برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانت

الكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر

الكتاب الرابع عشر

برامج -> عصر نابليون -> الثورة الفرنسية -> المؤتمر الوطني -> الجمهورية الجديدة 

الفصل الرّابع

المؤتمر الوطني

21 سبتمبر 1792 - 26 أكتوبر 17951-

1- الجمهورية الجديدة

أدار اليعاقبة بحذق ومهارة انتخابات هذه الجمعية الثالثة (المؤتمر الوطني) التي تعتبر ذروة المد الثوري وانحداره في الوقت نفسه، وكانت مهارتهم في هذه الانتخابات تفوق حتى مهارتهم في انتخابات سنة 1971· لقد وجهوا الأمور بعناية بشكل غير مباشر: فالمصوتون يختارون الناخبين الذين يلتقون في جمعية انتخابية تختار بدورها النواب أو الوكلاء الذين يمثلون دوائرهم الانتخابية في المؤتمر الوطني، وكان الانتخاب في المرحلتين علنا وبالتعبير الصوتي عن الرأي، وكان الناخب - في كل مرحلة - يتعرض للأذى إن هو أغضب الزعماء المحليين(1)· وفي المدن رفض المحافظون التصويت "فقد كان عدد الممتنعين كبيرا"(2) فمن بين سبعة ملايين شخص مؤهلين للتصويت امتنع 6,3 (3)· وفي باريس بدأ التصويت في 2 سبتمبر واستمر لعدة أيام، بينما كانت المذبحة عند بوابات السجون ترسل الإشارات وتعطى التلميحات للناس: كيف تصوتون وكيف تبقون على قيد الحياة· وفي كثير من المناطق أحجم الكاثوليك الأتقياء عن التصويت وانتخبت منطقة فيندي Vendee` المعروفة بانتمائها الملكي القوي تسعة نوّاب سيصوّت ستة منهم بالموافقة على إعدام الملك(4)· وفي باريس اجتمعت الجمعية الانتخابية في نادي اليعاقبة وانتهوا إلى أن الأربعة والعشرين نائباً المختارين لتمثيل العاصمة لا بد أن يكونوا مقتنعين بالجمهورية وأن يكونوا مؤيدين للكومون:

دانتون Danton ، وروبيسبير Robespierre ومارا Marat وديمولين Desmoulins وبلو- فارن Billaud- Varenne وكولو دربوا Collot d 'Herbois وفريرون Freron وديفد David) الرسام) ··· وفي المحافظات قام الجيروند Girondins ببعض الاستعدادات الخاصة بهم، ومن ثم فإن بريسو Brissot ورولان Roland وكوندرسيه Condorcet وبيتيو·Pétion وجود Goudet وباربارو Barbaroux وبوزو Buzot ربحوا حق الخدمة والموت· ومن بين الأجانب الذين جرى انتخابهم بريستلي Priestley وكلوتز Cloots وبين Paine ، وتم اختيار دوق أورليان Duc d`Orleans الذي أعاد تسمية نفسه باسم المواطن فيليب المحب للمساواة(ü) Citizen Philippe Egalité لتمثيل الحي (القسم) الراديكالي في باريس·

وكانوا جميعا - فيما عدا عضوين - من الطبقة الوسطى وعندما اجتمع المؤتمر الوطني في التوليرى في 21 سبتمبر سنة 1792 كان يضم 750 عضواً، وكان هذان العضوان من العمّال، وكان الأعضاء كلهم تقريبا من المحامين، وكان الجيرونديون وعددهم 180 عضواً منظمين ومتعلمين وفصحاء وبلغاء هم الذين تولوا القيادة في مجال التشريع· وكان هناك استرخاء في إصدار القوانين ضد المشكوك في ولائهم والمهاجرين (الذين تركوا فرنسا إثر أحداث الثورة) والقسس كما كان هناك تحرر من السيطرة على الاقتصاد، على أساس أنه لم يعد هناك خوف الآن من الغزو الأجنبي، لكن سرعان ما ظهرت الشكايات من الاستغلال والتلاعب بالأسعار· ولإسكات حركة ظهرت بين الراديكاليين بمصادرة الملكيات الكبيرة وتوزيعها على الشعب، أعلن الجيرونديون في اليوم الأول للمؤتمر احترام الملكية الخاصة· وهكذا هدأت الأمور فاتفق الجيرونديون مع أعضاء الجبل (اليسار) وأعضاء السهل (المعتدلون) على إعلان الجمهورية الفرنسية الأولى في 22سبتمبر سنة 1792 وفي اليوم نفسه أصدر المؤتمر الوطني مرسوما، بعد عام من الدراسة والضبط والتعديل بإبطال التقويم المسيحي (الميلادي) في فرنسا وممتلكاتها ليحل محلة تقويم ثوري تبدأ فيه السنة الأولى (من 22 سبتمبر 1792 إلى 21 سبتمبر 1973) ثم السنة الثانية فالثالثة وهكذا وأن تسمى الشهور على وفق الحالة المناخية المعتادة (النمطية) شهر قطف العنب (فينرمينير (Vendémiaire وشهر الضباب (برومير Brumaire ) وشهر الصقيع (فريمير (Rrimaire بالنسبة للخريف، وشهر تساقط الثلج (نيفوز (Nivose، شهر المطر (بلوفيوز (Pluviose، شهر الرياح (فينتوز (Ventose بالنسبة للشتاء، وشهر التبرعم (جيرمينال (Germinal وشهر الإزهار (فلوريال (Floréal وشهر المروج الخضر (بريريال (Prairial بالنسبة للربيع، وشهر الحصاد (مسيدور (Massidor وشهر الدفء (ثيرميدور(Thermidor وشهر الفواكه (فركيتدور (Fructidor بالنسبة للصيف، وقد تم تقسيم الشهر إلى ثلاثة أقسام Décades كل قسم عشرة أيام وينتهي كل قسم بيوم يقال له ديكادي décadi هو يوم الراحة بدلا من يوم الأحد الذي كان يوم راحة في التقويم الميلادي، وخمسة الأيام الباقيات في السنة تسمى(السانس كولوتيد (Sans - Culottides يكــون فيها مهرجـان وطني، وكان المؤتمر الوطني يأمل أن يذكر هذا التقويم الفرنسيين بالأرض والعمل الذي يجعلها مثمرة لا بالقديسين religious saints والمواسم· فستحل الطبيعة محل الرّب God وتم استخدام هذا التقويم الجديد في 24 نوفمبر سنة 1793 وانتهى استخدامه في نهاية سنة 1805 للميلاد·

لقد وافق الجيرونديون وأعضاء الجبل (اليسار) على إقرار الملكية الخاصة وعلى الجمهورية وعلى الحرب على المسيحية، لكنهم اختلفوا اختلافا شديدا جدا في قضايا أخرى مختلفة، فالجيرونديون شجبوا بشدة النفوذ الجغرافي لباريس، باعتباره غير متوازن مع بقية المحافظات، فأهل باريس بنوابهم وجماهيرهم يؤثرون بإجراءاتهم التي يتخذونها في كل فرنسا، وامتعض الجبليون(ü) Montagnards) من تأثير التجار وأصحاب الملايين في تكديس الجيرونديين لأصوات الناخبين· واستقال دانتون (الذي حصل في دائرته الانتخابية على 638 صوتا من مجموع أصوات الناخبين وعددهم 700) من منصبه كوزير للعدل ليقوم بمهمة التوحيد بين الجيرونديين وأهل الجبل (اليسار) في سياسة العمل على إقرار السلام مع بروسيا والنمسا لكن الجيرونديين لم يكونوا يثقون به باعتباره معبود باريس الراديكالية وطالبوا ببيان بمصروفاته كوزير ولم يقدم لهم تفسيرا يقنعهم بالمبالغ التي أنفقها (كان دانتون من المؤمنين الكبار بجدوى الرشاوى) ولم يقدم لهم أيضا تفسيرا يقنعهم بكيفية حصوله على الأموال التي مكنته من شراء ثلاث منازل في باريس وضواحيها والعقارات الكبيرة في محافظة أوب Aube، فالذي لا ينكر أنه كان يعيش حياة مترفة، واتهم مستجوبيه بالعقوق ووجه جهده للتوفيق والمصالحة في الداخل والخارج وضم جهوده إلى جهود روبيسبير·

ورغم أن روبيسبير كان هو الشخصية الثانية بعد دانتون من حيث الشعبية في أحياء (أقسام) باريس إلا أنه كان لا يزال حتى الآن شخصية ثانوية بين نواب المؤتمر الوطني، فعند التصويت على رياسة المؤتمر لم يحز إلا على ستة أصوات، بينما حصل رولان Roland على 235 · وكان معظم النواب يعتبرونه متغطرسا غارقا في العموميات والتفاهات الافتراضية نهازاً للفرص يتحين الوقت المناسب بصبر ليستحوذ على سلطات إضافية، لكن ما تنطوي عليه اقتراحاته من وضوح واستقامة قد جعلت نفوذه يزداد - ببطء - شيئا فشيئاً، فقد نأى بنفسه عن التورط المباشر في الهجوم على التوليري وفي أحداث مذبحة سبتمبر، ومنذ البداية كان يدافع عن حق الانتخاب العام للذكور الراشدين كلهم رغم أنه من الناحية العملية، تغاضى عن مسألة إبعاد الملكيين والكاثوليك عن المشاركة في الاقتراع والإدلاء بأصواتهم ودافع عن الملكية الخاصة ولم يشجع دعوى مصادرة الممتلكات وتوزيعها، وعلى أية حال فقد اقترح ضريبة على المواريث وضرائب أخرى بالإضافة إلى إجراءات أخرى مهذبة لكنها فعالة لمعالجة التفاوت الشديد في الثروات(5) ·

وفي هذه الأثناء راح ينتظر الفرصة المناسبة وسمح لمنافسيه بإرهاق أنفسهم حماسة وتطرفا، وبدا مقتنعا أنه سيحكم يوما وتنبأ أنه سيقتل ذات يوم(6)· "لقد كان يعرف - كما يعرف هؤلاء الرجال كلهم أنه يكاد يحمل ساعة بعد ساعة روحه في كفه"(7)·

لقد كان مارا Marat - وليس دانتون ولا روبيسبير - هو الذي ناصر البروليتاريا وناضل من أجلها، وقد غير مارا عنوان جريدته ليصبح "جريدة الجمهورية الفرنسية Journal de la République Francaise "· لقد بلغ الآن التاسعة والأربعين من عمره (كان عمره روبيسبير في الرابعة والثلاثين، وكان دانتون في الثالثة والثلاثين) ولم يبق له لينهي حياته سوى أقل من عام لكنه ملأ هذه الفترة بانشغاله بمعركة عنيدة وصلبة ضد الجيرونديين باعتبارهم أعداء للشعب وباعتبارهم ممثلين للبورجوازية التجارية الصاعدة التي ظهر أنها تعمل على استخدام الثورة سلاحاً سياسياً لصالح "المشروعات والنشاطات الاقتصادية الحرة" التي يتسم بها الاقتصاد الحر، وكان نقده الساخر وخطبه اللاذعة تتردد في باريس ومنها وتثير الأحياء (الأقسام) وتحرضها على التمرد وتشيع في المؤتمر الوطني روح العداوة العامة، وقد شجب الجيرونديون ما أسموه "بحكومة الثلاثة" ويقصدون دانتون وروبيسبير ومارا، لكن دانتون تبرأ منه وتنكر له، وتحاشاه روبيسبير فجلس مارا مع الجبليين (اليسار) لكنه كان عادة منفرداً وحيداً بلا أصدقاء· وفي 25 سبتمبر سنة 1792 قرأ فيرجنيو Vergniaud وآخرون في المؤتمر الوطني وثيقة تفيد أن مارا Marat كان قد دعا إلى دكتاتورية وأنه كان قد تسبب في الإثارة التي أدت إلى المذبحة، وعندما هب مارا (نصير الشعب) للدفاع عن نفسه، هوجم بغير هواده بصيحات "اجلس!" فقال "يبدو أن هناك أعداء كثيرين لي في هذا المؤتمر" فصرخ الجيرونديون: "كلنا أعداؤك"· وعمل مارا على تكرار طلبه بقيام دكتاتورية على النمط الروماني المحدود واعترف بتحريضه على العنف لكنه برأ دانتون وروبيسبير من أي مشاركة في خططه، واقترح واحد من النواب القبض عليه ومحاكمته بتهمة الخيانة لكن هذه الحركة لم تنجح، وأخذ مارا مسدسه من جيبه وصوبه إلى رأسه وأعلن:"إذا صدر مرسوم باتهامي فسأنثر مخي عند أقدام الشعب"(8)·

وكان موقف الجيرونديين الذين قادوا فرنسا في الحرب على الأعداء - قويا في هذه الشهور بسبب انتصارات جيش فرنسا وانتشار القوات الفرنسية والأفكار الثورية·

ففي 21 سبتمبر سنة 1791 قاد الجنرال أني - بيير دي منتسكيو - فيز نزاك Anne - Pierre - Montesquieu - Fezensac قواته محققا فتحا سهلا لسافوى Savoy (كانت وقتها جزءاً من سردينيا) وذكر في تقرير له إلى المؤتمر الوطني أن "تقدم جيشي إنما هو نصر، فقد كان الناس في الريف والمدينة يخرجون لاستقبالنا وكان الناس في الأنحاء كلها يضعون الشارة الثلاثية ألوانها"(9) وفي 27 سبتمبر دخل قسم آخر من الجيش الفرنسي نيس Nice بلا مقاومة، وفي 29 سبتمبر فيلفرانش Villefranche وفي 27 نوفمبر تم إدماج سافويSavoy في فرنسا بناء على طلب زعمائها السياسيين المحليين·

أما فتح بلاد الراين Rhineland فكان أمراً أكثر صعوبة· ففي 25 سبتمبر قاد الجنرال آدم - فيليب دى كوستين Adam - Philippe de Custine المتطوعين التابعين له للاستيلاء على سبير Speyer وأخذ ثلاثة آلاف أسير وفي 5 أكتوبر دخل فورمز Worms وفي 19 أكتوبر مينز Mainz وفي 21 أكتوبر فرانكفورت - آم - مين Frankfurt - am - Main . ولكسب بلجيكا (التابعة للنمسا) إلى صف الثورة حارب ديمورييه Dumouriez في جيمابز Jemappes (6 نوفمبر) إحدى أكبر المعارك في الحرب، فقد تراجع النمساويون بعد مقاومة طويلة مخلفين وراءهم أربعة آلاف قتيل في ساحة المعركة، وسقطت بروكسل في 14 نوفمبر وليج Liége في 24 نوفمبر وأنتورب Antwerp في الثلاثين من الشهر نفسه، وفي هذه المدن كلها استقبل السكان الفرنسيين كمحررين· وقد تأخر ديمورييه في بلجيكا، وأثرى نفسه بالتعامل مع المضاربين في تمويل الجيش بالمؤن، بدلا من إطاعة أوامر المؤتمر الوطني بالتحرك جنوبا وضم قواته إلى قوات كوستين Custine، وعندما أُنب على ذلك هدد بالاستقاله تمَّ إرسال دانتون لاسترضائه فنجح في مهمته، لكن عندما تراجع ديمورييه Dumouriez أمام العدو في 5 أبريل سنة 1793 عانى دانتون من الشعور بالذنب·

وقد تبنى المؤتمر الوطني اتجاهين سياسيين يكمل أحدهما الآخر بعد أن أنتشى أعضاؤه بسبب هذه الانتصارات: الاتجاه الأول هو مد فرنسا إلى "حدودها الطبيعية" الراين والألب والبرنيس (البرانس) Pyrenees والبحار - والثاني هو مساعدة سكان الحدود بتقديم مساعدات عسكرية لهم ليتمكنوا من تحقيق الحرية الاقتصادية والسياسية· ومن هنا كان هذا المرسوم الجسور الصادر في 15 ديسمبر سنة 1792 ·

"من هذه اللحظة تعلن الأمة الفرنسية سيادة الشعب [في المناطق المتعاونة كلها]، وقمع كل السلطات العسكرية والمدنية التي حكمتكم حتى الآن كلها، وإبطال كل الضرائب التي ينوء بها كاهلكم، وإلغاء العشور التي تتقاضاها الكنيسة وكذلك الرسوم الإقطاعية ··· والغاء القنانة (رق الأرض)·· وتعلن الأمة الفرنسية أيضا إبطال المؤسسات (التشكيلات) التي تضم النبلاء والإكليروس كلها، وإبطال الامتيازات كلها لتعارضها مع مبدء المساواة·

انكم الآن منذ هذه اللحظة إخوة وأصدقاء، فالكل مواطنون متساوون في الحقوق ويمكن لأي منكم أن يتولى أمور الحكم وأن يقدم الخدمات وأن يدافع عن بلاده"(10)·

وأدى هذا المرسوم "مرسوم الأخوة" إلى عدد من المشاكل للجمهورية الشابة· فعندما فرضت الضرائب على المناطق المفتوحة "أو المحررة بتعبير رجال الثورة" لدعم الاحتلال الفرنسي جأر الناس بالشكوى قائلين إن سيدا حل محل سيد آخر وإن ضريبة حلت محل أخرى· وعندما رأت الهيئة الكنسية في كل من بلجيكا وليج Liege وبلاد الراين Rhineland التي ألفت أن تسيطر على السلطات الحاكمة أو تشاركها - أنها مهددة في سلطانها وعقيدتها، مدت أيديها إلى ما وراء الحدود لمقاومة الثورة الفرنسية وتحطيمها إذا أمكن· وفي 16 نوفمبر 1792 أصدر المؤتمر الوطني مرسوما بفتح نهر شيلدت Scheldt للملاحة كلها·

وكان الهدف من هذا القرار هو جذب تجار أنتورب Antwerp إلى قضية الثورة الفرنسية - طالما أن صلح وستفاليا Peace of Westphalia (1648) كان قد منع الملاحة في هذا النهر إلا للهولنديين، (لأنها سحبت منها هذا الامتياز) وفسر ملوك أوروبا إعلان المؤتمر الوطني (السابق إيراد مقتطفات منه) بأنه إعلان للحرب عليهم جميعا وعلى السادة الإقطاعيين، فبدأ تشكيل أو تحالف ضد فرنسا·

وقرر المؤتمر الوطني قراره (حتى لا يكون أمامه سبيل للتراجع) بمحاكمة لويس السادس عشر بتهمة الخيانة· فمنذ 10 أغسطس راح المسئولون في التمبل Temple يقدمون لمعظم أفراد الأسرة المالكة معاملة نصف إنسانية: للملك وكان في الثامنة والثلاثين من عمره، والملكة كانت في السابعة والثلاثين من عمرها، وأخت الملك "مدام إليزابت" وكانت في الثامنة والعشرين، وابنة الملك (مارى تيريز (Marie - Therese (مدام روال (Madame Royale وكانت في الرابعة عشرة، وابن الملك ولي العهد لويس - شارلز Dauphin Louis - Charles وكان في السابعة من عمره· وبذل الجيرونديون كل ما في وسعهم لتأجيل المحاكمة لأنهم كانوا يعلمون أن الأدلة ستؤدي بالضرورة إلى الإدانة وتنفيذ حكم الإعدام وهذا سيؤدي إلى تكثيف القوى الخارجية جهودها للهجوم على فرنسا، واتفق معهم دانتون في هذا الرأي لكن ظهر شخص آخر في المؤتمر الوطني، إنه لويس - أنطوان سان - جوست Louis - Antoine -Saint - Just، وكان في الخامسة والعشرين من عمره، وقد لفت نظر المؤتمر الوطني بدعوته لقتل الملك: "لويس قتل الشعب وحاقت به الهزيمة ··· انه همجي (بربري) سجين حرب أجنبي· لقد رأيتم خططه وتصميماته الغادرة ·· إنه هو القاتل في الباستيل وفي نانسي Nancy وساحة دي مارس Champ-de - Mars .. في التوليري· فأي عدو وأي أجنبي قد ألحق بكم الضرر أكثر منه؟"(11) وكان من الممكن أن يتوقف هذا الهجوم بسبب الحكمة والتدبر، لكن حدث في 20 نوفمبر أن تم اكتشاف صندوق حديدي في جدار الغرف الملكية في قصر التوليري فأحضره رولان Roland إلى المؤتمر الوطني ، وكان به دليل يؤكد بقوة تهمة الخيانة، لقد كان الصندوق يضم 625 وثيقة سرية تفضح تعاملات الملك مع لافاييت Lafayette وميرابو Mirabeau وتاليران Talleyrand، وبرنيف Barnave وعدد من المهاجرين (الذين تركوا فرنسا إثر قيام الثورة) والصحفيين المحافظين· كان من الواضح أن لويس رغم تأكيده ولاءه للدستور، يتآمر للقضاء على الثورة· وأصدر المؤتمر الوطني أوامره بكشف النقاب عن ميرابو، وحطم اليعاقبة تمثالا في ناديهم كانوا قد أقاموه إحياء لذكراه، وتم القبض على بارنيف Barnave في جرينوبل Grenoble وهرب لافاييت إلى جيشه، أما تاليران فهرب كما يفعل دائماً· وفي 2 ديسمبر ظهر بعض الوفود من أحياء (أقسام) باريس أمام المؤتمر الوطني وطالبوا بالتعجيل بمحاكمة الملك، وسرعان ما أرسل كومون باريس توصيات شديدة للغرض نفسه، وفي 3 ديسمبر انضم روبيسبير للمطالبين بهذا الأمر· وحمل مارا Marat لواء المطالبة بأن يكون التصويت على المحاكمة علنا by voice &in public حتى يضع الجيرونديين المترددين تحت رحمة السانس كولوت (الذين لا يرتدون سراويل >بناطيل< قصيرة) في الممرات والشوارع·

وبدأت محاكمة الملك في 11 ديسمبر سنة 1792 أمام أعضاء المؤتمر الوطني جميعا· على وفق ما ذكره سيباستين ميرسييه Sebastien Mercier أحد النواب في المؤتمر الوطني فإن "خلفية الصالة تحولت إلى مقصورات وكأنها مسرح، حيث كانت النسوة يرتدين أكثر ملابسهن أناقة ورحن يلعقن المثلجات ويأكلن البرتقال ويشربن المسكرات المعطرة والمحلاة ···· ويمكن للمرء أن يرى السعاة والحجاب ··· يرافقون خليلة دوق أورليان"(12) وتم إطلاع الملك على الوثائق التي وجدت في الصندوق فأنكر توقيعه وأنكر أي علم له بالصندوق· وواجــه الأســـئلة بالتعلل بعـــدم التذكــر ليعين لنفســه محامين، فعرض شريتين دى ماليشيرب Chrètien de Malesherbes الذي دافع عن الفلاسفة(ü) Philosohpes والأنسيكلوبيدي(الموسوعي) في عهد لويس الخامس -Louis XV الدفاع عن الملك، فوافق لويس السادس عشر وهو حزين وقال له: "إن تضحيتك عظيمة لأنك تعرض حياتك للخطر ومع هذا فلن يمكنك إنقاذ حياتي"(31)· (وبالفعل فقد أعدم ماليشيرب بالمقصلة في أبريل سنة 1794) وفي هذه الأثناء اقترح ممثلو القوى الأجنبية شراء بعض الأصوات لصالح الملك ووافق دانتون أن يكون وكيلا للمشترين لكن المبلغ المطلوب كان أكثر مما يريد أصحاب الجلالة استثماره(14) ·

وفي 26 ديسمبر قدم رومين سيز Romain de Sèze القضية للدفاع، وساق رومين الحجة بأن الدستور لم يعط لأعضاء المؤتمر الوطني الحق في محاكمة الملك، وأن للملك الحقوق الإنسانية للدفاع عن حياته، فقد كان واحدا من أكثر الرجال إنسانية وأرقهم حاشية ومن أكثر الحكام ليبرالية ممن تبوأوا عرش فرنسا· هل نسي نواب المؤتمر الوطني إصلاحاته العديدة؟ ألم يكن هو الذي بدأ الثورة بدعوته مجلس طبقات الأمة للانعقاد ودعوته الفرنسيين كلهم ليقولوا له عن الأخطاء الحادثة وعن رغباتهم؟

وأجاب المدعي العام بأن الملك قد تفاوض مع القوى الأجنبية للقضاء على الثورة، فلم نستثني وارث العرش إذا كان خائنا مــــن إيقاع القصاص عليه؟ فطالما ظل على قيد الحياة ستحاك المؤامرات لإعادته إلى سلطانه كما كان قبل الثورة· فليكن عبرة للملوك كلهم حتى يرعووا ويتفكروا قبل أن يخونوا آمال شعوبهم·

وبدأ التصويت على جرم(إدانة) الملك في 15 يناير سنة 1793 · فصوت 683 - بمن فيهم ابن عم الملك فيليب دورليان Philipee d`Orléans من بين 749 نائبا على إدانة الملك(15)· وقد عارض روبيسبير ومارا وسان ـ جوست Saint - Just حركة طرح هذا القرار (الحكم) للتصديق أو دعوة الشعب الفرنسي للاقتراع عليه من خلال جمعيات القاعدة Primary assemblies، ولم يحظ هذا الاقتراح بالقبول فقد عارضه 424 ولم يوافق عليه سوى 287، لأن دعوة الشعب إلى مثل هذا الاقتراع تعني استفتاءهم على عودة الملكية، كما قال سان جوست· أما روبيسبير الذي طالما دافع عن الديمقراطية وحق الذكور جميعهم في الانتخاب فقد تردد الآن وقال إن "الفضيلة (وتعني الحماسة الجمهورية) كانت دائما في الأقلية على هذه الارض"(16) وعندما وضع السؤال التالي في صياغته الأخيرة في 16 يناير: "ما هو الحكم الذي سيتعرض له ملك فرنسا؟" فإن الفريقين دخلا في نزاع شهدته الشوارع حيث صاحت الجموع مطالبة بحكم الإعدام وهددوا حياة كل من يصوت لحكم أقل من الإعدام، حتى إن النواب الذين كانوا حتى الأمس يطالبون بعدم إعدامه أصبحوا خوفا على حيواتهم يصوتون لصالح الحكم عليه بالإعدام، وأذعن دانتون، وثبت بين Paine على موقفه، أما فيليب دورليان الذي كان مستعدا للحاق بابن عمه فقد صوت لإقصائه (لإعدامه) أما مارا Marat فقد صوت لإعدامه في ظرف أربع وعشرين ساعة أما روبيسبير الذي كان دائما يعارض العقوبات الغليظة (الإعدام) فقد أصبح الآن يقدم الحجج ليبرهن على أن بقاء الملك حيا سيكون خطراً على الجمهورية (17)، أما كوندرسيه فطالب بإبطال العقوبات الغليظة (الإعدام) الآن وإلى الأبد، وحذر بريسوBrissot من أن الحكم بالإعدام سيؤدي إلى دخول ملوك أوروبا كلهم الحرب ضد فرنسا· وبعض النواب في المؤتمر الوطني أضافوا إلى تصويتهم شروحا (تعليقات) فقد قال باجانل Paganel : الموت! - إن الملك لا يصلح إلا له، أو لا فائدة منه إلا له "وقال ميلو Millaud اليوم إذا لم يكن الموت موجودا لوجب اختراعه"· هكذا اقترح فولتير على الرب echoing voltaire on God أما دوشاتل Duchatel - وكان قد مات - فكم كان يود أن ترد إليه الحياة ليصوت ضد قتل الملك أمام المحكمة ثم يموت مرة أخرى(18)· وكانت النتيجة النهائية هي موافقة 361 على موت الملك عاجلا، وصوت 334 لتأجيل هذا الأمر·

وفي 20 يناير قتل العضو السابق في فيلق حراسة الملك، لويس - ميشيل ليبليتيه دي سان فارجو Louis - Michel Lepeletier de Saint - Fargeau الذي كان قد صوت لصالح قتل الملك· وفي 21 يناير حملت عربة يحيط بها حرس مسلح، سارت على طول الشوارع التي حددها الحرس الوطني، لويس السادس عشر إلى ميدان الثورة (الآن ميدان الكونكورد Concorde أي ميدان الوفاق والوئام)· وقبل أن تهوي عليه المقصلة حاول أن يتحدث إلى الجموع: "أيها الفرنسيون، إنني أموت بريئا ·· إنني أقول ذلك وأنا على سقالة المقصلة وسأمثل قريبا أمام الرب· إنني أعذر أعدائي، وآمل أن فرنسا - " لكن عند هذه الكلمة أشار سانتير Santerre رئيس حرس باريس الوطني وقال: فلتدق الطبول Tambours " فدقت الطبول، وراحت الجماهير تنظر في صمت كئيب والنصل الثقيل يسقط، وراحوا يبكون حتى النخاع، وفي وقت لاحق قال واحد ممن حضروا هذا المشهد" في ذلك اليوم راح كل واحد يسير ببطء ولم يكن الواحد منا يجسر على النظر إلى الآخر"(19)·

 

برامج -> عصر نابليون -> الثورة الفرنسية -> المؤتمر الوطني -> الثورة الثانية 

2- الثورة الثانية

1793

لقد كان إعدام الملك نصراً بالنسبة للجبليين (اليسار) والكومون وسياسة الحرب، كما أنه وحد المشتركين في قتل الملك والمتسببين فيه فارتبطوا ارتباطاً مصيرياً بالثورة فقد يقع عليهم الاختيار للتضحية بهم عند إعادة عرش البوربون· وقد أدى هذا الحدث إلى انقسام الجيرونديين وعزلتهم، فقد انشقوا عند التصويت وهم الآن يتحركون في باريس وهم في حالة خوف على حيواتهم وتطلعوا إلى المحافظات حيث السلام والنظام موجودان بشكل نسبي، واستقال رولان Roland - مريضا محبطا - من المجلس التنفيذي بعد يوم من إعدام الملك، والسلام الذي كان ممكنا بانشغال النمسا وبروسيا بتقسيم بولندا، غدا مستحيلا الآن بسبب غضب ملوك أوروبا لقطع رأس واحد من إخوانهم·

وفي انجلترا وجد وليم بت Willam Pitt رئيس الوزراء الذي كان يفكر في شن الحرب على فرنسا، أنه لم يعد هناك كبير أثر لأي معارضة برلمانية لسياسته، وصدم جماهير الإنجليز لأخبار إعدام الملك الفرنسي كما لو أن الملكية نفسها هي التي وضعت تحت المقصلة، كما لو أنهم هم أنفسهم (الإنجليز) ليسوا سلالة من نفذ الإعدام في شارلز الأول Charles I، وكان هدف بت Pitt الحقيقي - بطبيعة الحال - هو أن سيطرة فرنسا على أنتورب ستعطي لها - وهي عدوة بريطانيا القديمة - مفتاح الراين Rhine - وهو الطريق الرئيسي لتجارة بريطانيا مع وسط أوروبا· وأصبح هذا الخطر أكثر حدة عندما أعلن المؤتمر الوطني في 15 ديسمبر سنة 1792 ضم بلجيكا إلى فرنسا· والآن لقد فتح الطريق للسيطرة الفرنسية على هولندا وبلاد الراين Rhineland، فكل وادي الراين الخصب والمعمور بالسكان يمكن أن يغلق في وجه بريطانيا التي تعيش على تصدير منتجات صناعتها المنتشرة·

وفي 24 يناير سنة 1793 طرد بت Pitt السفير الفرنسي وفي أول فبراير أعلن المؤتمر الوطني الحرب على كل من إنجلترا وهولندا· وفي 7 مارس انضمت إليهما أسبانيا وبدأ التحالف الأوربي الأول (المكون من بروسيا والنمسا وسردينيا وإنجلترا وهولندا وإسبانيا) المرحلة الثانية في العمل على كبح الثورة الفرنسية·

لقد توالت الكوارث بسرعة جعلت المؤتمر الوطني غير قادر على ملاحقتها، فالجيوش الثورية قد خملت بعد انتصاراتها المبدئية وترك آلاف المتطوعين الخدمة بعد انقضاء الفترة المحددة وتناقص عدد الجنود في الجبهة الشرقية من 400.00 إلى 225.000، وحتى هؤلاء كانوا ذوي ثياب رثة طعامهم الكفاف بسبب عدم كفاءة الممولين (المتعاقدين لتمويل الجيش) وفسادهم وارتشائهم، هؤلاء الممولين الذين كان يحميهم دومورييه Dumouriez ويستغلهم·

وفي 24 فبراير لجأ المؤتمر الوطني إلى التجنيد الإلزامي لإنشاء جيوش جديدة لكنه حابى الأثرياء بالسماح لهم بدفع البدلية لمن يقاتل عنهم (النص: شراء من يقوم مقامهم)، وانفجر التمرد على التجنيد الإلزامي في محافظات مختلفة، ففي الفنيدي Vende`e كان السخط على التجنيد الإلزامي وارتفاع تكاليف المعيشة وندرة الطعام، بالإضافة للسخط على التشريع المضاد للكاثوليكية، كل أولئك تضافر معا ليسبب تمردا حقيقيا اتسع مداه حتى استلزم الأمر استدعاء جيش من الجبهة للسيطرة على الأمور· وفي 16 فبراير قاد دومورييه Dumouriez 000،02 جندي لغزو هولندا، فهاجمت قوة نمساوية بقيادة الأمير ساكس - كوبرج Saxe - Coburg الحامية التي تركها دومورييه في بلجيكا، وكان هجومه مفاجئا مما تسبب في إبادة الحامية الفرنسية، أما دومورييه نفسه فقد هزم في نيرفندن Neerwinden (81 مارس)، وفي 5 أبريل انضم إلى النمساويين ومعه ألف رجل (تخلى عن الثورة لصالح أعدائها)· وفي ذلك الشهر التقى مندوبون· من إنجلترا وبروسيا والنمسا لوضع الخطط لإخضاع فرنسا·

لقد هددت المصاعب الداخلية والنكسات الخارجية بانهيار الحكومة الفرنسية، فرغم مصادرة أملاك الكنسية وممتلكات المهاجرين (الذين تركوا فرنسا بسبب أحداث الثورة) فإن الأسينات assignats (العملة التي أصدرتها حكومة الثورة) كادت تفقد قيمتها فجأة، إذ أصبحت لا تساوي سوى 47% من قيمتها الاسمية في أبريل سنة 1793 وفي غضون ثلاثة أشهر بعد ذلك تدنت قيمتها إلى 33% (أي أصبحت لا تساوى سوى 33% من القيمة المكتوبة عليها)(20) واتسع مدى المقاومة للضرائب الجديدة حتى أصبحت تكاليف جمعها تكاد تساوي قيمتها·

وأدت القروض الجبرية (اقتراض الحكومة بتوجيه الأوامر لمن تقترض منهم)- كما في حدث في الفترة من 20 - 25 مايو 1793 - إلى سلب البورجوازية الصاعدة، وعندما حاولت هذه الطبقة استخدام الجيرونديين لحماية مصالحهم في الحكومة، أدى هذا إلى تعميق الصراع بين الجيرونديين والجبليين (اليسار) في المؤتمر الوطني· واستطاع دانتون وروبيسبير ومارا نزع نادي اليعاقبة من سياساته البورجوازية الأصلية ليجعلوه أقرب إلى الأفكار الراديكالية· أما الكوميون الذي يقوده الآن بيير شومت Pierre Chaumette وجاك هيبرت Jacques Hèbert فقد استخدم الجريدة الضارية (العنيفة) التي يمتلكها هذا الأخير (جاك) والتي تحمل اسم Pére Duchesne لإثارة المدينة (باريس) ومحاصرة المؤتمر الوطني بوابل من المطالب والإلحاح على مصادرة الثروات، وراح مارا Marat يوما بعد يوم يشن الحرب ضد الجيرونديين باعتبارهم حماة للأثرياء· وفي فبراير سنة 1793 قاد جاك رو Jacques Roux وجان فارلت Jean Varlet مجموعة من البرولتياريا (الذئاب المسعورة (Enragés لمهاجمة ارتفاع أسعار الخبز والإصرار على أن يقوم المؤتمر الوطني بتحديد أسعار كل ما هو ضروري للحياة· ولأن المؤتمر الوطني قد أزعجته عاصفة المشاكل فقد عهد بأعماله المنوطة به في عام 1793 إلى لجان تتم الموافقة على قراراتها بأقل قدر من النقاش·

وتم تعيين معظم اللجان لتكون مخصصة لمجال معين من مجالات النشاط والإدارة: الزراعة، الصناعة، التجارة، المحاسبة، المالية، التعليم، الخدمة الاجتماعية، شئون المستعمرات·

وعادة ما كانت كل لجنة تضم اختصاصيين في مجالها، وقد أدت هذه اللجان أعمالاً طيبة جداً، بل إنها وسط الأزمات التي بلغت ذروتها، أعدت دستورا جديدا وتركت تراثا تشريعيا بناء راق لنابليون فكون على هديه "المدونة القانونية النابليونية" Code Napoléon·

ولحماية الثورة من الوكالات الأجنبية (غير الفرنسية) والتخريب الداخلي والإزعاج السياسي عين المؤتمر الوطني في 10 مارس 1793 لجنة الرقابة العامة(ü) كوزارة وطنية للبوليس ذات صلاحيات عملية مطلقة للقيام بزيارات مفاجئة للأماكن كلها بما فيها البيوت دون تحذير للقبض على أي شخص يشك في عدم ولائه أو في ارتكابه جريمة وقد تم إنشاء لجان أخرى للمراقبة في الكوميون وأحياء (أقسام) المدن ·

وأنشأ المجلس الوطني أيضا في 10 مارس محكمة ثورية(ü) لمحاكمة من يرسل إليها من المشكوك فيهم الذين سمح لهم بمحامين للدفاع عنهم لكن الحكم الذي يصدره المحلفون Jorors لا يمكن استئنافه أو إعادة النظر فيه· وفي 15 أبريل عين المؤتمر الوطني أنطوان - كوينتن فوكير - تينفيل Antoine -Quentin Fouquier - Tinville مدعياً عاماً رئيسياً أمام هذه المحكمة الثورية الآنف ذكرها وهو محام حقق شهرة بسبب إتقانه التحقيق ولعدم رحمته لكنه كفء، وإن كان لا يخلو من المشاعر الإنسانية بين الحين والآخر،(21) وعلى أية حال فإننا عرفناه من خلال رسم محفور يظهره بوجه كالصقر وأنف كالسيف· وبدأت هذه المحكمة الثورية جلساتها في 6 أبريل في قصر العدل، وكلما سارت الحرب قدما،وزاد عدد المتهمين المقدمين للمحكمة زيادة يصعب على المحكمة السيطرة عليها، اختزلت إجراءاتها القانونية وراحت تصدر الحكم بالإدانة في القضايا كلها تقريبا التي أحالتها لجنة الأمن العام(üü) Committee of Public Safety·

وهذه اللجنة الأخيرة (لجنة الأمن العام (Comite` de Salut Public أنشئت في 6 أبريل سنة 1793 لتحل محل المجلس التنفيذي Executive Council وأصبحت هي ذراع الدولة الفعال (الرئيسي)· لقد كانت مجلس حرب· إنه لا يجب النظر إليها كحكومة مدنية تعترف بالقيود الدستورية (المقصود تمتنع عما يمنعه الدستور) وإنما كجهاز مخول تشريعيا بقيادة أمه تحارب من أجل وجودها، وبالتالي توجيه الأوامر لها· ولم تكن لسلطاته حدود إلا بمسئولياته أمام المؤتمر الوطني، ولا بد من تقديم قراراته لهذا المؤتمر الوطني الذي أحالها كلها تقريبا إلى مراسيم ملزمة· لقد كانت هذه اللجنة تدير السياسة الخارجية وتتحكم في الجيوش وجنرالاتها وفي الموظفين المدنيين ولجان الفنون والدين، والخدمات السرية للدولة، وكان يمكنها أن توجه الرسائل الخاصة (للأفراد والهيئات) والعامة (للجماهير)، وكانت ذات ميزانيات سرية ومن خلال "ممثليها المبعوثين" أو المرسلين في مهام كانت تتحكم في الموت والحياة في المحافظات وكانت تجتمع في حدائق (قسم النباتات) في التوليري (بافيلون دي فلور (Povillon de Flore بين القصر (التوليري) والسين Seine وكان أعضاؤها يجتمعون حول منضدة اجتماعات مغطاة بقماش أخضر، أصبحت - أي هذه المنضدة - لمدة عام مجلساً للحكومة الفرنسية·

وكان يجلس في صدر اللجنة حتى 10 يوليو دانتون الذي تم اختياره للمرة الثانية ليقود الأمة وهي في حالة خطر، وبدأ دانتون على الفور بحث زملائه في اللجنة - وبالتالي المجلس الوطني - على ضرورة أن تتراجع الحكومة علناً عن عزمها التدخل في الشئون الداخلية لأي أمــة أخرى(22)· وأرسل المؤتمر الوطني بسبب حث دانتون ورغم اعتراضات روبيسبير مبعوثها لجس النبض طلبا للسلام لكل دولة من الدول التي شكلت تحالفا ضدها· وحث دوق بونسفيك Duke of Bunswick لإيقاف تقدمه، ونجح في ترتيب حلف مع السويد(23)· وحاول مرة أخرى التوفيق بين الجبليين (اليسار) والجيرونديين لكن الخلافات بينهما كانت عميقة جداً·

وكثف مارا Marat هجومه على الجيرويدنيين حتى إنهم في ثورة غضبهم استصدروا في 14 أبريل سنة 1793 مرسوما من المؤتمر الوطني بإحالته إلى المحكمة الثورية لدفاعه عن القتل ودعوته إلى الدكتاتورية· وعند محاكمته تجمع عدد كبير من السانس كولوت (الذين لا يرتدون سراويل قصيرة أي الشريحة الدنيا من الطبقة الثالثة) في قصر العدل والشوارع المفضية إليه يطالبون "بالانتقام من أي حماقة ترتكب ضد حاميهم الأثير لديهم"، وعندما خاف المحلفون أطلقوا سراحه فحمله أتباعه في موكب نصر على أكتافهم إلى المؤتمر الوطني وهناك هدد بالانتقام من متهميه، ومن هناك حملته الجماهير المبتهجة إلى نادي اليعاقبة وهناك جعلوه على مقعد الرياسة(24)· وواصل مارا معركته مطالب بطرد الجيرونديين من المجلس الوطني باعتبارهم خونة الثورة البورجوازيين bourgeois belvayers of the revolution ·

وحقق مارا Marat مكسبا خطيرا عندما أصدر المؤتمر الوطني - رغم اعتراض الجيرونديين وتحذيرهم - مرسوما بوضع حد أقصى لأسعار الحبوب في كل مرحلة من مراحل انتقالها من المنتج إلى المستهلك وأمر الجهات الحكومية بأن يصادروا من الزراع الإنتاج كله اللازم لمواجهة الاحتياجات(25)·

وفي 29 سبتمبر امتدت هذه الإجراءات لتحديد أسعار البضائع الأساسية كلها، فدخلت تحت سياسة "تحديد سقف أعلى للأسعار"(26) لقد برزت الآن الحرب الداخلية بين المنتج والمستهلك، فثار الفلاحون على مصادرة محاصيلهم(27) وقل الإنتاج للشعور بأن القوانين الجديدة عاقت الدوافع للربح واتسعت السوق السوداء، عارضة بأسعار عالية البضائع للقادر على الدفع، والأسواق التي نفذت قوانين تحديد الأسعار خلت من الحبوب والخبز، ومرة أخرى سارت مظاهرات الجياع خلال شوارع المدينة·

وفزع الجيرنديون إلى ناخبيهم من الطبقة الوسطى في المحافظات لإنقاذهم من استبداد الجماهير، بعد أن امتعضوا بشدة ومراره من الضغط الذي تمارسه الطبقات الدنيا في باريس على المجلس الوطني· وكتب فرجنيو Vergniaud إلى ناخبيه في بوردو Bordeaux في 4 مايو سنة 1793: "إنني أدعوكم إلى منبر الدفاع عن حقوق الشعب لتدافعوا عنا إن كان هناك وقت باق للثأر للحرية، بإبادة الطغاة"(28) وكتب باربارو Barbaroux على النحو نفسه إلى مؤيديه في مرسيليا، وفيها - أي في مرسيليا- كما في ليون Lyons تحالفت الأقلية البورجوازية مع النبلاء السابقين لطرد رئيسى البلدية الراديكاليين في كلتيها·

وفي 18 مايو حث النواب الجيرونديون المؤتمر الوطني لتعيين لجنة للتفتيش على علميات كومون باريس وأحيائه (أقسام باريس) لكشف المخالفات القانونية· وكان أعضاء هذه اللجنة كلهم من الجيرونديين· وفي 24 مايو أمر المؤتمر الوطني بالقبض على هيبير Hèbert وفارلت Varlet باعتبارهما محرضين (مثيرين للفتنة)، وطالب الكومون والستة عشر قسما التابعة له - في الوقت نفسه - بالإفراج عنهما، لكن المؤتمر الوطني رفض· وحرض روبيسبير في نادي اليعاقبة في 26 مايو المواطنين على الثورة: "عندما تظلم الجماهير، وعندما لا يكون لها ملجأ إلا إلى نفسها، فمن الجبن حقا ألا ندعوها إلى الثورة· فعندما تنتهك القوانين كلها وعندما يبلغ الاستبداد ذروته، وعندما تداس العقيدة الطيبة واللياقة فلا بد أن يقوم الشعب بحركة مقاومة شعبية· لقد آن الأوان لذلك"(29) وفي 27 مايو طالب مارا Marat في المؤتمر الوطني بقمع اللجنة (لجنة الجيرونديين الآنف ذكرها) "لانها معادية للحرية ولأنها تميل إلى الحث على معارضة الشعب ومقاومته، وهذا التهديد مصلت فوق الرأس قريب الحدوث بسبب الإهمال الذي وقعتم فيه بالسماح بارتفاع أسعار البضائع ارتفاعا فظيعاً"· وفي تلك الليلة مهد الجبليون (اليسار) الطريق لاتخاذ إجراء بإلغاء اللجنة (لجنة الجيرونديين الآنف ذكرها) وجرى التصويت الذي كانت نتيجته هذا الإلغاء، بأغلبية 279 ضد 238 · وفي 30 مايو انضم دانتون إلى روبيسبير ومارا للدعوة إلى "نشاط ثوري أو هبة ثورية Revolutionay Vigor

وفي 31 مايو قرعت الأحياء أجراس التنبيه للخطر ليهب المواطنون - عند سماعها، وتجمعت الجماهير عند دار البلدية Hotel de ville وكونوا مجلس مقاومة، وضمنوا دعم حرس باريس الوطني بقيادة قائده الراديكالي هانريوت Hanriot، ودخل هذا المجلس الجديد - يحميه هانريوت بحرسه والجماهير المتزايدة العدد - إلى صالة المؤتمر الوطني وطالب بمثول الجيرونديين ليحاكموا أمام محكمة الثورة، وتحديد سعر الخبز عند ثلاثة جنيهات في أنحاء فرنسا كلها، وأي عجز ينتج عن ذلك يعالج بفرض ضريبة على الأثرياء، وأن يكون حق الانتخاب مقتصرا مؤقتا على السانس كولوت(03) (الذين لا يرتدون سراويل >بناطيل< قصيرة - الطبقة الثالثة)، وأقر المؤتمر الوطني الاعتراض الثاني فقط لهذه اللجنة البغيضة، وتراجعت الفصائل المسلحة لحلول الليل·

وعاد مجلس المقاومة الآنف ذكره إلى المؤتمر الوطني في أول يوليو مطالبا بالقبض على رولان Rolan الذي اتهمه السانس كولوت(الطبقة الدنيا) بارتباط مصالحه بالمصالح البورجوازية· وفر رولان هاربا إلى الجنوب حيث لاقى ترحيباً· أما زوجته مدام رولان فقد تأخرت ولم تلحق به لأنها خططت للدفاع عنه أمام المؤتمر الوطني لكن قبض عليها وأودعت في سجن أباى Abbaye (الكلمة تعني، الدير لأن هذا السجن كان في أصله ديرا) ولم يتح لها أن ترى زوجها بعد ذلك أبدا، وفي 2 يونيه احتشد ثمانون ألف رجل وامرأة - كان كثيرون منهم مسلحين - حول مقر المؤتمر الوطني، ووجه الحرس مدفعه للمبنى، وأخبر مجلس المقاومة الآنف ذكره نواب المؤتمر الوطني أن أحداً منهم لن يسمح له بالخروج حتى تتم الاستجابة لطلبات المجلس (مجلس المقاومة) كلها· وذكر مارا Marat بصوت عال أسماء الجيرونديين الذين يوصي بالقبض عليهم، وكان مارا قد سيطر على المنصة (المنبر) التي يتحدث متحدثو المؤتمر من فوقها ودبر بعض نواب المؤتمر أمر تملصهم من الحرس والجماهير وهربوا إلى المحافظات، وجرى القبض على اثنين وعشرين وفرضت عليهم الإقامة الجبرية في منازلهم بباريس· ومنذ هذا اليوم وحتى 26 يوليو أصبح المؤتمر الوطني خادماً مطيعا للجبليين (اليسار) ولجنة الأمن العام وجماهير باريس· لقد هزمت الثورة الثانية البورجوازية وأسست مؤقتا دكتاتورية البرولتياريا·

وأعطى المنتصرون للنظام الجديد شكلا بتكليف كل من هيرول دى سيشل Herault de Sechelles وسان - جوس Saint - Jus بصياغة الدستور الجديد الذي كان قد صدر في11 أكتوبر 1792 · وقد أعاد حق الانتخاب للذكور البالغين كلهم وأضاف حق كل مواطن في مورد رزق، والتعليم والمقاومة، وقصر حقوق الملكية بحيث لا تتعارض مع المصلحة العامة، وأعلن حرية العبادة واعترف بكرم ولطف بوجود الله (سبحانه) a Supreme being كموجود أسمى وأعلن الأخلاق كأمرٍ لازم للمجتمع، وقد أطلق كارليل Carlyle الذي لم يكن يستطيع أن يهضم (يستسيغ) الديمقراطية هــذا بأنه " أكثر الدساتير- التي حبرت على الورق - ديمقراطية(31) وقبله المؤتمر الوطني (في 4 يونية سنة 1793) وأقره ربع الناخبين 1.801.918 واعترض عليه 11.610. وظل دستور 1793 على الورق فقط لأنه في 10 يوليو جدد المؤتمر الوطني للجنة الأمن العام Committee of Public Safety صلاحياتها كسلطة حاكمة فوق الدستور حتى يعود السلام·

 

برامج -> عصر نابليون -> الثورة الفرنسية -> المؤتمر الوطني -> مصرع مارا 

3- مصرع مارا

13 يوليو 1793

ولجأ ثلاثة من الجيرونديين هم بتيو Pètion وباربارو Barbaroux وبوزو Buzot إلى كان Caen حيث وجدوا الحماية، وكانت هي الحصن الشمالي "للفدراليين Federalist " الذين يعارضون هيمنة أهل باريس على الحكومة الوطنية· وراحوا يلقون الخطب ليشجبوا السانس كولوت (ذوي السراويل >البناطيل< الطوال) والمتحدثين باسمهم خاصة مارا Marat ونظموا مظاهرات عسكرية للاعتراض ونظموا جيشا للتقدم صوب العاصمة·

وكانت شارلوت كورداي Charlotte Corday من بين أكثر المستمعين إليهم حماسة وتعاطفا، وهي تنحدر من سلالة المسرحي بيير كورنيل Pierre Corneille سليلة أسرة مؤيدة للنظام الملكي بشدة، وكانت أسرتها قد أصابها الفقر فتعلمت شارلوت في دير للراهبات وخدمت مدة عامين كراهبة وأتاحت لها الظروف قراءة بلوتارخ Plutarch وروسو Rousseau بل وحتى فولتير Voltaire، وقد تركت إيمانها (تشككت في المسيحية) وفتنت بأبطال روما القديمة· وقد صدمت عندما سمعت بقتل الملك الفرنسي (لويس السادس عشر) وكانت ممتعضة بسبب ما أثاره مارا Marat من سخط على الجيرونديين· وفي 20 يونيو سنة 1793 زارت باربارو Barbaroux وكان وقتها في السادسة والعشرين وكان وسيما جدا حتى أن مدام رولان Mme - Roland شبهته بأنطونيوس محبوب الإمبراطور هدريان· وكانت شارلوت تقترب من الخامسة والعشرين، وكان عقلها مشغولا بأمور أخرى بالإضافة إلى الحب، وكل ما طلبته هو خطاب تعريف لنائب في المؤتمر الوطني ليرتب لها لقاء مع المؤتمر، فكتب لها باربارو خطاب تقديم إلى لوز دوبرى Lauze Duperret، وفي 9 يوليو استقلت مركبة عمومية إلى باريس فوصلتها في 11 يوليو واشترت سكين مطبخ يبلغ طول نصلها ست بوصات، ودبرت أن تدخل قاعة اجتماع المؤتمر الوطني وتقتل مارا Marat على مقعده لكنها علمت أن مارا مريض ومقيم في منزله، فحصلت على عنوانه وذهبت إليه لكن لم يسمح لها بالدخول إذ قيل لها "السيد في الحمام" فعادت إلى محل إقامتها·

لقد كان الحمام الآن هو "المكتب الأثير" لدى مارا Marat، فقد تفاقم مرضه الذي يظهر أنه كان نوعا من الدرن الجلدي (السلية الجلدية) أو الاسكروفولا Scrofula وكان يجد راحة من آلامه بالجلوس مغمورا في الماء الدافىء حتى وسطه، وكانوا يضيفون له في هذا الماء المواد المعدنية والأدوية، وكان يضع قطعة قماش للتجفيف (منديلاً ) فوق كتفيه، ويلف حول رأسه منديلا كبيرا مبللاً بالخل، وكان يحتفظ بالأوراق والقلم والمحبرة فوق متسع على حافة الحوض، وكان يكتب يوما بعد يوم المادة المطلوبة لصحيفته على هذه الحافة وهو في هذا الحوض(32)· وكانت أخته ألبرتين Albertine تتولى العناية به ، ومنذ سنة 1790 أصبح موضع رعاية من خادمته سيمون إيفارد Simone Evard التي تزوجها زواجا غير موثق كنسيا (لم يعقد أمام الإكليروس) وانما "أمام الله Supreme being أو الموجود الاسمي، ···· في معبد الطبيعة الواسع"(33)·

وأرسلت شارلوت Charlotte من مقر إقامتها طلباً لمقابلته: "لقد قدمت من كان Caen، إن حبك لأمتك يجب أن يجعلك متنبها للمؤمرات التي تحاك هناك· إنني في إنتظار إجابتك"(43)· ولم تطق شارلوت صبرا حتى تتلقى الإجابة، ففي مساء 13 يوليو طرقت باب داره مرة أخرى، فلم يسمح لها بالدخول ولكن مارا Marat سمع صوتها فطلب السماح لها بالدخول واستقبلها بترحيب وأمر لها بمقعد فجلست فقربت مقعدها منه، فسألها: "ماذا يجرى في كان Caen؟" (أو هكذا روت شارلوت فيما بعد هذا الحوار الغريب) فأجابت: "ثمانية عشر نائبا من المجلس الوطني يحكمون هناك بالتآمر مع مسئولي المحافظة" فسألها: ما أسماؤهم، "فذكرتها له، فكتبها، , وأصدر حكمه التالى: ستجز المقصلة رقابهم" وعندئذ سحبت شارلوت سكينها وطعنته في صدره بكل قوتها حتى أن نصل السكين اخترق الأورطي aorta وتفجر الدم أثر الطعنة، فصرخ مناديا سيمون Simonne " أسرعي إلى ·· أسرعي إلى يا صديقتي العزيزة" فأقبلت سيمون فمات بين ذراعيها، واندفعت شارلوت خارجة من الحجرة فاعترضها رجل وكف مقاومتها مستخدما كرسيا، وتم استدعاء البوليس فقبض عليها، فقالت:"لقد أديت واجبي فلندعهم - أي رجال الشرطة - يؤدون واجبهم"(35)·

ولا بد أن مارا Marat كان يتمتع ببعض الصفات الطيبة فقد اجتمعت على حبه امرأتان تنافستا في ذلك ونذرت أخته نفسها فيما تبقى من عمرها لتوقير ذكراه·

وكان مارا في وقت من الأوقات طبيبا ناجحا، ولم يترك عند مماته شيئا سوى بعض المخطوطات العلمية وخمسة وعشرين سو(36) Sous وكان مارا Marat متعصبا لكنه أخلص للجماهير الذين نسيتهم الطبيعة والتاريخ، واحتفظ نادي الكوردليير(نسبة إلى مقرهم في دير فرسسكاني) بقلبه كأثر مقدس (ذي طابع ديني كرفات القديسين)، وأقبل الآلاف لإلقاء نظرة عليه "بتوقير صامت وقد كتموا أنفاسهم"(37) وفي 16 يوليو تبع جثمانه أعضاء المجلس الوطني المتبقون كلهم وخلق كثير من رجال ونساء أتوا من الأحياء (الأقسام) الثورية، إلى مثواه في بساتين الكوردليير (نسبة إلى دير فرنسسكاني جعلوه مقراً لهم) ونصب تمثاله الذي نحته دافيد David في قاعة المؤتمر الوطني وفي 21 سبتمبر سنة 1794 نقل رفاته إلى البانثيون Panthèon (مدفن العظماء)·

وكانت محاكمة شارلوت قصيرة فقد اعترفت بفعلتها لكنها لم تعترف بأنها مذنبة، فقد قالت إنها لم تفعل سوى الانتقام لضحايا مذبحة سبتمبر، وقالت لقد قتلت "رجلا لأنقذ مائة ألف رجل"(38) وكتبت في خطاب إلى باربارو Barbaroux بصراحة قائلة "إن الغاية تبرر الوسيلة"(39) وبعد ساعات قليلة من اعترافها تم إعدامها في ميدان الثورة، وواجهت بزهو لعنات الجماهير التي حضرت تنفيذ الحكم فيها ورفضت عرض أحد القسس تلقينها العبارات التي يقولها الكاثوليكي عند الموت ورفضت قيامه بطقوس دينية قبل إعدامها(40)·

لقد ماتت شارلوت قبل أن تتحقق من أن فعلتها (قتل مارا) فيها هلاك الجيرونديين الذين كانت تظن أنها تخدمهم بفعلتها هذه· وقال فيرنيو Vergniaud للجيرونديين مسامحاً إياها ومدركاً لأبعاد فعلتها:"لقد قتلتنا، لكنها علمتنا كيف نموت"(14)·  

احتفظ المؤتمر الوطني لنفسه بحق المراجعة الشهرية لعضوية لجنة الأمن العام، وفي 10 يوليو كانت سياسة السلام التي تبنتها اللجنة وكذلك سياستها الخارجية والداخلية قد فشلت، فأزاح المؤتمر دانتون، وفي 25 يوليو انتخبه المؤتمر رئيساً له لدورة عادية لمدة أسبوعين(وربما كان هذا كي يظهر المؤتمر استمرار تقديره له)، وماتت زوجة دانتون في فبراير وتركت له طفلين، وفي 17 يونية تزوج من فتاة في السادسة عشرة، وفي 10 يوليو استقر في بيته كزوج مرة أخرى·

وفي 27 يوليو تم تعيين روبيسبير في لجنة الأمن العام ولم يهتم دانتون به وقال: "هذا الرجل ليس لديه من الدهاء ما يكفي لسلق بيضة"(24) ومع هذا ففي أول أغسطس حث المؤتمر الوطني على تخويل لجنة الأمن العام صلاحيات وسلطات كاملة· وربما اعتذاراً منه عن هذه المشورة، ذكر لديمولان Desmoulins وهما يراقبان غروب الشمس على نهر السين، وكانت أشعة الشمس الغاربة قد جعلت مياهه حمراء قانية: "إن النهر يجرى دما"· وفي سبتمبر اقترح المؤتمر الوطني عليه العودة إلى لجنة الأمن العام لكنه رفض(43) وغادر باريس في 12 أكتوبر مرهقا مريضا ونشد الراحة في البيت الذي كان قد اشتراه في موطنه الأصلي أرسي - سير أوب Arcis - Sur - Aube في وادي ميرن Marne، وعندما عاد إلى باريس في 21 نوفمبر كان السين يجرى دما بالفعل·

وخلال الصيف أخذت "اللجنة الكبرى" كما أصبحت تسمى شكلها التاريخي· إنها الآن تتكون من اثنى عشر رجلاً كلهم من الطبقة الوسطى وكلهم نالوا قسطا طيبا من التعليم، وكلهم ذوو دخول جيدة وكلهم يعرفون الفلاسفة Philosophes وروسو Rousseau، لقد كان ثمانية منهم محامين واثنان مهندسين، ولم يكن منهم من اشتغل بيديه سوى كولوت دربوا Collot d`Herbois إن دكتاتورية البرولتياريا إذن ليست على الإطلاق برولتيارية، ولنراجع السجلات:

1- برتران بارير Bertrand Barère ، في الثامنة والثلاثين، أوكل إليه بالإضافة إلى واجباته المختلفة مهمة الحضور أمام الؤتمر الوطني والدفاع عن القرارات التي تصل إليها اللجنة (لجنة الأمن العام) والعمل على صدور مراسيم بشأنها· كان ودودا مقنعا، فقد كان يصوغ الإحصاءات شعرا ويزف أحكام الموت ببلاغة ولم يكن له أعداء كثيرون على قيد الحياة وكان يتلون بلون السياسة القائمة وعاش حتى سن السادسة والثمانين، وهي فترة طويلة ليتعلم منها أن الحكومات تموت وكذلك الأفكار·

2- جان - نيكولاس - بيلو - فارين Jean -Nicolas Billaud Varenne ، في السابعة والثلاثين قدم البراهين على أن الكنسية الكاثوليكية هي أخطر أعداء الثورة على الإطلاق ولا بد من تدميرها· وقد احتفظ بصلاته مع أحياء باريس والكومون في تناغم تام، واتبع سياسات تتسم بالعنـــاد والإلحاح مما جعــل رفاقــه في اللجنــة (لجنــة الأمــن العــام) يخافــونه، وحمل مسئولية مراسلة المحافظات ورأس الجهاز الإداري الجديد، وكان في وقت من الأوقات "أقوى أعضاء اللجنة"(44)·

3- لازار كارنو Lazare Carnot ، في الأربعين من عمره كان معروفا كعالم رياضيات ومهندس عسكري، أخذ على عاتقه الجيوش الفرنسية ورسم خرائط المعارك، وعلم الجنرالات ودربهم وكسب احتراما عاما لمقدرته واستقامته وهو الوحيد من بين أعضاء هذه اللجنة الذي لا يزال اسمه يحظى بالتكريم والتشريف في فرنسا كلها حتى اليوم·

4- جان - مارى كولو دربوا Jean- Marie Collot d`Herbois ، في الثالثة والأربعين، كان ممثلاً سابقا، وقد عانى من موقف الثورة التي كانت تعتبر المهن المسرحية لا تعطيه الأهلية الشرعية للترقي في مدارجها· ولم ينس أبدا أن البورجوازيين كانوا يغلقون أبوابهم في وجهه وأن الكنيسة قد أصدرت قرار الحرمان ضده بسبب مهنته، وكان أقسى أعضاء اللجنة الاثني عشر في التعامل مع أرستقراطية التجار aristocracy of merchants واقترح ذات مرة - كإجراء اقتصادي - نسف سجون باريس - المزدحمة بالمشكوك فيهم والمحتكرين والمتربحين - بالألغام (بمن فيها)(54)·

5- جورج كوتو George Couthon، في الثامنة والثلاثين، أقعده التهاب السحايا فكان لا بد من حمله على مقعد أينما ذهب، وكان قد أفرط في الممارسات الجنسية في شبابه فأدى هذا إلى إصابته بالعلل لكن زوجته كانت تحبه، وكان طيب القلب حديدي الإرادة عرف عنه إدارته الإنسانية للمحافظات المحورية في أثناء عهد الإرهاب·

6- مارى - جان هيرول دى سيشل Jean Hérault de Séchelles ، في الرابعة والثلاثين وكـان يبـدو فــي غيـر موضعه ودرجته بين هؤلاء الاثنـي عشر (لجنة الاثني عشر أي لجنة الأمـن العـام التي نحـن بصــددها الآن) فقـد كان أحــد نبلاء >الأرواب< (نبيل بحكم المنصب الذي شغله) ومحامياً ثرياً، كان مرموقا لأناقته وسلوكه المهذب وعقله ذي النزعة الفولتيرية (كان متأثرا بفكر فولتير)· وعندما شعر بالمد الثوري يزداد انضم مع الذين هاجموا الباستيل وكتب معظم دستور سنة 1793 وعمل منفذاً لسياسات اللجنة في الألزاس فنفذها بصرامة، وعاش حياة مريحة مع خليلة نبيلة حتى قصت المقصلة رقبته في 5 أبريل سنة 1794 ·

7- روبرت لند Robert Lindet ، في السابعة والأربعين تولى أمر إنتاج الطعام وتوزيعه في ظل سياسة التوجيه الاقتصادي المتزايدة، وحاز إعجابا لجهوده في إطعام الجيوش الفرنسية وتقديم

الكساء لها·

8- كلود - أنطوان برييز - دوفيرنوا Claude Antoine Prieur - Duvernois ، كان يسمى بريير ساحل الذهب the Cote d`or ، عمره ثلاثون سنة بذل جهودا مميزة - مثل روبرت لند - في تزويد الجيوش بالأغذية وغيرها من المواد اللازمة·

9- بيير - لويس Pierre - Louis المعروف ببيير المارن The Marne (الكلمة في المعاجم الفرنسية العربية تعني المَرِن أو السجيل أي خليط من جملة مواد)، كان في السابعة والعشرين من عمره، بذل كل جهده في محاولة كسب الكاثوليك والملكيين في محافظة بريتانيBrittany إلى جانب الثورة·

10- أندريه جانبون سان أندريه - Andre` Jeanbon Saint - Andre` . في الرابعة والأربعين· من ذرية بروتستانتية ولكنه تلقى تعليما يسوعيا (جزويتيا)· أصبح قائدا (قبطانا) لسفينة تجارية ثم كاهنا بروتستانتيا وتولى مسئولية الأسطول الفرنسي في بريست Brest وخاض به معركة مع الأسطول البريطاني·

11-لويس - أنطوان سان - جوست - Louis - Antoine Saint - Just، في السادسة والعشرين· وكان أكثر أعضاء اللجنة The Twelve شبابا وغرابة، فهو الابن الإرهابي لعصر الإرهاب، إذ كان شديد الإيمان بالثورة إيمانا ثوريا انفعاليا غلابا لا يقهر· ربته في بيكاردي Picardy أم مطلقة فكان مدللا مطلقاً العنان لرغباته فرفض أي حكم أو ضوابط وهرب إلى باريس وأخذ معه فضة أمه وأنفقها على العاهرات(46) وقبض عليه وأودع السجن ودرس القانون وكتب قصيدة جنسية من عشرين قسما(مكونة من عشرين مقطوعة) وكان مولعاً باغتصاب النساء خاصة الراهبات منهن ، وكان يمجد اللهو واللذه باعتبارهما حقا مقدسا(47)· وقد وجد في الثورة ، في البداية تبريرا شرعيا ظاهرا لمذهبه في المتعة واللذة لكن مثلها العليا وغاياتها جعلته يسمو بفرديته ليتمسك بالفضائل الرومانية Roman Virtus بطريقة جعلته على استعداد للتضحية بكل شىء لجعل هذه المثل العليا على أرض الواقع(48)· لقد تحول من الأبيقورية (مذهب اللذة) إلى الرواقية (مذهب مجاراة الضرورة) لكنه ظل رومانسيا حتى النهاية· لقد كتب: "عندما يأتي اليوم الذي لا أستطيع فيه أن أهدي الشعب الفرنسي إلى طرق مناسبة وقوية وعقلية لا تنثني أمام الطغيان والظلم ·· ساعة تبين عجزي عن هذا سأطعن نفسي"(94) وفي "المؤسسات الجمهورية Republican Institutions" (1791) قدم البراهين على أن تركز الثروة إنما هو سخرية من مَبْدَأَى المساواة والحرية من الناحية السياسية والقانونية، فلا بد من تحديد الثروات وتوزيعها، ولا بد أن تقوم الحكومة على ملاك فلاحين وحرفيين مستقلين، ولا بد أن تمول الحكومة التعليم للجميع وتقدم إعانات للفقراء· ولا بد أن تكون القوانين قليلة ومختصرة ومفهومة "فالقوانين الطويلة مثل كوارث ومصائب عامة"(50)، ولا بد أن تتولى الدولة تربية الأطفال كلهم بعد سن الخامسة ببساطة إسبرطية (لتعليمهم البساطة والجلد) ولتطعمهم الخضراوات ولتدربهم على القتال· والديمقراطية أمر طيب لكن الدكتاتورية أمر لازم وقت الحرب(51)· وعندما تم انتخابه للجنة الأمن العام في 10 مايو سنة 1793 نذر نفسه للعمل الجاد المضني ورد على الشائعات التي ترددت باتخاذه عشيقة مع الزعم "بأنه مشغول جداً ولا وقت لديه لمثل هذه الرفاهية· وأصبح الشاب العنيد سريع الهياج متجهما صارما منضبطا ومنظما قديرا وجنرالا لا يهاب ومحققا للنصر· وعندما عاد منتصرا إلى باريس تم اختياره رئيساً للمؤتمر الوطني (19 فبراير 1794) ومع أنه كان فخورا معتزا بنفسه واثقا بها متسوّداً على الآخرين إلا أنه قبل بتواضع قيادة روبيسبير ودافع عنه في هزيمته وصحبه إلى الموت وهو - أي سان جوست - في سن السادسة والعشرين وأحد عشر شهرا·

12- روبيسبير لم يحل محل دانتون تماما كعقل حاكم مدبر وكشخص فارض إرادته على لجنة الأمن العام The Twelve فقد كان كل من كارنو Carnot وبيلو Billaud وكولو Collo لديهم من الصرامة والشدة مما يعسر معه حكمهم، فلم يصبح روبيسبير أبدا دكتاتوراً· لقد كان يعمل من خلال دراسة متأنية صبورة واستراتيجية مراوغة لا من خلال أوامر مباشرة (زعامة واضحة) وحافظ على شعبيته بين أفراد الطبقة الثالثة (السانس كولوت) فقد عاش عيشة بسيطة وراح يمدح الجماهير ويمجدها ويدافع عن مصالحها، وفي 4 أبريل 1793 قدم للمؤتمر الوطني "الإعلان المقترح لحقوق الإنسان والمواطن":

"المجتمع ملزم بتقديم ما يقيم أود كل فرد فيه، سواء بإتاحة فرص العمل لهم أم بضمان وسائل العيش لغير القادرين على العمل···· فمن كان عنده فضل مال فليعد به على من لا مال له··· إنه لدين على القادرين أن يساعدوا من تنقصهم الضروريات· إن التخلص النهائي من الاستبداد يكون بمقاومة الظلم الذي يلبس لبوساً قانونيا (يأخذ شكلاً شرعيا)··· والهيئات والمؤسسات التي لا تؤمن بأن الناس كلهم صالحون طيبون وأن الحكام والقضاة مرتشون فاسدون، هي هيئات أو مؤسسات كلها باطلة···فالناس في كل البلاد سواسية (إخوة)"(25)·

بالتأكيد لم يكن أعضاء لجنة الأمن العام الاثنا عشر كلهم مجرد قتلة أوغاد كما توحي بذلك النظرة السطحية· حقيقة أنهم اتبعوا باستعداد تام تراث الإرهاب وحذوا حذو ذلك التراث الذي كان قد وصل إليهم من الحروب الدينية ومذبحة 1572 فترة القديس بارثولومو Bartholomew وكان معظمهم قد تعلم أن يعدم أعداءه من غير أن يتحرك ضميره بل وفي بعض الأحيان بلا وازع من فضيلة لكنهم كانوا يتذرعون بضرورات الحرب وأعرافها· وكانوا هم أنفسهم عرضة لهذا الحظ العاثر، فقد كان كل واحد منهم مهددا بالعزل وجز رقبته بالمقصلة، وبالفعل فقد حدث لعدد منهم هذا· وكانوا في كل لحظة عرضه لسخط جماهير باريس أو الحرس الأهلي (الوطني) أو جنرال طموح، وكانت أي هزيمة كبرى على الحدود أو في المحافظات (الدوائر) المتمردة كفيلة بالإطاحة بهم· وفي الوقت نفسه فإنهم كانوا يعملون ليل نهار لإنجاز المهام الموكلة إليهم، فكان الواحد منهم يواظب من الثامنة صباحا حتى الظهر في مكتبه أو لجنته الفرعية (المنبثقة من اللجنة الأم- لجنة الأمن العام) ومن الساعة الواحدة حتى الرابعة يحضر جلسات المؤتمر الوطني، ومن الساعة الثامنة حتى وقت متأخر يدخل في مناقشات ومشاورات حول المنضدة الخضراء في غرفة اجتماعاتهم·

وعندما تولوا أمر فرنسا كانت البلاد تمزقها الحروب الأهلية بسبب الرأسمالية الطارئة في ليون Lyons وبسبب اضطرابات الجيرونديين في الجنوب وحروب الكاثوليك والملكيين في الغرب، وكانت الجيوش الأجنبية تهددها من الشمال الشرقي والشرق والجنوب الغربي، وكانت تعاني الهزيمة برا وبحرا وكانت موانئها كلها محاصرة، وعندما سقطت هذه اللجنة العظمى(الكبرى) كانت فرنسا قد أصبحت وحدة سياسية تحت مطارق الدكتاتورية والإرهاب وظهر جيل جديد من الجنرالات الشبان مدربين قادوا المعارك أحيانا فقد أحرز كارنو Carnot وسان جوست Saint - Just انتصارات حاسمة أجبرت الأعداء على التراجع، ووقفت فرنسا وحدها ضد أوروبا كلها تقريبا وظهرت منتصرة على كل شيء لكنها لم تنتصر على نفسها·

 

برامج -> عصر نابليون -> الثورة الفرنسية -> المؤتمر الوطني -> عهد الإرهاب 

5- عهد الإرهاب  

17 سبتمبر 1793 - 28 يوليو 1794

أ- الأرباب عطاش  

كان الإرهاب هو السمة العامة المتكررة(منذ ظهور الثورة الفرنسية) وارتبط أيضا بفترة زمنية بعينها· وعهد الإرهاب يطلق اصطلاحا على الفترة الممتدة من صدور قانون المشتبه فيهم في 17 سبتمبر 1793 حتى إعدام روبيسبير في 28 يوليو 1794 لكن كان هناك قبل ذلك إرهاب سبتمبر 1792 وكان هناك ما يمكن تسميته "الإرهاب الأبيض White Terror " في مايو سنة 1795 وثمة إرهاب آخر سنجده بعد سقوط نابليون·

وكانت أسباب عهد الإرهاب الشهير (الفترة التي نتحدث عنها متمثلة في الأخطار الخارجية والفوضى الداخلية، مما أدى إلى خوف عام وشغب فظهرت الأحكام العرفية (قانون الطورىء) فالتحالف الأوربي الأول كان قد أدى إلى إعادة الاستيلاء على مينز Mainz (32 يوليو) وغزو الألزاس، ودخول فالينسين Valenciennes على بعد مائة ميل من باريس، واستولت القوات الاسبانية على بيربينان Perpignan وبايون Bayonne وكانت القوات الفرنسية في حالة فوضى وكان جنرالاتها يجهلون أوامر حكومتهم· وفي 29 أغسطس سلم الملكيون للبريطانيين الأسطول الفرنسي وكذلك سلموهم القاعدة البحرية المهمة والترسانة في طولون Toulon، وحكمت بريطانيا الأمواج (تحكمت في البحار) واستولت بلا جهد على المستعمرات الفرنسية في قارات ثلاث، وتداول الحلفاء المنتصرون في "تقطيع أوصال فرنسا وأعادوا الحقوق الإقطاعية للمناطق التي تقدموا فيها(53)·

وعلى الصعيد الداخلي بدت الثورة وقد انفرط عقدها فأهل فاندي Vendée كانوا يعملون بحماسة منقطعة النظير إلى جانب المناهضين للثورة، وهزم المتمردون الكاثوليك قوات الدولة في فيير Vihiers (81 يوليو) وراح الأرستقراطيون في الداخل والأرستقراطيون المهاجرون يخططون بثقة لإعادة الوضع كما كان قبل الثورة· وأيدت ليون Lyons وبورج Bourges ونيم Nimes ومارسيليا Marseilles وبوردو Bordeaux ونانت Nante وبريست Brest الجيرونديين الثوار (ضد الثورة)، وكانت الحرب الطبقية مُسْتَعِرة بين الأغنياء والفقراء·

وكان الاقتصاد نفسه ساحة حرب· فالنظام الذي تم وضعه لضبط الأسعار في 4 مايو و 29 سبتمبر فشل بسبب براعة الجشعين، وفقراء المدن كانوا من أنصار التطرف الشديد (الاستيلاء على أموال الآخرين) وعارضهم الفلاحون والتجار، وشيئا فشيئا رفضوا - بشكل متزايد - إنتاج البضائع التي حددت أسعارها أو توزيعها، فراح ما يرد لمخازن المدن من الأسواق أو الحقول يتضاءل شيئا فشيئا ولم يعد يكفي سوى الأقلية التي تقف صفوفاً يوميا أمام أبواب هذه المخازن· واجتاح الخوف من المجاعة باريس والمدن الفرنسية الأخرى· ففي باريس وسينليSenlis وأميان Amiens وروان Rouen كادت الجماهير تطيح بالسلطات الحاكمة اعتراضا منها على نقص الغذاء· وفي 25 يونية قاد جاك رو Jacques Roux جماعته من الهائجينEnragés (والترجمة الحرفية للكلمة هي الكلاب المسعورة) إلى المؤتمر الوطني وطالبوا بالقبض على المستغلين كلهم - الذين ذكر جاك رو من بينهم بعض أعضاء المؤتمر الوطني - وإجبارهم على التخلي عن ثرواتهم الجديدة (التي جمعوها باستغلال الموقف الاقتصادي في فرنسا)·

"هذه الديمقراطية التي تدعونها ليست ديمقراطية لأنكم تسمحون بتكوين الثروات، فلم يجن سوى الأثرياء - خلال السنوات الأربع الأخيرة - ثمار الثورة· إنها الارستقراطية التجارية التي هي أكثر ظلماً لنا من النبلاء· إننا لا نرى حدا لاستغلالهم، فأسعار البضائع تزداد بشكل يثير الذعر·

لقد آن الأوان لمعركة حتى الموت بين المستغلين والعمال···· هل ممتلكات الأوغاد (السفلة) أكثر قداسة من حياة الإنسان؟ لا بد من إتاحة ضرورات الحياة وتوزيعها من قبل أجهزة إدارية تحت إشرافكم ، تماما كما أن القوات المسلحة تحت إشرافكم، فلن يكون كافيا تحصيل ضريبة من الأثرياء طالما أن النظام لم يتغير، لأن الرأسماليين والتجار سيرفعون في اليوم التالي الأسعار ليستردوا المبلغ الذي دفعوه كضريبة من السانس كولوت (الشريحة الدنيا من الطبقة الثالثة) ··· إذا لم يتم تدمير الاحتكاريين وقوى الاستغلال فلا حل"(45)·

وأدان جاك هيبر Jacques Hébert البورجوازيين باعتبارهم المخططين للثورة - بعبارات أقل جنوحا نحو الشيوعية - وحث العمال على الاستيلاء على السلطة من الحكومة المهملة أو المتسمة بالجبن· وفي 30 أغسطس نطق واحد من النواب بالعبارة السحرية "فليكن الإرهاب هو نظام هذه الأيام"(55)· وفي 5 سبتمبر أتت جماهير من الأحياء تهتف "الحرب على الطغاة وخازني البضائع (لمنعها عن الناس) والأرستقراطيين" واتجهت إلى مقر الكومون في دار البلدية، فصحب رئيس البلدية - جان جولوم بيش Jean - Guillaume Pache - ووكيل المدينة - بيير شومت Pierre Chaumette - مفوّضين عن الجماهير المتظاهرة واتجهوا جميعا إلى المؤتمر الوطني وطالبوا بجيش ثوري يطوف فرنسا ومعه مقصلة للقبض على الجيرونديين وإجبار كل فلاح لتسليم منتجاته المخزونة وإلا جرى إعدامه في المكان نفسه(56)·

وفي هذا الجو الذي يخيم فيه شبح الغزو الأجنبي، وشبح الثورة داخل الثورة - كونت لجنة الأمن العام الجيوش الفرنسية وقادتها للنصر، وكانت هي آلة الإرهاب (جهاز الرعب) التي كوت بنارها أمة شديدة الاضطراب فوحدتها·

وفي 23 أغسطس، وبناء على خطط جسورة وضعها كارنو Carnot وبارير Barère - أمر المؤتمر الوطني بتجنيد جيش شعبي بطريقة عفوية ينضم إليه الفرنسيون Levy en masse، لا نظير له في تاريخ فرنسا:

"من الآن وحتى يتم طرد أعداء الجمهورية الفرنسية من أراضيها، الفرنسيون كلهم مطلوبون بشكل دائم للخدمة في قواتها المسلحة، فالشباب سيذهبون للقتال والمتزوجون سوف يعدون السلاح وينقلون الطعام والنسوة سيعددن الخيام والملابس ويخدمن في المستشفيات، وكبار السن سينتقلون إلى أماكن التجمع لبث الشجاعة في المقاتلين ويدعون لكراهية الملوك ويحثون على وحدة الأمة"·

كل غير المتزوجين من سن الثامنة عشرة إلى الخامسة والعشرين تم تنظيمهم في كتائب ترفرف عليها أعلام كتب عليها "الشعب الفرنسي يتصدى للطغاة"·

وسرعان ما تحولت باريس إلى مؤسسة نابضة لصناعة السلاح، وامتلأت حدائق قصر التوليري ولكسمبرج Luxembourg بالمحلات التي تنتج نحو 650 بندقية في اليوم بالإضافة إلى مواد أخرى· وانتهت البطالة وصودرت الأسلحة الشخصية والمعادن والملابس الزائدة عن الحاجة، ووضعت آلاف المطاحن تحت إشراف الدولة· لقد صودرت رؤوس الأموال والعمل، واقترضت الحكومة - بالضغط من الموسرين بليون جنيه(ليفر (Livres، وحددت الحكومة الأسعار وحددت للمتعاقدين معها ما ينتجون· وهكذا أصبحت فرنسا بين عشية وضحاها دولة شمولية totalitarian state·

وكان لا بد من الحصول من تربة فرنسا المحاصرة من كل ناحية وفي كل ميناء - على النحاس والحديد والملح الصخري (نترات البوتاسيوم والصوديوم) والبوتاس والصودا والكبريت، وكان الاعتماد جزئيا فيما سبق على الاستيراد للحصول على بعض هذه المواد· ومن حسن الحظ أن قام الكيميائي لافوازيه Lavoisier (الذي سرعان ما قصت المقصلة رقبته) في سنة 1775 بتحسين نوعية البارود وزيادة إنتاجه، فكان لدى الجيوش الفرنسية بارود من نوعية أفضل مما لدى أعدائهم وتم استدعاء علماء مثل مونج Monge وبيرثولية Bertholet وفوركروي Fourcroy لتدبير إمدادات من المواد التي دعت الحاجة إليها أو اختراع بدائل لها، وكان هؤلاء العلماء هم الأعلام في مجال دراساتهم في ذلك الوقت وقد أدوا خدمات جيدة لبلادهم·

وفي نهاية سبتمبر كان لدى فرنسا 500.000 مجند كانت معداتهم غير كافية، وكان تنظيمهم بائسا وكانت روحهم يعتريها التردد فلا أحد يتحمس وهو مقبل على الموت سوى القديسين· والآن ولأول مرة أصبحت الدعاية (البروباجندا) صناعة حكومية(صناعة من صناعات الدولة) تكاد تكون حكراً عليها، فدفع وزير الحرب جان - بابتست بورشوت Jean - Baptiste Bourchotte أموالاً للصحف لتقدم موضوعات عن حالة الأمة وأوصى القائمين عليها بتوزيع نسخ من هذه الصحف في معسكرات الجيش، فلم يكن هناك - إلا القليل - من يقرأها في أي مكان آخر (غير معسكرات الجيش) وذهب أعضاء من اللجنة أو ممثلون عنهم إلى جبهة القتال لإلقاء الخطب الرنانة في الجنود ولمراقبة الجنرالات·

وفي أول اشتباك مهم في المعركة الجديدة - في هوندشوت Hondschoote في 6-8 سبتمبر - مع قوات بريطانية ونمساوية كان ديبرل Debrel مبعوث اللجنة هو الذي حول الهزيمة إلى نصر بعد أن كان الجنرال هوشار (أوشار Houchard ) قد اقترح انسحاب القوات الفرنسية· ولهذا، ولأخطاء أخرى جرى إرسال هذا المقاتل العجوز لتجز المقصلة رقبته في 14 نوفمبر سنة 1793 · وسجن اثنان وعشرون جنرالا - كلهم تقريبا من بقايا النظام القديم - لأخطاء وقعوا فيها أو لعدم مبالاتهم أو لإهمالهم تعليمات اللجنة· أما الشباب الذين نشأتهم الثورة فقد تبوأوا مكانتهم - رجال مثل هوش Hoche وبيشجرو Pichegru وجوردا Jourdan ومورو Moreau الذي كان أهم من نفذ سياسة كارنو Carnot القاضية بالهجوم المتواصل، ففي واتجنز Wattignies في 16 أكتوبر عندما واجه 50.000 مجند فرنسي جديد 65.000 نمساوي حمل كارنو Carnot ذو الأربعين عاما بندقيته على كتفه وخاض هو ورجال جوردا Jourdan المعركة· حقيقة إن النصر الذي حقَّقوه لم يكن حاسما لكنه رفع من معنويات جيوش الثورة ودعم من سلطة اللجنة (لجنة الأمن العام) ·

وفي 17 سبتمبر أقر المؤتمر الوطني المطيع (المقصود المذعن للجنة الأمن العام) قانون الاشتباه مخولاً اللجنة أو من ينوب عنها القبض على أى مهاجر عائد إلى فرنسا (المهاجرون هم الذين تركوا فرنسا إثر أحداث الثورة) وأي قريب لهذا المهاجر وأي موظف عام موضع شك ولا يعاد إلى وظيفته مرة أخرى، وأي شخص تبدر منه أية إشارة تفيد مقاومة الثورة أو معارضة الحق، ويحق للجنة أو من تنيبه عنها أن يقبض على أي من المذكورين آنفا دون سابق إنذار أو تحذير· لقد كان هذا (قانون الاشتباه) قانونا قاسيا فقد فرض على الجميع - باستثناء الثوريين المعروفين - أن يعيشوا في خوف دائم من القبض عليهم أو حتى من قتلهم، وكان من بين هؤلاء الذين أصابهم الرعب الكاثوليك كلهم تقريبا والبورجوازيون كلهم·

ووافق بعض المهاجرين (الذين كانوا قد تركوا فرنسا عقب أحداث الثورة) لجنة الأمن العام The Twelve على أن استخدام الرعب والخوف من الأمور الشرعية المباحة التي يحق لنظام الحكم استخدامها في الظروف الحرجة· وفي سنة 1792 كتب الكونت مونتمورين Montmorin وزير الخارجية السابق في ظل حكم لويس السادس عشر: "أعتقد أنه من الضروري معاقبة أهل باريس بالإرهاب" وقدم الكونت فلاشلاندر Flachslander الأدلة على أن المقاومة الفرنسية للحلفاء "ستستمر حتى يتم ذبح المؤتمر الوطني" وعلق واحد من سكرتارية ملك بروسيا على موقف المهاجرين:"إن لغتهم مرعبة· فإذا كنا مستعدين للتخلية بينهم وبين مواطنيهم ليثأروا منهم، فسرعان ما ستصبح فرنسا مقبرة رهيبة لا أكثر"(57)·

لقد واجه المؤتمر الوطني خيارا بين الإرهاب والرحمة في قضية ملكة فرنسا· لقد نحى جانبا تبذيرها وإسرافها في المرحلة الأولى، وتدخلها في شئون الدولة وعدم استساغتها لجمهور باريس وكان هذا معروفاً عنها (وهي إهانة تستحق عليها الإعدام بجدارة)، فبصرف النظر عن ذلك كله فقد كان من المؤكد أنها اتصلت بالمهاجرين والحكومات الأجنبية لإيقاف الثورة وإعادة السلطات التقليدية إلى العرش الفرنسي، وكان رأيها أنها بفعلها هذا إنما هي تمارس حقا إنسانيا في الدفاع عن النفس، أما متهموها فاعتبروا أنها بفعلها هذا انتهكت القوانين التي أقرها نواب الأمة المنتخبون، وبذا فهي قد اقترفت خيانة· وكان من الواضح أنها أفشت لأعداء فرنسا بالمشاورات التي جرت في المجلس الملكي بل وأفشت لهم الخطط الحربية لجيوش فرنسا·

وقد أنجبت من لويس السادس عشر أربعة أطفال مارى تريز Marie -Thérèse وهي الآن في الخامسة عشرة من عمرها، وابن مات في مرحلة الطفولة، وابن ثان مات في سنة 1789، وطفل ثالث هو لويس - شارلز Louis - Charles هو الآن في الثامنة من عمره واعتبر هو لويس السابع عشر Louis XVII، وكانت ابنة الملكة وأخت زوجها (إليزابيث) تعاونانها في العناية بالطفل الذي راحت تنظر إليه بقلق ومن ثم بيأس لتدهور صحته وحالته المعنوية، بسبب طول فترة احتجازه· وفي مارس سنة 1793 عرضت عليها خطة للهروب لكنها رفضت لأن الخطة تتطلب ترك أطفالها(58)· وعندما علمت الحكومة بهذه الخطة التي لم تنفذ نقلت ابن الملكة ونزعته منها رغم مقاومتها وأبعدته عن أقربائه، وفي أغسطس سنة 1793 - بعد عام من السجن في سجن التمبل Temple تم نقل الملكة وابنتها وأخت زوجها إلى غرفة في مسكن البواب (الكونسيرجيري) ذلك القسم من قصر العدل الذين كان يشغله قبل ذلك مشرف المبنى· وهناك راحوا يعاملون هذه الأرملة Widow Capet - كما كانوا يسمونها - برقة أفضل من ذي قبل بل إنهم أرسلوا لها قسا ليرتل القداس في زنزانتها· وفي آخر هذا الشهر وافقت على محاولة أخرى لتهريبها، وفشلت المحاولة فنقلوها إلى غرفة أخرى ووضعوها تحت مراقبة وحراسة مشددتين·

وفي 2 سبتمبر اجتمعت اللجنة لتقرير مصيرها، وكان بعض الأعضاء إلى جانب الاحتفاظ بحياتها للمساومة عليها مع النمسا مقابل سلام مقبول، أما بارير Barère وسان أندرية Saint - André فدعوا إلى إعدامها لأن هذا وسيلة لتوحيد الموقعين على الحكم وربطهم بميثاق الدم· أما هيبر Hébert عضو الكومون، فقال للجنة The Twelve : "إنني باسمكم وعدت العامة (السانس كولوت) برأس مارى أنطوانيت، وهم (العامة) غاضبون ساخطون يطالبون بها، وأنتم لا تستطيعون الاحتفاظ بمقاعدكم بل ووجودكم دون دعم منهم·· إنني سأذهب وأقطع رأسها بنفسي إذا كان علي أن انتظر كثيرا لتسلّم هذا الرأس"(59)·

وفي 12 أكتوبر جرى تحقيق مبدئي مطول مع الملكة، وفي 14 و15 أكتوبر حوكمت أمام المحكمة الثورية، وكان المدعي العام هو فوكييه - تينفيل Fouquier - Tinville، وظلت الأسئلة توجه لها من الساعة الثامنة صباحا حتى الرابعة، ومن الساعة الخامسة حتى الحادية عشر مساء، وذلك في اليوم الأول للمحاكمة ومن الساعة التاسعة صباحا إلى الثالثة ، في اليوم الثاني من المحاكمة· لقد أتهمت بتحويل ملايين الفرنكات من الخزانة الفرنسية لأخيها جوزيف الثاني إمبراطور النمسا ودعوة القوات الأجنبية لغزو فرنسا، وكان هناك افتراض - أكد إلى بعيد - أنها حاولت أن تفسد "ابنها جنسيا"· وكان هذا الاتهام الأخير هو الاتهام الوحيد الذي لم يثرها فقد أجابت: "إن الطبيعة ذاتها ترفض أن ترد على مثل هذه التهمة (تعيرها اهتماما) الموجهة إلى أم، إنني أستغيث بكل الأمهات الموجودات هنا"· لقد تأثر الجمهور الحاضر بمنظر هذه المرأة التي كان جمالها وشبابها ومرحها في وقت من الأوقات حديث أوروبا، أما الآن فقد اشتعل رأسها شيبا وهي في الثامنة والثلاثين من عمرها مرتدية ملابس الحداد بعد إعدام زوجها، وراحت تناضل دفاعاً عن حياتها أمام رجال كانوا قد انتهوا - كما هو واضح - إلى قرار بتحطيم روحها وتعذيبها بإطالة فترة المحاكمة بلا رحمة لتذهب نفسها حسرات قبل تدمير جسدها· وعندما انتهت المحاكمة أصابها العمى لفرط الإرهاق وكان لا بد من مساعدتها لتتخذ طريقها إلى زنزانتها، وهناك علمت أن قرار المحلفين هو الحكم عليها بالموت·

والآن فإنها كتبت في محبسها الانفرادي خطاب وداع لمدام إليزابيث طالبة منها أن تنقل لابنها وابنتها التوجيهات التي تركها أبوهما الملك· لقد كتبت: "إن ابني يجب ألا ينسى كلمات أبيه الأخيرة والتي طالما كررتها على مسامعه وهي قوله: لا تعمل أبداً على الثأر لمقتلي"(60)·

ولم يسلم الخطاب إلى مدام إليزابيث فقد سلمه - بعد أن استولى عليه - فوكييه - تينفيل Fouquier -Tinville إلى روبيسبير، وتم العثور عليه ضمن أوراقه السرية بعد موته·

وفي صباح 16 أكتوبر 1793 أقبل المنفذ (الجلاد) هنرى سانسون Henry Sanson إلى زنزانتها وعقد يديها خلف ظهرها وفض شعرها الذي يغطى رقبتها وحملها في عربة مرت على طول شارع يحفه الجنود والجموع التي كانت قبل ذلك معادية لها هازئة بها إلى أن وصلت إلى ميدان الثورة· وعند الظهر عرض سانسون Sanson على الجموع رأسها العنيد·

إن المحكمة الثورية الآن قد أنست إلى عملها، راحت تصدر أحكام الموت بمعدل سبعة أحكام في اليوم(61)، لقد تم القبض على الأرستقراطيين الذين تيسر القبض عليهم وتم إعدام كثيرين منهم، وفي 24 أكتوبر أحيل الواحد والعشرون جيرونديا الذين كانوا تحت الحراسة منذ 2 يونيه، إلى المحاكمة، فلم تغن عنهم بلاغة فيرنيو وبيسو Vergniaud &Brissot شيئاً، وطعن واحد منهم نفسه بينما هو يغادر المحكمة فوضعت جثته بين المتهمين وحملت في عربة إلى سقالة المقصلة حيث هوى النصل المحايد (الذي لا يميز بين حي وميت) على رقبته (رقبة الجثة)· إن الثورة - فيما قال فيرنيو Vergniaud " مثل ساتورن Saturn تفترس أبناءها"(62)·

لنضع في اعتبارنا هذا الحنق وذلك الرعب اللذين سببتهما هذه الأحداث والتي لا بد أنها قد تغلغت في أعماق مانون رولا Manon Rolan التي تنتظر مصيرها في غرفة البواب (الكونسيرجيري) التي أصبحت هي المنطلق أو العتبة الأخيرة إلى المقصلة· وقد كانت تلاقي في سجنها بعض المتع والكياسة فقد كان أصدقاؤها يحضرون لها الكتب والزهور، فجمعت في زنزانتها مكتبة تدور في غالبها حول بلوتارخ تاسيوس Tacius (الخطيب والمؤرخ الروماني)، ولأن موقفها كان أقوى فقد راحت تشغل نفسها بكتابة مذكراتها التي أطلقت عليها "دعوة لأجيال غير منحازة" كما لو أن الأجيال أيضا لا يمكن تقسيمها، وبينما كانت تكتب ذكريات شبابها في أيام السعادة tempi felici تعمق لديها الشعور بمرارة حاضرها · لقد كتبت في 82 أغسطس سنة 3971:

"أشعر أنني فقدت الرغبة في متابعة هذه المذكرات · فالبؤس الذي يعانيه وطني يعذبني، إن كآبة تتغلغل في روحي رغم إرادتي فتشل خيالي، فقد أصبحت فرنسا جلجثة واسعة (ساحة إعدام)(üü)·· لقد أصبحت ميدانا للإرهاب وأصبح أطفالها يبكون ويدمر بعضهم بعضا ··· لا يستطيع التاريخ أن يصور هذه الأيام المرعبة، ولا الغيلان التي تملأها ومن معها (مع الغيلان) من برابرة ··· أكانت باريس يوما مثل روما أو بابل؟"(36)·

وتنبأت أن دورها سيحين حالا فقد كتبت في مذكراتها المخطوطة كلمة وداع لزوجها وعشيقها اللذين هربا من الشرك الذي أعدّ لهما:

"آه يا صديقي، ربما قادكما قدركما الملائم السمح إلى الولايات المتحدة الملاذ الوحيد للحرية ·· وأنت يا زوجي وصديقي قد اعتراك الضعف فقد صرت عجوزا قبل الأوان وتملصت من القتلة بصعوبة، أيسمح لي أن أراك مرة أخرى؟ ··· إلى متى يجب أن أبقى شاهدة على خراب بلادي وانحطاط مواطني ؟ "(46)·

ولم يطل الانتظار ففي 8 نوفمبر سنة 3971 مثلت أمام المحكمة الثورية ووجهت إليها تهمة الاشتراك مع رولان Roland في إساءة استخدام الميزانية العامة وإرسالها خطابات من زنزانتها لتشجيع باربارو Barbaroux وبوزو Buzot اللذين كانا في ذلك الوقت يثيران التمرد على سيطرة اليعاقبة على المؤتمر الوطني، وعندما تحدثت مدافعة عن نفسها اتهمها الحضور (المشاهدون) الذين تم اختيارهم بعناية بأنها خائنة· وصدر الحكم بأنها مذنبة وتم إعدامها بالمقصلة في اليوم نفسه في ميدان الثورة · وثمة رواية غير مؤكده تفيد أنها نظرت إلى تمثال الحرية الذي أقامه ديفد David في الميدان المهيب، وصاحت: " آه أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك!"(56)·