برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانتالكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر |
|
برامج -> عصر فولتير -> إنجلترة -> الأدب والمسرح -> دولة القلم الفصل الخامس الأدب والمسرح 1714-1756 1- دولة القلم كانت إنجلترا تشغى بالطباعة على الأقل إن لم تشغ بالأدب. ففضلاً عن زيادة سكانها، لا سيما في المدن وخصوصاً في لندن، كان الإلمام بالقراءة قد انتشر بينهم باعتباره ضرورة للتجارة والصناعة وحياة المدينة. وعكفت البورجوازية المزدهرة على قراءة الكتب تميزاً وترويحاً، وعكفت النساء على الكتب فوفرن القراء والحوافز لرتشاردسن والرواية. وزاد من جمهور القراء المكتبات الدائرة، التي أنشئ أول مكتبة فيها يعيها التاريخ المدون في 1740، وسرعان ما أصبح عددها اثنتين وعشرين في لندن وحدها. وبدأت الطبقة الوسطى الجماعية تحل محل الطبقة الأرستقراطية الفردية بوصفها راعية للأدب، وهكذا استطاع جونسن أن يهزأ بتشسترفيلد. ولم تعد الإعانات الحكومية تتحكم في كبار الأقلام بالمغريات السياسية-كما حدث من قبل مع أديسون وسويفت وديفو. وشحذت شهية الجمهور للأخبار تلك الصراعات المرة بين الأحرار والمحافظين، وبين الهانوفريين والاستيوارتيين، وتورط إنجلترا المتزايد في الشئون الأوربية والاستعمارية، وأصبحت الجريدة قوة يعتد بها في تاريخ بريطانيا. ففي 1714 كان هناك إحدى عشرة جريدة تصدر بانتظام في لندن، وأكثرها أسبوعي، وفي 1733 زادت إلى سبع عشرة، وفي 1776 إلى ثلاث وخمسين. وكان كثير منها تعنيه الأحزاب السياسية، فكلما رفع الشعب صوته اشترت الأقليات الموسرة الجرائد لتملي أفكارها. واشتملت كل الجرائد تقريباً على إعلانات. وخصصت "الديلي أدفرتيزر" التي أسست في 1730 أول الأمر للإعلانات دون سواها، ولكنها سرعان ما أضافت عنصراً مثيراً من الأنباء، كما تفعل جرائدنا الصباحية العملاقة، لدعم توزيعها وزيادة أجور إعلاناتها. وولدت في هذه الفترة بعض المجلات الهامة مثل "الكرافتسمان" (1726) وهي السوط الذي راح بولنبروك يسوط به ولبول، ومجلة "جراب ستريت" (1730-37)، وهي لسان بوب الحاد، ومجلة "الجنتلمان" (1731) التي أعطت جونسون وظيفة فيها، ومجلة "أدنبرة" (1755) التي ماتت إلى أجل فقط في 1756. وكثير من الجرائد والمجلات الإنجليزية ما زال حياً بعد مضي مائتي عام على صدوره. هذه الدوريات كلها-اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية-أعطت المطبعة قوة أضافت إلى مخاطر الحياة البريطانية وحيويتها. ومع أن روبرت ولبول حظر نشر المناقشات البرلمانية، فقد أباح للصحفيين أن يهاجموه بكل ما في أدب القرن الثامن عش من قسوة وخبث. وقد عجب مونتسكيو القادم من فرنسا التي فرضت عليها رقابة المطبوعات، لتلك الحرية التي كانت صحيفة "جراب ستريت" تقذف بها داوننج ستريت (مقر الحكومة) بالمداد المسموم(1). وشكا عضو في البرلمان إلى مجلس العموم في 1738 من أن : "شعب بريطانيا العظمى تحكمه قوة لم يسمع بها قط من قبل، باعتبارها السلطان الأعلى، في أي عصر أو بلد. وهذه القوة يا سيدي لا تكمن في إرادة الملك المطلقة، ولا في توجيه البرلمان، ولا في قوة الجيش، ولا في نفوذ الأكليروس، إنها حكومة الصحافة. فالبضاعة التي تحفل بها صحفنا الأسبوعية يتقبلها الشعب باحترام يفوق احترامه لقوانين البرلمان، وآراء هؤلاء الكتاب التافهين لها عند الجماهير وزن أثقل مما لرأي خيرة السياسيين في المملكة(2)". ورح الطباعون يعملون بحماسة جديدة ليلبوا الطلب المتزايد فككان في لندن 150 منهم، وفي إنجلترا كلها ثلاثمائة، اثنان منهم في هذا العهد-وهما وليم كاسلون وجون باسكرفيل-خلفاً أسميهما على طقم حروف طباعية. وظل الطبع والنشر وبيع الكتب في معظم الحالات موحداً في شركة واحدة. ومن الشركات الباقية إلى يومنا شركة لونجمان التي ولدت في 1724. وكانت كلمة "publishere الناشر" تدل على عائدة المؤلف، أما الذي يخرج الكتاب فهو بائع الكتب أو تاجرها bookseller. وألف بعض باعة الكتب، كأبي جونسن، أن يحملوا بضاعتهم إلى الأسواق، أو يسرحوا بها من مدينة إلى مدينة، ويفتحوا كشكاً في أيام السوق، وكان الثمن الذي يطلبوه عن كتاب مجلد يتفاوت بين شلنين وخمسة، ولكن الشلن عام 1750 كان يساوي دولاراً وربعاً تقريباً. وكان البرلمان قد أقر قانوناً بحقوق الطبع في 1710، وكفل للمؤلف أو من يخصصهم حقوق الملكية في كتابه أربعة عشر عاماً، تمتد إلى ثمانية وعشرين عاماً إذا عمر بعد الفترة الأولى. على أن هذا القانون لم يحمه إلا في المملكة المتحدة، وكان في استطاعة الطباعين في إيرلندة وهولندا أن ينشروا طبعات مسروقة ويبيعوها (حتى 1739) في إنجلترا منافسين بذلك بائع الكتب الذي دفع الثمن الكتاب. في هذه الظروف المنطوية على المجازفة تشدد باعة الكتب في مساوماتهم مع المؤلفين. وكان الكتاب يبيع حقه في الكتاب عادة بمبلغ محدد، فإذا راج الكتاب على غير توقع فقد ينفح البائع المؤلف بمبلغ إضافي، ولكن هذا لم يكن لزاماً عليه. أما ثمن الكتاب الذي يؤلفه مؤلف معروف فكان يتفاوت بين مائة ومائتي جنيه. وقد تسلم هيوم خمسمائة جنيه ثمناً للمجلد من كتابه "تاريخ إنجلترا" وهو ثمن مرتفع ارتفاعاً استثنائياً. وكان للمؤلف الحق في قبول الاكتتابات لكتابه، كما فعل بوب في ترجمة للألياذة؛ وفي هذه الحالات كان المكتتب يدفع عادة نصف ثمن الشراء سلفاً، والنصف الثاني عند تسلمه الكتاب، وكان المؤلف يتولى الدفع للطابع. وعاشت الكثرة العظمى من المؤلفين في فقر مسخط. من ذلك أن سيمون أوكلي، الذي ظل عاكفاً عشر سنوات على تأليف كتابه "تاريخ المسلمين" (1708-57)، اضطر إلى استكماله في سجن المدينين؛ وكان رتشرد سفدج يتسكع في الشوارع ليلاً لافتقاره إلى مسكن، وظل جونسون ثلاثين عاماً يعاني مرارة الفقر قبل أن يصبح أمير الأدب الإنجليزي. وكان شارع جراب (شارع ملتن الآن) الموطن التاريخي "للشعر والفقر" (كما قال جونسن)، حيث الكتاب المأجورون- من صحفيين، ومترجمين، ومصنفين، وقراء تجارب الطبع، وكتاب المقالات للمجالات، ومحققين-ينامون ثلاثة في فراش واحد ويرتدون البطاطين لافتقارهم إلى غيرها من الملابس. ولم تكن العلة في هذا الفقر شح باعة الكتب وعدم اكتراث ولبول بقدر ما كانت إتخام السوق الأدبية إتخاما لم يسبق له نظير بأصحاب المواهب الهزيلة ينافس بعضهم بعضاً في قبول الأجور المنحطة. وشارك طغيان حالات الإخفاق على حالات الفلاح في المال والأعمال، مع انسلاخ الأدب عن الحماية الأرستقراطية، على الحط من المكانة الاجتماعية للمؤلفين. وفي الوقت الذي كان فيه الشعراء والفلاسفة والمؤرخون في فرنسا يستقبلون بالترحيب في أروع البيوت والصدور، كانوا في إنجلترا-باستثنائين أو ثلاثة-يقصون عن "المجتمع المهذب" باعتبارهم بوهيميين غير مغتسلين. وربما كان هذا هو السبب في أن كونجريف رجل فولتير ألا يدرجه في زمرة الكتاب. وقد تحدى الكسندر بوب تحيزات عصره بادعائه إنه شاعر وجنتلمان معاً. وقد عنى بكلمة جنتلمان الرجل "الكريم المولد" لا الرجل الكريم السلوك. ولكن الأمر كان على النقيض!.
برامج -> عصر فولتير -> إنجلترة -> الأدب والمسرح -> ألكسندر بوب 2- ألكسندر بوب 1688 - 1744 يستهل جونسن، الذي كان يحتقر الترجمات التي تبدأ بنسب صاحبها وتنتهي بمأتمه، ترجمته الممتازة لبوب بأنبائنا أن "الكسندر بوب ولد بلندن في 22 مايو 1668، لأبوين لم يتحقق لأحد قط من مرتبتهما أو مركزهما(3)". أما أبوه فتاجر كتان جمع ثروة متواضعة ثم اعتزل في بنفيلد قرب غابة ونزر. وكان أبواه كلاهما يتبعان المذهب الكاثوليكي الروماني، والسنة التي ولد فيها بوب كانت أيضاً السنة التي حطم فيها خلع جيمس الثاني آمال الكاثوليكية في تخفيف القوانين المعادية للكاثوليك. وخصت الأم الصبي الذي كان وحيدها بكثير من الترفق، وقد ورث عنها استعداداً للصداع، وعن أبيه تقوساً شديداً في عموده الفقري، فلم يزد طوله على أربعة أقدام ونصف. وقد عهد بتعليمه الأول إلى القساوسة الكاثوليك، فأعانوه على إجادة اللاتينية، واليونانية بقدر أقل، وعلمه معلمون خصوصيون آخرون الفرنسية والإيطالية، وإذ أقفلت في وجهه الجامعات والمهن الراقية بسبب مذهبه، فقد واصل دراساته في البيت، فلما عاقه جسمه المحدودب وصحته الهشة عن العمل النشيط، ترك أبواه العنان لولعه بكتابة الشعر. يقول:
"كنت وأنا بعد طفل، لم تغرر بي الشهرة بعد، ألثغ ببحور الشعر، لأن بحوره وافتني طوعاً(4)". وحين بلغ الثانية عشرة أتيحت له نظرة خاطفة إلى دريدن يحتل مكان الصدارة في مقهى ولز، وأثار المنظر فيه رغبة عارمة في المجد الأدبي. فلما بلغ السادسة عشرة كتب بعض "الرعويات" التي تناولها الناس مخطوطة وحظيت بثناء أدار رأسه، وقبلت للنشر في 1709. وفي 1711، وبكل الحكمة الناضجة التي احتوتها سنوه الثلاث والعشرون، أدهش أدباء لندن بقصيدته "مقال في النقد" نراه- حتى وهو يحذر المؤلفين من أن: "العلم القليل شيء خطر؛ فأنهلوا من الأعماق، وألا فلا تذوقوا ينبوع الشعر(5)". يضع بحسم القاضي قواعد الفن الأدبي. هنا هضم الشاعر "فن الشعر" لهوراس، و "الفن الشعري" لبوالو في 744 بيتاً جيدة المعاني هضماً عجيباً، نظمت نظماً رائعاً، بألفاظ لا يزيد كثير منها على مقطع واحد- "أفكار طالما خطرت بالبال، ولكن لم يعبر عنها بمثل هذه الروعة(6)". وكان للفتى ولع "بالابجرام"، وبضغط جوامع الحكمة في بيت واحد، ولقف كل فكرة بقافية. وقد أخذ مذهبه في النظم عن داريدن، ونظيته عن بوالو. وإذ كان لديه من الفراغ ما يتسع لصقل شعره، فإنه لم يتردد في قبول النصيحة الكلاسيكية، نصيحة تهذيب الشكل وصقله، وجعل الكأس أثمن نبيذها. ومع أنه ظل يجهر بكثلكته، فإنه اعتنق مبدأ بوالو القائل بأن الأدب ينبغي أن يكون العقل مفرغاً في ثوب لائق. أما الطبيعة فنعم، ولكنها الطبيعة التي روضها الإنسان؛ وأما الوجدان فنعم، ولكن الوجدان الذي هذبه وصفاه الذكاء. وأي مرشد أهدى إلى مثل هذا الفن المحكوم المنحوت من أعمال قدامى الشعراء والخطباء، وتصميمهم على أن يكونوا عقلانيين، وعلى أن يجعلوا كل جزء من عمل أدبي عنصراً منظماً مدمجاً في كل متناغم؟ هنا التقليد الكلاسيكي، المنحدر بطريق إيطاليا وفرنسا، بطريق بترارك وكورنيي، والذي يغزو الآن إنجلترا ويقهرها على يد الكسندر بوب، كما قهر شكسبير بمسرحية أديسون "كاتو" (في زعم فولتير)، وكما كست العمارة الكلاسيكية المنحدرة عن طريق بالاديو وسيرليو، وعن طريق بأرو ورن، الخيالات القوطية والشطحات الجامحة أو غلبتها بقواصر رزينة وصفوف أعمدة هادئة. وهكذا تكون مفهوم الشاعر الشاب عن العقل الكلاسيكي الذي يعمل في ناقد مثالي:
"ولكن أين هو الرجل الذي يستطيع أن يمحض النصح، الذي مازال يغتبط بأن يعلم، ومع ذلك لا يطغيه علمه؟. رجل لا يحرفه رضي ولا يميله حقد، لا هو متحيز في غباوة ولا مستقيم في عمى، مهذب رغم علمه، مخلص مع تهذيبه، جريء في تواضع، صارم في إنسانية، يبصر الصديق بعيوبه في غير تحرج ويطري العدو على فضائله وهو مبتهج، رجل أوتي ذوقاً مدققاً دون تزمت، ووهب العلم بالكتب والبشر جميعاً، محدث سمح، ونفس تنزهت عن الكبرياء، يحب أن يثني ثناء يؤيده فيه العقل(7)؟"
وقد وجد نفر من أمثال هذا الناقد، على استعداد للترحيب بمثل هذا الشعر وهذه الفضيلة المحسوبة من فتى في الثالثة والعشرين؛ وعلى ذلك خلع أديسون، الذي لا بد قد شعر أنه المقصود بهذه الأبيات، على الشاعر في العدد 253 من صحيفته "اسبكتيتور" ثناءً عظيماً لم يلبث أن ينسي في معارك الكلام. أما الشاعر جون دنيس، مؤلف مسرحية "أبيوس وفرجينيا" فقد خيل إليه أنه المذموم في أبيات بوب الطائشة:
"ولكن أبيوس يحمر لكل كلمة تقولها ويحملق حملقة رهيبة بعين مهددة وكأنه طاغية متوحش مرسوم على قطعة نسيج قديمة(8)"
فرد عليها بكتابة "تأملات نقدية وهجائية" (1711). وقد انتقى عيوباً حقيقية في فكر بوب وأسلوبه، وعرضها في إطار مقذع. فوصف بوب بالمنافق القبيح الذي خلق على شكل قوس كيوبيد أو ضفدع أحدب، وهنأه على أنه لم يولد في اليونان القديمة، وألا لألقت به عارياً بعد ولادته لقبحه(9). ولعق بوب جراحه وترقب فرصته. ثم تابع نجاحه بنشر قصيدته "اغتصاب خصلة شعر" (1712) وكانت تقليداً سافراً لقصيدة بوالو Le Lutrin المقرأ (1674)، ولكن الناس أجمعوا على أنها فاقت أصلها. وخلاصة الموضوع أن اللورد روبرت بيتر أعرب عن تحمسه للمسز فيرمر بقصة خصلة من شعرها الجميل وهروبه بها، وتلا ذلك فتور بين الغاصب والمغتصبة. واقترح رجل يدعى كاريل على بويل أن أرابلاً قد يهدأ سخطها إذا قص الشاعر القصة في شعر مازح وقدم لها القصيدة. وهكذا فعل، وهكذا انتهى الأمر. فصفحت المسز فيرمر عن اللورد، ووافقت على نشر القصيدة. ولكن بوب وسع الخطة، مخالفاً نصيحة أديسون، وكدسها بعدة من الشعر الملحمي- الهزلي ضمت الكائنات الخرافية: السيلفات، والسمندلات، والحوريات، والأقزام المشاركة في الملحمة؛ وراقت هذه "المليشيا الخيفة للسماء السفلى" خيالات العصر وميوله، ولقيت قصيدة "الاغتصاب" المعدلة استحسان الجميع إلا الشاعر دنيس. وتوقف جورج باركلي في حملته على المادة ليهنئ المؤلف على لدونة ربة شعره. ولباقة بوب النظمية كلها، ومعين أخيلته وعباراته الذي لا ينضب، يجعلان القصيدة تتألق تألق الأحجار الكريمة التي رصعت بها الحسناء "بليندا" شعرها. وهو يصف بخبرة النساء مستحضرات التجميل التي يسلح بها أحد الجان البطلة لحروب الغرام، ويعدد في مرادفات تهكمية ما سيحفل به يومها من جلائل الأمور:
"ترى هل تحطم الحورية (بليندا- أرابيلا) قانون ديانا (قانون العفة)، أم أن قارورة هشة من الصين سيصيبها شرخ، أتراها تلوث شرفها، أم ثوبها الموشي الجديد؟ أتنسي أن تتلو صلواتها، أم يفوتها عرض بالأقنعة، أتضيع قلبها، أم قلادتها، في حفل راقص...(1)" وتشارك بليندا في ثرثرات جماعة الأشراف، وقمارهم في هامتن كورت، حيث: "تموت سمعة عند كل كلمة(11)"؛ ويحشد الشاعر براعته الفنية ليصف لعبة ورق. فإذا انحنت بليندا لتشرب، قصّ البارون القوي خصلتها وهرب (وهذا السيل المتدفق) من البحر العمبقي "الأيامبي iambic" يأخذ بالألباب). فتطارده وقد أخذ الغضب منها كل مأخذ، وتعثر عليه، وتلقي قبضة من النشوق في وجهه؛ "وبغتة تفيض كل عين بالدموع المنهلة وتردد قبة السماء صدى عطسه(12)" وفي هذه الأثناء يغتصب الأقزام أو السيلفات أو السمندلات الخصلة ويجرونها وفي أثرها سحب الفخر إلى السماوات حيث تصبح نجماً مذنباً يفوق بريقه تلألؤ شعر بليندا. وقد أبهج هذا كله نبلاء لندن ونبيلاتها، وأنديتها ومقاهيها. ووجد بوب نفسه رجلاً يشيد به الناس أبرع شاعر في إنجلترا، وغدا كل من عداه من الشعراء خصوماً له. ولم يضف جديداً لشهرته بالأبيات المملة التي وصف بها غابة ونزر (1713)، كذلك لم ينس له الأحرار بعد انتصارهم في 1714 أنه في تلك القصيدة كشف عن ميوله الكاثوليكية نحو الأسرة المالكة التي سقطت(13). ولكنه عاد فأسر جمهوره في 1717 بنظمه في مقطوعات من بيتين مقفيين couplets رسائل هلويز وأبيلار المختلفة. فنرى "الويزا" التي حبست نفسها في دير للراهبات تطلب إلى أبيلار المخصي أن يضرب بقوانين الكنيسة والدولة عرض الحائط ويأتي إلى حضنها:
"تعال إن جرؤت بكل ما فيك من فتنة! تحد السماء، وطلبت بقلبي، تعال، وبنظرة واحدة من تلك العيون المضلة امح كل فكرة ذكية من أفكار السماء... اخطفني، وأنت تهمّ بامتطاء جوادك، من مسكني المبارك، أعن الأصدقاء، وانتزعني من إلهي!" وفي نزوة أخرى تقول له: "لا أبعد عني بعد المشرقين، لترتفع جبال الألب حاجزاً بيننا، ولتهدر محيطات بأسرها! أواه، لا تأت، ولا تكتب، ولا تفكر في ولو مرة، ولا تشاركني وخزة واحدة من وخزات الألم الذي ذقنه لأجلك(14)". ومع ذلك تثق أنه آت إليها في ساعة احتضارها، لا عاشقاً بل كاهناً: "ليتك تقف في ثياب مقدسة والمشعل المقدس يرتعش في يدك وتمد الصليب أمام عيني التي تهفو إليك، وتعلمني وتعلم مني الموت(15)". وكان بوب يحلم ككل شاعر في زمانه بأن ينظم ملحمة، وقد بدأ كتابة ملحمة وهو بعد في الثانية عشرة. فلما شب ودرس هومر خطر له أن يترجم الألياذة إلى ذلك المقطوعات ذات البيتين المقفيين التي كانت تكون منطقه الذي فطر عليه. واستشار أصدقاءه فأمنوا على الفكرة. وقدمه أحدهم وهو جوناثان سويفت إلى هارلي وبلونبروك وغيرهما من كبار رجال الحكومة آملاً في أن يحصل له على وظيفة شرفية يرتزق منها. فلما أخفق في هذا تكفل في أن يجمع له اكتتابات تعول "الكسندر" الجديد وهو يطفر بشعره فوق طروادة. وإذ كان سويفت في موقع استراتيجي بين طلاب الوظائف والكهنوت، فقد أعلن أنه "أفضل شعراء إنجلترا هو المستر بوب، بابوي بدأ ترجمة لهومر بالشعر الإنجليزي، لا بد له أن يكملها من أن يكتتبوا فيها جميعاً، لأن المؤلف لن يبدأ الطبع حتى أجمع له ألف جنيه!(16)". واقترح بوب أن يترجم الألياذة في ست مجلدات من قطع الربع، ثمن كل المجموعة منها ستة جنيهات (180 دولاراً؟). وقبلت الاكتتابات تترى رغم هذا الثمن الغالي، واشتدت الحماسة للمشروع حتى أن برنارد لنتو تاجر الكتب وافق على أن ينقد بوب مائتي جنيه لقاء كل مجلد، وأن يقدم له نسخاً مجانية لمكتتبيه. وبما أن المكتتبين (وعددهم 575) أخذوا 654 مجموعة، فإن بوب كسب 5320 جنيهاً (148.960 دولاراً؟) ثمناً للأياذة، وهو مبلغ لم يظفر بمثله مؤلف في إنجلترا إلى ذلك الحين. وظهر المجلد الأول المحتوي على أربعة أقسام في 1715. وقد لقى منافسه غير متوقعة بسبب نشر ترجمة في اليوم ذاته للقسم الأول بقلم توماس تيكل. وأثنى أديسون على ترجمة تيكل، التي اعتقد بوب أنها ليست في الحقيقة إلا بقلم أديسون، وأحس أن نشرها في آن واحد مع ترجمته عمل غير ودي، فأضاف أديسون إلى قائمة أعدائه. ولو كان التفقه في العلم هو المحك الوحيد لما استحقت ترجمة بوب ثناء يذكر. فعلمه باليونانية متواضع، وقد اضطر إلى الاستعانة بالشراح المدرسين، وأنجز أكثر مهمته بالمضاهاة بين الترجمات السابقة وإعادة صياغتها بالأبيات الزوجية المقفاة من البحر الأيامبي (العمبقي) الخماسي التفاعيل iambic- pentameter couplets التي برع فيها. فأما بنتلي، أمير علماء الدراسات اليونانية الأحياء يومها، فقد أصاب في حكمه على هذا الأداء: "قصيدة لطيفة يا مستر بوب ولكن يجب ألا تسميها هومر(17)" فالأبيات الزوجية ونقر قوافيها الشبيه بنقر الطبل، والعبارات والفقرات والطباقات المتوازنة، هذه كلها عطلت أسلوب الشعر الإغريقي السداسي التفاعيل، الأسلوب السريع المتدفق. ومع ذلك كان هناك فخامة زاحفة، ومعين زاخر من اللغة، في تلك الأبيات التي ساقها الشاعر على نحو معجز، عبراً بها- رغم اعتراضات بنتلي- إلى القرنين الثامن والتاسع عشر، كأحب ترجمة للألياذة. قال فيها جونسن "إنها أسمى ترجمة للشعر شهدها العالم إلى اليوم(18)" وقال جراي إنه لن تضارعها أية ترجمة أخرى(19). كذلك كان رأي إنجلترا إلى أن أجال كيتس بصره في ترجمة تشامبن لهومر، واستمطر وردزورت اللعنة على الأسلوب المصطنع الطنان الذي أبهج الكثيرين جداً في عصر إنجلترا الأوغسطي. ونشرت ألياذة بوب في 1715- 20، وأتى نجاحها بتجار الكتب المتنافسين إلى بابه. ورجاه أحدهم أن يعلق على طبعه حديثه لمسرحيات شكسبير، فوافق بغباوة، غافلاً عن الهوة التي تفصله عن شكسبير عقلاً وفناً. وراح يكد ويكدح بصبر ذاهب في تلك المهمة التي لا تلائمه، وظهرت الطبعة في 1725، وما لبث لويس ثيوبولد، أقدر المتخصصين في دراسة شكسبير يومها، أن أوسعها طعناً لقصورها، فصلبه في بوب في قصيدته "الدنسيادة" (أي ملحمة المغفلين). وأقنعه لنتوت أثناء ذلك بأن يترجم الأوديسة، عارضاً عليه مائة جنيه ثمناً لكل مجلد من مجلداتها الخمسة، وأخذ المكتتبون 819 مجموعة، ولكن بوب، وقد افتقد الآن حافز الشباب والحاجة، سئم نحت مقطوعاته، وعهد بنصف العمل إلى دارسين كمبردج لم يطل بهما الوقت حتى تعلما محاكاة أسلوبه. وكان قد نبه المكتتبين سلفاً إلى أنه سيستخدم معاونين له، ولكنه حين نشر الأوديسة (1725- 26)- التي قصرت كثيراً عن ألياذته- نسب إلى مساعديه هذين الفضل في خمسة كتب من الكتب الأربعة والعشرين، في حين أنهما ترجما اثني عشر كتاباً في الواقع(20). ونقدهما 770 جنيهاً، أما هو فبلغ صافي ربحه 3.500 جنيه، إذ شعر بحق أن اسمه هو الذي باع الكتاب. وكفلت له الترجمتان الاستقلال المالي، فقال إن في وسعه الآن "بفضل هومر أن يعيش ويزكو غير مدين لإنسان أميراً كان أو نبيلاً(21)". وفي 1718 اشترى فيللا في تويكنهام وحديقة مساحتها خمسة أفدنة تنحدر إلى نهر التيمز. وصمم الحديقة بالطراز الطبيعي، متحاشياً الرقابة الكلاسيكية التي مارسها في شعره. وقال "إن الشجرة شيء أنبل من الملك في ثيابه تتويجه(22)". وحفر له من بيته نفق تحت شارع معترض ليخرج منه إلى الحديقة؛ وزين هذه "المغارة" زينه حالمة فيها الأصداف، والبلورات، والمرجان، والمتحجرات، والمرايا، والمسلات الصغيرة. في هذه الخلوة اللطيفة الجو استضاف الكثير من الأصدقاء المشهورين- سويفت، وجراي، وكونجريف، وبولنبروك، وآربثنوت، والليدي ماري ورتلي مونتاجيو، والأميرة كارولين، وفولتير. وكانت الليدي ماري جارته في حي أطلقا عليه اسم "تويتنام"؛ وكان بولنبروك يسكن دولي على مقربة منه، ولندن لا تبعد أكثر من أحد عشر ميلاً في نزهة لطيفة بالقارب على التيمز، وأقرب منها القصور الملكية في رتشموند، وهامتن كورت، ووكيو. وانضم الدكتور جون آربتنوت، الذي أضفى كتابه "تاريخ جون بول" (1712) على إنجلترا شخصية واسماً، إلى سويفت، وكونجريف وجراي، وبوب، في نادي سكربليروس الشهير (1713- 15)، الذي كرس للتهكم على كل ضروب الدجل والعجز. وأضيف كل ضحاياهم إلى القائمة المتعاظمة من خصوم بوب. وكان له مع الليدي ماري مغامرة اختلط فيها الواقع بالأدب وانتهت بعداوة مرة. وساكنه سويفت أحياناً، كما حدث أيام نشره "رحلات جلفر" (1726)، وتبادل الاثنان بغضهما للبشر، وبعض الرسائل التي كشفت عن رقة مخبؤه تحت دروعهما القاسية(23). أما معرفة بوب ببولنبروك فقد بدأت حوالي 1713، وتطورت إلى تأثير فلسفي. وقد أثنى الواحد منهما على صاحبه ثناء يبعث على الغثيان لغلوه، فقال بوب "أعتقد حقيقة أن في ذلك الرجل العظيم شيئاً يبدو أنه وضع هنا خطأ من عالم أعلى"، وقال بولنبروك وبوب يحتضر "لقد عرفته هذه السنين الثلاثين، ويزيد تقديرك لنفسي بسبب حبي لهذا الرجل"- وهنا خانه صوته كما تقول القصة(24). ولا بد أنه كان هناك شيء يحب في هذا الشاعر الذي صورته الرواية المتواترة، بل صوره قلمه هو أحياناً، إنساناً مشاغباً خداعاً خسيساً مغروراً. وينبغي أن نذكر دائماً أنه كان ممروراً- وله العذر- بسبب ما استشعره كل يوم من مذلة عجزه البدني. لقد كان في صباه جميل الصورة، لطيف الطبع، وقد ظل وجهه دائماً جذاباً، ولو لمجرد توقد عينيه. ولكنه كلما شب أصبح تقوس عموده الفقري سافراً بصورة أكثر إيلاماً له. وقد وصف نفسه بأنه "مخلوق قصير، كله حيوية، طويل الساقين والذراعين، لا تخطئ إذا رمزت له بالعنكبوت، وقد حسبه البعض على بعد طاحونة هواء صغيرة(25)". (ويذكرنا هذا بسكارون المسكين). فإذا جلس إلى المائدة وجب أن يسند على مقعد عال كالطفل ليحاذي غيره. وكان يحتاج إلى من يخدمه طوال الوقت تقريباً. وما كان في استطاعته أن يمضي إلى فراشه أو ينهض منه دون أن يعان عليه، ولا أن يرتدي ثيابه أو يخلعها بنفسه، وكان يجد مشقة في الاحتفاظ بنظافة جسمه. فإذا نهض لم يستطع أن ينصب عوده حتى يشده خادمه إلى صدار من القنب المقوي، وبلغ من نحافة ساقيه أنه كان يلبس ثلاثة جوارب طويلة ليضخمهما ويدفئهما، وكان بسبب حساسيته الشديدة للبرد يرتدي "نوعاً من الصدرة الضيقة المصنوعة من الفراء"، تحت قميص من الكتان الثقيل الخشن. وقل أن عرف لذة العافية. وقد قال عنه اللورد باثورست أنه كان يشكو الصداع أربعة أيام في الأسبوع، ويمرض في الثلاثة الباقية. ومن المعجز أن استطاع جوناثان رتشردسن أن يرسم لبوب لوحة بمثل هذه الطلعة الحسنة(26)- كلها تيقظ وحساسية، ولكنا نستطيع في التمثال النصفي الذي صنعه له روبياك أن نتبين الجسم المعذب يعذب العقل. ومن القسوة أن نتوقع من رجل كهذا أن يكون هادئ الطبع، أو لطيفاً، أو بشوشاً، أو رقيقاً. فلقد أصبح شأن كل عليل نزقاً، كثير المطالب، نكد المزاج. وندر أن نتجاوز في ضحكه الابتسامة، وإذ حرم كل فتنة الجسد، فقد عزى نفسه بكبرياء المقام وغرور الفكر. وكما يفعل حيوان ضعيف أو جريح، وكما يسلك فرد من أقلية مظلومة، تعلم المكر والمراوغة والدهاء، وما لبث أن تعلم الكذب، لا بل ممارسة الخيانة مع أصدقائه. وتملق النبلاء، ولكنه ترفع عن كتابات الإهداءات التي تستهدف الكسب. وكان فيه من الشجاعة ما حمله على رفض معاش عرضته عليه حكومة يحتقرها. ونحن نرى في حياته الخاصة بعض الخلال الجديرة بالحب. قال سويفت عنه إنه "أعظم من عرفت أو سمعت عنه من الأبناء قياماً بواجبهم نحو آبائهم(28)". فلقد كان حبه لأمه أطهر عاطفة وأبقاها من عواطف روحه المضطربة. كتب في عامها الحادي والتسعين يقول إن صحبتها اليومية جعلته لا يحس أي افتقار إلى علاقات عائلية أخرى. وكانت أخلاقياته الجنسية أفضل تطبيقاً منها كلاماً؛ ولم يكن هيكله يصلح للزنا، ولكن لسانه وقلمه كان في وسعهما أن يكونا إباحيين إلى حد مقزز(29). وحتى في رسائله للمرأتين اللتين ظن أنه يعشقهما كان يكتب بتحرر مفرط لا تطيقه اليوم سوى بغي. ومع ذلك فإن إحداهما، وهي مرتا بلاونت، أحبت الشاعر العاجز حباً حسبه المتقولون علاقة آثمة. وفي 1730 وصفها بأنها "صديقة... كنت أتفق معها كل يوم ثلاث ساعات أو أربعة طوال هذه السنين الخمس عشرة(30)". وبات في شيخوخته المبكرة معتمداً على محبتها، وأوصى لها بكل تركته الكبيرة تقريباً. وإذ كان دائم الوعي بعيوبه البدنية، فقد كانت تكويه كياً كل كلمة تنقد خلقه أو شعره. لقد كان العصر عصراً يغلب عليه حب الثأر في معاركه الأدبية، وكان بوب يرد على السباب بسباب لا يصح طبعه أحياناً. وفي 1728 حشد خصومه ونقاده في زريبة شعره، وأطلق عليهم كل سهام غضبه في أقوى أعمالهم الأدبية وأبلغها إيذاءً. ولم ينشر اسمه عليه، ولكن كل لندن القارئة استشفت توقيعه في أسلوب الكتاب. وسيراً على الطريق الوعر الذي سلكته من قبل قصيدة دريدن "ماك فلكنو" (1628)، أشادت قصيدة بوب "الدنسيادة" بكتبة جراب ستريت أقطاباً للمغفلين في بلاط الغباء الذي يتربع ثيوبولد على عرشه. وقد بكى على موت رن وجراي، وعلى إقصاء سويفت في منفاه الإيرلندي، حيث يموت "كفأر مسموم في جحر" يعني كتدرائية دبلن. أما عن الباقين فلم ير من حوله إلا عجزة فاسدين لا طعم لهم ولا مذاق. وتلقى ثيوبولد، ودنيس، وبلاكمور، وأوزبورن، وكرل، وكيبر، وأولدمكسون، وسميدلي، وآرنل- كل في دوره جزاءهم من الجلد والتهكم والقذر- ولا غرو فقد كان لشاعر ولع بالقذارة، ربما لأن هذه صفة تلازم العجز البدني(31). وفي طبعة لاحقة ذكر بوب في ابتهاج، على لسان الشاعر سفدج، كيف أن حشداً من الكتاب حاصروا تاجر الكتب في تاريخ نشر القصيدة لأول مرة، وهددوه باستعمال العنف معه إذا نشرها، وكيف أن هذا جعل الجمهور أشد تهافتاً على النسخ، وكيف أن الطبعة تلو الطبعة كانت تطلب وتنفد، وكيف أن الضحايا ألفوا أندية ليكتلوا الثأر من بوب، وصنعوا دمية على صورته وأحرقوها. وجاء ابن دنيس بهراوة ليضرب بوب، ولكن اللورد باثورست صرفه عنه، وبعدها ظل بوب يأخذ معه في جولاته مسدسين وكلبه الدنمركي الضخم. ورد عليه عدد من ضحاياه بكتيبات، وبدأ بوب وأصحابه (1730) "مجلة جراب ستريت" ليواصلوا الحرب. وفي 1742 أصدر جزءاً رابعاً من "ملحمة المغفلين"، هاجم فيه المربين وأحرار الفكر تعطشاً لخصوم جدد- هؤلاء الذين يفخرون قائلين:
"إننا نتخذ في فخر ذلك الطريق الأعلى ونجادل هابطين حتى نشك في الله، ونجعل الطبيعة تعدو على قصده، وندفعه إلى أبعد ما نستطيع.. .. أو، بوثبة واحدة تقفز فوق كل قوانينه، نجعل الله صورة للإنسان، والإنسان العلة النهائية، ونجد الفضيلة شيئاً محدوداً، ونحتقر كل الصلات، نرى الكل في أنفسنا، وأننا لم نولد إلا لأنفسنا، لا نوقن بشيء يقيننا بعقولنا، ولا نتشكك في شيء تشككنا في الروح والإرادة(32)". وواضح أن بوب كان ينقب في الفلسفة، وليس مع بولنبروك وحده؛ فقد صدرت رسالة هيوم "في الطبيعة البشرية" في 1739، قبل هذا الجزء الرابع من "ملحمة المغفلين" بثلاث سنوات. وهناك بعض الأدلة على أن الفيكونت كان قد نقل إلى الشاعر ربوبية شافتسبري مشحوذة بحكمة الدنيا(33). وقال له بولنبروك، حسبك هجاء وسفاسف، ووجه ربة شعرك وجهة الفلسفة الدينية. يقول جوزف وارتن "لقد أكد لي اللورد باثورست غير مرة أنه قرأ كل خطة "مقال عن الإنسان" مكتوبة بخط بولنبروك، ومفصلة في سلسلة من القضايا كان على بوب أن ينظمها شعراً ويوضحها(34)". ويبدو أن بوب فعل هذا، إلى درجة استعماله عبارات بعينها من وضع المتشكك الكبير(35)، ولكنه أضاف بعض البقايا المنقذة التي تخلفت عن عقيدته المسيحية. وهكذا أصدر "مقالة عن الإنسان" فصدرت الرسالة الأولى في فبراير 1733، والثانية والثالثة في تاريخ لاحق من تلك السنة، والرسالة الرابعة في 1734. وسرعان ما ترجم المقال إلى الفرنسية، وأشاد به أكثر من عشرة فرنسيين باعتباره من ألمع ما ألف من جوامع الشعر والفلسفة معاً. واليوم يذكر هذا المقال أولاً لما حوي من أبيات يعرفها كل إنسان، فلننصب بوب في رؤيتها في إطار فنه وفكره. وهو يستهلها بمناجاة لبولنبروك: "استيقظ يا قديسي جون: واترك كل التوافه للطمع الدنيء وكبرياء الملوك. وما دامت الحياة لا تستطيع أن تهبنا غير نظرة فيما حولنا يعقبها الموت، فطوف ببصرك حراً فوق هذا المشهد كله، مشهد الإنسان، يا له من متاهة هائلة، ولكنها ليست بغير خطة،.. فلنضرب معاً في هذا الحقل الفسيح، ولنضحك حيث يجب الضحك، ونتصارح حيث نستطيع المصارحة، ولكن لنبرر طرق الله مع الإنسان(36)".
"فهل يستطيع الجزء أن يحتوي الكل؟" فلنكن شاكرين لأن عقلنا حدود ومستقبلنا مجهول: "فذلك الحمل الذي قضي استهتارك بذبحه اليوم، لو أوتي عقلك، أكان يطفر ويلهو؟ إنه في ابتهاجه إلى النهاية يقضم طعامه اليانع ويلعق التي رفعت لتريق دمه(38)". هاهنا تشاؤم خفي، فالرجاء لا يمكن أن يبقى حياً إلا بالجهل:
"فارج في تواضع إذن، وحلق بجناحين مرتعشين، وانتظر الموت، ذلك المعلم العظيم، وأعبد الله. إنه لا يهبك العلم بالنعيم الآتي، ولكنه يسمح بأن يكون ذلك الرجاء بركتك الآن. فالرجاء ينبعث أبداً في صدر الإنسان، وهو لا ينعم بالسعادة بل لا يفتأ يرجوها أبداً(39)". ولا قدرة لنا على رؤية المبرر لما يبدو في الحياة من مظالم؛ وعلينا أن ندرك أن الطبيعة لم تخلق الإنسان، وأن الله لا بد يرتب كل الأشياء لكل الأشياء، لا للإنسان وحده. ويصف بوب "سلسلة الوجود الشاسعة" ابتداء من أدنأ المخلوقات ومروراُ بالإنسان والملاك إلى الله، ويحتفظ بإيمانه في نظام إلهي وإن خفي عن علمنا:
"إن الطبيعة كلها ليست إلا فناً لا علم لك به؛ وكل المصادفات توجيه لا تستطيع رؤيته؛ وكل تنافر تناغم غير مفهوم؛ وكل شر جزئي خير كلي؛ ورغم ما حقد في العقل الضال من كبرياء، فإن هناك حقيقة واحدة واضحة، وهي أن كل الوجود صواب(40)". أما الدرس الأول فهو التواضع العقلي. ثم هذه الأبيات المذكرة تذكيراً رائعاً ببسكال:
"فاعرف نفسك إذن، ولا تجسر على فحص الله، فالدراسة الصحيحة للبشر هي الإنسان. هذا الذي وضع هذا البرزخ في حالة وسط، كائن حكيم في غموض، عظيم في فجاجة... حكم أوحد في أمر الحقيقة، مدفوع إلى أخطاء لا تنتهي، مفخرة الدنيا، وأضحوكتها، ولغزها المحير!(41)". فلنوافق في إطار هذه الحدود البشرية على أن "محبة الذات، منبع الحركة، تحفز الروح"، ولكن لا بد للعقل أيضاً أن يدخل ليبث النظام والتوازن في عواطفنا وينقذنا من الرذيلة. لأن"
"الرذيلة مخلوقة متوحشة رهيبة السحنة، نكرها حالماً نراها، ولكنا لكثرة ما نراها نألف وجهها، ونحتملها أولاً، ثم نرثي لها، ثم نعانقها(42)".
هذه العواطف وإن كانت كلها ألواناً من محبة الذات إلا أنها جوانب من المخطط الإلهي، وقد تفضي إلى نهاية طيبة حتى لبصرنا الأعمى. فشهوة الجسد تبقى على النوع، وتبادل المصلحة ولد المجتمع. والنظام الاجتماعي والإيمان الديني نعمتان واضحتان، رغم أن الملوك وأصحاب المذاهب لطخوا التاريخ بدماء البشر:
"ليختلف الحمقى حول أشكال الحكم فأصلحها هو أفضلها إدارة وتصريفاً وليقتتل المتعصبون الثقلاء حول ضروب الإيمان، فلن يخطئ من عاش حياة فاضلة(43)".
أما الرسالة الرابعة من مقال الإنسان فتنظر في السعادة، وتحاول جاهدة أن تسوي بينها وبين الفضيلة. فإذا رأيت الرجل الصالح يبتلي بالكوارث، والأشرار يفلحون أحياناً، فإنما السبب أن:
"العلة الكونية لا تعمل وفق قوانين جزئية بل كلية(44)؛"
والله ينظم بالكل، ولكنه يترك الأجزاء لقوانين الطبيعة ولإرادة الإنسان الحرة. وقد يأسي البعض لفوارق الملكية باعتبارها مصدراً للشقاء، ولكن الفوارق الطبقية ضرورية للحكم: "فالنظام أول قوانين السماء، وإذا سلمنا بهذا كان البعض، ولا بد أن يكونوا، أعظم من الباقين(45)". وليس هذا واضحاً وضح النهار، ولكن أي كلام آخر يمكن أن يقال للفيكونت بولنبروك، (أو يقوله بولنبروك)؟ والسعادة موزعة بالقسط رغم عدم المساواة في العطايا الطبيعية والمكتسبة؛ فالفقير سعيد سعادة الأمير. وليس سعيداً ذلك الوغد الغني؛ فهو يحتضن أمواله ولكنه يشعر باحتقار العالم له، أما البار فتنعم روحه بالسلام حتى في الظلم. أما ما يسترعي نظرنا لأول وهلة في مقال الإنسان، فهو هذا الأسلوب المحكم الذي لا يضارع في إيجازه. يقول بوب "لقد اخترت الشعر لأنني رأيتني قادراً على التعبير عن هذه الأفكار بالشعر بأوجز مما بالنثر(46)". ولم يبلغ شاعر، حتى شكسبير نفسه، ما بلغه بوب من مقدرة على حشد ذخائر لا حصر لها- وحشد المعنى الكبير على الأقل- في حيز ضيق. فهنا في 652 بيتاً زوجياً، هي أدعى لأن تعيها الذاكرة من نظيرها في أي ميدان أدنى معادل غير العهد الجديد. وكان بوب عليماً بحدود قدراته، فقد أنكر صراحة أصالة أفكاره، وأراد أن يصوغ من جديد فلسفة ربوبية متفائلة بفن موجز، ووفق فيما أراد. وفي هذه القصيدة نحى عقيدته الكاثوليكية ولو إلى الحين. ورأى في الله علة أولى فقط، لا يعني "عناية إلهية خاصة" ليقي الرجل الفاضل من خبث الأشرار. وليس في هذا النسق معجزات، ولا أسفار مقدسة موحاة من الله، ولا آدم ساقط أو مسيح مكفر، إنما هو رجاء مبهم في الجنة، ولكن لا ذكر للنار إطلاقاً. وقد هاجم نقاد كثيرون القصيدة باعتبارها فلسفة "إنسانية أو بشرية" منظومة. فالقول بأن "دراسة البشر الصحيحة هي الإنسان" عرف وجهاً من وجوه هذه الفلسفة، وبدأ أنه يغرق اللاهوت كله. فلما ترجم المقال إلى الفرنسية انقض عليه قسيس سويسري يدعى جان كروزاز، فزعم أن بوب قد ترك الله في طريق جانبي في قصيدة مفروض فيها أنها تبرر طرق الله للإنسان. ولم يخف للدفاع عن بوب أمام هذا الهجوم من الخارج رجل غير وليم وربرتون الفحل، فقد شهد أسقف المستقبل أن القصيدة عملاً من أعمال التقوى المسيحية التي لا شائبة فيها. ورغبة في تهدئة رجال الدين نشر بوب في 1738 ترنيمة حلوة سماها "الصلاة العالمية". ولم يقتنع السنيون تماماً، ولكن العاصفة هدأت. أما في القارة فقد استقبلت القصيدة بعواطف مسرفة. فقال فولتير في حكمه عليها "إنها في رأيي أبدع وأنفع وأسمى قصيدة وعظية نظمت في أي لغة(47)". وفي 1735 كتب بوب مقدمة لمجلد من الهجائيات سماها "رسالة إلى الدكتور آربتنوت" دافع فيها عن حياته وأعماله، وقتل خصوماً جدداً. هنا وردت صورته الشهيرة لأديسون الذي سماه "أتيكوس"، وفضيحته القتالة للورد هرفي المخنث الذي كان قد زل فوصف بوب بأنه "قاس كقلبك"، مجهول كأصلك(48)". وطعنه بوب طعنات نجلاء تحت اسم "سبوراس" في أبيات يتجلى فيها الشاعر في أروع صورة وأسوئها. قال:
"ماذا؟ ذلك الشيء المصنوع من الحرير، سبوراس، ذلك الخثارة البيضاء من لبن الحمير، وا أسفاه! لا يجدي معه هجاء ولا كلام معقول! أيستطيع سبوراس أن يحس، وهو الذي يحطم فراشة على دولاب التعذيب، ولكن دعوني أصفع هذه البقة المذهبة الأجنحة، ابن القذر هذا المزوق، الذي ينتن ويلدغ... وسواء تكلم وهو عاجز عجزاً فاضحاً وزيق كالدمية حين ينفخ فيها الملقن؛ 3أو جلس إلى إذن حواء، كأنه الضفدع الأليف، ينفث حديثاً نصفه زبد ونصفه سم، في توريات أو أحاديث سياسية، أو حكايات، أو أكاذيب، أو غل أو سناج أو قوافي أو كفريات. ذكاؤه متأرجح كله هنا وهناك، صاعد حيناً، هابط حيناً، سيد مرة وفتاة مرة، وهو ذاته تناقض حقير. شيء ذو وجهين، يلعب كلا الدورين، الرأس التافه، أو القلب الفاسد؛ غندور في زينته، متملق في مجلسه، يخطر آناً كالنساء، ويتبختر آناً كالسادة(49)". وكان بوب فخوراً ببراعته في هذه الهجمات القتالة- "أجل إني فخور، ويجب أن أفخر برؤية الرجال الذين لا يخشون الله يخشونني(50)". وقد اعتذر عن مرارته بأن العصر يتهدده انتصار الغباوة، وأنه في حاجة إلى عقرب يلدغه ليفيق ويعقل، ولكنه انتهى في 1743 إلى أنه خسر المعركة. ففي آخر تنقيح لملحمة المغفلين رسم صورة قوية- هي نذر الشاعر "دون" بالويل والثبور صاغها بلهجة ملتن ونبراته للدين، والأخلاق، والنظام، والفن، وقد لفها كلها ظلام واضمحلال شاملان. فإلاهة الغباء المتوجة تتثاءب فوق عالم محتضر: "إنها قادمة، إنها قادمة، تأمل العرش الأسود، عرش الظلمة الأزلية والفوضى القديمة! أمامها تتبدد كل سحب الخيال الذهبية، وتلاشى كل أقواسه القزحية.. .. بينما تأفل النجوم الذابلة نجماً بعد نجم من الأفق الأثيري، عند سماع لحن ميديا الرهيبة وهكذا عند الإحساس بدنوها، وخشية جبروتها الخفي، ينطفئ الفن تلو الفن، وتمسي الدنيا ظلاماً في ظلام. فانظر إلى الحقيقة وقد هربت متسللة إلى كهفها القديم، وفوق رأسها أهيلت جبال من الفتاوي! والفلسفة التي كانت من قبل تستند إلى السماء، تنكمش إلى علتها الثانية ثم تموت. والطبيعة (العلوم) تسأل ما بعد الطبيعة الدفاع (ضد هيوم؟) وما بعد الطبيعة يستنجد بالحس الطبيعي (لوك؟)! وترى الأسرار الخفية تلجأ إلى الرياضيات (نيوتن؟)! ولكن عبثاً تحاول! فهي تحملق، وتترنح، وتهذي، ثم تموت. ويستر الدين نيرانه المقدسة وقد احمر وجهه خجلاً، وتذوي الفضيلة دون أن تدري... فهناك دولتك الرهيبة وقد عادت أيتها الفوضى، والنور ينطفئ أمام كلمتك القاتلة، ويدك أيتها الفوضى الجبارة تنزل الستار فإذا الظلام الدامس يلف كل شيء(51)". ولعله حسب انحلاله هو انهياراً للكون كله. فقد كان وهو بعد في الخامسة والخمسين يموت من الهرم. وأصبح المشي عسيراً عليه لإصابته بالاستسقاء، والتنفس مؤلماً لإصابته بالربو. وفي 6 مايو 1744 أصابه هذيان كان يفيق منه فترات، وأعرب في إحداها عن إيمانه بحياة بعد الموت. وسأله صديق كاثوليكي أيستدعي له كاهناً فأجاب بوب "لست أراه ضرورياً ولكنه سيكون عين الصواب، وشكراً لأنك ذكرتني بهذا"(52). ومات في 30 مايو، "هادئاً رابط الجأش" (إذا صدقنا جونسن)، "حتى أن خدمه لم يتبينوا بالضبط وقت وفاته". ولم يكن من حقه أن يدفن في دير وستمنستر لأنه كاثوليكي، فووري التراب إلى جوار أبيه وأمه في تويكنهام. أكان جنتلماناً؟ لا، فإن أحقاده الفياضة بالقدح والذم شاركت في تسميم هواء إنجلترا الأدبي في النصف الأول من القرن الثامن عشر، وقد أخرجت آلامه الجسدية أحماضاً لاذعة وحرمته العافية التي تفيض بالحب والود على من حولها. أكان عبقرياً؟ بالطبع، لا في الفكر الذي استعاره، بل في الشكل الذي بلغ به مرتبة الكمال في النوع الأدبي الذي اختاره. وقد وصفه ثاكري بأنه "أعظم فنان أدبي شهده العالم(53)". ففي لباقة الكلام، وإيجاز التعبير، وخصب العبارة، كان أمام عصره غير منازع. وحتى الفرنسيون قبلوا أعظم شاعر في جيله، وتطلع إليه فولتير مثلاً له وقلده، كما نرى في "أحاديثه عن الإنسان". ولقد ظل ثلاثين عاماً- أطول من أس شاعر آخر- أمير الشعر الإنجليزي، وثلاثين عاماً آخر نموذجاً يحتذيه الشعراء الإنجليز، إلى أن جاء وردزورت بشيراً بعصر جديد. ونحن الذين نهرول ف حياتنا اليوم رغم فراغنا كله، نرى في مقطوعات بوب، في تشطيرها الآلي، أو في صعودها وهبوطها "كالأرجوحة"(54) على القدرة والتنويم، فلا توقظنا إلا بين الحين والحين بالإجرامات، وحتى مقاله البارع عن الإنسان، ليس شعراً إلا في أوزانه وقوافيه. والصنعة فيه ظاهرة فوق ما ينبغي، فلقد نسي الفنان نصيحة هوراس له بستر فنه. كذلك غفل عما نبه إليه هوراس من أن الشاعر لا بد أن يملك الشعور قبل أن يستطيع نقله؛ وقد شعر بوب، ولكن غالباً ليحتقر ويسب؛ وقد افتقد الإحساس بالجمال نحو الأفعال النبيلة أو اللطف الأنثوي. واستنفد خياله في العثور على ألفاظ رقيقة، بتارة، مركزة، لأفكار قديمة؛ فلم يتطاول ليمسك بالأشكال المثالية التي تلهم عظماء الشعراء والفلاسفة. ولم تعطه الأجنحة سوى أحقاده. وهو لم يزل إلى اليوم الرمز الشعري الأكبر لعصر إنجلترا الأوغسطي- الذي يجوز أن نرسم حدوده بعمره، 1688- 1744. فمعرفة الذهن الإنجليزي المتزايدة بعيون الأدب اليوناني والروماني، وبمسرحية "القرن العظيم" الفرنسية؛ وتأثير الأرستقراطية- تأثير الطبقة المسيطرة على الكثرة- في الحديث، والعادات، والألفاظ المهذبة، ويسر السلوك ولطفه؛ وانتقاض العقل والواقعية على الشطط الاليزابيثي وعلى التدين البيورتاني المتزمت، وانتقال المعايير الفرنسية إلى إنجلترا مع عودة الملكية، والمكانة الجديدة للعلم والفلسفة- كل أولئك تضافر لإخضاع أشكال الشعر الإنجليزي السائدة لقواعد هوراس وبوالو الكلاسيكية. وجاء عصر من النقد بعد عصر الخيال، فبينما غزا الشعب في إنجلترا الإليزابيثية النثر ولونه، نرى النثر في إنجلترا الأوغسطية يحط من قدر الشعر ويغير لونه. وكان أثر هذا الأدب "الكلاسيكي الجديد" على اللغة الإنجليزية حسناً وسيئاً: فقد أعطاها دقة ووضوحاً ورشاقة جديدة، ولكنها خسرت حيوية الكلام الإليزابيثي وقوته ودفئه. وخضعت فورة الشخصية والتعبير وفردانيتهما القديمة لنظام مفروض من فوق، ألزم بالتطابق في الحياة، وبالشكل في الأدب. وهكذا استحال الشباب كهولة. على أن الأسلوب الكلاسيكي الجديد لم يعبر إلا عن شطر من الحياة الإنجليزية، فلم يكن فيه متسع للتمرد ولا للعاطفة ولا للحب. وقام شعراء بريطانيون، حتى أيام سلطان بوب، نددوا بالصنعة والمنطق، وتحولوا من العقد إلى الطبيعة، ووجدوا صوتاً يعبر عن الوجدان، والدهشة، والخيال، والاكتئاب المتفكر، والأمل المحزون. فبدأت ذلك الحركة الرومانسية في ذروة عصر إنجلترا الكلاسيكي.
برامج -> عصر فولتير -> إنجلترة -> الأدب والمسرح -> أصوات الوجدان 3- أصوات الوجدان لم يكد الشعر الكلاسيكي الجديد يتأمل شيئاً غير عالم الكتب. فقد رأى هومر وهوراس، وأديسون وبوب، رؤية أوضح من رؤيته للرجال والنساء الذين يمرون في الشوارع، أو الطقس والمناظر الطبيعية التي تنفعل بها أمزجة الناس كل يوم. ولكن الأدب كشف الآن من جديد ما كان الفلاسفة يزعمونه طويلاً، وهو أن "الإنسان" فكرة عامة غامضة؛ وأنه لا وجود إلا "للناس"، المعتزين بفرديتهم الحريصين على واقعهم. وعمق الشعراء ذواتهم بلمس الأرض، وشعورهم بالحقول والتلال والبحر والسماء واستجابتهم لها، وبتغلغلهم إلى ما وراء الأفكار ليصلوا إلى المشاعر الدفينة التي يعلنها الكلام أقل مما يخفيها. فلم يبالوا كثير بالكلام واعتزموا الغناء، وعادت القصيدة الغنائية وذوت الملحمة. وغلب الشوق إلى العزاء المنبعث من الإيمان بما فوق الطبيعة، وإلى الانبهار الصوفي الذي يوسع الحياة، هجوم الربوبية على المعجزات، والتمس بازدياد، في أساطير العصور الوسطى، ورومانسيات الشرق، والأشكار القوطية، شيئاً من الهروب من الواقع القاسي لهذه الحياة الدنيا. وبالطبع لم يخل عصر من أصوات الوجدان. ألم يشد "البطل المسيحي" للكاتب ستيل (1701) بالإيمان القديم والعاطفة الرقيقة؟ وألم تركز "السمات المميزة" لشافتسبري (1710) حياة البشر في "العاطفة" و "المحبة"؟ وألن يشتق المتشكك هيوم والاقتصادي سمث كل الفضيلة من شعور الأخوة والتعاطف؟ ولكن جيمس طومسن هو الذي ضرب أول ضربة واضحة جلية دفاعاً عن قضية الإحساس ورقة الشعور. وكان ابن قسيس فقير في تلال إسكتلندة. نزل إلى أدنبرة ليدرس للقسوسية، ولكن عاقه من غايته إدانة الأساتذة لأسلوبه لأنه شعري بصورة لا تتفق ولغة الدين. فهاجر إلى لندن، وسرق ماله في الطريق، وأشرف على الهلاك جوعاً، وباع قصيدته "الشتاء" (1726) ليشتري حذاء(55). على أن إهداءه إياها إلى السر سبنسر كونتن أتاه بعشرين جنيهاً ثمناً لثنائه؛ ولا غرابة فإن النبلاء الإنجليز لم يكونوا صماً أو بخلاء بالقدر الذي خاله جونسون. وتصور طومسن في قصيدته صوت النعال وهي تطحن قشرة الجليد، وكيف: "سمع الرياح تزأر والسيل العميق يهدر، أو رأي العاصفة العميقة الثوران تتجمع في سماء المساء الكالحة؛"
وكيف راقب من الشاطئ الرياح وهي تحرث البحر، وتقلب "اليوم من قاعه وقد تغير لونه"، وتمزق المراكب من مراسيها، وترفعها رفعاً خطراً فوق موجة تهوي بهاهوياً منذراً تحت أخرى، وتقذف بها فوق "صخر مدبب أو مياه ضحضاحة غادرة" ثم تبددها "شظايا متناثرة... تطفو في حركة دائرة". وصور الفلاح وقد اقتنصته عاصفة من الثلج الذي يعمي العيون، تغوص قدماه المتجمدتان في الثلوج العميقة وهو يكافح في سيره، حتى يعجز عن رفع حذائه، فيقع منهوكاً فريسة للموت متجمداً. "أواه، ما أقل ما يخطر ببال المستكبرين، المستبيحين المرحين، كم من الناس يحسون في هذه اللحظة بالموت وكل ضروب الألم الحزينة.. .. وكم يذوون في الفاقة وغياهب السجون محرومين مما ينعم به الخلق كلهم من تنسم الهواء وتحريك الأطراف، وكم يتجرعون كأس الحزن القاتل، أو يأكلون خبز الضيق المر، وقد اخترمت أجسامهم رياح الشتاء، وكم ينكمشون في ذلك الكوخ القذر، كوخ الفقر التعس". هنا نغمة جديدة من الشفقة تخزي "بل مل" وداوننج سترتت، وعودة تنعش النفس إلى شعر ملتن المرسل عقب ما وصف به طومسن قوافي بوب من "بهرجة تافهة". وشهد عام آخر، وراع جديد لطومسن، طبع قصيدته "الصيف (1727)؛ وفي ذلك العام شارك بقصيدة شهيرة في صيحة الحرب على أسبانيا: "حين انبعثت بريطانيا أول مرة بأمر السماء من اليم الأزرق، كان هذا دستور أرضها، وتغنت ملائكتها الحارسة بهذا اللحن. احكمي يا بريطانيا، تسلطي على الأمواج؛ إن البريطانيين لن يستعبدوا أبداً. ومن لندن راح يجول الأيام والأسابيع في الريف، مستوعباً بحواس الشاعر المرهفة "كل مشهد ريفي، وكل صوت ريفي"، يحب "رائحة الألبان" المنبعثة من المزارع، وينتشي بمنظر الشمس منتصرة عقب المطر، أو يسبق كيتس في اكتئابه لمرأى الخريف. وهكذا نشر قصيدته "الربيع" في 1728، وبإضافة قصيدة "الخريف" ومطلعها ("حين تبدأ الورقة المسمومة في الالتواء") جمع القصائد الأربع كلها في ديوان "الفصول" (1730). وقد كوفئ بجولة في القارة رفيقاً لتشارلز تالبوت، ابن وزير الخزانة في ذلك الحين، فلما عاد عاش في دعة ونظم الشعر الرديء إلى أن مات الوزير (1737). وبعد أن صاحب الفقر فترة أخرى قدموه إلى ولي العهد (أمير ويلز) الذي سأله عن أحواله، فأجاب "إنها في وضع أكثر شاعرية من ذي قبل". وتلقى معاشاً قدره مائة جنيه مكافأة على ملاحظته الساخرة هذه. ثم قضى عليه برد أصيب به على التيمز، ومات غير متجاوز الثامنة والأربعين. وقد قررت "الفصول" أسلوباً جديداً في شعر إنجلترا الأقل شأناً، ووجدت أتباعاً في فرنسا؛ هناك نظم جان فرانسوا دسان-لامبير، الذي سرق أميلي من فولتير، قصيدته "الفصول" (1769). وبينما كانت مقاطع الشعر الملحمي تختال عبر القرن، كان إدوارد ينج، ووليم كولنز، ووليم شنستون، ومارك أكينسايد، وتوماس جراي، يوسعون الطريق الرومانسي المفضي غلى وردزورث وتشاترتن. أما ينج فبعد أن ظل ينظم الشعر التافه المرح حتى الستين من عمره، عمل لآخرته بديوان شعر اسمه "خواطر ليلية في الحياة والموت والخلود" (1742-44). وقد شجب فولتير هذا النتاج الليلي لأنه "مزيج مهوش من الشعر الطنان والتوافه الغامضة"، ولكن ربما كان دافعه إلى هذا الحكم أن ينج كان قد وخزه ببيتين لاذعين قال فيهما: "إنك مسرف في الذكاء، والخلاعة، والنحول، حتى لنحسبك ملتن، الموت، والخطيئة، مجتمعة كلها في رجل واحد(56)". وأما وليم كولنز فعاش نصف عمر ينج، وكتب أقل مما كتب ينج وأجود منه مرتين. هرب من دعوة لاحتراف القسوسية، وأنفق آخر دراهمه في صقل الأبيات الألف والخمسمائة التي نظمها قبل أن يجن ويموت (1759) وهو بعد في الثامنة والثلاثين. وأجمل من قصيدته "نشيد المساء" التي ظفرت بالتقريظ القبرية التي كتبها رثاء للجنود البريطانيين صرعى المعركة في 1745:
"كيف ينام الشجعان الذين يسقطون ليرقدوا وقد باركتهم كل دعوات وطنهم! حين يعود الربيع الذي بلل الندى أصابعه الباردة ليجمل ترابهم المقدس، هنالك يكسو بالعشب ثري أعطر مما وطئته أقدام الخيال. أجراسهم تدقها أيدي الجان ولحن الموت ترتله أفواه لا ترى، هنالك يحضر "الشرف"، حاجاً أشيب الشعر، ليبارك العشب الذي يكسو ثراهم، وتذهب "الحرية" برهة لتقيم كالناسك الباكي على قبورهم". وأكثر مما يذكر من شعراء الوجدان هؤلاء ذلك الروح الغريب الذي أسبغ على اكتئاب الشباب كثيراً من العبارات الرقيقة. ذلك هو توماس جراي، الذي كان أحد اثني عشر طفلاً ولدوا لكاتب عمومي لندني، مات منهم أحد عشر في طفولتهم. ولم يتخط توماس هذه السن الخطرة إلا لأن أمه استعملت مقصها لتفتح وريده بعد أن رأته يتشنج. فلما بلغ الحادية عشرة ذهب غلى ايتن، حيث بدأت صداقاته المشئومة مع هوراس ولبول ورتشرد وست ثم مضي إلى كمبردج، التي وجدها "مملؤة بالمخلوقات المكتئبة والمعلمين المجدبين". وأراد أن يدرس القانون، ولكنه انزلق إلى دراسة الحشرات وقرض الشعر، وانتهى إلى التبحر في اللغات والعلوم والتاريخ إلى حد خنق العلم فيه شعره. وفي 1739 جاب أوربا مع هوراس ولبول. فلما عبر جبال الألب في الشتاء كتب يقول "ما من جرف، ولا سيل ولا منحدر فيها ألا وهو مفعم بالدين والشعر"، وفي 1740 حين كتب من روما أدخل إلى اللغة الإنجليزية كلمة جديدة هي picturesque (أي الشبيه بالصورة الرائعة). ولم يكن قاموس جونسن يعرف هذه الكلمة حتى في 1755. وفي ريدجو ايميليا تشاجر مع ولبول، فقد كان هوراس شديد الوعي بنبالته، وتوماس شديد الفخر بفقره، ووشي "صديق للطرفين" لكل منها برأي الآخر المستتر فيه، فافترقا، وواصل جراي رحلته منفرداً إلى البندقية وجرينوبل ولندن. وبغضه في الحياة موت صديقه وست (1742) في السادسة والعشرين من عمره. فاعتكف في بيت عم له في ستوك بوجز، وهناك، وسط دراساته المتصلة، كتب (1742) "قصيدة غنائية في نظرة من بعيد لكلية ايتن". إذ نظر من مسافة مأمونة إلى هذه المشاهد المدرسية، فقد تذكر صديقه الذي قصف الموت عمره قبل الأوان، ووراء ألعاب هؤلاء الشباب ومرحهم رأى ببصر مكتئب مصائرهم الشقية:
"هؤلاء ستمزقهم الانفعالات والعواطف الجامحة، ونسور العقل الجارحة، والغضب المفعم بالاحتقار، والخوف الشاحب الوجه، والخجل الذي يتوارى مختبئاً؛ أو يفني الحب المعذب شبابهم، أو الغيرة المكشرة عن نابها، التي تقرض القلب في شغافه والحسد الشاحب، والهم الذابل، واليأس المتجهم الذي لا يقبل العزاء، وسهم الحزن الذي يخترم النفس. انظر، في وادي الحياة أسفلك تر رهطاً رهيباً، هم أسرة الموت المؤلمة، الأبشع منظراً من ملكتهم. فهذا يحطم المفاصل، وهذا يلهب الأوردة، وذاك يوجع كل عضلة مجهدة، وأولئك يحدثون ثورة في الأحشاء الدفينة. ثم هاهو الفقر أقبل ليكمل الفرقة، الفقر الذي يخدل الروح بيده الباردة، والهرم الذي يبري الناس على مهل. لكل إنسان آلامه، والكل بشر، قضي عليهم كلهم بالأنين، فالحنون يئن لألم غيره، والقاسي يئن لألم نفسه، ولكن واهاً لهم! فلم يبصرون بحظوظهم، ما دام الحزن لا يبطئ مجيئه أبداً، والسعادة سريعة الهروب؛ إن التفكير كفيل بأن يدمر فردوسهم، فأمسك، لأنه حيث يكون الجهل نعيماً فمن الحماقة أن تكون حكيماً". وفي أواخر 1742 قفل جراي إلى كمبردج ليستأنف دراساته. وأرسل إلى ولبول، بعد أن اصطلحا، (1750) "مرثية مكتوبة في فناء كنيسة ريفية". وداولها ولبول بين أخصائه وطبعها ناشر لص وحرفها.. وحماية لشعره سمح جراي لددسلي بأن يصدر نسخة أفضل وإن شابها النقص هي أيضاً (1751)، في هذه القصيدة التي تعد من أروع قصائد القرن ألبس جراي الاكتتاب الرومانسي لبوساً كلاسيكياً دقيق النحت، مستبدلاً بمقطوعات بوب الزوجية العالية الرنين رباعيات هادئة تتحرك في وقار شجي التي خاتمتها الحزينة. وفي 1753 ماتت أمه، فكتب لها قبرية رقيقة، ودفن همومه في الشعر. وفي قصيدة غنائية عن "تقدم الشعر" حياً انتقال ربات الفن والأدب من اليونان والرومان إلى "ألبيون"، واعترف بتطلعات صباه إلى مباراة الشاعر بندار، والتمس من الشعر أن يهبه عطية "العقل الذي لا يقهر". وفي قصيدة غنائية أكثر شموخاً حتى من هذه، واسمها "الشاعر"، رأى جراي في الشعراء ضرباً من التكفير عن سيئات الحياة البريطانية يفضح الرذيلة والطغيان. هاتان "القصيدتان الغنائيتان البنداريتان"، اللتان نشرتهما مطبعة ولبول في ستروبري هل، بلغتا في افتعال الشكل والازدحام بالشواهد القديمة والوسيطة مبلغاً جعل فهمها عسيراً على القراء إلا الراسخين منهم في الأدب. وقد لف جراي نزوعه هذه للعزلة في ثوب من الكبرياء فقال "ما كنت لأصيف حاشية (تفسيرية) أخرى لأنقذ أرواح جمع البوم الذين في لندن. إن الوضع الراهن حسد جداً-فلا أحد يفهمني، وأنا راض بهذا تمام الرضي. وكان اليوم معتاداً على مثل هذا الصفير في الظلام. وإذا انكفأ مكتئباً إلى غرفته ببيتر هاوس في كمبردج يعاني من فقر وتهيب منعاه من الزواج، ومن حساسية شديدة قعدت به عن النضال الحياة، فقد أمسي إنساناً منطوياً حزيناً؛ وروعه بعض الطلاب ذات ليلة، وقد ساءهم منه عزوفه ووقاره، وعرفوا فيه الخوف من النار، فصاحوا تحت نافذته بأن الردهة تحترق. وفي رواية مختلف عليها أنه أدلى نفسه من النافذة وهو في قميص النوم وانزلق على حبل-ليقع في حوض ماء وضعه العابثون ليتلقاه(58). وفي 1769 جاب إقليم البحيرات الإنجليزية، وفي اليومية التي كتبها (بخط غاية في الجمال) جعل إنجلترا تدرك لأول مرة جمال ذلك الإقليم. وفي جولة أخرى بمالفيرن تلقى نسخة من قصيدة "القرية المهجورة" (لجولدسمث) فقال "هذا الرجل شاعر" ثم وضع النقرس نهاية لرحلاته، ثم لحياته بعد قليل (1771). وطبقت شهرته الآفاق حيناً. فانعقد الإجماع في 1757 على أنه يقف على قمة الشعراء الإنجليز، وعرضت عليه إمارة الشعر فرفضها. وقال فيه كوبر متخطياً ملتن "إنه الشاعر الوحيد بعد شكسبير الذي يحق له أن ينعت شعره بالسمو". أما آدم سمث فأضاف متخطياً شكسبير "إن جراي يضيف إلى سمو ملتن أناقة بوب وتناغمه، ولا ينقصه شيء ليكون-ربما-أول شاعر في اللغة الإنجليزية، ألا يكون قد نظم شعراً أكثر قليلاً مما فعل(59)". وأعجب جونسن بالمرثية، ولكنه كان يملك من العلم ما عله يجد عشرات العيوب في القصائد الغنائية. "إن لجراي ضرباً من الوقار المختال، وأني لأعترف أنني أتأمل شعره برضي أقل مما أتأمل حياته(60)". ونستطيع أن نقلب هذه الحكمة مطمئنين. فقد كانت حياة جراي تعسة لا إغراء فيها، من شجاره مع ولبول إلى قصة الحوض. وكانت أنبل أحداثها ثلاث قصائد أو أربعاً ستظل أجيالاً كثيرة من أدمغ البراهين على "تقدم الشعر من اليونان والرومان إلى آلبيون.
برامج -> عصر فولتير -> إنجلترة -> الأدب والمسرح -> المسرح 4- المسرح ماذا كانت مسارح لندن تصنع في نصف القرن هذا الذي نحن بصدده؟ كان أهمها مسرح دروري لين. ثم (من 1733) كوفنت جاردن؛ وكان هناك مسارح صغيرة في لنكولنز أن فيلدز وجودمانز فيلدز، وكان في هييماركت "مسرح صغير" للتمثيليات الهزلية، "ومسرح جلالة الملك" للأوبرا؛ وبلغت جملة المسارح في لندن مثلي عددها في باريس. وكانت حفلات التمثيل تبدأ في السادسة مساء. أما النظارة فقد غيروا طابعهم منذ أيام عودة الملكية، فتحول "المجتمع الراقي" الآن على المسرح إلى الأوبرا. وكان المتفرجون المحظوظون أو الأثرياء لا يزالون يجلسون على خشبة المسرح. واتسع "قاع" المسرح وأعلاه قرابة ألفي شخص جالسين؛ هنالك غلبت الطبقة الوسطى، وقررت بتصفيق الإحسان استقبال التمثيليات ونوعيتها؛ ومن هنا ازدياد المنافسة بين الموضوعات البورجوازية والرومانسية. واستولت النساء على كل الأدوار النسائية وعلى كثير من قلوب الرجال؛ وبدأ الآن سلطان الممثلات الشهيرات من أمثال كتي كلايف، وبج ووفنجتن- التي رسمها هوجارت، وحاك تشارلز ريد رواية حولها. ولقد قال جاريك، بما أن "هواية الممثلين الأولي، والعظمى، والمسيطرة، هي الأكل(61)" فإنهم فضلوا التمثيليات المتبلة بالجنس. وقال آدمز، القسيس الذي رسمه الروائي فيلدنج: لم أسمع قط بتمثيليات تصلح لأن يقرأها مسيحي إلا تمثيليات أديسون، ورواية ستيل "العشاق الواعون". على أن فيلدنج ذاته كتب هزليات فاجرة(62). وقد وصف فولتير المسارح في إنجلترا بأنها "مجردة من اللياقة". وناشد السرجون برنارد مجلس العموم في 1735 بأن يكبح شيئاً من جماح المسارح، وزعم أن "الأمة البريطانية... أصبحت شديدة الإدمان على الملاهي الداعرة العاطلة... لقد أدهش أوربا كلها أن يتقاضى السنيورات والخصيان الإيطاليون رواتب تعادل رواتب وزراء الخزانة(63)". ولم يفعل أحد شيئاً في أمر الناظر والعبارات الخليعة، ولكن حين سخر فيلدنج وجاي المسرح للهجو السياسي فهاجما روبرت ولبول وجورج الثاني، استصدر الوزير، المتسامح عادة مع المعارضة، بطريق البرلمان قانون الرخص (1737)، الذي وجه أمين البلاط إلى المزيد من التشدد في منح الأذن بالحفلات المسرحية . وقد غالى ديدور في "موسوعته" في الثناء على مسرحية "التاجر اللندني"، التي أخرجت بلندن في 1731، والتي أثارت اهتمامه لأنها المسرحية التي أدخلت مأساة الطبقة الوسطى إلى المسرح البريطاني. وكانت الدراما الكلاسيكية الفرنسية قد أرست مبدأ مؤداه أن المأساة وقف على الأرستقراطية، وأنها تفقد مقامها ووقارها أن هي نزلت لى المشاهد البورجوازية. وقام جورج ليللو بمغامرة مزدوجة؛ أنزل المأساة إلى بيت تاجر، وكتبها نثراً. فترى فيها التاجر الأمين ثوروجود يعتز "بكرامة مهنتنا" ويثق بأنه "لما كان اسم التاجر لا يشين الجنتلمان أبداً، فهو إذن لا يقضيه إطلاقاً عن المجتمع الراقي". والفكرة في المسرحية هي تدمير حياة صبي تاجر على يد غانية أغوته، والموضوع موشي بالحض على مكارم الأخلاق وملفوف في العاطفة الرقيقة. وقد صفقت للمسرحية طبقة وسطى أبهجها أن ترى فضائلها ومثلها العليا معروضة على مسرح بريطاني. ورحب بها ديدرو وحكاها في حملته لإدخال "المأساة البيتية والبورجوازية" في المسرح الفرنسي. ونقل لسنج نبرتها في "الآنسة سارا سامبسن" (1755). وهكذا راحت الطبقات الوسطى تؤكد ذاتها في الأدب كما تؤكدها في السياسة. أما في إسكتلندة، فقد أجج النار تحت قدر الدراما جون هيوم، الذي أغضب زملاءه رجال الدين بكتابته وإخراجه تمثيلية "دجلاس" (1756)، وهي أنجح مأساة في زمانها. وقد حياه ابن عمه ديفد هيوم في نوبة من الحماسة المتدفقة لا تكاد تليق بفيلسوف شاك، فقال أنه "تلميذ صادق لسوفوكليس وراسين قد يوفق في الوقت المناسب لتبرئة المسرح الإنجليزي من تهمة الهمجية(64)". فلما رفض جاريك المسرحية، رتب هيوم، ولورد كيمس (هنري هيوم)، و "المعتدلون" من رجال الدين الاسكتلنديين إخراجها في أدنبرة، وقام ديفد ببيع التذاكر. وكان الحدث نصراً لآل هيوم جميعاً ولباقي إسكتلندة، لأن جون هيوم حول أغنية شعبية اسكتلندية قديمة إلى دراما وطنية ملأت عيون الاسكتلنديين بدموع الفرح، اللهم إلا هيئة شيوخ الكنيسة بأدنبرة، التي نددت بخيوم لأنه جلب العار على ردائه، وذكرته "بالرأي الذي كانت الكنيسة المسيحية تراه دائماً في تمثيليات وممثلي المسرح لأضرارهم بالدين والفضيلة(65)". قد صدرت اتهامات رسمية لهيوم وقسيس آخر يدعى الكسندر كاريل لحضوره التمثيل. أما ديفد هيوم الذي اضطرم بالغيرة على قريبه فقد أهدى "المقالات الأربع" لابن عمه، وكتب اتهاماً حاراً للتعصب. واستقال جون من قسوسيته، وذهب إلى لندن، وشهد مسرحيته "دجلاس" تخرج، وعلى رأس ممثلاتها بج ووفنجتن (1757). هناك أيضاً انتصرت المسرحية، واحتشد الاسكتلنديون الساكنون لندن ليصفقوا لها، وفي نهاية هذه الحفلة الافتتاحية في لندن هتف اسكتلندي من أعلى المسرح "اخسأوا يا قوم: فما قولكم الآن في ويلي شكسبيركم(66)؟" وظلت التمثيلية تتردد على المسرح جيلاً بأكمله، مع أنها اليوم ميتة موت تمثيلية أديسون "كاتو". وحين مثلتها المسز سيدونز بأدنبرة في 1784، اضطر المجمع العام للكنيسة "إلى توقيت الاجتماع لأعماله الهامة بالتناوب مع أوقات تمثيلها، بحيث يجتمع في الأيام التي لا تمثل فيها(67)". أما أطرب نجاح حققه المسرح اللندني في هذه الفترة فكان "أوبرا الشحاذ". وقد بدأ مؤلفها جون جاي حياته صبياً في متجر، وارتقى حتى أصبح سكرتيراً لأيرل كلارندن، وواحداً من أكثر أعضاء نادي "سكربليروس" حيوية ومرحاً. وقد وصفه بوب بأنه: "دمث الطبع، رقيق العاطفة، في ذكائه رجل، وفي بساطته طفل؛ مفطور على مرح يخفف من غضبته للحق، مخلوق ليبهج العصر ويسوطه معاً(68)". وقد وضع جاي بصمته على المسرح عام 1716 بتمثيلية "تريفيا أو فن التسكع في شوارع لندن". فقعقعة عجلات المركبات على أحجار الرصف، والسائقون يستحثون خيلهم بالسوط واللسان، و "الصبية الموحلة" تحمل السمك إلى بلنجزجيت، وهدوء "بل مل" بسيداته المعطرات يتكئن على أذرع العشاق، والسائق يشق طريقه الملتوي وسط مباراة في كرة القدم تسد الشارع، واللصوص المهذبون "يخففون جيبك من أثقاله بأصابع لا تحس"، والحارس الضخم يهدي خطاك المضطربة بمصباحه المرشد إلى طريقه الأمين "ويقودك إلى بايك؛ كل هذا وأكثر منه يجده في تريفيا من يريد أن يتصور لندن في 1716. وفي 1720 نشرت "قصائد" جاي بنظام الاكتتاب، فوافته بألف من الجنيهات خسرها في انهيار شركة بحر الجنوب. وخف بوب وغيره لنجدته، ولكنه أدرك الثراء من جديد عام 1728 بتأليفه "أوبرا الشحاذ". وتقد لنا مقدمتها الشحاذ، الذي يقدم لنا بدوره أوبراه. وتبدأ بأغنية شعبية يغنيها بيتشوم، الذي يتظاهر (كما تظاهر جوناثان وايلد) بخدمة القانون بالإبلاغ عن النصوص (إذا رفضوا خدمته)؛، ولكنه في حقيقة الأمر يتجر في البضائع المسروقة. ويصف نفسه بالرجل الأمين لأن "كل أصحاب المهن الراقية يحتال بعضهم على بعض"، ويحدوهم الجشع للربح. ويفسد عليه أمره أن ابنته بولي وقعت في غرام قاطع الطريق الوسيم الأنيق الكابتن ماكهيث، وربما تزوجته، ومن شأن هذا الغرام أن يعطل تسخيره مفاتن بولي في ملاطفة المشترين والبائعين ورجال الشرطة. وتطمئنه المسز بيتشوم قائلة: "بحقك لم يجب أن تختلف ابنتنا بولي عن غيرها من بنات جنسها، فلا تحب إلا زوجها، ولم يجب أن يقلل زواجها من ملاحقة الرجال الآخرين لها، على عكس ما نلحظه في مل مكان؟ كل الرجال لصوص في الحب، ويزيد من حبهم للمرأة أن تكون ملكاً لغيرهم(69)". على أن الأم تحذر ابنتها قائلة: "لست أعارض يا بولي، كما تعلمين، في أن تعبثي قليلاً مع زبون خدمة للعمل، أو سبيلاً لاستخلاص سر أو نحوه، ولكني سأقطع رقبتك لو وجدتك تصرفت كالحمقى، وتزوجت. أيتها اللعوب". وتعتذر بولي عن زواجها في أغنية شعبية: "أيمكن أن تحكم النصيحة الغرام؟ أيطيع كيوبيد أمهاتنا؟ لو كان قلبي بارداً كالثلج لذاب من لهيب ناره. حين قبلني ضمني بشدة وكان عناقه حلواً فلم أملك غير الامتثال، ورأيته أسلم وأفضل أن أتزوج مخافة لومك وتقريعك(70)". ويشتعل غضب بيتشوم، وهو يخشى أن يقتله ماكهيث ويقتل زوجته ليرث ثروتهما عن طريق بولي. فيبيت أن يشي بماكهيث لرجال القانون ليشنقوه دون ريب. ويظهر ماكهيت على المسرح، ويهدئ روع بولي بعناقه، ويؤكد لها أنه منذ الآن سيكون ملكاً لها دون غيرها من النساء: "لقد كان قلبي طليقاً يتنقل كالنحلة، حتى سلبت بولي لبي كنت أشف رحيق كل زهرة، وأتقلب كل ساعة، ولكن هنا اجتمعت كل الزهور في واحدة". وتضرع إليه أن يقسم أن يأخذها معه إذا نقل. فيقسم قائلاً "في استطاعة أي قوة... أن تنتزعني منك؟ أيسر من هذا أن تنتزعي راتباً من رجل بلاط، أو أتعاباً من محام، أو امرأة جميلة من مرآة" ثم يشتركان في ثنائية جميلة: "هو... لو ألقيت على شاطئ جرينلند، واحتضنت فتاتي بين ذراعي، دافئة الجسد وسط صقيع لا ينقضي لا نقضي سريعاً ليل نصف العام. هي... لو باعوني في أرض الهند لاستطعت عقب انقضاء النهار المحرق أن أهزأ بالكدح في القيظ الشديد ما دمت أستريح على صدر فاتني. هو... ولأحببتك اليوم كله، هي... ولتعانقنا ولعبنا كل ليلة، هو... لو سرحت معي في هيام هي... فوق التلال، بعيداً جداً". وتبوح له بأن أباها يدبر تسليمه للقانون، وتطلب إليه في أسي أن يختلف برهة. فينصرف، ولكنه يتوقف في حانة ليعطي أعوانه تعليماته بشأن إحدى سرقاته. فإذا انصرفوا رقص وعبث مع فتيات الحانة، وكان بيتشوم قد رشاهن ليشين به، فيسرقن مسدسيه وهن يدللنه، ثم يستدعين الشرطة، ونراه في سجن نيوجيت في المنظر التالي. هناك تتنافس عليه بولي وإحدى زوجاته، وتحررانه من السجن، ولكن يقبض عليه من جديد ويرسل إلى المشنقة، وفي طريقه إليها يعزي نساءه بهذه الأغنية: "وداعاً إذن يا حبي- وداعاً يا ساحراتي العزيزات! إني أموت راضياً- وهذا خير لكن. هنا ينتهي كل نزاع طوال ما بقي لنا من حياة، لأنني بهذا أرضي زوجاتي أجمعين(71)". ويظهر الآن الشحاذ المؤلف، وبفخر بأنه جعل الرذيلة تلقى ما تستحقه من عقاب، كما هي الحال في جميع التمثيليات اللائقة، ولكن ممثلاً يعترض بأن "الأوبرا يجب أن تنتهي نهاية سعيدة" (لشد ما تتغير العادات!). ويذعن الشحاذ، وينقذ ماكهيث من حبل المشنقة ويحيط عنقه بحبل آخر هو بولي، ويرقص الجميع حولهما، بينما يتساءل الكابتن، أتراه لقي مصيراً شراً من الموت. وكان من حسن حظ جاي أن أفاد من خدمات يوهان بوش، وهو مؤلف موسيقي ألماني يقطن إنجلترا، واختار يبوش موسيقى لأغاني جاي من الألحان الإنجليزية القديمة، وكانت النتيجة رائعة. فقد استجاب الجمهور بحماسة في حفلة الافتتاح بمسرح لنكولنز إن فيلدز (29 يناير 1728) رغم ما جاء في المسرحية من هجو للرشوة والنفاق. واستمر عرضها ثلاث وستين ليلة متوالية، وفاقت في هذا كل ما سبقها من تمثيليات، وعرضها عروضاً طويلة في كبرى المدن البريطانية؛ وما زالت تشغل المسرح في قارتين، وقد حولت إلى فلم من أبهج الأفلام في عصرنا. أا الممثلة التي قامت بدور بولي فقد أصبحت معبودة الفتيان الطائشين المرحين، وتزوجت دوقاً. ولكن رجلاً من رجال الكنيسة الشديدة الاحتفال بالطقوس ندد بجاي لأنه جعل قاطع طريق بطلاً لتمثيليتهن ولأنه تركه يفلت من العقاب. فلما حاول جاي أن يخرج تتمة للتمثيلية سماها "بولي" رفض كبير الأمناء الترخيص بها. فنشرها جاي، وراجت، وتصاعدت حصيلة "أوبرا الشحاذ" تصاعداً ساراً، حتى قال ظريف إن التمثيلية جعلت جاي غنياً (rich) وجعلت رتش (المدير) مبتهجاً (gay). وبعد أربع سنوات من انتصار الشاعر أصيب بمغص أودى بحياته.
برامج -> عصر فولتير -> إنجلترة -> الأدب والمسرح -> الرواية 5- الرواية كان الحدث البارز في التاريخ الأدبي لهذه الحقبة هو ظهور الرواية الحديثة. فروايتا "كلاريسا" و "توم جونز" من الناحية التاريخية أهم من أي قصيدة أو مسرحية إنجليزية في ذلك العهد. ومنذ عام 1740، باتساع مجال الحياة العامة وامتداده من البلاط إلى الشعب، ومن الأفعال إلى الأحاسيس، حلت الرواية محل الدراما صوتاً ومرآة لإنجلترا. أما القصص فكانت قديمة قدم الكتابة، فللهند حكاياتها وخرافاتها؛ واليهودية ضمنت أدبها أساطير لراعوث واستير وأيوب؛ واليونان الهلنستية والأقطار المسيحية الوسيطة أخرجت رومانسيات مغامرة وحب، وإيطالية النهضة أنتجت آلاف "النوفللي "movelle (أي المستحدثات الصغيرة)، كما في بوكاتشو وبانديللو، وأسبانية النهضة وإنجلترا الاليزابيثية كتبتا حكايات تشرد لأوغاد رائعين، وفرنسة القرن السابع عشر أثقلت الدنيا بقصص حب أطول كثيراً من الحب. وقص لساج قصة جيل بلاس، وجود ديفو حكاية المغامرة بياناً لشجاعة الإنسان؛ وسخر سويفت قصة الرحلات ليسلخ بها جلد البشر. ولكن أكانت هذه الآثار روايات بمعناها الحالي؟ لقد أشبهت قصص القرن الثامن عشر في كونها حكايات خيالية، وامتاز بعضها بميزة الطول الذي لا شك فيه، وصور بعضها الشخوص بجهد يحاول تجسيد الواقع؛ ولكنها "ربما باستثناء كروسو) افتقدت الحبكة التي تربط بين الأحداث والشخوص في كل متطور. لقد كان في قصة "الأورونوكو" للسيدة أفرا بن (1688)، وهي قصة عبد أفريقي، حبكة رابط، وكذلك قصص ديفو "الكابتن سنجلتون" (1720)، و "مول فلاندرز" (1722)، و "روكسانا" (1724)، ولكن هذه كلها كانت لا تزال سلسلة من الأحداث المترابطة أكثر منها وحدة بنائية يعمل كل جزء فيها على تقديم موضوع يوحد بينها. فلما ملك رتشاردسن وفيلدنج ناصية فن التطوير هذا، وصورا الشخصية وهي تنمو خلال الأحداث، وجعلا رواياتهما تصور العادات في عصرنا، كان هذا استهلالاً للرواية الحديثة.
|