

وتربة أتكا غير خصيبة: فثلث مساحتها البالغ قدرها 630.000 فدان إنكليزي غير صالح للزراعة، والثلثان الباقيان قد أفقر تربتهما تقطيع الغابات، وإنحباس الأمطار وسرعة اكتساح فيضانات الشتاء للطبقة الخصبة السطحية. ولم يكن الفلاحون في أتكا يدخرون جهداً- يبذلونه هم أو أرقاؤهم- للتغلب على هذا الحظ النكد، فكانوا يدخرون ما زاد من الماء على حاجتهم في خزانات ويقيمون الجسور حول المجاري المائية للسيطرة على فيضانها، ويجففون المستنقعات ويستصلحون أرضها الطيبة، ويحفرون الآلاف من قنوات الري لتحمل إلى حقولهم الظمأى قطرات الماء من النهيرات، ولا يملّون من نقل النبات من بيئة إلى بيئة ليحسنوا نوعه ويزيدوا حجمه، ويتركون الأرض بوراً مرة كل سنتين لتستعيد قدرتها على الإنتاج، ويجعلون التربة قلوية بإضافة بعض الأملاح إليها مثل كربونات الجير، ويسمدونها بنترات البوتاسيوم، والرماد، وفضلات الآدميين. وكانت الحدائق والغياض المحيطة بأثينة تستفيد أكبر الفائدة من مجاري المدينة التي كانت تصب كلها في مجرى كبير متصل بخزان عام خارج دبيلون Dipylon، ثم ينتقل ماؤها من هذا الخزان في قناة مبنية بالآجر إلى وادي نهر سفسوس Cephisus وكانوا يخلطون أنواعاً مختلفة من التربة بعضها ببعض ليفيد كل نوع منها الآخر، وكانوا يحرثون الأرض وبعض الخضر البقولية مزهرة فيها لكي تتغذى منها التربة؛ وكانت الأعمال المتصلة بحرث الأرض وتمهيدها، وبذر البذور أو غرس النبات، تجري كلها في فترة الخريف القصيرة، وكان موسم جني الحبوب يحل في شهر مايو، وأما فصل الصيف الجاف فكان موسم الاستعداد والراحة. ومع هذه العناية كلها فإن أرض أتكا لم تكن تنتج إلا 657.000 بشل من الحبوب في كل عام لا تكاد تكفي ربع سكانها؛ ولولا الطعام المستورد من الخارج لهلكت أثينة بركليز جوعاً؛ وكان هذا هو الذي دفعها إلى الاستعمار وأوجب عليها أن تنشئ لها أسطولاً قوياً تسيطر به على البحار.

وحاول الريف أن يستعيض عن محصولهِ الضئيل من الحبوب بمحصول موفور من الزيتون والعنب. فدُرِّجت جوانب التلال وأجريت لها المياه، وكانت الحُمُر تشجع على قرض أغصان الكروم بأنيابها لتزيد بذلك ثمارها. وكانت أشجار الزيتون تغطي كثيراً من الأراضي في بلاد اليونان في أيام بركليز، ولكن الفضل في نقل أشجار الزيتون إلى هذه البلاد يعود إلى بيسستراتس وصولون. ذلك أن شجرة الزيتون لا تؤتي أكلها إلا بعد ستة عشر عاماً من زرعها، ولا يكتمل نموها إلا بعد أربعين؛ ولولا ما أمد بهِ بيسستراتس الزراع من إعانات لما نمت تلك الشجرة في أرض أتكا. ولقد كان إتلاف بساتين الزيتون في حرب البلوبونيز من الأسباب التي أدت إلى اضمحلال أثينة. والزيتون ذو فوائد كثيرة لليوناني، فعصرته الأولى تمده بالزيت يأكله، والثانية تمده بالزيت يدهن بهِ، والثالثة تعطيه زيتاً يضيء بهِ بيته؛ وما بقي منه بعدئذ يُتخذ وقوداً. وكان الزيتون

أثمن غلات أتكا في عصر بركليز، وقد بلغ من عظم شأنهِ أن احتكرت الدولة تصديره، وأن ابتاعت به وبالنبيذ ما كانت تضطر إلى استيراده من الحبوب.

وكانت تُحرّم تصدير التين تحريماً باتاً، لأن التين من أهم مصادر القوة والنشاط لأهل البلاد. وشجرة التين تنمو وتترعرع حتى في التربة الجدباء، وجذورها الكثيرة الانتشار تمتص كل ما عساه أن يوجد في التربة من ماء، وأوراقها القليلة الصغيرة لا تعرضها للتبخر الكثير. وفضلاً عن هذا فإن زارع شجر التين قد تعلم من بلاد الشرق سر إنضاج ثماره بالتلقيح؛ فكان يعلق أغصان شجرة التين البرية الذكر، بين أغصان الشجرة الأنثى المنزرعة، ويترك للحشرات نقل الطلع من الذكر إلى ثمار الأنثى فتزيد في الحجم والحلاوة.

وكانت هذه الغلات الزراعية من الحبوب، وزيت الزيتون، والتين، والعنب، والنبيذ، أهم المواد الغذائية في أتكا. ولم تكن تربية الماشية مورداً للطعام خليقاً بالذِكر؛ وكانت الخيول تربى لتستخدم في السباق، والأغنام لتؤخذ منها الأصواف، والمعز للبن، والحمير، والبغال، والبقر، والثيران للنقل؛ أما الخنازير فكانت تربى بكثرة ليؤكل لحمها؛ وكانوا يعنون بتربية النحل للانتفاع بعسلهِ في عالم خلو من السكر. وكان اللحم من مواد الترف، لا يطعمه الفقراء إلا في أيام الأعياد، وقد اختفت في العهد الذي نتحدث عنه مآدب الأبطال التي كانت تقام في العصر الهومري. أما السمك فكان طعاماً عادياً ومتعة في آن واحد؛ كان الفقير يبتاعه مملحاً ومجففاً والغني يستمتع بلحم "القرش" "وثعبان البحر" طازجاً. وكانت الحبوب تطعم سليقة وخبزاً وكعكاً وكثيراً ما كانت تخلط بعسل النحل. وقلما كان الخبز والكعك يسويان في المنزل بل كان كلاهما يُشترى من بائعات جائلات أو من حوانيت صغيرة، وكانوا يضيفون إليها البيض، والخضر- وخاصة الفاصوليا، والبسلة، والكرنب، والعدس،

 والخس، والبصل، والثوم. وكانت الفاكهة قليلة؛ ولم يكن البرتقال والليمون من الفاكهة المعروفة. وكان النُّقل من الأصناف المعروفة والتوابل كثيرة الانتشار، وكان الملح يُجمع من ملاحات البحر ويُشترى به العبيد من داخل البلاد؛ وكانوا يصفون العبد الرخيص بأنه "مملح" والعبد الطيب بأنه "جدير بملحه". وكان كل شيء تقريباً يطهى ويُجهز بنار زيت الزيتون وهو بديل ممتاز للبترول. وإذا كان من الصعب الاحتفاظ بالزبد طويلاً في بلاد البحر الأبيض المتوسط فإن زيت الزيتون كان يُستخدم بدلاً منه. وكان يُتفكه بعد الأكل بالعسل، والحلوى والجبن. وبلغ من حبهم للكعك المحشو بالجبن أن دبجوا كثيراً من الرسائل القيمة في وصف هذا الفن الخفي. وكان الماء شرابهم العادي، ولكن ما من دار كانت تخلو من النبيذ، لأنه ما من مدينة أطاقت الحياة من غير المخدرات أو المنبهات. وكانوا يحتفظون في الأرض بالثلج والجليد الطبيعيين ليبردوا بهما النبيذ في أشهر القيظ؛ وكانوا يعرفون الجعة في عصر بركليز ولكنهم كانوا يحتقرونها. واليوناني بوجه عام مقتصد في طعامهِ يقنع بوجبتين في اليوم، ويقول أبقراط: "ومع هذا فثمة كثيرون يستطيعون أن يطيقوا ثلاث وجبات كاملة في اليوم إذا تعودوا هذا(9)".

خريطة الموقع

برامج : برامج خدمية العاب الكمبيوتر برامج ملتيميديا برامج حماية برامج الإنترنت برامج تصميم برامج مكتبية برامج الجوال برامج متنوعة اخبار البرامج.