برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب الرابع عشر

برامج -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> البيئة المحيطة

الفصل الواحد والعشرون

شعراء منطقة البُحَيْرة

0771 - 0581م

 1- البيئة المحيطة

لقد جمعنا في فصل واحد مُرْبك بين وردزورث، وكولردج وسوثي، لا لأنهم أسسوا مدرسة أدبية، فهذا لم يحدث ولا لأنهم اشتركوا في سمات أدبية واحدة ، فأشعار كولردج الساحرة تغوص في أسرار عامرة بالغموض والأرواح الغريبة بينما أشعار وردزورث ذوات روح نثري تجول برضا بين ما هو عام مألوف، من البشر رجالاً ونساء وأطفالا وما هو عام مألوف من الأشياء· ولقد عاش كولردج ومات رومانسيا - لقد كان رجل المشاعر والآمال والمخاوف والهوى، أما وردزورث - باستثناء فترة رومانسية انتقالية في فرنسا وفترة الإعلان الثوري سنة 8971 - فقد كان كلاسيا مثل كريب Crabbe وكان يتسم بهدوء محافظ· أما بالنسبة إلى سوثي Southey فكان شعره رمانسياً في وقت راج فيه هذا الشعر، وكان نثره ملتزما جديرا بدريدن Dryden (المقصود يضارع كتابات دريدن) وكانت سياساته الناضجة مرتبطة بالوضع الحالي (الراهن) وكانت حياته الزوجية المستقرة وصداقاته الخصبة توازن الاتجاهات الفلسفية والمالية والجولات الجغرافية لرفيق الشاعر الذي راح يحلم وإياه في وقت من الأوقات بمدينة مثالية (يوطوبيا) اشتراكية على شواطئ سسكويهانا Susquehanna· إن هؤلاء الرجال لم يكونوا مدرسة إلا بمعنى أنهم جميعا قطنوا لسنوات طوال منطقة (ولاية أومحافظة ) البحيرة في شمال غرب إنجلترا - إنها منطقة ضبابية ممطرة تتجمع فيها السحب ·· إنها منطقة تجلّل ذرى جبالها الثلوج وتمتلئ بالبحيرات والبرك الفضية مما يجعل المنطقة من كندال Kendal وعبر وندمير Windemere أومبلسيد Ambleside وريدال ووتر Rydal Water وجراسمير Grasmere ودرونتووتر Derwentwater وكزويك Keswick حتى كوكرموث Cockermouth واحدة من أجمل مناطق كوكبنا· إن جبال المنطقة غير شاهقة فأعلاها لا يتجاوز ارتفاعه ثلاثة آلاف قدم وهي غير متجانسة (لا يشبه بعضها بعضها الآخر) ويكاد المطر يهطل يوميا لكن الضباب يعانق الجبال بحب، وتكاد الشمس تطل يوميا واعتاد المترددون على تحمل تقلبات المناخ بسبب السلام الذي يخيم على القرى وبسبب الخضرة الدائمة وكثرة الورود السعيدة يبللها الندى وروحي كولردج المجنون، ووردزورث الرصين اللتين تتردد أصواتهما بين التلال · هناك في كوكرموث Cockermouth ولد وردزورث وفي جراسمير Grasmere مات، وهناك في كزويك Keswick عاش كولردج فترات متقطعة وعاش سوثي Suthey أربعين سنة، وهناك عاش فترات مختلفة كل من : دي كوينسي De Quincey وأرنولد الروجبي Arnold of Rugby ورسكين Ruskin وباختصار، فهناك أتى كل من سكوت Scott وشيلي Shelley وكارليل Carlyle وكيتس Keats ليتذوقوا طعم الجنة Eden ويتشمموا عبيرها·

 

برامج -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> وردزورث

 2- وردزورث

0771 – 7971

كانت أمه ني آن كوكسون Nee Ann Cookson ابنة تاجر كتان في بنريث Penrith - أما أبوه جون وردزورث

فكان محامياً نجح في عمله كوكيل لأعمال السير جيمس لوثر Lowther، وقد ربى الزوج والزوجة في منزلهما

المريح في كوكرموث خمسة أطفال:ريتشارد الذي أصبح محاميا ووكيل أعمال، وأدار الأمور المالية للشاعر، ووليم

ودوروثي وهما اللذان سنهتم بهما في سياقنا هذا، وجون الذي مات في حادث جنوح سفينة، وكريستيان الذي

درس وتدرج في المناصب حتى صار رئيسا لكلية التثليث في كمبردج· ولأسباب لانعلمها الآن لم يتم تعميد وليم

إلا بعد ميلاد دوروثي التي ولدت بعده بعام (في سنة 1771) فقد تم تعميد الأخ وأخته في اليوم نفسه كما لو كان

هذا لمباركة حبهما الذي استمر مدى الحياة·

لقد أصبحت دوروثي هي صديقة طفولته وكان ارتباطه بها يفوق ارتباطه بإخوته الآخرين · وكان وليم

وردزورث حاد الذهن حساسا ، وكانت هي أكثر منه حدة وأشد حساسية إذ كانت أسرع منه في تمييز

أشكال النباتات وألوانها، وأنواع الأشجار وطبيعتها وما تفرزه وحركة السحب البطيئة وكانت شديدة الإحساس

بضوء القمر الفضي الذي يكسو البحيرات· لقد كان على الشاعر أن يقول عن أخته: لقد كانت عيني التي أرى بها

وأذني التي أسمع بها· لقد كانت تلطف من حدة اندفاعه في القنص ليطارد ويقتل، لقد أصرت على أن عليه ألا

يؤذي أي كائن حي(1)·

وعندما بلغت دوروثي السابعة من عمرها فُجِعا بموت أمهما· وحزن أبوهما حزنا شديدا ورفض أن يتخذ له

زوجه أخرى، واستغرق في عمله وأرسل أطفاله ليعيشوا مع أقاربهم· فذهبت دوروثي إلى خالة لها في هاليفاكس

Halifax في يوركشير فلم تعد الآن قادرة على رؤية وليم إلا في فترة الإجازات· وتم إلحاقه في سنة 9771

بمدرسة جيدة في هوكشيد Hawkshead بالقرب من بحيرة وندرمير Windermere وفيها درس الكلاسيّات

الإغريقية واللاتينية وبدأ - كما قال - ينسج الشعر·

ويبدو أن الغابات والمياه القريبة قد لعبت دورا أكبر من دور كتبه في تشكيل أسلوبه وشخصيته· ولم يكن عازفا

عن الحياة الاجتماعية فقد كان يشارك غيره من الشباب في المباريات وأحيانا كان يقضي أمسيات صاخبة في

فندق محلي لكنه كثيرا ما كان يتجول وحيدا بين التلال على طول شاطئ اسثويت Esthwaite Water وبحيرة

وندرمير Windermere· وبين الحين والآخر كان لا يعبأ بالمناخ فقد ألف تغيراته، فكان يمعن في تجوله إلى أماكن لا

يكون فيها آمنا وعرف المخاوف التي يمكن أن تلم بالشباب الذين يترددون على الأماكن التي بها كائنات حية غير

بشرية، لكنه بالتدريج بدأ يحس بالروح الكامنة في نمو النباتات وفي لعب الحيوانات وصراعها، وفي شموخ الجبال وفي

ابتسام السماء وتجهمها· لقد بدا له وكأن كل هذه الأصوات المنبعثة من الحقول والغابات والذرى والسحب

تتحدث إليه بلغتها الخاصة· لغة أدق من لغة الكلمات وأرق وأكثر باطنية، لكنه يحس معانيها التي تؤكد له أن

الأشياء المتعددة الكثيرة كثرة لا تصدق الموجودة حوله ليست مجرد ماديات لاحول لها وإنما هي إبداع رب أعظم

وأقرب من الإله البعيد الصامت الذي لا شكل له، الذي يتوجه إليه في صلواته· ومن هنا أصبح ذا مزاج استبطاني

جعله يستغرق في تأمل الحياة الداخلية أو الباطنية بالإضافة للعبادة الظاهرة·

وفي سنة 3871 مات أبوه فجأة· وكانت ممتلكاته متفرقة وغير موثقة، فمرت عبر قضايا استغرقت وقتاً طويلا

وكلفت الكثير من الأموال وتأخر سداد مبلغ 007،4 جنيه إسترليني التي كان السير جيمس لوثر مدينا بها كثيرا

حتى إن الوصية الموجودة لم تكن تسمح سوى بستمائه جنيه لكل طفل وهو مبلغ لا يسمح أبدا بمواصلة تعليمهم(2)

ومع ذلك وجد أخوهم ريتشارد من الوسائل ما يمكنه من رؤية وليم في هوكشيد Hawkshead وفي أكتوبر سنة

7871 التحق وردزورث بكلية القديس جون في كمبردج· وحث أحد أعمامه مدير الكلية لتقديم منحة دراسية

له على أمل أن يتمكن من إعداد نفسه لتسنم منصب كهنوتي في الكنيسة الإنجليكانية، وبالتالي لايشكل عبئا مالياً

على أقاربه · لكن وليم بدلاً من أن يعكف على دراسات تؤهله لمنصب كهنوتي راح يقرأ ما يعجبه، خاصة

شوسر Chaucer وسبنسر وشكسبير وميلتون - واعترض على إلزامه بالحضور إلى الكنيسة مرتين في اليوم، فقد

كان من الواضح أن قراءاته قد أزاحت شيئا من عقيدته الموروثة· لكن كثيرا من إيمانه وعقيدته الموروثة هذه لا

بد أن يكون قد ظل مصاحباً له لأنه لم يكن يأنس لأفكار فولتير· وفي يوليو سنة 0971 حث زميل دراسته، ابن

ويلز، روبرت جون على أن يدخرا معا عشرين جنيها للقيام معا برحلة - مشيا على الأقدام - في القارة الأوربية·

واتخذا طريقهما إلى بحيرة كومو Como واتجها شرقا في سويسرا، وهناك أصبح المال اللازم معهما قليلا فأسرعا

بالعودة إلى إنجلترا ليهدئا من غضب المسؤولين الماليين· وعوض وردزورث، دوروثي عن إهماله لها طوال عام بأن

راح يقضي أيام الكريسماس معها في فورنست ركتوري Fornsett Rectory (المقابل الحرفي للكلمة ركتوري هو

بيت القسيس) بالقرب من نورويتش Norwich - لقد كتبت دوروثي إلى جين بولارد لقد اعتدنا أن نتمشى كل

صباح نحو ساعتين ، وكنا في كل يوم نذهب إلى الحديقة في الساعة الرابعة مساء··· لنسير جيئة وذهابا حتى

السادسة ·· آه يا جين ·· إنني لم أكن أشعر بالبرد عندما يكون معي(3) وكانت تأمل أن يصير رجل دين وأن يسمح

لها عندئذ بأن ترعى بيته· وعندما تخرج من كمبردج (يناير 1971) تحطمت كثير من آماله بذهابه إلى لندن حيث

عاش في خمول يكاد يكون تاما(4) وكان في كل شهر من شهور مايو يقوم مع جونز Jones بجولة في أنحاء ويلز، فكانا

يتسلقان جبل سنودون Snowdon (053،1 قدما) ليريا شروق الشمس· وفي 72 نوفمبر عبر مرة أخرى بمفرده

إلى فرنسا· لقد كانت الثورة الفرنسية وقت وصوله إلى فرنسا هذه المرة في أجمل وأرق مراحلها، لقد كانت الثورة

قد صاغت دستورها الليبرالي وتم إعلان حقوق الإنسان للعالم، فإلي أي حد كان شاب صغير لازال يتمرغ في مهاد

الفلسفة، يستطيع أن يقاوم هذه الدعوة للعدالة والأخوة العالمية (على مستوى العالم)؟ لقد كان يصعب كثيرا على

دارس فقير لحقه بعض الضرر من اللوردات وذوي الألقاب الطبقية (سير جيمس لوثر Lowther) أن يدين هؤلاء

الفرنسيين الذين وصفهم بعد ذلك في مستهل ترجمته الذاتية (كتابته عن تاريخ حياته):

- هؤلاء الفرنسيون الذين يعرضون أموراً علينا النظر إليها،

- إنهم يعرضون جمهورية حيث يكون،

- كل الناس فيها - إلى حد كبير - سواء،

- يقفون على أرضية مشتركة

- لنصبح جميعا إخوة

- متساويين في الكرامة والشرف لنكوّن مجتمعا

- واحدا كريما وشريفا،

- مجتمعا واحداً يضم السادة والدارسين، ولاتغدو

-هناك فوارق

- ويقل شأن الألقاب والثروة

- أمام المواهب والجدارة والحرف (الصناعات) المزدهرة·

وعندما وصل إلى فرنسا تأثر بحماسة أمةٍ تفزع إلى السلاح لمواجهة تهديدات الدوق برونسويك Brunswick

بسحق الثورة وتسوية باريس بالأرض إن قاومته· وعقد صداقة مع أحد ضباط جيش الثوار ميشيل دي

بوبوىMichel de Beaupuis الذي كان ينتمي بحكم ميلاده إلى طبقة النبلاء، لكنه يشعر الآن بضرورة الدفاع

عن فرنسا ضد الغزاة· لقد حرك هذا الانفلات من أسر الطبقية مشاعر وردزورث وأوحى له أن يكون مفيدا

لخدمة قضية الثورة، لكنه شعر أنه أوهن من أن يحمل سلاحا وأن ما يعرفه من اللغة الفرنسية لا يؤهله للعمل في

المجال المدني أو السياسي، فاستقر في أورليان Orleans لدراسة الفرنسية، هذه اللغة الفاتنة خاصة إذا تحركت

بها شفاه النساء·

ووجد هذه اللغة رائعة جذابة، ومما زاد من هذه الروعة وتلك الجاذبية أنه تلقاها على يد أَنِت فالون Annette

Valon الشابة دافئة القلب دافئة الدماء التي لم تكتف بتعليمه الفرنسية وإنما وهبته جسدها أيضا· ولم يقدم لها

مقابل هذا إلا شبابه فقد كان في الواحدة والعشرين بينما كانت هي في الخامسة والعشرين· وعندما ظهرت عليها

بوادر الحمل ظنت أنها جديرة أن تكون زوجة له، ولكن وليم تساءل: أيستطيع هو - الذي يعرف من اللاتينية أكثر

مما يعرف من الفرنسية أن يكون زوجاً في فرنسا، وهل تستطيع هي ، وهي كاثوليكية وثنية Pagan Catholic أن

تعيش في إنجلترا البيوريتانية (التطهرية)؟

وفي 92 أكتوبر سنة 3971 تركها في أورليان واتجه إلى باريس وقبل مغادرتها وقع مستنداً يخول السيد م· دفور

Dufour أن يقوم بدور الأب الغائب عند تعميد الطفل المرتقب (الذي ستنجبه أنت (Annette(6) وفي 51

ديسمبر أنجبت طفلة أطلق عليها اسم كارولين·

وانخرط وردزورث وهو في باريس في هذا الوقت في وقائع الثورة، فحضر اجتماعا لليعاقبة وزار الجمعية

التشريعية وكون صداقات مع الجيرونديين· لقد دهمته حمى العصر (المقصود أحداثه الساخنة) فوجد نفسه في

وسط أحداث صنعت التاريخ وهزته:

- أن تكون على قيد الحياة في فجر هذه الأحذاث، فتلك نعمة،

- أما أن تكون شابا فقد أدركت الفردوس بعينه!(7)

ووصله خطاب من أخيه ريتشارد يرفض تقديم مزيد من الدعم المالي ويصر على عودته السريعة· ولم يعرض عليه

الثوار دعما فعبر إلى لندن وحاول تحسين الأمور المالية للأسرة، وظل الأخ ريتشارد صارماً رغم حبه· أما العم

وليم كوكسون Cookson وكاهن فورنست Fornsett ومضيف دوروثي (أي الذي تقيم عنده دوروثي) فقد

أوصد أبوابه في وجه هذا الشاب الذي كان يقدم له الدعم المالي لمواصلة تعليمه ليكون رجل دين فإذا به الآن

يتحول فيما يبدو إلى يعقوبي كسول·

لقد أضير وليم ضررا شديدا، فعكف على الشعر يدرسه ويقرضه، وشعر أنه كتابع مخلص لربة الشعر والغناء

(موزيه Muse) جدير بدعم الإخوة والأعمام والأخوال، وانضم إلى الراديكاليين الذين كانوا يترددون على مكتبة

جونسون (لبيع الكتب ونشرها) وواصل تأييده العلني للثورة· وفي السطور الخمسين الأخيرة لإسكتشاته الوصفية

Descriptive التي كتبها ونشرها في سنة 3971 امتدح الثورة الفرنسية لا باعتبارها تحريرا لأمة فحسب وإنما

باعتبارها تنطوي على تحرير الجنس البشري كله، وقد اعترف في كتابات نشرت بعد وفاته أنه كان يكتم سعادته

لانتصارات الثورة الفرنسية حتى عندما كان آلاف الإنجليز يلقون حتوفهم في ميدان المعركة دون أن يتركوا وراءهم

مجداً (8) وفي أول فبراير سنة 3971 أعلنت فرنسا الحرب على إنجلترا وفي مارس من العام نفسه وصل إلى

وردزورث خطاب من أنت Annette تتوسل إليه أن يعود إليها لكن القنال الإنجليزي كان قد أغلق في وجه

المسافرين المدنيين· ولم ينسها أبدا، فقد كانت ذكراها تحرق شعوره، وسنراه بعد ذلك بتسع سنين يحاول تقديم

بعض الترضيات، وخلال هذه الأعوام أصبحت أنت Annette من أنصار الملكية المتحمسين، واكتشف وليم

شيئا فشيئا مزايا الدستور البريطاني· لقد تضاءل إيمانه بالثورة الفرنسية عندما قطعت المقصلة رؤوس الجيرونديين

في عهد الإرهاب في سنة 4971، وكان وليم معجباً بهم· وفي نحو هذا التاريخ كان متأثرا تأثرا شديدا بكتاب

جودون Godwin عن العدالة السياسية Enquiry Concerning Political Justice لقد شجع هذا الكتاب

اتجاهه الراديكالي لكنه أثر في تحذيره من الثورات التي يشعل الثوريون نيرانها· وفي سنة 5971 قابل جدون

Godwin نفسه وأعجب به ودعي سبع مرات في هذا العام إلى منزل الفيلسوف الشهير· وحتى عندما أصبح هو

محافظا متحمساً للاتجاه المحافظ ظل على صداقته لجدون حتى فرق الموت بينهما (6381)·

وفي سنة 5971 أوصى له ريزلي كلفرت Raisley Calvert بتسعمائة جنيه، فزاده هذا اعتدالا ووقارا لكنه

أقرض - بطيش - ثلاثمائة جنيه من هذه الثروة لصديقه المتلاف سيىء السمعة بازل مونتاجو Basil Montagu

كما أقرض لصديق مونتاجو الحميم المدعو شارلز دوجلاس Douglas مائتي جنيه - وفي كلتا الحالتين لم يكن هذا

الرهن ليدر أكثر من 01%، وحسب وردزورث (وردزورث) أن الفوائد السنوية التي قوامها خمسون جنيها (لم

تكن تدفع بانتظام) مع الأربعمائه جنيه المتبقية لن تكفي حتى مع العشرين جنيها التي تمثل دخلا سنويا لدوروثي

لتمويل حلم أخته بإقامة سكن يعيشان فيه عيشة مشتركة متواضعة قوامها الشعر والحب، لكن منذ الآن قدم لهما

صديق آخر هو جون بني البريستولي John Pinney of Bristol مقر إقامته المؤثث في دورست Dorset ليقيما

فيه مجانا، وهناك ظلا حتى يونيو سنة 7971 ونعما في هذا المكان بما لم يكونا يتوقعانه من راحة وخير·

إننا نصفه الآن وقد بلغ الخامسة والعشرين· شخص متوسط الطول، نحيل، منحن انحناء خفيفا، يتدلى شعره غير

الكثيف وغير المرجَّل حول أذنيه و ياقة قميصه، وتنظر عيناه الداكنتان الحزينتان على طول أنفه المتسائل العدواني

المستفز على نحو ما· وكان سرواله بنطاله ذا طابع ريفي من نسيج مزخرف بالمربعات، وكان معطفه عباءة واسعة،

ولديه منديل أسود يستخدمه كرباط عنق وكان واهن الجسم لكنه كان ذا طاقه كبيرة وروح قوية وإرادة شديدة،

وكان يستطيع أن يلبي حاجة ضيوفه مهما ثقلت وكان يستطيع أن يجعل نيرانه مشتعلة في الأخشاب التي جمعها من

الغابة أو قطعها من أشجارها مستخدما قوة ذراعيه وضربات فأسه· لقد كان حساساً كشاعر، وعصبيا كامرأة

وكان يعاني من الصداع خاصة عندما ينخرط في تأليف الشعر· وغالباً ما كان مكتئباً متقلب المزاج يميل إلى

الهيبوكوندريا (الوسواس المرضي) وكان قريب الدمع، وفكر ذات مرة في الانتحار(9) - لكن هذا كان وسيلة

معروفة في العلم للتظاهر بالشجاعة· وكان يحب المال حبا جما، معتزا بنفسه واثقا من تفوق أحاسيسه وسموه

العقلي ورقيه الخلقي (متساهلاً مع ما أتاه من اتصالات جنسية لاتتسم بالمبالاة) لكنه كان متواصعا أمام الطبيعة

معتزا بنفسه خادماً لها ومعبراً عنها·

أما دوروثي فكانت على نقيضه، أكسبت وجهها سمرة بكثرة مشيها تحت أشعة الشمس، ولم تكن أنانية مستغرقة

حول ذاتها أو مفرطة بالإعجاب بنفسها فعكفت على خدمة أخيها ولم تكن تشك في عبقريته أبدا وجعلت بيتهما

نظيفا دافئا ورعته في مرضه وكانت تبحث عن مباهج الطبيعة وعجائبها وخوارقها بعينين متوهجتين(01) وذلك

على حد تعبيره، وكانت تدون بسرعة في يومياتها هذه المدركات لتتذكرها، وكان هو يستخدم هذه اليوميات

(لتوحي له أفكارا وأشعارا)· لقد جعلت أذنيها ويديها وعينيها في خدمته، فلم تكن تمل أبدا من الإصغاء إليه وهو

ينشد أشعاره، ولم تكن تمل من نسخها· أما من ناحيته هو فقد أحبها حبا عميقا - دون أن يمنع نفسه عن إقامة

علاقات جنسية محرمة معها - لأنها كانت أعز مساعداته له، كما كانت لاتطلب منه الكثير، وكانت بالنسبة إليه

تمثل الجزء الذي يحتاجه النبات المعترش للتعلّق والامتداد·

وعندما عادا إلى بيتهما حيث الأسرة، وحصلا على خمسين جنيها إضافية لدخلهما السنوي، شرعا يرعيان بازل

Basil ذا الأعوام الثلاثة وهو ابن بازل مونتاجو Montagu وسعدا لرؤية هذا القاصر الغض وهو يتحول من نبات

مرتعش هش على وشك الموت إلى صبي مفعم حيوية متوردا لايعرف الخوف إلىه سبيلا(11)· وفي ربيع سنة

7971 أتت صديقة دوروثي، ماري هتشنسون من بنرث Penrith لتقيم معها حتى الخامس من يونيو· وفي

السادس من الشهر نفسه اقتحم شاب في الخامسة والعشرين من عمره مسكون بالشِّعر البوابة وجاس خلال الحقل

ودخل بكل قوته حياة وليم وردزورث (وردزورث) ودوروثي وردزورت، وكان هذا استجابة لدعوة أرسلها

إليه وليم وردزورث· إن هذا الشاب الشاعر هو كولردج·

 

برامج -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> كولردج1772

3- كولردج

2771 - 4971

كولردج هو أكثر أفراد المجموعة التي نتناولها في هذا الفصل تشويقا وأكثرهم تباينا في مواهبه وتنوعا في جاذبيته، وأفكاره وقلقه ونقائصه· لقد اجتاز السلسلة كاملة من المثالية إلى كوارث في الحب والأخلاق، ونكبات في الأدب والفلسفة· وقد اقتبس من أفكار - وكلمات - مؤلفين كثيرين تأثربهم واستوحى أفكارهم ولا يمكن لقسمٍ من فصل أن يوفيه حقه·

ولد صمويل (صموئيل) تايلور كولردج في 12 أكتوبر سنة 2771 وكان هو الابن العاشر والأخير لجون كولردج ناظر المدرسة والذي كان عند مولده قسا في أوتري سانت ماري Ottery St. Mary في ديفونشير Devonshire وكان جون دارسا للرياضيات المتطورة وعالما باللغتين اليونانيـة واللاتينية واللغات الشرقية، وهو مؤلف كتاب عن نحو اللغة اللاتينية Acritical Latin Grammer أما الابن الذي أصبح بعد ذلك يشير إلى اسمه بالأحرف الأولى (S. T. C ) فقد وقع في إسار هذا التراث الذي تعلمه إذ كادت كل فقرة من فقراته تتضمن اقتباسا يونانيا أو لاتينيا· وقد روى - فيما بعد - ما كان عليه حاله من الثالثة إلى السابعة:

لقد أصبحتُ نكداً شكِساَ رعديدا نمَّاما واشيا، وكان رفاقي في المدرسة يبعدونني عن اللعب معهم وكانوا دائما يؤذونني لذا فلم أسعد بألعاب الصبية ومن ثم عكفت على القراءة باستمرار··· لقد قرأت في السادسة من عمري بيليزاريوس Belisarius وروبنزون كروزو Robinson Crusoe وألف ليله وليلة ··· فتملكتني الأشباح ··· وأصبحت حالما وأصبحت أعاني انحرافا في صحتي إثر أي نشاط جسماني، وكنت جباناً رعديدا عاطفيا انفعاليا بشكل مبالغ فيه ·· وكنت كسولا مكروها من الصبية لأنني كنت أستطيع القراءة والهجاء ··· وكانت لدي ذاكرة قوية وقدرة على الفهم تكادان تنمان عن نضج غير طبيعي، وكنت موضع إطراء وإعجاب من النسوة كبيرات السن ··· ولذا فقد أصبحت مختالا فخورا، وأصبحت قبل أن أبلغ الثامنة من عمري شخصية (المقصود شخصا ذا سمات خاصة) من حيث الأحاسيس والخيال والزهو والكسل، ومشاعر الاحتقار العميق والمرير لكل من يمر على تفكيري· حتى لو كان من المبرزين المشاهير(21)·

وكان موت أبيه (9771) الذي كان الشاعر يحبه بعمق صدمة عنيفة له · وبعد موت أبيه بعامين أُرسل إلى مدرسة خيرية في لندن تابعة لمستشفى يسوع Christصs Hospital لمواصلة تعليمه· وكانت الوجبات التي تقدمها هذه المدرسة هزيلة وكان النظام فيها صارما، وقد تحدث في أواخر حياته عن العقاب الشائن الذي أنزلوه مضاعفا وبقسوة على صبي شعر أن أسرته قد نسيته· لقد أرادوا له أن يكون قسّا بينما كان هو يرنو أن يكون صانع أحذية· وفي سنة 0381 (في هذا التاريخ كانت ذاكرته - على نحو خاص لا يُعوّل عليها) جُلد، وهو يروي لنا قصة جلده ولم تكن هي المرة الوحيدة، فيقول:

عندما كنت في الثالثة عشرة من العمر ذهبت إلى صانع أحذية وتوسلت إليه أن أعمل عنده ليعلمني المهنة· وكان رجلا أمينا لذا فإنه سرعان ما دبّر لي لقاء مع بوير Bowyer رئيس جماعة صانعي الأحذية، فثار غاضبا وركلني ·· وسألني لماذا أبرهن هكذا على غبائي؟ فأجبته إنني شديد الرغبة في أن أكون صانع أحذية وأكره أن أكون رجل دين، فسألني لماذا؟ فقلت له: الحق أقول لك يا سيدي ·· إنني كافر وبمجرد أن قلت ذلك لم يسمح بوير بمزيد من الكلام، وجلدني(31) ومن الواضح أنه اقتطف بعض الفاكهة المحرمة، وربما كان ذلك من كتب إحدى محلات بيع الكتب بشارع الملك (كنج ستريت) ففي هذه المكتبات - كما زعم بعد ذلك - بطريقته التذكارية:

لقد قرأت في كل الكتب الواردة في الفهرس (المقصود كتالوج المكتبة) وفي كل الكتب الضخام (من القطع الأعظم) سواء كنت أفهم ما أقرأه أم لا ··· وكنت أغامر بكل شيء للحصول على المجلدين اللذين فرضت على نفسي الحصول عليهما يوميا· لقد كنت مدركا لما يجب أن أكون عليه وأنا في الرابعة عشرة من عمري· لقد كنت محموما دائما (المقصود أنه كان شديد التوق للقراءة)· لقد كان كياني كله موجها نحو الانسحاب إلى ركن مشمس لأقرأ وأقرأ وأقرأ، مغمضا عيني عن أي هدف آخر(41)·

وبطبيعة الحال فإننا نلمح زهواً مبالغا فيه هنا· وعلى أية حال فقد أنجز إنجازا طيبا في مدرسة مستشفى يسوع حتى إن أسرته رتبت أمر إدراجه بين الطلبة المساعَدين (بفتح العين) الذين يعملون ويدرسون في آن واحد في كلية يسوع بكمبردج (1971) وهناك حاول دراسة الرياضيات المتقدمة واللغة اليونانية المغرقة في قدمها لقد قرأت بندار Pindar ورحت أؤلف الشعر باللغة اليونانية وكأنني كلب مجنون أو بتعبير آخر ككلب مصاب بالسعار ··· وفي أي وقت فراغ يتاح لي كنت أترجم Anacreon ·· وتعلمت العزف على الفيولين (الكمان)(51)·

وعندما نقرأ عن كولردج لابد أن نسمح لأنفسنا بتقبل ما هو عليه من غلو وإفراط· لقد أهمل صحته، وأصيب في سنة 3971 بالحمى الروماتزمية، ولجأ إلى الأفيون لتسكين آلامه، وكان الأفيون في ذلك الوقت شائعا كعقار مسكن لكن كولردج أدمنه، وأبطأت خطاه في المجال الدراسي، وسمح لنفسه بمزيد من الأهتمام بالأمور العامة· وعلى أية حال فقد تجاوز ما سمحت له به أسرته ووقع في الديون وطارده دائنوه وفي جهد يائس للهرب منهم غادر كمبردج فجأة، وفي ديسمبر سنة 3971 تطوع في جيش كان يعد لحرب فرنسا· واشترى أخوه جورج إطلاق سراحه مقابل أربعين جنيها إنجليزيا وحثه على العودة إلى كمبردج· ودبر أمر تخرجه من الجامعة في سنة 4971 دون الحصول على الدرجة العلمية، ولم يزعجه هذا كثيرا لأنه في هذه الأثناء كان قد اكتشف اليوطوبيا (المدينة المثالية)·

وكان يعد نفسه لهذا الاكتشاف بتخليه عن عقيدته الدينية، وعقد آماله على السعادة واليوطوبيا (المدينة المثالية) وقد حركت الثورة الفرنسية مشاعره كما كادت تحرك مشاعر كل المتعلمين وغير الماليين في إنجلترا· والآن، في ربيع سنة 4971 وصلته رسالة من صديقه روبرت ألن Allen في أكسفورد مفادها أن طلبة مختلفي المشارب راغبون جدا في إصلاح الأساليب والمؤسسات البريطانية، وذكر ألن أن أحد الطلبة يتميز بالألمعية ويكتب شعرا يحتفى فيه بالثورة الاجتماعية· أيستطيع كولردج أن يذهب إلى أكسفورد للقاء هؤلاء الشباب؟· لقد فعلها كولردج في يونيو سنة 4971·

 

برامج -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> سوثي1774

4- سوثي

4771 - 3081

من بين ثلاثي منطقة البحيرة كان روبرت سوثي Southey أفضل الرجال وأسوأ الشعراء (أقلهم قيمة)· ولد في بريستول وكان ابنا لتاجر أثواب وأقمشة، لكن من بين هذه البيئة التجارية (الميركانتيلية) كانت خالته إليزابت تايلور غالبا ما تدفعه إلى التهذب بسلوكيات المجتمع الأرستقراطي في باث Bath، وتم إرساله في الرابعة عشرة من عمره إلى مدرسة وستمنستر الراقية في لندن وفيها - بلاشك - قرأ سرا أعمال فولتير وروسو وجيبون كما قرأ فيرثر Werther لجوته (تكتب أيضا جيته) كما كتب بعض الشعر الملحمي وقطعا نثرية ثورية، وأثارت مهاجمته للعقاب البدني في مجلة مدرسية بعنوان الضارب بالسياط Flagellant ناظر المدرسة الذي حار جوابا ففصله من المدرسة وهو على وشك التخرج، لكن روبرت استطاع بطريقة أو أخرى أن يتقدم إلى كلية باليول Balliol في أكسفورد في ديسمبر سنة 2971· وهناك واصل أعماله السرية، فكتب ملحمة John of Arcr امتدح فيها الثورة الفرنسية، واشتغل بالدراما الشعرية محاكيا وات تيلر Wat Tyler الثائر الإنجليزي في سنة 1831 - عندما وصل كولردج· ووجد الشاعر الأكبر سنا أن الرجل الأكثر شبابا مستغرق في تفكير عميق لأن روبيسبير كان قد أطاح برؤوس أكثر قادة الثورة الفرنسية حيوية - دانتون Danton وديمولان Desmoulins، ألم تنته حقوق الإنسان التي تم إعلانها إلى مجرد تنافس على القتل؟ لكن كولردج طمأن باله شارحاً أن أوربا ممزقة مهترئة، ومع هذا ففي غضون أسبوع أو نحو ذلك أبحرت من مدينة بريستول موطن سوثي سفينة متجهة إلى أمريكا الرحبة الخصبة الجمهورية· لم لا ينظم كولردج وسوثي مجموعة من الشبان والشابات الجسورين ويتم عقد قرانهم بشكل صحيح ويهاجرون معاً إلى بنسلفانيا ليقيموا مستعمرة جماعية (اشتراكية) على شواطئ سسكويهانا Susquehana الجميلة غير الملوّثة؟ لقد كان كل ما هو ضروري هو أن يشارك كل شاب بمبلغ 521 جنيه إسترليني لتكوين ميزانية موحّدة (مشتركة، وكان لا بد أن يكون لكل زوجين صوت - على قدم المساواة - في حكم المستعمرة، ومن هنا أطلق كولردج على هذه المستعمرة اسم البانتيسوكراسيا Pantisocracy·

وليرفع المؤسسان من نصيبهما المالي في التكاليف اشتركا معا في كتابة دراما شعرية بعنوان سقوط روبيسبير وتم نشرها لكنها لم تحقق المبيعات المطلوبة· وباع سوثي عمله الأدبي John of Acre إلى كوتل Cottle البريستولي of Bristol نظير خمسين جنيها·

وقام الخريجون (الذين لم يحصلوا على درجاتهم العلمية) بالقاء محاضرات في بريستول وكسبوا ما يكفي لتمكين سوثي من الزواج وبالفعل فقد قبلته إديث فريكرEdith Fricker زوجاً لها (41 نوفمبر 5971) وكانت أخت إديث واسمها ماري قد قبلت بالفعل روبرت لوفل Lovell زوجاً لها كما قبلت مبدأ البانتيسوكراسيا (العيش في مستعمرة اشتراكية)· والآن كما يقول سوثي كان من المرغوب فيه جدا أن يحب كولردج الأخت الثالثة سارة، وأن يتزوجها·

وقبل سوثي دعوة لزيارة لشبونة كمرافق لعم كان قسا بالسفارة البريطانية، وقد وسعت الرحلة أفق هذا الشاب (سوثي)· لقد ارتحل في إسبانيا وكذلك في البرتغال، وعندما عاد إلى إنجلترا (مايو 6971) اكتشف أنه يحب إليزابث تيلر Tyler التي سبق أن رفضته لأفكاره المخربة وعدم عراقة أصله، كما اكتشف أن فكرة البانتيسوكراسيا أضاعت شبابه، فدرس القانون ووجد عملا كصحفي، وكان لديه الوقت الكافي لكتابة ملاحم لم يكتب لها الخلود بالإضافة إلى بعض القصائد القصصية البسيطة مثل معركة بلنهايم The Battle of Blenheim في سنة 3081 وأقام في جريتا هول Greta Hall في كزويك Keswick مستعينا بإعانة ودية قوامها 061 جنيها إسترلينيا·  

 

برامج -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> كولردج1794

5- كولردج

4971 - 7971

كان كولردج ممزقا بين أعصاب حية وجَلَد وصَبْر من ناحية، وإرادة مترددة من ناحية أخرى· لقد أحب ماري إيفانز ابنة لندن لكنه جفل من مهمة الإبقاء عليها في ظل أسلوبها المعتاد، أما هي فقد أحبت روحه الثرية المتحمسة لكنها لم تكن واثقة في قدرته على الكسب فابتعدت عنه، فوجد نفسه مستسلما لسارة فريكر فهي رغم بساطتها وإفلاسها يمكن أن تحافظ له على بيته وتنجب أطفالا وإن كانت غير قادرة على إلهامه أشعاره·

وليموّل زواجه المأمول وأحلامه الباقية راح يلقي المزيد من المحاضرات في بريستول محصلا شلنا كرسم دخول (لقاعة الاستماع) (واستمر هذا في الفترة من يناير إلى يونيو 5971)، وكان نشاط هذه الجماعة راديكاليا بشكل طائش: لقد شجبوا الكنيسة القائمة Established Church كخادمة للأثرياء، وأنها لاتعرف ربا Lord سوى المالك الإقطاعي Lord of the manor وأدوانوا الحرب ضد فرنسا لقمع الثورة وإحداث ردة تاريخية· والتمسوا الأعذار للإرهاب باعتباره رد فعل لحرب بت Pittصs war وأدانوا مراسيم تقييد حرية الرأي Gag Bills كجهود حكومية لكبت إرادة الجماهير· لقد كان ما حصلوه من الأموال قليلا لكنه كان كافيا ليعقد كولردج قرانه على سارة فريكر في مذبح الكنيسة في 4 أكتوبر 5971·

وفي هذا الخريف نفسه التقى لأول مرة بوردزورث، ولم يكن وليم ليكبر صمويل (صموئيل) بأكثر من عامين لكنه كان قد خَبَر الثورة الفرنسية، لقد كان قد عاين اليوطوبيا معاينة حية معاينة من رأى لا من سمع· وقد شارك الرجل الأصغر منه بعامين الخشية من استعادة البوربون عرش فرنسا، لكنه لم يكن قادرا على العيش في بنسلفانيا فقد كانت أوربا هي مسرح الصراع الفكري، أما بالنسبة إلى بهاء منطقة سوسكويهانا Susquehanna وجمالها، فلم لا يكتفي قانعا بعظمة البحيرات الإنجليزية وبهائها؟ ولم يكن كولردج مقتنعا تمام الاقتناع لكنه كتب في مذكراته (مجموعة أوراقه) أن يتابع تطور وليم وربما ليتعلم منه كيف يتخطى صعوبات الحياة (يجتاز عواصفها ومنحدراتها) لقد ملأ كثيرا من الأوراق بمعلومات وأفكار كثيرة جمعها من الكتب وممن قابلهم· لقد كان يقرأ قراءات واسعة في مجالات شتى وبشغف في اثني عشر مجالا، لقد قرأ في التراجم وعن الحيوانات والنباتات والعلوم والأديان والفلسفة والأمم والأدب والفكر والفنون· وكان واحداً من أكثر من عرفنا شغفا بالقراءة واستيعابا لما يقرأ وقدرة على التذكر· لقد أصبحت ذاكرته مخزنا يسحب من رصيده حتى نهاية حياته يسحب منه الأفكار والأخيلة والعبارات والأدلة، بل وحتى فقرات كاملة· وكثيرا ما كان يهمل ذكر مصدر معلوماته وربما كان ينسى المصدر سعيدا بهذا النسيان، وكان يخلط دون اهتمام أفكاره بالأفكار التي استقاها من مصادر أخرى· وفي خاتمة المطاف ضاق عقله بهذا المخزون الكبير من المعرفة المتباينة خاصة وأن عقله كان نزاعا للحرية نافراً من الانضباط· لقد كاد المخزن ينهار على المخزون·

وربما رغبة منه في تحرير ذاكرته أو رغبة منه في إطعام زوجته وجدناه يركز على فكرة طبع مجلة وبيعها، وكاد هو أن يكون كاتبها الوحيد، وأجبر معارفه والمستمعين لمحاضراته على الاشتراك في هذه المجلة ووزع عددا محدودا من هذه النشرة التمهيدية Prospectus حتى يعلم الجميع الحقيقة فقد تجعلنا الحقيقة أحرارا· وفي يوم الجمعة، الخامس من فبراير سنة 6971 تم نشر العدد الأول (بسعر أربعة بنسات) على أن تصدر كل ثمانية أيام بعنوان (المراقب Watchman) بقلم س· ت· كولردج Coleridge مؤلف نداءت إلى الشعب Addresses To the People(61)· وهنا - كما هوالحال في محاضراته - كان يتحدث كراديكالي أحرق خلفه كل الجسور، لقد راح يهاجم الحرب والعبودية (الرق) وتعويق حرية الصحافة والنشر، وكان يهاجم بشكل خاص الضرائب على المبيعات لوطأتها الثقيلة على عامة الشعب(71)· لكنه لم يوص بحق الانتخاب العام للبالغين من الذكور أو الإناث· يجب أن تكون لدينا الجرأة بالاعتراف بالحقيقة السياسية فقط لأولئك الذين هم قادرون على استخدام عقولهم والإقناع بما هو منطقي، ولا نعترف بها أو نقرها للغالبية الجاهلة المحتاجة التي تحركها بالضرورة عواطفها المهتاجة(81)· ووجد كولردج أنه من غير المحتمل أن يكتب اثنتين وثلاثين صفحة كل ثمانية أيام إذ راحت هذه الصفحات - بشكل متزايد - تمتلئ بكتابات غرباء لم يكونوا دائما معروفين· واحتج بعض القراء المتابعين للمجلة وقل التوزيع وارتفعت الديون وبعد العدد العاشر توقفت هذه المجلة (مجلة المراقب Watchman

وفي أول سبتمبر سنة 6971 وُلد لكولردج أول مولود· فأسماه ديفد هارتلي David Hartley على اسم رائد علم النفس الارتباطي (سيكلوجية الترابط أو التداعي)· لقد كان المولود صبوح الوجه باعثاً للمسرة، لكنه كان فماً جديدا يطالب بالطعام· وفي هذه الأثناء كان كولردج نفسه يعاني متاعب في القلب والرئتين، وراح يزيد من جرعات الأفيون لتسكين آلامه، وكادت موارده تنفد عندما قدم له صديق متساهل ودود هو توماس بول Poole منزلا صغيرا بالقرب من منزله (منزل بول) في نثر ستوي Nether Stowey بالقرب من بردجووتر Bridgewater - بإيجار رمزي مقداره سبعة جنيهات سنويا· وفي 13 ديسمبر سنة 6971 انتقل كولردج وسارة وابنهما (ديفد) إلى هذا المنزل· وجعلت سارة المنزل نظيفا مريحا، وعمل كولردج في حديقة مجاورة وساعد في رعاية خنازير بول Poole ودواجنه، وكتب شعرا جديراً بأن يخلد·

وفي نحو هذا الوقت - على وفق ذاكرته الثرية العامرة دائما - ظهرت له فكرة قبلاي خان Kubla Khan في حلم رائع وقد كتب غالبها مستوحيا هذا الحلم:

(في صيف سنة 7971 عكف المؤلف - وكان معتلا صحيا - في منزل ريفي منعزل بين بورلوك Porlock ولينتون Linton ··· ونتيجة توعك صحته وتناولة العقارات المسكنة (الأفيون) غلبه النوم وهو جالس على مقعده بينما كان يقرأ ··· في كتاب رحلة بورشاز Purchass Pilgrimage· وفي الحلم أمر قبلاي خان ببناء قصر بداخله حديقة، وتم تسوير هذه الأميال العشرة من الأرض الخصبة بسور· ولقد استمر المؤلف في نوم عميق نحو ثلاث ساعات - على الأقل كانت حواسه الخارجية هي النائمة - وخلال هذه الساعات كان واثقاً ثقة تامة أنه لا يستطيع أن يكتب أقل من مائتي سطر أو ثلاثمائة سطر دون أن ينتابه الإرهاق والتعب· وعندما استيقظ ظهر أنه يتذكر تفاصيل الحلم فأمسك بقلمه وأدنى منه الحبر والورق، وراح يكتب بشكل مستمر وبشغف السطور التي بقيت لنا)·

هذه المقدمة الشهيرة فسرها النقاد بأنها خرافة خدع بها كولردج نفسه أو آخرين لقبول فكرة الحَبَل بلا دنس immaculate Conception وديمومة قبلاي خان· وعلى أية حال فمن غير المعلوم أن المؤلف بعد صياغة جُمله خلال النهار، واصل عمله في أثناء الحلم أم لا، لكن تكاد هذه الدرّر دوما تغوص في اللاشعور وكأنها يقظة نائم Sleeper wakes وربما كان للأفيون أثره ليس في الحلم (الرؤيا) فقط وإنما في الإيهام بأن التأليف كان جزءا من الحلم· وعلى أية حال فإن كولردج بمهارته المميزة في السجع والجناس قد حول نثر بورشاز Purchas إلى واحد من أكثر النصوص - التي لم يكتمل إنجازها - تشويقاً في اللغة الإنجليزية·

وربما كان الحدث ( الأدبي) الأكثر أهمية من قوبلاي Kubla بالنسبة لكولردج في عام 7971 هو دعوة ودزورث له لزيارته في ريسدون Racedown، فاستأذن من زوجته ساره وابنه ديفد David وانطلق ليسير كل المسافة تقريبا· وتراءى له هدفه في 6 يونيو فجرى - وقد أخذت الإثارة منه مأخذها - إلى باب أخيه الشاعر· وعندما فتح له وليم ودوروثي الباب وفتحا له مع الباب قلبيهما، بدأت حقبة جديدة في حياة ثلاثتهم، وكان تعاونهم واحداً من أعظم ما حققه التعاون بين الأدباء إثماراً في تاريخ الأدب·

 

 برامج -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> الثلاثي 

6- الثلاثي

 7971 - 8971

كان كولردج آنئذ في ذروة تألقه· كان بدنه - رغم آلامه وسمومه غير الظاهرة - مستجيباً لاهتمامات عقله الحيوية· وكان وجهه الوسيم - بفمه الشهواني وأنفه دقيق التكوين وعينيه الرماديتين تتألقان شغفا وحب استطلاع، ورقبته وأذنيه، وشعره الأسود المهوّش المتدلي على رقبته وأذنيه - قد جعله جذابا خاصة في عيني دوروثي·

لم يطل الأمر أحبته بطريقتها الخجولة، وإن ظل إعجابها بوليم في المحل الأول· لقد أخذ كولردج برقتها وجذبته إليها بعاطفتها الهادئة· لقد كانت صديقة جارتْه في كل آثامه وتجاوزت عن كسله لتستمتع بمشاعره الدافئة وخيالاته العميقة الغريبة وإيمانه المهتز، وضاعت آلام الشاعر المبرحة بين الحيل والصراع· وعلى أية حال، فقد كاد يرى في هذه الفتاة شبحاً رعديدا سحقها أخوها (سيطر عليها تماما)·

وهنا تحقق كولردج أن هذا الرجل وردزورث بوجهه الهادئ الحزين وجبهته المرتفعة وعينيه المتأملتين شاعر حقيقي وحيوي حساس لكل خلجة ونبضة من خلجات الأشياء والأشخاص ونبضاتهم، وينأى بنفسه عن أي اضطراب اقتصادي جاعلاً من خلجات الطبيعة والناس ونبضهما وسيلة للبحث عن الكلمات المعبرة بعمق وعاطفة عن بصيرته وأحلامه· وكان كولردج - الذي كانت (أغاني البحار القديم) تعتمل بالفعل في نفسه - هو أعظم الشاعرين - لكنه أحسّ بتكريس هذا الشاعر (وردزورث) نفسه للشعر وحسده لتكريس نفسه تماما للشعر، وربما كان قد تعجب ما إذا كانت الأخت ليست أفضل من الزوجة· لقد كتب حالما وصل: لقد شعرت بضآلتي بجواره، ومع هذا لم أعتبر نفسي أقل مما كنت أظن نفسي سابقا إن وليم (وردزورث) رجل عظيم جدا· إنه الرجل الوحيد الذي أحسست أنني أقل منه في كل الأوقات وفي كل حالات تفوقي(91)·

وبدأ ثلاثتهم ثلاثة أسابيع يحث بعضهم بعضاً، لقد راح كل واحد منهم يقرأ قصائده على الآخرين· وكان وردزورث يقرأ أكثر، بينما كان كولردج يتحدث أكثر· كتبت دوروثي: إن مناقشاته وحواراته تتزاحم في الروح والنفس والعقل· وهو خيّر جدا حسن الطباع جذاب ·· وهو يتحدث بعينه التي تعبر عن كل عواطفه(02)·

وعادة ما يبرد الحب بين هذا الثلاثي بعد ثلاثة أسابيع فرجا كولردج كلاً من وليم ودوروثي أن يصحباه إلى نذر ستوى Nether Stowey ليكرمهما كما أكرماه، فانطلقا معه متوقعين أن يعودا سريعا إلى ريسدون Racedown لكن الصديق بول Poole علم أن الفترة التي يقضيانها مع كولردج ستنتهي ولا مجال لتمديدها فدبر لهما منزلا جميلا مؤثثا في ألفوكسدن مقابل 32 جنيهاً استرلينياً سنويا، وألوفكسدن هذه على بعد أربعة أميال من مقر كولردج، وهناك أقام وليم وردزورث ودوروثي في راحة، وراحا يستلهمان الشعر طوال خمسة عشر شهرا·

وفي هذه الفترة السعيدة راحوا يسيرون وهم ينشدون الشعر أو يتناقشون فيه : أحيانا كان الرجلان يسيران معا، وأحيانا كولردج ودوروثي، وأحيانا ثلاثتهم معا· لقد راحوا يتبادلون المشاعر والأفكار والملاحظات: وردزورث شجع كولردج على ترك الخيال كمرشد له، وزاد كولردج من معارف وردزوث عن الفلاسفة وتحداه ليكتب ملحمة شعرية· وفي أعوام لاحقة تذكر وردزورث في (المقدمة) صديقه الذي كان يجول معه (كولردج) ذاكرا أنه صديق الأرواح المرحة slash حيث كنا نخصص جانبا من أيامنا لأول مرة لننغمس معا في الشعر الجامح(12) وكانت دوروثي هي رباطهما محفزتهما (مشجعتهما)· لقد كانت تبهجهما بمديحها، وباستماعها باهتمام وشغف متحدية إياهما بحماسها وعمق إدراكها ونفاذ بصيرتها، موحدة إياهما كعروس روحية لكليهما· لقد كانوا - كما قال كولردج ثلاثة أشخاص في روح واحدة(22)·

ولابد أن وردزورث وكولردج قد طالعا اليوميات التي بدأت دوروثي كتابتها في أفوكسدن في 02 يناير سنة 7971· ولا بد أنهما توقفا عند سطر في الصفحة الثانية طنين الحشرات، تلك الضوضاء الصامتة (غير المزعجة) التي تملأ أجواء الصيف أما سارة كولردج فلا بد أنها كانت أكثر تأثرا بما ورد عن الفترة من 3 إلى 21 فبراير:

3 فبراير: سرت مع كولردج فوق التلال ···

4 فبراير: سرت مسافة طويلة في الطريق إلى ستوي Stowey مع كولردج ····

5 فبراير: سرت إلى ستوي مع كولردج ···

11 فبراير: سرت إلى قرب ستوي مع كولردج

21 فبراير: سرت وحدي إلى ستوي، وعدت مساء مع كولردج(32)·

ولم تكن ساره سعيدة بحكاية المشي هذه، لقد بدا الأمر لها برئياً غير مرتبط بعلاقة جنسية، لكن أين تنتهي هذه الحكاية؟

 

برامج -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> الشعر الغنائي 

7- الشعر الغنائي

 8971

وفي يناير سنة 8971 ظهر في كولردج حافز آخر يحفزه على التفرغ للشعر، إذ إن جوسياه Josiah وتوماس ودجوود Wedgwood - ابني جوسياه ودجوود( 0371 - 5971) ووريثاه - عرضا على الشاعر شبه المفلس راتباً سنوياً مقداره 051 جنيهاً (057،3 دولار) شريطة أن يتفرّغ تماماً للشعر والفلسفة· وكان أبوهما صانع فخار أتقن صنعته فجعل فخاره وخزفه مشهورا في أوربا كلها· وكتب كولردج لهما خطابا في 71 يناير يرحب فيه بهذه المنحة، وأغرق في التأمل والاندماج في عملية الإبداع ليكمل (أغنية الملاّح القديم) واقترح كولردج على وردزورث بعد أن تسلح بهذه المنحة الدالة على شهرته في مضمار الشعر - أن يجمعا معا قصدائدهما الجديدة في مجلدات تحمل اسميهما فقد تعود عليهما بمبالغ مالية تكفي لتمويل رحلة يقومان بها إلى ألمانيا· لقد كان كولردج يأمل في أن عاما يقضيه في ألمانيا سيمكنه من تعلم اللغة الألمانية بشكل يكفي لقراءة الأعمال الكبرى التي ألفها الألمان من جوته (جيتة) إلى كانط Kant في لغتها الأصلية وفهمها، فهؤلاء الأعلام الألمان قد جعلا من ألمانيا رائدة في مجال الفلسفة الأوربية بلا منازع أو على الأقل جعلتها تنافس إنجلترا وفرنسا في مجال الأدب والفكر· ولم يكن وردزورث متحمساً لألمانيا، لكن لأن فرنسا وشمال إيطاليا كانا في قبضة الثورة الفرنسية، فقد وافق كولردج على خطته·

وفي أبريل سنة 8971 وجها دعوة للناشر كوتل Cottle ليأتي إليهما من بريستول ليسمع أشعارهما الأخيرة، وأتى واستمع إليهما وعرض ثلاثين جنيها لشراء حق الطبع، وأراد أيضا أن ينشر اسمي الشاعرين ولكن كولردج رفض قائلا إن اسم وردزورث ليس شيئا أما اسمي فيلاقي احتجاجا عنيفاً(42)·

وبعد ذلك بثمانية عشر عاما شرح كولردج نظريته الكامنة وراء هذا التعاون (العمل المشترك):

من المتفق عليه أن محاولاتي تتناول شخوصاً وشخصيات ميتافيزيقية (فوق الطبيعة) أو على الأقل رومانسية ···· أما السيد وردزورث فقد جعل هدفاً له أن يضفي الجدَّة والجاذبية على أمور تحدث كل يوم، وأن يثير مشاعر تناظر ما أثيره من أمور فوق طبيعيه (ميتافيزيقية) بلغت الأنظار إلى ما في العادات من بلادة ولا مبالاة، إنه يوجه شعره إلى ما في العالم أمامنا من جمال وعجائب ···لقد كتبت الملاح القديم من هذا المنطلق وكنت أجهز أيضا بمثل هذه الروح لعمليّ الليدي السوداء وكريستابلChris table اللذين كنت فيهما أكثر اقترابا من تحقيق هذه الغاية(52)·

وربما أخذت هذه النظرية شكلها بعد كتابة القصائد· وقد وضح هذا وردزورث في مقدمة الطبعة الأولى:

تعتبر معظم القصائد الواردة في هذه الطبعة تجارب شعرية· لقد كتبت في الأساس من وجهة نظر مؤداها التحقق من المدى الذي يمكن فيه للغة العادية (لغة الحوار) في الطبقتين الوسطى والدنيا أن تكون قادرة على تحقيق أغراض الشعر وما يحدث من بهجة· لقد اعتاد القراء على الزخارف اللفظية والأساليب الفارغة لكثيرين من الكتاب المعاصرين، لذا فإن هؤلاء القراء إذا ثابروا على قراءة هذا الكتاب إلى نهايته ربما كان عليهم أن يقاوموا ما يحسون به من غثاثة وسماجة وغرابة· إنهم سينظرون إلى الشعر الذي ألفوه واعتادوا عليه ثم يندفعون متسائلين بأي حق أطلقنا على محاولاتنا هذه لفظ الشعر؟ إنه لمن المرغوب فيه ألا يعاني مثل هؤلاء القراء أمام كلمة الشعر المتفردة، تلك الكلمة التي تنازع الناس حول معناها؟ انه لمن غير المرغوب فيه أن تقف هذه الكلمة عائقا بين الناس وبين الاستمتاع (بما نكتب)····

والقراء الأرقى حكما قد لايوافقون على الأسلوب الذي كتبنابه كثيرا من هذه القصائد··· فسيظهر لهم أن المؤلف (الشاعر) رغبة منه في تجنب الأخطاء الشائعة قد تنازل كثيرا واستخدم كثيرا من التعبيرات الشائعة جدا والتي لا تتسم لفرط تداولها بالوقار الكافي···(62)·

وتدخل النثر ليقطع عليهم روح الشعر: مالك منزل أفوكسدن أحاط آل وردزورث علما أن لاحق لهم في الإقامة في المنزل بعد 03 يونيو 8971· وفي 52 يونيو غادر وليم وردزورث ودوروثي إلى بريستول للتفاوض مع كوتل Cottle (الناشر) وفي 01 يوليو استقلتهما سفينة ليعبرا نهر سيفرن Severn وسار عشرة أميال في ويلز إلى كنيسة تنتيرن Tintern Abbey· وبالقرب من هذه الخرائب الجميلة جدا وفي طريق العودة إلى بريستول ألف وردزورث القصيدة التي أضيفت كقصيدة أخيرة إلى ديوانهما الشعر الغنائي Lyrical Ballads·

وتم نشر هذا الديوان الصغير في 4 أكتوبر 8971 بعد تسعة عشر يوما من مغادرة الشاعرين - غير المعترف بشاعريتهما - قاصدين ألمانيا· لقد كان عنوان الديوان مناسبا؛ فقد كان إسهام كولردج الرئيس يسير على نسق الأشعار الإنجليزية القديمة - حكايات شعرية صالحة للغناء، وكان معظم إسهام وردزورث قصائد غنائية بسيطة تتناول الحياة البسيطة تكاد تقتصر على استخدام ألفاظ من مقطع واحد يستخدمها الفلاحون الإنجليز·

وكانت القصيدة الأولى في الديوان هي (أغنية الملاح القديم) وشغلت 51 صفحة من 711 صفحة هي كل صفحات الديوان وهي أطول قصائده وربما أفضلها رغم أن إنجلترا لم تدرك ذلك إلا ببطء، أما وردزورث فلم يعترف بقيمتها أبدا· حقيقة ان هذه القصيدة كانت حاوية على أخطاء كثيرة لكن لايجب التركيز على الأخطاء التي نعتبرها منافية للعقل (أفكار اللامعقول) في الحكاية الشعرية، ذلك لأن كولردج كان قد اقتحم عالم الغموض حيث الأسرار والرموز وحيث الخيال الذي يجعل كل شيء ممكنا(72)، ففي عالم الخيال يمكن أن تنتج أحداث جسام من وقائع تافهة أو بسيطة· ومع هذا فإنه يتمسك بعبير الأسرار في الحكايات والأساطير القديمة، كما يتمسك بأوزان وايقاعات الأشعار الغنائية والقصصية البسيطة القديمة (فالملاح القديم) تكاد تحملنا معه إلى النهاية· إنها (الملاح القديم) تعتبر - بالطبع - واحدة من أعظم قصائد الشعر الغنائي في اللغة الإنجليزية·

أما إسهامات وردزورث فتكاد كلها تكون نماذج من الحكمة التي وجدها في شخصيات البسطاء· وبعض هذه القصائد مثل (الصبي الأبله Idiot boy) و(سيمون لي Simon Lee) هجاهما المتابعون (النقاد) بصخب، لكن من منا لم يتعاطف مع حب الأم المتسم بالصبر لطفلها غير المؤذي ضعيف العقل (طفلها الأبله) ؟ (إن شطراً واحدا من هذه القصيدة المفهومة يخبرنا عن العشب الأخضر - الذي تكاد تسمعه في أثناء نموه(82) أيمكن أن يكون هذا التعبير اقتباساً من دوروثي؟) وبعد أن أطال كثيرا في قصائده ذات المذاق الريفي أنهى وردزورث الديوان بأبيات تأملية من (أميال قليلة) فوق (دير تنترن Tintern Abbey)· إنه هنا يقدم لنا تعبيرات فائقه (سامية) تعبر عن مشاعره عن أن (الطبيعة) و(الرب) هما شيء واحد (على وفق تعبير سبينوزا Deus sive Natura) إنهما (الطبيعة) و(الرب) لايتحدثان فحسب من خلال معجزات النمو (أو التطور) وإنما أيضا من خلال الرهبة التي تبدو (من خلال قصر نظر البشر) قوى مدمرة كان تيرنر Turner يتعبد في محرابها (أي الرهبة) عند ممارسة فن الرسم· ومن جولاته (وردزورث) في الغابات والحقول، وتجديفه على صفحات البحيرات الهادئة وتسلقه فوق الصخور الضخام الوعرة، وعن آلاف النداءات صياحا أو همساً الصادرة من آلاف الكائنات الحية، وحتى من تلك الموجودات التي يفترض ألا حياة فيها نسمعه - عن هذا ينشد -:

 

 إليها ··· إنني مدين لها بكل ما هو مقدس ومبارك، 

ففيها تكمن الأسرار، 

وفيها يلقى الضوء، 

 على كل ما هو غامض مبهم في عالمنا، 

وعن طريقها تريح هذا العبء الثقيل المرعب من الغموض والإبهام في عالمنا 

فبسلطان التناسق (الهارمونية) تسعد العين بالهدوء 

 وبسلطان البهجة العميقة 

نرى أعماق كل ما هو حي(92)· 

وبعد ذلك يشرئب إلى دقائق إيمانه:

لقد تعلمت، 

 أن أنظر إلى الطبيعة، 

لاكشاب لافكر له ، لكنني أسمع في أحوال كثيرة، 

هارمونية الصمت، وموسيقاه الحزينة، 

إنها ليست فجة وليست ضبابية غامضة رغم سلطانها الواسع الممتد، وقدرتها 

على التطهير (تطهير النفس) والسيطرة (القهر)· ولقد شعرت، 

بحضور يثيرني بالبهجة، 

 بهجة الأفكار السامية: معانٍ تسمو، 

 الأشياء سمواً عميقا وبعيدا بما يتخللها، 

معان محورها ضوء الشمس الغاربة، 

والمحيط الهائل والهواء الطلق، 

والسماء الزرقاء، وفي نفس الإنسان، 

الحركة والروح اللتان تدفعان، 

كل ما هو مفكر، وكل أهداف للأفكار، 

وتدور في كل الأشياء، لذا ألا زلتُ 

عاشقا لكل المروج والغابات 

والجبال ··· معترفا أن،   

في الطبيعة ولغة المعاني 

 دليل قلبي وحارسه وروح، 

كل وجودي المعنوي (أو بتعبير آخر مغزى وجودي)(03)·   

وقد وصلت دوروثي أيضا إلى هذه العقيدة (الإيمان) الشافية التي توحّد بين الطبيعة والرب ووجدت أنها لا تتفق مع العقيدة المسيحية· وفي نهاية قصيدته أضاف وردزورث إهداء يعبر فيه عن شكره لها وتسبيحه بفضلها كأخت روحه معلنا تمسكه بها حتى النهاية:

 

إن إيماننا البهيج الذي نتمسك به جميعا، 

إيمان مقدس ومبارك· لذا دع القمر، 

يبزغ بنوره عليك عندما تكون سائرا بمفردك، 

ودع رياح الجبال التي بللها السديم تهب حرة، 

دعها تهب عليك، ···· وفي الأعوام التالية، 

 عندما تصبح هذه الانجذابات البرية ناضجة 

في بهجة رصينة، عندما تصبح نفسك 

ملاذاً لكل ما هو محبب   

ستصبح ذاكرتك مسكناً 

لكل الأصوات الحلوة، وكل ما هو متناسق جميل ···(13)· 

  

ولم يحظ هذا الديوان (Lyrical Ballads) باستقبال حسن إذ ذكرت السيدة كولردج أن أحداً لم يحب هذه القصائد - لقد كانت السيدة كولردج زوجة معذورة إذ كانت تغار من ملهمة زوجها الشاعر·

وانشغل المتابعون (النقاد) انشغالا شديدا بعدم الحبكة في قصيدة (البحار القديم) وعدم الترابط في الأفكار العاطفية في القصائد الغنائية القصيرة التي كتبها وردزورث، وبدا أن أحدا منهم لم يعترف بقصيدة (البحار القديم) كشكل سيسود مستقبلا في كل الأعمال الأدبيه الشعرية رغم أن بعض التابعين لاحظ وحدة الوجود (كون الطبيعة والرب شيئا واحدا) والإيمان بهما إيمانا شديداً في قصيدة (دير تينتيرن Tin tern Abbey)، وبيع من هذا الديوان الصغير خمسمائة نسخة على مدار عامين وعزا كولردج أحد أسباب نقص المبيع منه إلى كلمه (البحار) التي أوحت أن الديوان يتناول أغاني التجارة أما وردزورث فقد عزاه إلى احتواء الديوان في على قصيدة (الملاح القديم) هذه وليس مجرد اسم (الملاح)·

وفي سنة 9971 بينما كان كولردج في المانيا أعد وردزورث طبعة ثانية من هذا الديوان· وفي 42 يونيو كتب إلى الناشر كوتل: من خلال ما سمعته وقرأته يبدو أن قصيدة (الملاح القديم) قد ألحقت ضررا بالديوان (قد يكون هذا صحيحا) ···إذا قدر طبع الديوان طبعة ثانية فإننى سأضع مكانها بعض المقطوعات الصغيرة قد تكون أكثر مواءمة للذوق العام(32) ومع هذا فقد اشتمل الديوان في طبعته الثانية على قصيدة (الملاح القديم) مع شروح غير متعاطفة قدمها وردزورث ، يبيّن فيها عيوب القصيدة وأخطاءها ولكنه لفت الأنظار إلى كونها قصيدة ممتازة · وهذه الطبعة (يناير1801) اشتملت على قصيدة جديدة لوردزورث هي قصيدة تحمل عنوان ميشيل Michael - وهي حكاية كتبها بالشعر المرسل (غير المقفى) عن راع بلغ من العمر أربعة وثمانين عاما مخلص في عمله متمسك بالأخلاق الحميدة ، محبوب في قريته ، وعن ابنه الذي انتقل إلى المدينة فغدا فاسقا منحلا · وذكر وردزورث في مقدمة جديدة للديوان بالتفصيل - وفي عبارات أصبحت الآن مشهورة -نظريته في الشعر : إن أي شيء وأية فكرة أن تثمر شعرا إذا حملت بالمشاعر والمعاني ، وإن أي أسلوب أولغة يمكن أن يكون شعرية إ ذا كان قادراً على نقل هذة المشاعر والأحاسيس والمعاني فالشعر هوفيض عفوي للمشاعر القوية· التي تعود إلى أحاسيس وعواطف تراكمت بهدوء(33) وعلى الشاعر نفسه أن يتحكم في هذه الأحاسيس وتلك العواطف قبل أن يعطيها شكلها الفني ، ولكن مثل تلك المشاعر والأحاسيس ليست قصرا على المتعلمين أو النخبة المثقفة إذ يمكن أن تكون لدى الفلاح الأمي كما يمكن أن تكون لدى الدارس أو الباحث أو اللورد وربما تتخذ شكلها أنقى وأوضح عند الأشخاص الأكثرين بساطة، ولا يحتاج التعبير عنها إلى مفردات شعرية خاصة أوأسلوب شعري خاص فأفضل الأساليب هو أبسطها وأفضل الألفاظ هو أقلها زخرفة وخلوا من الادعاء والخيلاء· والوضع الأمثل هو أن يتحدث الشاعر بلغة الرجل العادي وحتى الكلمات العلمية أو المكتسبة بالتعليم يمكن أن تكون شعرية إذا نقلت المشاعر والقيم المعنوية· وفي خاتمة المطاف فإن المضمون المعنوي -مشاعر وأحاسيس - هو المعول عليه في كل الفنون والآداب ·المسألة إذن هي إلى أي مدى إذن نوظف مهارتنا (كشعراء) في توضيح الأفكار وتبرِئتها مما يشوبها والتسامي بها (جعلها نبيلة)، فالشاعر العظيم يجب أن ينقي المشاعر الإنسانية إلى درجة معينة··· ليجعلها أكثر معقولية ونقاء ودواما - باختصار أكثر توافقا وتناغما مع الطبيعة - أعني مع الطبيعة الخالدة، والروح العظمى للأشياء· لابد للشاعر أن يكون إلى جوار الإنسان، وأن يسبقه (يستشف المستقبل) بين الحين والحين(43)· والشاعر المثالي - أو الرسام أو النحات - هو فيلسوف يلبس الحكمة ثوب الفن والأدب، ويوحي المعاني من خلال الشكل الأدبي أو الفني الذي ابتغاه·

لقد قامت هذه المقدمة (التي كتبها وردزورث) بدور في التاريخ لأنها ساعدت في وضع نهاية للذوق اللغوي الذي كان سائدا غالبا في الشعر والخطابة لدى الإنجليز في العهد الأوغسطي كما ساعد على وضع نهاية للظلم الطبقي والمرجعيات الكلاسية في ذلك العصر· لقد أعلنت هذه المقدمة حرية المشاعر (حق الجميع في الشعور)، وكانت عاملا آخر من عوامل الترحيب بالقصص الرومانسي - وإن صاغها وردزورث بأسلوب أبعد ما يكون عن الرومانسية· لقد كان وردزورث نفسه ذا مزاج وصفات كلاسية فكرا وحكما لقد تفاعلت ذكرياته معه بهدوء، بينما كان كولردج رجل عواطف وأحاسيس وخيال· لقد كان التعاون بين الرجلين تعاونا مثمرا ومفيدا· إنها مشاركة ممتازة·  

 

برامج -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> الباحثان المتجولان 

8- الباحثان المتجولان

8971 - 9971

لم ينتظر الشاعران (وردزورث وكولردج) ليريا ديوانهما منشورا وأبحرا ومعهما دوروثي في 51 سبتمبر سنة 8971 من يارموث Yarmouth إلى همبرج Hamburg، وكان أحد أسباب قرارهما منحة إضافية تلقاها كولردج من جوزياه ودجوود Josiah Wedgwood وقرضا تلقاه وردزورث من أخيه رتشارد· وفي همبرج، افترقا بعد أن قاما بزيارة غير ملهمة للشاعر العجوز كلوبستوك Klopstock· وذهب كولردج للدراسة في جامعة جوتنجن Gottingen أما وردزورث ودوروثي فاستقلتهما مركبة عمومية إلى جوسلار Goslar المدينة الإمبراطورية الحرة عند السفوح الشمالية لجبال هارتس Harz، وهناك مكثا أربعة أشهر، ولم يكن ذلك في خطتهما وإنما بسبب البرد الشديد· وفي هذه الفترة راحا يتسكعان في الشوارع ويتدفآن أمام الموقد المدفأة ويكتبان الشعر أو ينسخانه· وليدفئ نفسه بالذكريات ألف وردزورث الكتاب الأول من مقدمته (The Prelude) وهو ملحمة سيرته الذاتية· وفجأة تحققا من أنها يحبان إنجلترا كثيرا فانطلقا سيرا على الأقدام في 32 فبراير سنة 9971 وكان البرد قارسا ليودعا كولردج في جوتنجن، ثم أسرعا عائدين عبر بحر الشمال القارس إلى يارموث ومنها إلى سوكبيرن Sockburn حيث كانت ماري هتشنسون تنتظر بصبر قدوم وليم (وردزورث) ليتزوجها·

وفي هذه الأثناء كان كولردج قد بذل قصارى جهده في جوتنجن ليكون ألمانياً إذ تعلم الألمانية وأصبح مشغولاً بالفلسفة الألمانية· ولم يجد توضيحا للعقل (أو النفس mind) في سيكلوجيا المادية Psychology of materialism وتخلى عن نظرية هارتلي Hartley عن التداعي Mechanistic associationism وتبنى مثالية idealism كانط ولاهوت شلنج Shelling الذي جعل الطبيعة Nature والعقل Mind هما وجهي الرب (جانبي الله)· وقرأ أو سمع محاضرات أوغسطس فيلهلم فون شليجل August Wilhelm Von Schlegel عن شكسبير واقتبس منها أفكارا كثيرة في محاضراته اللاحقة عن الدراما في عهد إليزابث· وبعد أن تشبع تماما بالفكر والمجردات، فقد ميله للمشاعر والخيال وترك الشعر إلى الفلسفة· وكتب: لقد مات الشعر فيّ· لقد نسيتُ كيف أنظم قصيدة(53)· لقد أصبح هو حامل الفلسفة الألمانية إلى إنجلترا· وفي يوليو سنة 9971، غادر ألمانيا عائداً إلى نذر ستوى Nether Stowey لكن ابتعاده عن زوجه مدة عام كان قد أثر في قدرتها على رعاية بيتها، لم تعد ساره كولردج رومانسية حالمة، وأصابها هم بسبب موت ابنهما الثاني حديثا - بيركلي Berkeley· وفي شهر أكتوبر انطلق - وقد اعتراه الملل - شمالا ليرى وردزورث في سوكبيرن Sockburn· وفي تلك الزيارة أبقى يد سارة هتشنسون - أخت ماري - في يده طويلا، وسرى تيار باطني غامض من المرأة إلى الرجل، وانشغل كولردج بحبه الثالث غير السعيد، فسارة هذه - لم تقدم له أكثر من التعاطف لأنها كانت تدرك التزاماته تجاه الأخرى· وبعد عامين من التودد إليها بلا أمل استسلم للهزيمة وكتب قصيدة غنائية مؤثرة بعنوان الأحزان تكاد تكون آخر نبض شعري له·

وصحب وردزورث في جولة على الأقدام في منطقة البحيرة يبحث كل منهما عن مسكن، وفي كزويك Keswick ظن أنه وجد مكانا للإقامة لكنه تلقى عرضا للعمل في جريدة مورنينج بوسط morning Past فغير خطته واتجه إلى لندن· وفي هذه الأثناء استأجر وردزورث مسكنا على بعد ثلاثة عشر ميلا إلى الجنوب - في جراسمير Grasmere· وعاد إلى سوكبيرن ورضيت دوروثي بالتحرك للمنزل الجديد وفي 71 ديسمبر 9971 بدأ الأخ والأخت رحلتهما الطويلة سيرا على الأقدام في معظم الوقت قطعا خلالها أميالا كثيرة في طرق وعرة وغير مستوية في فصل الشتاء· وفي 12 ديسمبر أقاما مدفأتهما في المنزل الجديد فيما أ سماه ورزورث طرف المدينة وأصبح فيما بعد يحمل اسم مسكن اليمامة (دوف كوتاج Dove Cottage) وهناك قضيا أصعب أعوامهما وأسعدها في الوقت نفسه·

 

برامج -> عصر نابليون -> بريطانيا -> شعراء منطقة البحيرة -> قصيدة رومانسية في جريسمير

 9- قصيدة رومانسية في جريسمير

 0081 - 3081

احتفظت لنا دوروثي في يومياتها في جريسمير في الفترة من 41 مايو 0081 إلى 61 يناير 3081 بتفاصيل شغلت 051 صفحة تمكننا من معرفة الحياة اليومية للأخ والأخت - والتي أصبحت باختصار فيما بعد حياة أخ وأخت وزوجة في آن واحد· ولم يكن مناخ جراسمير صحيا: فالمطر والثلج يكادان يسقطان يوميا· وبرد الشتاء بما يصاحبه من ثلوج قد يعاود الظهور في يونيو أو يوليو(63)· لقد كانت الأيام المشمسة تمثل - لندرتها - بهجة غامرة، وكان ظهور القمر بين الحين والحين إلهاما وتجليا· وكان المنزل يدفأ بإشعال الفحم في المستوقد ولكن دوروثي ذكرت أنني لم اكن أستطيع النوم بسبب شدة البرد وقسوته

لقد اعتبرا مسألة المناخ هذه مسألة مفروضة وتصرفا إزاءها على نحو رُواقي، وكانا ممتنين للربيع وهوادة الأمطار لقد كانت السماء تمطر باعتدال وبشكل لطيف· هذه العبارة تكررت مرارا في يوميات دوروثي· وورد فيها أيضا أنه في بعض الأحيان كانت جريسمير تبدو جميلة جمالا يكاد يذيب القلب(73)·

وكانا يسيران مسافات طويلة، معاً، أو فرادى وأحيانا كانا يقطعان ميلا إلى أمبلسيد Ambleside حيث مقر البريد، وأحيانا كانا يقطعان رحلة تستغرق نصف يوم إلى كزويك keswieck بعد استقرار كولردج بها· وبدا ورد زورت راضيا بزواجه من أخته إذ كان يدعوها:

 

 رفيقة وحدتي في مسيرتي، 

أملي وفرحتي وأختي وصديقتي، 

وأحيانا أعز عليّ من هذا كله إن كان 

العقل يدرك ما هو أعز من ذلك، أوكان، 

في قلب الحب، ما هو أعز· 

وفي وقت تأخر حتى سنة 2081 (عام زواجه) كان يشير إليها بعبارة (حبي)(83) وكانت راضية بدعوتها له (أخي اللطيف)(93)·

لقد أصبح دخلها الآن أربعين جنيها أما هو فدخله سبعون جنيها بالإضافة إلى مبالغ ضئيلة متقطعة تصل إلى حوالي 041 جنيها (005،3؟ دولار) وهذا هو كل دخلهما السنوي· وكان عندهما خادم أو خادمان،