برامج تعليمية - قصة حضارة للكاتب ويل ديورانتالكتاب الأول - الكتاب الثاني - الكتاب الثالث - الكتاب الخامس - الكتاب السادس - الكتاب السابع - الكتاب الثامن - الكتاب التاسع - الكتاب العاشر - الكتاب الحادي عشر - الكتاب الثاني عشر - الكتاب الثالث عشر - الكتاب الرابع عشر |
|
برامج -> عصر لويس الرابع عشر -> إنجلترا -> من دريدن إلى سويفت -> صحافة حرة الفصل الحادي عشر من دريدن إلى سويفت 1660 - 1714 1- صحافة حرة ترى ماذا حد برجل فرنسي أن يكتب في 1712 بزت "إنجلترا فرنسا في الإنتاج الأدبي كما وكيفما وأن مركز الحياة العقلية والفكرية.. انتقل أكثر فأكثر إلى الشمال حتى قام الإنجليز حوالي عام 1700 "بأكبر دور خلاق(1)" إن رجلاً إنجليزياً نعم بمآثر فرنسا يرد التحية فيقول: إن جزءاً من هذا الحافز جاء عن طريق آداب السلوك والعادات التي جلبها شار الثاني والمهاجرون العائدون، وأن جزءاً آخر نبع من ديكارت وباسكال وكورنيل وراسين وموليير وبوالو ومدموازي دي سكودري ومدام دي لافايت، ومن الفرنسيين المقيمين في إنجلترا مثل سانت أفرموند وجرامونت. وأنا لنرى التأثير الفرنسي في الملهيات الشهوانية الجنسية والمآسي البطولية التي ظهرت على المسرح في عودة الملكية، وفي الانتقال من غزارة النثر في عهد إليزابيث وتلافيف فترات ملتون إلى النثر المهذب المصقول المنطقي الذي دبجه دريدن وهو يكتب المقدسات وإلى الشعر الذي نظمه بوب: ومضى الآن قرن من الزمان (1670-1770) كان الأدب الإنجليزي فيه نثراً، حتى ولو كان موزوناً مقفى، ولكنه نثراً فخماً واضحاً ممتازاً من الطراز الأول. ومهما يكن من أمر فأن الأثر الفرنسي كان مجرد استحثاث، ولكن جذور المسألة كانت في وسع إنجلترا نفسها: في عودة الملكية المقرونة بالبهجة والفرح والتحرر، وفي التوسع الاستعماري، وفي إثراء الفكر بفضل التجارة، وفي الانتصارات البحرية على الهولنديين، وفي قهرها (1713) لفرنسا التي كانت قد انتصرت على إسبانيا. ومن ثم انفتح الطريق إلى الإمبراطورية شمالاً، وكما أجرى لويس الرابع عشر الرواتب على المؤلفين بوصفها رضيخة أو رشوة تمنح للأنصار، فان الحكومة الإنجليزية، بطريقة شبيهة بهذه، كافأت الشعراء أو الثائرين المحبين لوطنهم أو المشايعين للحكومة - دريدن كونجريف، جاي، بربر، أديسون، سويفت - بالرواتب تخصص لهم، ويتناول الطعام على موائد الأرستقراطية، وبحصة على المبيعات من المطبوعات، أو بالوظائف ذوات الدخل الكبير والجهد اليسير في الإدارة، من ذلك أن أحدهم صار وزيراً، ونظرا فولتير في شيء من السد إلى هذه الوظائف السياسية(2). ورعى شارل الثاني العلم والجمال لا الأدب والفن. ولم يكترث وليم الثالث والملكة آن بالأدب. ولكن وزراءهم - حين وجدوا أن الكتاب نافعون في عصر الصحافة والنشرات والمقاهي والدعاية - أغدقوا المال على الأقلام التي يمكن أن تخدم التاج أو الحزب أو الحرب. وأصبح الكتاب سياسيين ثانويين، وبعضهم مثل برير Prior، صار من رجال السلك الدبلوماسي، وبعضهم مثل سويف وأديسون برع في التعيين في الوظائف وفي المحسوبية وفي التدخل في شئون السلطة. وأهدى المؤلفون أعمالهم إلى اللوردات وسيدات المجتمع، تقديراً كريماً لما ينتظر أن يحظوا به من خيرات وفضل وعطف ووصال، في عبارات إهداء ملؤها المديح والإطراء والتحيات والتمنيات، ممل جعل هؤلاء السيدات وأولئك اللوردات أسمى من أبوللو أو فينوس في جمال الجسم والقوام، ومن شكسبير وسافو في كمال العقل والذهن. وساعدت الحرية الذهب على إطلاق العنا لفيضان المداد وجريان القلم وكانت قصيدة ملتون "أريوباجيتيكا" قد أخفقت في القضاء على "قانون الرقابة" التي تحكمت به الرقابة في الصحافة في عهد ملوك أسرتي التيودور وستيوارت، واستمر القانون نافذ المفعول في عهد كرومول غير المستقر، وبعده في عودة الملكية لآل ستيوارت، ولكن حين بدأت حكومة جيمس الثاني في إزعاج الأمة، شرع عدد أكبر فأكبر من كتاب الكراسات والنشرات يتحدون القانون ويدخلون السرور على قلوب الشعب. وعندما اعتلى وليم الثالث العرش، كان هو وأنصاره "الأحرار" مدينين بأكبر الفضل للصحافة إلى حد أنهم عارضوا تجديد قانون الرقابة، فانتهى العمل به 1694، ولم يجدد، وتدعمت حرية الصحافة تلقائياً. وربما ظل الوزراء الملكيون يعتقلون الكتاب بسبب هجماتهم العنيفة المتطرفة على الحكومة وظل "قانون التجديف" (1697) يفرض عقوبات صارمة على التشكك في أساسيات الدين المسيحي، ولكن إنجلترا نعمت منذ ذلك الوقت فصاعداً بحرية الأدب التي أسهمت، على الرغم من سوء استخدامها غالباً، إسهاماً كبيراً في نمو الفكر الإنجليزي. وتضاعفت عدد الدوريات، وانتظم صدور الصحف الأسبوعية منذ 1622، وعطلها كرومول جميعاً ما عدا اثنتين، ورخص شار الثاني في صدور ثلاث منها تحت إشراف رسمي، أصبحت واحدة منها هي "أكسفورد" وفيما بعد لندن جازيث "الناطقة باسم الحكومة" وكانت تصدر نصف شهرية أو نصف أسبوعية منذ 1665. وفور إلغاء قانون الرقابة صدرت عدة صحف أسبوعية. وفي 1695 أسس المحافظون أول جريدة يومية إنجليزية "ساعي البريد Poat Boy" والتي لم تصدر إلا أربعة أيام فقط، حيث عاكسها "الأحرار" في الحال بصحيفة "البريد الطائر Flying Poat". وأخيراً في 1702 أصبحت The English Gourant هي الصحيفة اليومية المنتظمة في إنجلترا - فرخ صغير من الورق مطبوع على وجه واحد فقط، تقص الأنباء ولا تدون آراء، ومن هذه الهبات المتقطعة نشأت عمالقة الإعلان التي نراها اليوم بين أيدينا. وأتى ديفو بمستوى جديد في صحيفة "ريفيو" (1704-1713) وكانت أسبوعية تقدم التعليقات كما تقدم الأنباء. وهي التي بدأت القصة المسلسلة وتبعه ستيل في "تاتلر" (1709-1711). وسما هو وأديسون بهذا التطور إلى ذروته التاريخية في "سبكتاتور" (1711-1712) وروع حكومة المحافظين التوزيع الإجمالي التوزيع الإجمالي وتأثير الصحف اليومية والأسبوعية والشهرية، ففرضت عليها ضريبة تمغة تتراوح بين نصف بنس وبنس واحد. مما جعل البقاء مستحيلاً بالنسبة لمعظم الدوريات. وكانت "سبكتاتور" إحدى الدوريات التي احتجبت. وقال سويفت لبطلته وصديقته ستللا: "لقد دمروا شارع Grub بأسره(3) (الشارع الذي يقطنه محررو الصحف). وأصدر بولنجبروك في 1710 "أجزامنر Examiner" الأسبوعية ليدافع بها عن سياسة وزارة المحافظين. ووجد في جوناثان سويفت رجلاً واسع الاطلاع لاذع القدح والطعن، متوقد الذكاء. لقد وقع المال على أداة جديدة، وطغى سلطان الصحافة الدورية شيئاً فشيئاً على تأثير المنابر في تشكيل الرأي العام، وإعداده للأهداف الخاصة، ودخلت التاريخ قوة جديدة تنزع عن الناس الصبغة الدينية وتنزع بهم إلى التعلق بالأمور الدنيوية.
برامج -> عصر لويس الرابع عشر -> إنجلترا -> من دريدن إلى سويفت -> المسرحية في فترة عودة الملكية 2- المسرحية في فترة عودة الملكية فيما بين عامي 1660 و 1700 كان ثمة أداة أرى شكلت أو شوهت أو عبرت مجرد تعبير عن روح لندن المجردة من الحيوية والنشاط. وحيث استطاب شارل الثاني المسرحية الباريسية فإنه أجاز فتح مسرحين: الأول للملك وجماعته في "دروري لين" والثاني لدوق يورك وجماعته في "لنكولن ان فيلدز" وفي 1705 افتتح مسرح الملكة في هابماركت، ولكنها نادراً ما شهدت التمثيل فيه. وفي أيام شار الثاني كان مسرحان اثنان يفيان بالحاجة عادة. وظل البيوريتانيون يقاطعون المسرحية، أما الجمهور بصفة عامة على أية حال، فلم يكن يرخص له بدخول المسارح بين 1660 و 1700(4) ولم يقصد إليها في معظم الأحوال إلا كل عربيد ماجن من رجال الحاشية، وحثالة الطبقة الأرستقراطية والمتصلين بها، والأثرياء المتعطلين الذين يقضون أوقاتهم في المسارح والنوادي وسباق الخيل وغيرها. ويقول دكتور جونسون الوقور: "أن المحامي الوقور ليحط من قدره ويمتهن كرامته، وأن المحامي الناشئ ليسيء إلى سمعته، إذا غشى بيوت الإباحية المنحلة هذه(5) "وشكل النساء قسماً صغيراً من النظارة على أنهن إذا ذهبن إلى المسرح كن يخفين شخصياتهم وراء الأقنعة(6). وكانت العروض تبدأ في الساعة الثالثة بعد الظهر، حتى إذا تحسنت الإضاءة في الشوارع (حوالي 1690) أجلت إلى السادسة. وكان أجر الدخول أربعة شلنات للمقصورات وللمقاعد الخلفية شلنين ونصف وللشرفات شلناً واحداً. وكانت أجهزة التأثير المسرحي وتغيير المناظر أكثر إتقاناً بكثير عما كانت عليه في أيام إليزابيث. ولو أن حجرة نوم واحدة وملحقاتها ربما كانت تكفي لمعظم ملهيات عصر عودة الملكية، وحلت الممثلات محل الغلمان في تأدية أدوار النساء، وكن كذلك عشيقات، من ذلك أن مرجريت هيوز التي مثلت ديدمونا لأول مرة ظهرت فيها امرأة على المسرح الإنجليزي (8 ديسمبر 1660) كانت عشيقة الأمير روبرت(7). وفي عرض لمسرحية دريدن "الحب الإستبدادي" تعلق قلب شار الثاني لأول مرة بخليلته نل جوين التي كانت تمثل دور فاليريا(8). إن طبيعة جمهور المشاهدين، ورد الفعل ضد البيوريتارية، وأخلاق البلاط، وذكريات روايات عصري اليزابيث وجيمس الأول (وبخاصة روايات بن جونسون) وأحياء هذه الروايات واستعادة تلك الذكريات من جديد، وتأثير المسرح الفرنسي والملكيين المهاجرين، كانت كلها عوامل تجمعت لتشكل المسرحية أيام عودة الملكية. وكان الأسم اللامع في "مسرحية المأساة" في عودة الملكية هو دريدن لنتركه مؤقتاً، لنتحدث عن مسرحية توماس أوتواي "الحفاظ على فينيسيا" التي عمرت بعد كل روايات دريدن وظلت تمثل حتى 1904. إنها قصة حب مطعمة بمؤامرة أصدقاء كونت دي أوزونا لقلب سناتو فينيسا في 1616. ويرجع ما صادفته من نجاح في البداية من ناحية، إلى الصورة الساخرة التي رسمتها لإرل شافتسبري الأول (عدو شارل الثاني وصديق لوك) في شخصية أنطونيو الذي يحب أن تضربه عشيقته البغي، ومن ناحية أخرى إلى التشابه بين هذه المؤامرة وبين المؤامرة البابوية "الحديثة" ومن ناحية ثالثة إلى تمثيل توماس بترتون ومسز اليزابيث باري، ولكن الرواية تقف اليوم على قدميها إن مناظرها الهزلية سخيفة مؤذية، خاتمتها تنشر الموت في إجماع أقرب شبهاً بالمسرحية الموسيقية (الأوبرا)، ولكن حبكة الرواية متقنة دقيقة، وشخوصها مصورة تصويراً مميزاً، والحركة مسرحية إلى أبعد حد، والشعر المرسل فيها ينافس مثيله في المسرحية في عصر اليزابيث، باستثناء مارلو وشكسبير. ووقع أوتواي في غرام مسز باري، ولكنها آثرت عليه معاشرة إرل روشستير، وبعد كتابه عدة مسرحيات أخرى ناجحة أخرج الشعر سلسلة من الروايات لم يكتب لها النجاح، وانحدر إلى مهاوي الفقر والعوز وفي رواية أنه مات جوعاً(9). إن ذكرى المسرحية في فترة عودة الملكية حية من أجل ملهياتها فإن ما كان في هذه الملهيات من مرح وسخرية، ومحاورات داعرة، ومغامرات في المخدع، بالإضافة إلى قيمتها في أنها مرآة تعكس حياة طبقة واحدة في جيل واحد. كل أولئك أكسبها شعبية جزئية، إن لم تكن مختلسة لا تكاد تستحقها. فإن مجالها ضيق إذا قيست بملهيات عصر اليزابيث أو موليير، وأنها لا تصور الحياة بل تصف عادات المتعطلين المتسكعين في المدن والحاشية الخليعة المتهتكة، وتتجاهل الريف إلا إذا أخذوه هدفاً للاستهزاء والسخرية، أو "سيبيريا" ينفى إليها الأزواج زوجاتهم المتطفلات. إن بعض المسرحيين الإنجليز شاهدوا موليير يمثل أو تمثل رواياته، واستعار بعضهم شخوصه أو حبكات مسرحياته، ولكن أحداً منهم لم يبلغ نزعته في مناقشة الأفكار الأساسية، فالفكرة الأساسية الوحيدة في هذه الملهيات هي أن الزنى هو الهدف الرئيسي لأعظم عمل بطولي في الحياة. وكان المثل الأعلى للرجل فيها هو ما وصفه دريدن في "المنجم الهزاة" على أنه "سيد ماجد، رجل ثري عاطل يغشى النوادي والمقاهي والمسارح والمواخير، يرتدي أفخر الثياب، يأكل ويشرب ويفسق ويعاشر البغايا إلى أقصى حد ممكن". وفي رواية فاركو "خداع العاشقين" جاء على لسان أحد الشخصيات، وكأنما يقول سيد مهذب لآخر: "إني أحب جواداً جميلاً ولكني أتركه لرجل آخر ليتولى العناية بأمره، وإني كذلك بالمثل أحب سيدة جميلة"(10) وهذا لا يعني أنه لا يشتهي زوجة جارة ولا يمد عينيه إليها، بل أنه يريد أن يستمتع بكل مفاتنها وأطايبها، على حين ترك لزوجها أن يرعى شئونها وينفق عليها. وفي رواية كونجريف "طريق الحياة الدنيا" يقول ميرابل المعشوق موضع الإعجاب لزوجة صديقه "يجب أن تشعري بالاشمئزاز والنفور والكراهية لزوجك مما يجعلك تستمتعين بحبيبك أو عشيقك(11)". ويندر أن ترى الحب في هذه الروايات يرتفع فوق الشهوة الجسدية التي تلتهف بين جوانح الطرفين، يريدان إطفاءها. وإنا لنتلهف عند قراءتها أن تقع العين على ظل لمعاني النبل والشرف، ولكنا لا نرى فيها ألا أخلاقيات المواخير وبيوت الدعارة. إن وليم وتشرلي هو الذي استهل هذا التقليد، وكان أبوه ملكياً من أسرة عريقة تملك ضيعة كبيرة، وأرسل ولده إلى فرنسا لتلقي العلم، عندما تولى البيوريتانيون مقاليد الحكم في إنجلترا، إصراراً منه على ألا ينشأ الولد بيوريتانياً. ولم يعتنق وليم قط هذا المذهب، ولكن الأسرة صعقت حين اصبح كاثوليكياً. وسرعان ما عاد إلى البروتستانتية لدى عودته إلى إنجلترا، وهناك درس في أكسفورد وتركها دون الحصول على درجة جامعية. وانصرف إلى كتابة الروايات. وجمع ثروة من رواية "حب في الغابة" (1671) التي أهداها إلى ليدي كاسلمين. واستقبله في البلاط الملك الودود اللطيف الذي لم يشك ولم يتذمر حين وجد آن وتشرلي وتشرشل كليهما، يشاركانه غرام عشيقته كاسلمين(12). واشترك وليم في الحرب الهولندية 1762، ببسالة متوقعة من سيد ماجد، وعاد إلى إنجلترا ولم يمسسه سوء، وأحرز نجاحاً آخر في "الزوجة الريفية" (1672). ودعا النظارة في المقدمة - إذا لم تعجبهم الرواية - إلى دخول غرفة ملابس الممثلين في ختامها، وهناك: "فإننا عن طيب خاطر.. نتخلى لكم يا شعراءنا، عن العذارى، لا بل عن عشيقاتنا كذلك". وخلاصة الموضوع أن مستر بنشويف اصطحب زوجته معه لقضاء أسبوع في لندن، وأحكم حراستها إلى حد أنها أوقعت في شرك الغواية تحت سمعه وبصره، ذلك أن من يدعى مستر هورنر - العائد من فرنسا لتوه، والمتلهف على الوصول إلى الزوجات دون عائق - أذاع بين الناس أنه خصي، ومن هنا يستنتج بنشويف أنه لا حرج في أن يفتح بيته لمثل هذا العنين العاجز، ولكنه سرعان ما يكتشف أن زوجته تكتب رسالة غرامية إلى هذا الزير المتودد إليها الذي أدعى العنة، فيرغمها على كتابة رسالة أخرى تكيل له فيها أقذع السباب والشتائم، وما أن أدار الزوج ظهره حتى أسرعت هي فوضعت رسالتها الغرامية الأولى مكان الرسالة الثانية التي تنم عن الغضب والاستياء. وسلم الزوج المزهو المفاخر بالسيطرة على الموقف الرسالة الأصلية إلى هورنر. وبعد فترة اتجه ظن الزوج إلى أن هورنر اقدر مما تردده عنه الشائعات، ففكر في أن يشغله، ووافق على أن يأخذ إليه أخته أليثيا. وتتنكر الزوجة حتى تبدو وكأنها أليثيا، ويحملها زوجها إلى عشيقها. وتختتم الرواية "برقصة الديوث"، وهورنر هو المنتصر في النهاية، ثم تلقى إحدى الممثلات إحدى الممثلات شعراً توجه فيه اللوم والتقريع إلى الرجال الحاضرين، لأنهم لا يتحلون بقدر كاف من الرجولة. "وقد يظل الناس على اعتقادهم بأنكم ممتلئون قوة ورجولة، ولكنا نحن النساء لا سبيل إلى خداعنا". واقتبس وتشرلي كثيراً من "الزوجة الريفية" من رواية موليير "مدرسة الأزواج ومدرسة الزوجات" وفي روايته التالية "التاجر الشريف" حول وتشرلي شخصية "ألست" في رواية موليير "مبغض البشر" إلى شخصية كابتن مانلي الذي لم تتعد فكرته عن التعامل الشريف، مجرد تناول كل الناس والأشياء بلغة بذيئة مقذعة. والغريب المدهش الأمر أن سكان لندن، بل حتى سكان بعض الضواحي، أحبوا وصف الحياة على أنها سعى متصل وراء شهوة الجسد، يلطف منه بعض التجديف في الحديث. وفي إحدى المكتبات في "تنبريدج ولز" سمع وتشرلي إحدى السيدات تسأل عن كتابه المنشور حديثاً "التاجر الشريف" فغمرته نشوة الفرح، ولم تكن هذه إلا كونتس دور جيدا، الأرملة الثرية فطلب يدها وتزوجها. ووجد أنها كانت تضعه تحت مراقبة أشد وأكثر مثابرة مما كان يفعل بنشويف، ولكنها ماتت فجأة فظن أن أموالها لا بد أن تؤول الآن إليه، ولكن القضايا القانونية التي تشابكت فيها التركة حالت دون ذلك، فلم يستفد منها شيئاً. وعجز عن تسديد الديون التي كان قد اقترضها ثقة منه بأيلولة التركة إليه، فأرسل إلى السجن حيث قضى سبع سنين وهنت فيها عزيمته وذبل نشاطه، حتى جاء جيمس الثاني، وسدد - قبل إرتداد وتشرلي إلى الكاثوليكية ثانية أو بعده - ديونه وأجرى عليه راتباً. وبلغ وتشرلي أرذل العمر في شقاء ومعاناة. وظل مع عجزه يلاحق النساء، ويكتب نظماً، حاول صديقه الشاب بوب أن يحوله إلى شعر. وفي سن الخامسة والسبعين تزوج الفاجر العجوز امرأة شابة، ولم يعمر بعد الزواج إلا عشرة أيام، ووافته المنية في أول يناير 1716. وكان سيرجون فانبر وألطف من كتب عن الزنى والزناة. وكان "جون بول" (الرجل الإنجليزي النموذجي) يتجسد فيه تماماً، فهو خشن مرح طلق المحيا، يحب طعام إنجلترا وشرابها، ولو أن جده لوالده هو جلليس فان برو، وهو فلمنكي من مدينة غنت قدم إلى بريطانيا في عهد جيمس الأول. وكان جون يبشر بحسن المستقبل إلى حد أنه أرسل إلى باريس في سن التاسعة عشرة ليدرس الفن. فلما عاد في الحادية والعشرين التحق بالجيش، وقبض عليه في كاليه بتهمة أنه جاسوس بريطاني، وقضى مدة في الباستيل، وهناك كتب المسودة الأولى "للزوجة المغيظة" حتى إذا ما خرج من السجن عكف على كتابة الروايات. وفي ستة أسابيع - كما يروى لنا هو - فكر وتصور، ثم كتب ومثل رواية "النكسة" (1696)، بما فيها من هجا مرح للمتأنقين في لندن، مثل لوردفوبنجتون وملاك الأرض في الريف مثل سيرتنبلي كلمزي، ومس هويدن الشهوانية. وكان سيرتنبلي يضعها تحت الرقابة والحراسة منذ بلغت الحلم، وفرح وانتهج لبراءتها وطهرها. "يا للبنت المسكينة: أنها ستفزع وتنزعج في ليلة عرسها، لأنها، والحق أقول، لا تميز الرجل من المرأة إلا بلحيته وبنطلونه القصير"(14). ولكن مس هويدن نفسها على نحو آخر: "من حسن حظي، هناك عريس قادم، وإلا تزوجت الخباز، سأفعل ذلك. فما من أحد يستطيع أن يقرع الباب، ولكن حالياً يجب علي أن أختبئ، وهنا يكن الكلبة السلوقية الصغيرة تحوم حول البيت طوال اليوم، أنها تستطيع ذلك". وعندما يأتي توم فاشون ليطلب يدها، ويمهله أبوها أسبوعاً، تحتج الفتاة وتقول "أسبوع: ولماذا؟ إني أكون عند ذاك امرأة عجوزاً"(15). ونجحت مسرحية "النكسة" نجاحاً كبيراً إلى حد أن فانبرو تعجل إكمال "الزوجة المغيظة" (1697) وكانت هذه من أنجح أعمال ذاك العصر. وظل دافيد جارك طيلة نصف القرن التالي يتحف لندن ويمتعها بتمثيله المستهتر لشخصية سيرجون بروت، وهي أعظم شخصية مشهورة مذكورة بين كل شخوص المسرحيات في فترة عودة الملكية. وسيرجون هذا وسيم هزلي ساخر يمثل المظاهر الأقرب شبهاً بالخنزير في ملاك الأرض الإنجليز - يشرب الخمر، ويتباهى، ويهدد ويتوعد، ويستأسد، ويعلن ويشكو من "عصر الإلحاد اللعين هذا". ويفتح المسرحية برأيه في الزواج حيث يقول: "أي لحم متخم هو الحب، إذا كان متبلاً بالزواج، إن عامين قضيتهما متزوجاً قد أفسدا على حواسي الخمس. فكل شيء أراه، وكل شيء أسمعه، وكل شيء أحس به، وكل شيء أشمه، وكل شيء أتذوقه، أظن أن فيه زوجة. فما ضجر ولد بمؤدبه، ولا بنت ولا رجل بعمل الكفارة، ولا عذراء عجوز بطهرها وعفتها، قدر ضجري بزواجي وسأمي إياه. ومذ عرفت زوجته آراءه، فإنها تفكر في ترويضه بأن تجعل منه ديوثاً. ليدي بروث: إنه أساء معاملتي أبلغ إساءة مؤخراً. حتى كاد يستقر عزمي على أن ألعب دور الزوجة بكل ما في الكلمة من معنى، وأجعل منه ديوثاً وأخونه.. بليندا: ولكنك تعلمين أنه ينبغي علينا أن نقابل الإساءة بالإحسان. ليدي بروث: ربما كان هذا خطأ في الترجمة(16)". وهنا تأتي جارتها ليدي فانسيفل التي تميل إلى ما تميل إليه ليدي بروث، وتناقش شكوكها ومخاوفها مع وصيفتها الفرنسية التي تجيب بالفرنسية وهي هنا مترجمة: ليدي ف: سمعتي ياآنسة: سمعتي. الوصيفة: سيدتي، إذا فقد المرء سمعته يوماً، فلن تعود بعد ذلك تزعجه. ليدي ف: تباً لك يا آنسة، تباً لك، أن السمعة جوهرة. الوصيفة: وقيمتها غالية جداً يا سيدتي. ليدي ف: لماذا إذن، يقيناً أنك لن تضحي بشرفك من أجل متعتك؟ الوصيفة: إني فيلسوفة. ليدي ف: إنه لا يتفق مع الشرف (لقاء العاشقين). الوصيفة: ولكنه المتعة.... ليدي ف: ولكن إذا كان العقل يصلح من شأن الطبيعة. الوصيفة: عندئذ يكون العقل وقحاً، لان الطبيعة أخته الكبرى. ليدي ف: إذن أنت تؤثرين طبيعتك على عقلك؟ الوصيفة: نعم، بكل تأكيد. ليدي ف: ولماذا؟ الوصيفة: لأن طبيعتي تغمرني بالبهجة والسرور، أما عقلي فيورثني الجنون(17). وربما كانت هذه الرواية هي التي أثارت غضب جرمي كوليير إلى حد أنه في العام الذي تلا ظهورها، نشر هجوماً عنيفاً على المسرحية في فترة عودة الملكية، وعلى فانبرو بصفة خاصة. وكان كوليير كاهناً إنجليكانياً على درجة من العلم، ومن الشجاعة والتشدد في عقيدته. وحيث كان قد أقسم يمين الولاء لجيمس الثاني 1685،فإنه أبى أن يقسم يمين الولاء لوليم وماري 1689. واستنكر "الثورة الجليلة"، حتى إلى حد التحريض على التمرد والعصيان. وقبض عليه، ووجد أصدقاؤه مشقة كبيرة في إقناعه بأن يسعوا لإطلاق سراحه بكفالتهم.ومنح الغفران المطلق لرجلين كانا على وشك أن يشنقا بتهمة التآمر على ما اعتبر كوليير أنها حكومة اغتصبت الحكم. فأنكر أسقفه عليه تصرفه وأدانه النائب العام، ولكنه رفض المثول أمام أية محكمة. وعاش طريد العدالة محروماً من الكنيسة حتى وافته المنية. ولكن الحكومة قدرت نزاهته، ولم تلاحقه بعد ذلك. وعبر وليم الثالث عن تقديره الكبير للعصفة التاريخية التي قام بها كوليير. وكان الكتاب الذي نشره كوليير يحمل عنوان "لمحة قصيرة عن الانحلال والدنس في المسرح الإنجليزي". وكان يحوي، كما حوت معظم الكتب، هراءً كثيراً. واستنكر الراعي الغاضب في المسرحية الإنجليزية أخطاء كثيرة قد تبدو لنا الآن تافهة، أو أنها ليست أخطاء إطلاقاً، واعترض على أية إشارة غير كريمة لرجل الدين، ونشر في سخاء شديد، مظلة العصمة من الخطأ فوق زعماء الوثنية والكهنة الكاثوليك والقساوسة المنشقين. أدان كثيراً من كتاب المسرح، من أشبللس إلى شكسبير إلى كونجريف ودريدن، حتى ليشعر كل المتهمين ببراءتهم لمجرد حشرهم في زمرة هؤلاء العظماء. ولكن كوليير أضعف قضيته في مجادلته في أن للمسرح العام يجب إلا يتناول الجريمة أو الانحلال الخلقي مطلقاً. ولكنه وجه بعض ضربات ناجحة لأن الأهداف البراقة واجهته في كل مكان. فنعي على كثير من كتاب المسرح في فترة عودة الملكية ما أبدوا من إعجاب بالإسفاف في الزنى والفسق، وأثر ذلك على جمهور المشاهدين. وظل الكتاب حديث لندن طيلة عام كامل. ودافع الروائيون عن أنفسهم بأساليب متنوعة، وتحول فانبرو عن المسرحية إلى هندسة العمارة، وانهمك لأكثر من عشر سنوات في بناء قصر بلنهيم، شاد قصر هوارد على طراز عمارة بللاديو الروماني الجميل (1714). واعترف دريدن بخطاياه، وأظهر ندمه على ما فعل وأنكر كونجريف جريمته، ولكنه أصلح من فنه. وبلغ وليم كونجريف بمسرحية عصر عودة الملكية ذروتها ونهايتها معاً. ولد بالقرب من ليدز في 1670، في أسرة كانت عراقتها موضع فخره واعتزازه وسط كل ما أحرز من فوز ونجاح. وكان والدة قائد حامية إنجليزية في أيرلندة، ولذلك درس وليم في مدرسة كلكني، وجلس على نفس المقعد الذي جلس عليه جوناثان سويفت، ثم في ترنتي كولدج في دبلن، ثم قي مدل تمبل في لندن. وسرى في دمه جرثومة الطموح الأدبي من بيئة كان في فيها الأذواق أنفسهم يؤلفون الكتب. وفي أول سنة كان يدرس فيها القانون كتب "المستخفية" (1692) التي امتدحها إدموند جروس "لمرحها ودعابتها الخفيفة" ولأنها أقدم قصة طويلة (عن العادات وآداب السلوك؟) في الإنجليزية(18)"، ولكن صمويل جونسون قال عنها "خير لي أن أمتدحها من أن أقرأها(19)"، وحظي كونجريف بالشهرة من قفزة بملهاته الأولى "الأعزب العجوز" 1693، التي أقسم دريدن - وهو عميد الأدب المعترف به في إنجلترا في هاتيك الأيام - بأنه لم ير قط خيرا منها، باكورة للعمل في مجال الرواية ومذ كان كونجريف غير واثق من أن الرجل الماجد ينبغي أن يكتب للمسرح، فأنه اعتذر بأنه إنما كتبها "لمجرد التسلية في فترة إبلال بطئ من علة ألمت به"، ومن هنا قال كوليير "ليس لي أن أتساءل ماذا كانت علته، ولكن لابد أنها كانت خطيرة جداً، وأسوأ من العلاج(20)". أما هاليفاكس فإنه اتفق بالرأي مع دريدن، حتى أنه عين كونجريف في منصبين يدران عليه دخلاً كافياً يستطيع بفضله أن يحتفظ بمكانته، سيداً كريماً، وأن يعمل في عالم المسرح. ولم تلق روايته الثانية "التاجر المخادع" (1694) ترحيباً كبيراً، ولكن إطراء دريدن، الذي وضع كونجرف مع شكسبير في مرتبة سواء، شد من أزر المؤلف الناشئ، وفي 1695، في سن الخامسة والعشرين، عاد إلى خشبة المسرح برواية "الحب للحب" التي فاق نجاحها كل ما عرف من نجاح. ولكن كوليير شجب الرواية واتهمها بأنها تؤيد الفسق والفجور وتشجعهما، وبلغ رد كونجريف عليه من التفاهة حداً انقطع معه عن المسرح طيلة ثلاثة أعوام، وعندما عاد إليه برواية "طريق الدنيا" (1700) كان قد أفاد من النقد القاسي، وأوضح أن الموهبة لا تعتمد على قلب الوصايا العشر رأساً على عقب. وكان في هذه الرواية التي قال عنها سوينبرن المغالي أنها "التحفة التي لا نظير لها والتي لا تدانيها رواية أخرى في روائع الملهاة الإنجليزية(21)، نقول كان فيها بعض أخطاء المسرحية في عصر عودة الملكية، ولكن ليس فيها شيء من رذائلها، وقد ترهقنا عند قراءتها بظرفها المازح الساخر، وتذكرنا بالتلاعب السخيف بالألفاظ في أعمال شكسبير الأولى، ولكن إذا مثلت (ونطق بها بترتون ومسز بريسجيردل كما حدث في أول عرض لها)، فلربما كانت أمتعتنا بما فيها من حيوية وتألق يقول وتوود "أعرف سيدة تحب الكلام بلا انقطاع، ولا تترك أثراً حسناً(22)" وحبكة الرواية بالغة التعقيد، وقد تتذمر من طول الوقت المطلوب لفهم شجارات ومشروعات الشخوص التافهة الطائشة، وحل العقدة لا يعدو أن يكون سخفاً لا حد له. ولكن في الرواية بعض تهذيب في اللغة وفي الدعابة، وتفكير لطيف (ولو أنه غير عميق أبداً)، مما يمكن أن يدخل السرور على الذهن غير المتعجل، وليس فيها سخرية لاذعة، كما هو الحال في مسرحيات فانبرو، بل فيها تهكم مهذب رقيق، تسرب من قصر فرساي إلى قصر هويتهول وإلى البلاط في فترة عودة الملكية. وفي الرواية خلق الشخصيات الروائية وتصوير لخصائصها. فالبطل، ميرابل شخص غير جذاب، ولكنه نابض بالحياة، صياد التركات والثروات. وجدير بالذكر أنه يسعى للزواج من ميللامانت، بدلاً من إغرائها. ولكن لديها ثروة تساوي أثنى عشر زانياً، وهي أجمل ما أبدع كونجريف، ماجنة عابئة تريد ألف عاشق، وتود الهيام بها لمدى الحياة، من أجل مفاتن أو جمال لن يدوم إلا لسنوات عشر، وترضى الزواج ولكن بشرط: ميللامانت:... لاشك ياميرابل أني سأبقى في الفراش في الصباح كيفما أشاء. ميرابل: هل من شروط أخرى تفرضينها؟ ميللامانت: توافه: - أكون حرة في تناول طعامي متى أشاء، وأتناوله وحدي في حجرة ملابسي، إذا كنت معكرة المزاج، دون إبداء الأسباب. وألا يقتحم علي أحد خلوتي. وأن أجلس "إمبراطورة" وحدي إلى مائدة الشاي التي لا يجوز لك أن تفكر في الاقتراب منها قبل أن تستأذني أولاً وأخيراً حيثما كنت ينبغي عليك أن تطرق الباب قبل الدخول. تلك هي شروطي، حتى إذا استطعت أن احتملك لمدة أطول، فقد أتضاءل شيئاً فشيئاً حتى أصبح زوجة. ميرابل: ألست حراً أن أعرض شروطي؟ ميللامانت: هات أقصى ما عندك... ميرابل: أشترط عليك أن تستمري تحبين وجهك وتعجبين به طالما أحببته أنا أو أعجبت به، حتى إذا الفته أنا، فلا تحاولي قط تشكيله من جديد.. اشترط ثانيا، أنك إذا حملت. ميللامانت: آه: لا تذكر شيئاً من هذا. ميرابل: وهذا هو المفروض، وليبارك الله في محاولتنا. ميللامانت: هذه محاولة كريهة قبيحة. ميرابل: إني أعترض وأمنعك من ارتداء الملابس المحبوكة التي تشد جسمك لتحتفظي بقوامك حتى لا تشوهي ولدي ويخرج وكأن رأسه قمع سكر(23).. وهكذا، وتلك سفسطة سارة، وهجاء معقول، يمر بخفة وسرعة، في أمان، على مظاهر الحياة. وضرب كونجريف نفسه مثلاً لمظاهر كثيرة، مؤثراً التركيب على المادة، والتنوع على الوحدة. ولم يتزوج قط|، ولكنه اختلف إلى سلسلة من العشيقات، ولم نسمع عن ذرية أشقته أو أسعدته. وكان رفيقاً لطيفاً في المقاهي والنوادي. وكان أكرم العائلات تستقبله ببالغ الترحيب. وكان أكولا، وكان يدهن قدميه ويعالجهما بانتظام من داء النقرس. وعندما زاره فولتير 1726 استنكر كونجريف إطراء الشاعر الفرنسي لرواياته، وأبدى عدم اكتراثه لها، على أنها توافه لا تستحق الذكر، وطلب إلى فولتير أن يعتبره مجرد رجل مهذب. عندئذ أجاب فولتير (طبقاً لروايته) "لو كان الأمر كذلك، وأنك مجرد رجل مهذب، لما جئت لأراك(24)". وفي 1728، في رحلة للاستشفاء بالمياه المعدنية في باث، انقلبت عربة كونجريف، وظل يعاني من بعض إصابات باطنية حتى وافته المنية في 19 يناير 1729. ودفن في كنيسة وستمنستر. وفي وصيته ترك مائتي جنيه لمسز بريسجيردل التي كانت تقاسي الفقر في شيخوختها، أما معظم الضيعة، أي نحو عشرة آلاف جنيه، فقد أوصى له لدوقة مالبرو الثانية البالغة الثراء، ومضيفته الأثيرة لديه، فحولت المال إلى عقد من اللآلئ. وكانت تضع على الدوام، في المكان الذي اعتاد الشاعر أن يجلس فيه إلى مائدتها، تمثالاً من العاج والشمع تدهن قدميه وتعالجهما بانتظام من النقرس(25). وقبل موت كونجريف بزمن طويل، كان المسرح الإنجليزي قد شرع يطهر نفسه، حيث أمر وليم الثالث مدير الملاهي والمسارح أن يمارس بشكل أشد صرامة، سلطته في رقابة الروايات أو منع عرضها. وعززت موجة من الاستياء في الرأي العام هذه الرقابة. وحرم قانون أصدرته الملكة آن ارتداء السيدات للأقنعة في المسرح، وقاطعت النساء اللائي حرمن هذا التستر، الروايات المجردة من الاحتشام والوقار على وجه اليقين(26). واتفق سويفت مع الأساقفة على أن مسرح لندن وصمة في جبين الخلق الإنجليزي. وعرض ستيل روايته (العشاق الشاعرون بالإثم) (722) على أنها مسرحية أخلاقية. ونافس أديسون وقار المأساة الفرنسية وجلالها في مسرحيته "كاتو" (1713). وثمة علامة أقدم من هذا، على التغير الذي حدث في المسرح، ظهرت في أسلوب رد دريدن على كوليير، حيث أحس دريدن أن الكاهن غالباً ما حمل على كتاب المسرح دون وجه حق، وأنه "في كثير من المواضع... فسر كلماتي بأنها تجديف وفجور، وهي بريئة من هذا كله"، ولكنه أضاف: لن أتحدث كثيراً عن مستر كوليير لأنه اتهمني في أشياء كثيرة، وله في هذا كل الحق. واعترفت بذنبي في كل الأفكار والتعبيرات التي أوردتها والتي يمكن أن توصم بحق بالفحش والدنس أو مجافاة الأخلاق الكريمة، ولا بد من سحبها. فإذا كان يناصبني العداء، فقد كتب له الانتصار علي. أما إذا كان صديقاً، حيث أني لم أهيئ له فرصة خاصة ليكون غير ذلك، (لم أسيء إليه إساءة شخصية)، فإنه سيسر بأني ندمت(27).
برامج -> عصر لويس الرابع عشر -> إنجلترا -> من دريدن إلى سويفت -> جون دريدن 3- جون دريدن 1631-1700 كان أبوه من صغار ملاك الأرض، يمتلك ضيعة متواضعة في نورثمبتونشير وأرسل إلى مدرسة وستمنستر التي علمه فيها، هو ورفيق دراسته جون لوك، الأستاذ الضليع ريتشارد بزبي Buzby كثيراً من اللاتينية والنظام والانضباط. وهناك حصل على منحة دراسية مكنته من الذهاب إلى ترنتي كولدج في كمبردج. وفي العام الذي حصل فيه على الدرجة الجامعية مات أبوه (1654) وورث جون، بصفته أكبر الأبناء البالغ عددهم أربعة عشر، الضيعة التي كانت تدر ستين جنيهاً في العام. وانتقل إلى لندن وحاول عن طريق الشعر أن يضيف شيئاً إلى دخله، احتيالاً على العيش. وفي 1659 نشر "مقطوعات شعرية بطولية" تخليداً لذكر كومول - وهو شعر تافه غير ذي قيمة بشكل ملحوظ من شاعر في التاسعة والعشرين من عمره. والحق أن دريدن نضج في بطئ، وكأنه رجل يتخطى في جهد جهيد مائة عقبة ليرقى مدارج الثراء في نجاح. وبعد ذلك بعام واحد هلل الشاعر لعودة الملكية في قصيدته "عودة النجم" التي قارن فيها نجمة شارل الثاني بنجمة بيت لحم، وما كاد أحد يتجرأ على اتهام دريدن بالتقلب، لأن كل الشعراء تقريباً - عدا ملتون - ولوا ظهورهم إلى البيوريتانية وولوها شطر الملكية مع تغيير بارع لأساليبهم. ولكن دريدن كان أشد اهتماماً بالمسرح منه بمجرد نظم الشعر، حيث أثرى الكتاب المسرحيون على حين حالف البؤس والشقاء الشعراء الجدد. إن دريدن لم يكن به ميل إلى المسرحية، ولكنه كان يتطلع إلى الحصول على لقمة العيش بانتظام. وحاول كتابة الملهاة فأخرج "زير النساء الطائش" (1663) التي وصمها بيبز بأنها "أحقر شيء رأيته في حياتي تقريباً(28)". وفي أول ديسمبر 1663 تزوج دريدن من ليدي اليزابيث هوارد ابنة إرل بيركشير، وأشرأبت الأعناق دهشاً من سيدة ذات مكانة وثراء تتزوج من شاعر، ولكنها كانت في سن الخامسة والعشرين، وفي خطر من فوات الأوان، كما كان أخوها سير روبرت هوارد المتلهف على التأليف والكتابة، قد ضمن تعاون دريدن معه في رواية "الملكية الهندية" التي أخرجاها 1664، في مشاهد بالغة البذخ، مع نجاح عظيم. وحددت هذه المسرحية "المأساة" طوراً في تاريخ الأدب، حيث تخلت عن الشعر المرسل الذي كان سائداً في عصر اليزابيث، واستخدمت المقاطع المقفاة ذات البيتين اللذين يتكون كل منهما من خمس تفاعيل، أسلوباً منتظماً لها. وكان لورد أوريري قد تأثر بحلاوة واتساق القافية في المأساة، وأدخل هذا الأسلوب في رواياته. وعاد دريدن إلى الشعر المرسل بعد 1675، معترفاً بأن القافية تفضي إلى تعويق سيل الكلام والتفكير. ولو أنه لقى عناء أكثر في نظم الشعر لأصبح شاعراً أعظم مما كان. وواصل نجاحه التعاوني بعمل مستقل، وهو "الإمبراطور الهندي" (1665)، وكان مونزوما بطل الرواية. وما كاد يجد لمسرحيته مكاناً على المسرح الإنجليزي حتى داهم الطاعون لندن فأغلقت المسارح أبوابها لمدة عام. ولما زال كابوس الطاعون والحريق احتفل دريدن بخروج إنجلترا من هذه المحنة المثلثة - الطاعون والحريق ثم الحرب - بقصيدة "سنة العجائب" (1666) وهي مكونة من 304 مقاطع رباعية الأبيات، تتأرجح بين الوصف الرائع (المقاطع 212-282) والتفاهة الصبيانية (مثل المقطع 29) ولما فتحت المسارح أبوابها من جديد في 1666 عجل دريدن بالعودة إلى المسرحية. ولم ينتج حتى 1681 غير الروايات. وتميل مأسياته إلى أن تكون كلاماً منمقاً رناناً طناناً، ولكنه بدت لأعين معاصريه أسمى منزلة من مأسيات شكسبير(29) - ولما انضم دريدن إلى دافنانت في إعادة صياغة "العاصفة" كانت النتيجة بإجماع المشتركين فيها أن الصياغة الجديدة تنطوي على تحسين كبير للأصل. وربما اتفقت معهم "شركة الملكية" في هذا الرأي لأنها كلفت دريدن بتزويدها بثلاث روايات في السنة مقابل حصة في الأرباح التي بلغت 350 جنيهاً في العام. أما ملهيات دريدن، على الرغم من أنها داعرة فاحشة مثل غيرها، فإنها لاقت نجاحاً أقل من نجاح مأسياته السبع والعشرين، لأنه هذه الأخيرة استطاع أن يثير اهتمام الرأي العام في الدنيا الجديد والهجميين البدائيين المدهشين فيها، وهكذا يقول المنصور في "فتح غرناطة". "أنا حر طليق مثلما خلقت الطبيعة الإنسان لأول مرة، قبل أن يظهر قانون الاسترقاق الحقير، حين هام النبلاء المتوحشون على وجوههم في الغابات". وربما كان نجاح هذه الرواية بالإضافة إلى ما تضمنته رواية "سنة العجائب" من مديح منمق لشارل الثاني، هو الذي كسب لدريدن منصبي مؤرخ الملك وشاعر التاج (1670).وبلغ دخله السنوي آنذاك ألف جنيه في المتوسط. وفي خاتمة القسم الثاني من "فتح غرناطة" زعم دريدن تفوق مسرحية فترة عودة الملكية على المسرحية في عصر اليزابيث. وذهب منافسوه، على حين قدروا له هذه التحية والمجاملة، إلى القول بأن في هذا إطراء مغالياً لمسرحياته. ولم يشارك المفكرون في المدينة جمهور المسرح إعجابه وتذوقه للغة الطنانة الرنانة المسرفة في مأسيات دريدن، وأصدر دوق بكنجهام بالاشتراك مع آخرين في 1671 هجاء صرحاً تحت عنوان "التجربة" سخر كثيراً من المستحيلات والحماقات واللغة الطنانة المنمقة في المأسيات المعاصرة، وبخاصة ما كتبها دريدن. وأحس الشاعر بأنها لطمة له، ولكنه كظم غيظه لمدة عشرة أعوام. وبعدها شهر بالدوق بكنهجام أيما تشهير في شخصية "زمري" في أقوى أبيات رواية "أبشالوم وآخيتوفل". وفي الوقت نفسه عملت دراسته لشكسبير على تحسين فنه. وفي أروع مأسياته (كله من أجل الحب) (1678) تحول عن راسين والقافية إلى شكسبير والشعر المرسل. وأفرغ كل جهده وبراعته في أن يبارى ما كان منه في عصر اليزابيث، بصفة عامة، وعرض في ثوب جديد قصة أنطونيو وكليوبترة التي فقدت الدنيا من أجل قصة غرام قصيرة. ولو أن الرواية القديمة لم توجد لحظيت رواية دريدن بثناء وإعجاب أكبر، ففي مواضع كثيرة منها ترتفع من الكلام الشديد البساطة إلى الشعور النبيل المكظوم، كما يتمثل في قدوم أوكتافيا إلى أنطونيو لتعرض عليه صفح أوغسطي عنه(30). ورواية دريدن محكمة في إيجاز، بقصد مراعاة الوحدات، ولكنه بتضييق الحدث في أزمة واحدة في مكان واحد ثلاثة أيام، اختزل الفكرة الرئيسية البطولية إلى قصة غرام، وضيع المشهد الكبير الذي رأى في "أنطونيو وكليوبترة" (لشكسبير) أن هذه القصة الغرامية ليست إلا جزءاً من الأحداث التي هزت عالم البحر المتوسط وشكلته. واكثر الجوانب إمتاعاً وتشويقاً اليوم في مسرحيات دريدن هي المقدمات التي قدمها بها مطبوعة، والأبحاث التي شرح فيها وجهات نظره في الفن المسرحي. وكان كورني قد ضرب له المثل، ولكن دريدن جعل منه مجالاً لنثر رائع. وإنا إذ نمر مرور الكرام بهذه الأبحاث الموجزة وهذه الحوادث القوية، لنلمح أن عصر الخلق والإبداع في الأدب الإنجليزي كان يعبر إلى عصر النقد الذي قد يبلغ ذروته في بوب. ولكن إجلالنا لتفكير دريدن وعقيلته يزداد إذ نراه يسير في رشاقة ورفق غور أسلوب المسرحية ومعالجة تفاصيلها، وفن الشعر، ويقارن في مقدرة فائقة على التمييز والمقارنة، بين المسرحين الفرنسي والإنجليزي. وأنك لترى في هذه المقالات والبحوث أن الالتواء المثير في النثر في عصر اليزابيث، والجمل الطنانة المتراكمة عند ملتون، كل أولئك يفسح الطريق لأسلوب أبسط وأسلس واكثر تنظيماً ومنهجية، أسلوب خلا من التراكيب، اللاتينية، وزاده صقلاً التعرف على الأدب الفرنسي، لم يجار الأناقة الفرنسية كل المجاراة قط، ولكنه أخرج إلى القرن الثامن عشر - قرن النثر - نماذج من كلام يتميز بالصفاء والروعة والسلاسة وسحر البيان، وعدم التكلف والقوة. وهناك اتخذت المقالة الإنجليزية شكلها، وبدأ العصر الكلاسيكي (النموذجي الممتاز) للأدب الإنجليزي. ولكن إذا كانت مقالات دريدن تبدو الآن أعلى مكانة من الروايات التي كانت سبباً في كتابة المقالات، فإنه في الهجاء ساد عصره وأرهبه. وربما وقع حادث أطلق لسانه اللاذع.ذلك أنه في 1769 وزع جون شفيلد إرل ملجريف نشرة مخطوطة بعنوان "مقال في الهجاء" لا تحمل اسم كاتبها، هاجمت إرل روشستر، ودوقة بورتسموث (لويزدي كيرووال) بلاط شارل الثاني بصفة عامة.واتجه الظن خطأ إلى أن كاتب المقال هو دريدن الذي كان آنذاك يحصل على معظم دخله من الملك. وفي ليلة 18 ديسمبر في "زقاق روز - كوفنت جاردن" هجم على دريدن نفر من السوقة وأوسعوه ضرباً بالهراوات، والمفروض أن روشستر استأجرهم لهذا الغرض، ولو أن هذا لم يثبت على سبيل اليقين.وكان دريدن رجلاً ودوداً كريماً مستعداً لمد يد المعونة وكيل المديح. ولكن نجاحه وغروره وإفراطه في التحدث عن نفسه وتوكيداته الخلافية، كل أولئك جلب عليه عداوات كثيرة. واحتمل دريدن لبعض الوقت حملاتهم عليه، دون رد علني منه، بل أن "كمين زقاق روز" لم يلق استجابة سريعة من قلمه. ولكن في 1681 جمع عديداً من أعدائه في مرجل واحد وسلقهم بالسنة حداد، في ألذع هجاء عرف في اللغة الإنجليزية. وتلك هي السنة التي حاول فيها شافستبري أن يقوم بثورة ليخلف ابن شارل الثاني غير الشرعي أباه على العرش وعندما ظهر القسم الأول من قصيدة "أبشالوم وأخيتوفل" وكان شافتسبري على وشك أن يقدم للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى. وانحاز هجاء دريدن إلى جانب الملك، وربما كان بإيعاز منه(31). وهزأ الشاعر من شافتسبري في شخص أخيتوفل الذي يحرض أبشالوم (وهو دوق مونموث) على الثورة ضد أبيه داود (شارل الثاني). ولما كان داود وشارل كلاهما قد أحبا عدداً من النساء، فأن القصيدة تبدأ ببحث في قيمة تعدد الزوجات: "في عهد التقى والورع، قبل ظهور الكهنة وأساليبهم، وقبل أن يصموا تعدد الزوجات بأنه خطيئة، وحين تكاثر الإنسان بتعدد زوجاته وقبل أن يقتصر الواحد على واحدة بشكل بغيض. وحين استحثت الطبيعة - ولم يمنع أي قانون - على معاشرة الخليلات والزوجات دون تمييز، وحين عاش ملك بني إسرائيل، برضا السماء، على الزوجات والإماء من مختلف الأنحاء، في قوة وحيوية، ونشر صورة خالقه على أوسع نطاق على الأرض، بأمره". ويبتهج داود بجمال ابنه أبشالوم. وكان مونموث، حتى قيام الثورة، قرة عين أبيه الملك السعيد (شارل الثاني)، أما بنو إسرائيل فهم الإنجليز (في القصيدة): جنس عنيد متقلب متذمر، أرهق النعمة الإلهية إلى آخر مداها، شعب الله المدلل الذي انغمس في الملذات والشهوات، والذي لم يستطع أن يحكمه ملك أو يرضيه إله(32). وأستروفل هو رئيس شياطين الخيانة، وتتحقق لندن لفورها أنه شافتسبري: وكان على رأس هؤلاء جميعاً أخيتوفل الكاذب، وهو اسم ملعون كريه على مر العصور، أهل لكل التدابير الخفية والمشورات الملتوية، ذكي جرئ مضطرب الحواس، قلق، لا يثبت على مبدأ ولا يستقر في مكان غير راضٍ إذا تملك وتسلط، ضائق صدره إذا تجرد من سلطانه، يحمل بين جنبيه نفساً محمومة مضطرمة أنهكت وأبلت جسم القزم وهي تشق طريقها. ضاق بها جسده الهزيل. قائد جسور لأخطر الأعمال اليائسة، يطرب للأخطار حين ترتفع الأمواج. أن يلتمس الأعاصير والزوابع، لأنه لا يحب الهدوء يدني سفينته من الرمال بفطنته وذكائه. يقيناً أن ذوي المواهب العظيمة قريبون من الجنون ولا يفصله عنهم إلا حواجز رقيقة. وإلا لماذا - وهو ذو الثراء العريض والمناصب الرفيعة - يضن على شيخوخته بما تحتاج من راحة ودعة؟.. لا يقيم على ود ولا يخلص في صداقة، عنيد حقود في عدائه وبغضه، مصمم على أن يدمر الدولة أو يحكمها هو(33). ثم يجيء دور الانتقام من دوق بكنجهام و "التجربة": ويقف على رأس هؤلاء (العصاة الثائرين) زمري، وهو رجل متعدد الجوانب، حتى انك لا تحسبه واحدا، بل صورة مصغرة لكل بني البشر، جامد الرأي، يجافي الصواب دائماً. كان يندفع في كل أعماله، ولكنه لا يثبت على حال. وخلال قمر منير واحد، كان الكيميائي والعازف، ورجل الدولة والمهرج. ثم ينصرف بكليته إلى النساء والتصوير، والشعر والشراب، فضلاً عن عشرة آلاف نزوة تموت في المهد.. وكان تبديد المال فناً خاصاً برع فيه. أغدق على كل الناس إلا من يستحقون المكافأة، أفقره الحمقى المهرجون الذين اكتشفهم بعد فوات الأوان. وحظي هو بالمرح، وحصلوا هم على ماله وضيعته(34). ولم تر إنجلترا قط من قبل مثل هذا الهجاء اللاذع الذي لا يرحم، الذي يركز كل التشويه والتجريح في سطر واحد، ويترك جثة ممزقة مهشمة فوق كل صفحة. وبيعت القصيدة بالمئات خارج نفس المحكمة التي كان يحاكم فيها شافتسبري، مخاطراً بحياته. وقضت المحكمة ببراءته فصك أشياعه الأحرار (الهويج) "ميدالية" تمجيداً له. وانبرى عدد من الشعراء والكتاب يتزعمهم توماس شادويل لإصدار ردود ظافرة على الرجل الذي أيقنوا أنه باع عقله، ولسانه السليط وبيانه الكاوي إلى الملك. وعاود دريدن الكرة بهجاء آخر، "الميدالية" (مارس 1682) سلق فيه شادويل، بصفة خاصة، في قصيدة "ماكفلكنو" (أكتوبر). وهنا كان الذم والقدح أنكى وأمر، فانحط أحياناً إلى شتائم لفظية صريحة، لم تتميز، مثل الهجاء السابق، بمقاطع فاصلة تنشر السم في دقة دون إسراف أو إسفاف. إنا لا نستسيع اليوم هذا اللون من "الذبح" الأدبي ولم نعد نتذوقه إلا قليلاً، وإنا لنرتاب بعد قرون من الجدل والمناقشة، في أن هناك بعض الصدق في كل عاطفة أو هوى، وأن في كل خصم أو عدو شيئاً محبباً. وما السياسة حتى في أيامنا هذه إلا حرب بوسائل أخرى، أكثر بكثير مما كانت حين كان عرش أسرة ستيوارت يترنح على حافة الثورة، وكان الظهور إلى جانب الفريق الخاسر المنهزم قد يعني الموت المحقق. وعلى أية حال، فإن دريدن بذلك الهمة، مما أكسبه امتنان الملك ودوق يورك، ولم ينازعه أحد آنذاك التربع على عرش مملكة الشعر. وكانوا يحجزون له - إذا قصد إلى "حانة ول Will" مقعداً إلى جانب المدفأة في الشتاء. وفي الشرفة صيفاً، وهناك رأى بيبر وسمع "أحاديث طريقة ذكية(35)" وصورة سير والتر سكوت، في خيال مبدع، وهو يدخل إلى هذه الحانة، "رجل عجوز بدين قليلاً، ذو شعر أشيب، يرتدي حلة سوداء بالغة الأناقة، محبوكة الأطراف وكأنها قفاز، تشرق في وجهه أرق ابتسامة رأيتها في حياتي(36)" وكان الإنحناء تحية لشاعر التاج والاستماع إلى رأيه في آخر مأساة أخرجها راسين... يعتبر ميزة، كما كانت القبضة من علبة سعوطه شرفاً كفيلاً بأن يريك المتحمس الناشئ. وكان كل العطف بعينه بالنسبة لأصدقائه، ولكن ما كان أسرعه في كيل السباب لمنافسيه وخصومه(37) (وما كان لأحد أن يبزه في إطراء شعره). إن تملقه للملك وليدي كاسلمين ولكل أولئك الذي يجزلون له العطاء مقابل الإهداء إليهم، جاوز الحد المألوف من الاستسلام الذليل في مهنته في عصره(38). ومع ذلك فإن كونجريف بادله التشجيع بمثله حين وصفه بأنه "بالغ الإنسانية والرحمة، مستعد أن يغتفر الإساءة، أهل للتراضي بإخلاص مع من أساء إليه(39)". والآن، وقد آذن جسمه بالضعف والانحلال، بدأ الشاعر يفكر في الدين بشكل أكثر انعطافاً وميلاً، مما كان عليه في سني القوة والفتوة والزهو والغرور. لقد اندفعت مسرحياته وقصائد هجائه اندفاعاً طارئاً بين هذا وذاك من مختلف المذاهب الدينية، أما الآن، وقد ربط الشاعر مصيره بالمحافظين (الملكيين - التوري)، فإنه تحول إلى الكنيسة الأنجليكانية بوصفها ركيزة للاستقرار في إنجلترا، مستنكراً عدوان العقل المتغطرس على هذا الحرم المقدس، ألا وهو الإيمان والعقيدة. وفي نوفمبر 1682 أدهش أصدقاؤه الدنيويين بنشره قصيدة "الدين والدنيا" دفاعاً عن الكنيسة الرسمية. وبدا له أن الكتاب المقدس المنزل، بل وكنيسة معصومة من الخطأ تفسره وتكمله، دعامتان لا غنى عنهما للمجتمع ولسلامة العقل. وكان على علم بالخلافات وبالجدل بين الربوبين، وكان رده عليهم أن شكوكهم إنما تعكر صفو النظام الاجتماعي المعقد الذي لا يمكن أن يدعمه إلا قانون أخلاقي تقره عقيدة دينية. لأنه لا قيمة ولا فائدة في تعلم النقاط الغامضة، أما السلام العام فهو كل ما يهم العالم. وتلك حجة كان يمكن أن تخدم قضية الكنيسة الكاثوليكية أيضاً، وتابعها دريدن إلى غايتها بتحوله إلى الكاثوليكية 1686. ولسنا ندري إذا كان لاعتلاء ملك كاثوليكي العرض في السنة السابقة، ولتلهف الشاعر على الاستمرار في الحصول على رواتبه - نقول لسنا إذا كان لهذا الأمر أو ذاك دخل في هذا التحول(40). على أن دريدن على أية حالـ، صب كل فنه - الشعري ليشرح وجهة النظر الكاثوليكية في قصيدة "الأيلة والنمرة" The Bind and the Panther (1667) وفيها "أيلة ناصعة البياض" تدافع عن المذهب الكاثوليكي، ضد نمرة "هي أجمل النوع المرقط" التي تمثل المذهب الإنجليكاني. وكانت صورة حيوانين من ذوات الأربع يناقشان موضوع الوجود الحقيقي في القربان المقدس مدعاة للسخرية(42) والتسخيف سرعان ما أثارهما ماتيو برير Prior ولورد هاليفاكس في محاكاة تهكمية تحت عنوان "الأيلة والنمرة تنقل إلى قصة فأرة القربة وفأرة المدينة" (1687). وفي 1688 فر جيمس الثاني إلى فرنسا. ووجد دريدن أنه يعيش من جديد في ظل ملك بروتستانتي، فلزم مذهبه الجديد، وكان أولاده الثلاثة يعملون في روما تحت إمرة البابا. كما أن الردة إلى مذهب آخر أمر غير مقبول، فاحتمل في شجاعة وجلد فقدانه لمنصب شاعر التاج ولراتبه ولوظيفته "مؤرخ الملك"، على أن التاريخ، زاد من أحزانه، لأنه أضفى كل هذه المناسب والشرف على شادويل الذي توجه دريدن ملكاً على الهراء، وصوره نموذجاً للغباء. وعاد في شيخوخته يكسب بقلمه قوت يومه. فكتب مزيداً من الروايات، وترجم مختارات من تيو كريتس وهوارس وأوفيد وبرسيوس، وأخرج الأنياذة في شعر بطولي في أداء غير محكم، ولكنه سلس، ونقل بأوزانه الشعرية الخاصة بعض أساطير هوميروس وأوفيد وبوكاشيو، وتشوسر. وفي 1697 وهو في السابعة والستين نظم قصيدته المشهورة "وليمة الاسكندر Alexaders Feast، التي حظيت بأعظم الثناء والإطراء. ووافته المنية في أول مايو 1700، وشهدت جنازته اضطراباً شديداً، وتنازعت الشيع المتنافسة جثمانه، وأخيراً ووري التراب إلى جانب تشوسر في كنيسة وستمنستر. ومن الصعب أن تحب هذا الشاعر، فكل الظواهر تقول بأنه كان انتهازياً نفعياً متقلباً، امتدح كرومول في فترة الحماية، وكان المديح لشارل الثاني وخليلاته، وأثنى على البروتستانتية في عهد ملك بروتستانتي، وأطرى الكاثوليكية في ظل ملك كاثوليكي، وألتمس موارد كسب المال بكل الطرق، وجلب على نفسه عداوة كثير من الناس، مما لا بد معه أن يكون ثمة شيء يكرهه الناس فيه. وجارى كل منافسيه في إباحية رواياته وتحررها من كل القيود، وفي تورعه في شعره. وبلغت قوته في الهجاء مبلغاً يستدر العطف على ضحاياه، مثل العطف على الشهداء وهم يحترقون على الخازوق. ولكن لا جدال في أنه كان أعظم الشعراء الإنجليز في جيله. وكتب معظم شعره لا جدال في أنه كان أعظم الشعراء الإنجليز في جيله. وكتب معظم شعره في المناسبات، وقلما حفظ الزمن شعراً نظم للمناسبات. ولكن هجاءه لا يزال حياً، لأن أحداً غيره لم يستطع أن يأتي بمثل هذا الهجاء الذي صور الشخصيات في ازدراء قارص وسخرية لاذعة. وطور المقطع الشعري ذا البيتين إلى درجة من الإيجاز المحكم والمرونة، سيطرت على الشعر الإنجليزي طيلة قرن من الزمان وكان أثره على النثر أقوى، حيث نقاه من التراكيب المزعجة والمصطلحات الغريبة، وضبطه على درجة ممتازة من الصفاء والسهولة. وكان معاصروه على حق حين كانوا يرهبونه أكثر مما يحبونه. ولكنهم أدركوا في فنه في صناعة الأدب والكتابة، وملكاً على عرش القوافي، فكان بن جونسون الروائي، ودكتور صمويل جونسون الكاتب، في وقت معاً، في عصره.
برامج -> عصر لويس الرابع عشر -> إنجلترا -> من دريدن إلى سويفت -> في ثبت واحد 4- في ثبت واحد والآن نجمع في قائمة غير نابضة بالحياة بعض الشخصيات الأصغر شأناً الذي أمدوا هذه الفترة بالحياة وبالأدب، ولكنا لن نستطيع أن نمكث معهم طويلاً لنتتبع جرى حياتهم. وأعظم قصيدة في الجانب الوثني من فترة عودة الملكية كانت ملحمة بيوريتانية، ولكن أشهره هي ملحمة هجاء ساخر ضد البيوريتارية: " هو دبراس" (1663-1678). ذلك أن الشاب الفاجر، صمويل بتلر، قضى عدة سنوات مضنية في خدمة سير صمويل لوك، وهو مشيخي (برسبتيربان) متحمس غيور، ضابط برتبة زعيم في جيش كرومول، كان مقره في "كوبل هو"، وهي قلعة بيوريتانية للسياسة والعبادة. وعندما عادت الملكية ثأر بتلر لنفسه بنشر هجاء مرح، يصور فيه كيف أن سير هو دبراس الفارس المغوار يقود سيده صاحب الأرض "رالفو" إلى حرب صليبية ضد الخطيئة والإثم. وتستطيع أن تحكم منذ بداية القصيدة عليها. "حين اشتدت ثورة الغضب والحقد بين الناس لأول مرة وتشاجروا لأنهم لم يدركوا السبب، وحين أشعلت الكلمات النابية والأحقاد والمخاوف نار الحرب بين الجماعات وجعلتهم يقتتلون كالمجانين أو المخمورين، من أجل "السيدة: الديانة" وكأنما يقتتلون من أجل عاهرة فاجرة... وحين أعلن نافخ البوق الإنجيلي يحيط به الرعاع ذوو الآذان الطويلة، النفير من أجل الحرب، ودقت طبول المنبر والكنيسة بجماع الأيدي بدلاً من العصي. عندئذ غادر السيد الفارس مسكنه وامتطى صهوة جواده متزعماً الركب... وكان كثيرون من الناس يرون، أنه كما اشتكى مونتاني من أن قطته حسبته، وهو يداعبها، حماراً، فلابد أن القطة تحسب هو دبراس حماراً أو أكثر من حمار، وإنا لنسلم بأنه على الرغم مما أوتى من ذكاء شديد، فإنه يخجل من استخدامه، وكأنما يكره أن يستنفذه ويبليه، ولذلك لم يظهره أو لم يلبسه إلا في أيام العطلة أو ما يشابهها، كما يرتدي الناس أحسن ملابسهم... وكان من الملائم، من أجل عقيده، أن يوفق بين علمه وذكائه، وكان مذهبه مشيخياً صادقاً متشدداً، لأنه كان من بين العصبة العنيدة من القديسين الضالين الذي يقر الناس جميعاً بأنهم المناضلون الصادقون عن الكنيسة المجاهدة التي يبنون عقيدتهم على الرمح والمدفع، ويحسمون كل الخلافات بمدفعية لا تخطئ المرمى، ويثبتون صحة نظريتهم بالضربات واللكمات الرسولية... فرقة تتمثل أعظم تقواهم في كراهياتهم الحمقاء الضالة، الشاذة فرقة تحرص على الخطأ في يوم العطلة أكثر من حرص سائر الناس على الصواب، مجمعة على الخطايا التي فطرت عليها، تلعن أولئك الذي لا يفكرون فيها(43). وهكذا مما آلم البيوريتانيين أيما إيلام وسر الملك كل السرور. ومنح شارل المؤلف جائزة قدرها ثلاثمائة جنيه. وامتدح كل الملكيين القصيدة فيما عدا بيبز الذي لم يستطع "أن يتبين موضع العبقرية فيها"، على الرغم من أنها تعتبر الآن من أحدث طراز من الهزل والسخرية(44)، وبادر بتلر إلى الاستزادة من الكتابة (1664-1678)، ولكن لم يعد في جعبته سهام، ولم تسعفه القوافي. وحل النزاع بين البروتستانت والكاثوليك محل النزاع بين الملكيين والبيوريتانيين. ونسي القوم بتلر، وقضى نحبه مغموراً معدماً (1680). وبعد أربعين عاماً أقيمت له لوحة تذكارية في كنيسة وستمنستر، تحمل هذه العبارة "طلب الخبز فمنح حجراً(45)". وخير من هذا الشعر الهزلي المعتل الوزن الذي يتصيد القوافي، نثر كلارندون الفخم في كتابه "تاريخ الثورة" الذي ظهر في 1702 على الرغم من أنه كتب في 1646 - 1764 - وشهد الناس في عهد الملكة آن مقدار العناية التي بذلت في تأليف هذه المجلدات الثمانية، وروعة أسلوبها، وكيف كان تصوير الشخصيات أخاذاً، وكيف كانت روح قاضي القضاة الذي ضرب قديماً، عالية. وبالمثل لعب جلبرت بيرنت دوراً ليس بهزيل في كتابه "تاريخ زمانه" الذي لم ينشر، بأمر منه، إلا بعد وفاته 1724. أما كتابه "تاريخ إصلاح كنيسة إنجلترا" (1679، 1681، 1715) فكان عملاً أضخم، وكان ثمرة بحث طويل، وظهر في وقت كانت فيه إنجلترا البروتستانتية تخشى إحياء الكاثوليكية. وقدم له مجلسا البرلمان كلاهما الشكر عليه. ووجد فيه الأعداء والمحررون ألفاً من الأخطاء. ولكنه لا يزال يحظى بمن يشايعه وينتصر له، وفي بعض الأحيان يكون موضع ذم وطعن. ولكنه يظل أعظم مرجع في موضوعه، وحاول بيرنت أن يوسع دائرة التسامح الديني، فكسب عداء السوق. وسعى ثلاثة رجال آخرين إلى تكبير الحاضر بأن يضيفوا إليه صوراً من الماضي. وطاف توماس فولر Faller بأرجاء الأرض الحبيبة متنقلاً من بلد إلى بلد، حيث جمع كتابه "تاريخ مشاهير الرجال في إنجلترا (1662)، وأحيا أبطاله الأموات بما روي عنهم من فذلكات وحكايات ودعاية وذكاء، وبما كتب على شواهد قبورهم. وقص أنتوني وود تاريخ أكسفورد، وجمع ثبتاً حوى سير حياة خريجيها، والمؤلفات القيمة التي اقتبس منها كثير من المؤلفين خلسة. وجمع جون أوبري شذرات ممتعة عن نحو 426 من مشاهير الإنجليز، على أمل أن ينسق هذه المادة المجموعة في تاريخ كامل، ولكن الخمول والمنية حالتا دون طبع "سير الحياة" قبل 1813(46). وقد شجعتنا ذخائره على المضي في طريقنا. وهناك الكولونيل (الزعيم) جون هشتشون، وهو بيوريتاني أيد إعدام شارل الأول، وزج به شارل الثاني في السجن، وما أن أخلى سبيله حق عاجلته المنية، وخلدت أرملته لوسي ذكراه في كتاب "حياة كولونيل هتشنسون" وهو كتاب لطيف رفع من مكانة صاحب السيرة. ولكن لوسي كان يعيبها الوقفات الطويلة فكانت عباراتها أحياناً تمتد إلى صحيفة كاملة. أما جون آريوتنوت، الطبيب البارع، والصديق المخلص لسويفت وبوب والملكة آن ولكثيرين غيرهم، فإنه انضم إلى حملة المحافظين لوقف الحرب مع فرنسا، بأن أصدر في 1712 سلسلة من النشرات يهجو فيها الأحرار، ويصف شخصية خيالية هي "جون بول" الذي أصبح منذ ذاك رمزاً على إنجلترا. ويقول جون آريوتنوت عن جون بول: "أنه شخص أمين شريف صريح في التعامل مع الناس، سريع الغضب، جرئ، متقلب المزاج.. إذا تملقته ولاطفته كان سلس القياد، إن مزاج جون يعتمد كثيراً على الهواء، فيرق مزاجه أو يتكدر تبعاً لحالة الجو. وكان جون ذكياً. يدرك مهمته تمام الإدراك، ولكن ليس على قيد الحياة إنسان أشد منه إهمالاً في إمعان النظر في حساباته، ولا أكثر انخداعاً بشركائه أو غلمانه أو خدمه. ذلك لأنه رقيق مرح، مولع بالخمر واللهو والتسلية. والحق أنه لا يوجد إنسان أشد عناية ببيته ولا أكثر سخاء في الإنفاق من جون(47)". وماذا عسى أن يقول سير وليم تمبل إذا وجد أنه اختزل في فقرة من فصل بلغ الذروة بسكرتيره؟ ربما قال- إذا سمحت له آدابه الرفيعة - إن المؤرخين أهملوه لأنه لم يحتفظ بامرأتين تطمعان في الزواج، حتى قضت إحداهما نحبها، وأنهكت الأخرى، أو لأنه لم يبع قلمه لوزراء المحافظين استياء من الأحرار، أو لأنه لم يغمس هذا القلم في ذم البشر، ولكن خدم وطنه في هدوء بدبلوماسية ناجحة، وفي عصر ساده الفساد والفجور، ضرب لإنجلترا مثلاً صادقاً غير مصطنع لحياة أسرية تزينها الحشمة والوقار. وظل لمدة سبع سنين يتودد إلى دوروثي أوزيورن التي أصبحت رسائلها الرقيقة إليه قطعاً من الأدب الإنجليزي(48) وارتضته زوجاً لها رغم معارضة أسرتيهما. وتزوجها بعد أن شوه الجدري جمالها. ودخل تمبل معترك الحياة السياسية، ولكنه آثر الأعمال التي نأت به عن حمى لندن، وتجنب "العبودية المضنية التي تثير البغض والحسد، والتي تحصى فيها الحركات والسكنات، والتي يطلقون عليها من قبيل السخرية والاستهزاء، والسلطة والنفوذ(49). وكان من أوائل، من حذروا من أطماع لويس الرابع عشر التوسعية، وكان المخطط الرئيسي للحلف الثلاثي الذي وقف في طريق الملك الفرنسي 1668، وعرضت عليه الوزارة في 1674 و 1677 ولكنه آثر منصبه الدبلوماسي في لاهي. وأدت مفاوضاته الموسومة بالحصافة والنظر الثاقب إلى زواج ماري ابنة جيمس الثاني من وليم الثالث الذي أصبح ملكاً فيما بعد. وهو الزواج الذي مهد الطريق "للثورة الجليلة". وفي 1681 اعتزل السياسة وانصرف إلى الدراسة والتأليف في "موربارك" ضيعته في "سري" وحسبه سويفت جامداً متحفظاً، على أنه ملاك الرحمة والكياسة واللطف. وأهم أبحاثه "المعرفة قديمها وحديثها" (1690)، الذي رفع فيه من ذكر الأقدمين وانتقص من قدر العلم الحديث والفلسفة الحديثة، في شخص نيوتن وهويز وسبينوزا وليبنتز ولوك. وتصيد بنتلي الكاتب خطأً جسيماً. فآوى سير وليم إلى حديقته، وتسلى بأبيقور ولسوف نلتقي به ثانية.
برامج -> عصر لويس الرابع عشر -> إنجلترا -> من دريدن إلى سويفت -> إيفلين وييبز 5- إيفلين وييبز اتفق جون إيفلين مع تمبل في أنه إذا دخلت الأحزاب في الدولة وتعمقت جذورها فيها، فمن الحمق عندئذ أن يتدخل أفاضل الرجال في الشئون العامة(50) " ولما بدأت الحرب الأهلية رأى أنه قد آن الأوان للرحيل. وغادر إنجلترا في يوليه 1641. ولكن وخز الضمير أعاده إليها في أكتوبر، وانضم إلى جيش الملك في برنتفورد ليشترك في الإنسحاب في نفس الوقت الذي وصل فيه. وبعد شهر من الخدمة في الجيش آوى إلى ضيعة أبويه في ووتون في سري. وفي 11 نوفمبر 1643 عبر البحر ثانية إلى القارة. وطاف على مهل بأرجاء فرنسا وإيطاليا وسويسرا وهولندا، ثم قفل راجعاً إلى فرنسا. وفي باريس تزوج من فتاة إنجليزية. وتنقل لبعض الوقت بين فرنسا وإنجلترا، حتى وضعت الحرب الأهلية أوزارها، حيث عاد إلى الوطن (6 فبراير 1652). ورشا حكومة كرومول لتتركه وشأنه. وتبادل الرسائل مع شارل الثاني في منفاه، وفي 1659 بذلك جهداً جباراً للتعجيل بعودة الملكية. وبعد ارتقاء شارل الثاني عرش إنجلترا أصبح إيفلين شخصية مرموقة في البلاطـ، ولو أنه دمغه بالانحلال والفساد، وشغل بعض المناصب الحكومة الصغيرة، ولكنه في معظم الأحوال آثر أن يغرس الأشجار ويؤلف ثلاثين كتاباً في بيته الريفي. ودون كل شيء من لوكريشس إلى سبتاي زيفي. وعجز كتابه "المبخرة" عن تنقية هواء لندن، ولكن في كتابه "أشجار الغابات" دعا دعوة حارة إلى إعادة تشجير إنجلترا، وحث الحكومة على غرس الأشجار في مختلف أنحاء لندن، التي تعد أشجارها اليوم من أعظم مفاخرها ومباهجها. أما كتابه "حياة مسز جودولفين"، فهو مثل أعلى في فضائل النساء وسط عربدة عودة الملكية وصخبها. ومن 1641 إلى 3 فبراير 1706، قبل وفاته بأربعة وعشرين يوماً دون أيفلين في مذكراته كل ما رأى وسمع في إنجلترا أو في القارة. وبوصفه رجلاً من ذوي المكانة لم يكن في مقدوره أن يسجل من الخطايا أو الآراء الشخصية جداً، مثل تلك التي تغرينا بقراءة "مذكرات" بيبر المسهبة، ولكن وصفه لمدن أوربا ساعدنا كثيراً على اكتناه ماهية العصر. ففي مذكرات إيفلين صفحات رائعة عن "ممر سمبلون(51)" وكان في بعض الأحيان يفصح عن مكنون صدره في قطع تفيض بالحب والحنان والرقة، مثلما كتب عن وفاه ابنه وهو في سن الخامسة. ولم تنشر مذكرات إيفلين إلا في 1818. إن إشارات إيفلين إلى بيبز في مذكراته أدت إلى فحص المجلدات الستة المكتوبة بطريقة الاختزال، والتي كان بيبز قد أوصى بها لكلية مجدلن في كمبردج. وحلت رموز المذكرات التي بلغ عدد صفحاتها 3012 بعد ثلاث سنوات من جهد شاق، ونشرت في 1825، بعد اختصارها وتنقيتها. وهي الآن ولو أنها لم تستكمل، تملأ أربعة مجلدات ضخمة. على أنها جعلت من بيبر شخصية من أكبر الشخصيات المعروفة في التاريخ بالصراحة وعدم الصحة. أما من حيث الصراحة، فمن الواضح أنه قصد أن تنشر المذكرات إذا قدر لها أن تنشر - بعد وفاته، لا قبلها - ولهذا حوت تفاصيل كان ينبغي كتمانها في حياته، ولا يزال بعضها "غير قابل للنشر". أما عدم صحتها، فيرجع إلى أنها تتناول حقبة تقل عن عشر سنوات (1 يناير 1660 - 31 مايو 1669) من حياة بيبز، ولم تورد سرداً وافياً لعمله في أركان حرب القوات البحرية الإنجليزية، حيث تدرج في أعمال ازدادت أهمية من 1660 إلى 1689، وبعد وفاته بزمن طويل تذكروه وكرموه على أنه رجل إدارة قدير نشيط مجد. وكان أبوه خياطاً (ترزياً) في لندن، وكان أبناً صغيراً لأحد الملاك اتجه إلى العمل والتجارة لأن الابن الأكبر ورث الضيعة طبقاً للقانون. ودخل صمويل كمبردج على منحة، وحصل على درجتي الليسانس والأستاذية، ولم تسجل له أية عقوبة، إلا تأنيب علني "لأنه شوهد يوماً يحتسى الخمر بشكل مخز"، ومرة أخرى لأنه كتب قصة "الحب خداع" التي أعدمها فيما بعد. وفي سن الثانية والعشرين (1655) تزوج من اليزابيث سان ميشيل ابنة أحد الهيجونوت. وفي 1658 أجريت له عملية "الحصاة في الكلى" ونجحت العملية وظل يحتفل بذكرى نجاحها سنوياً بعد ذلك، تعبيراً عن الحمد والشكر، كما يظهر من السنوات المسجلة في مذكراته. وكانت هناك صلة قرابة بعيدة تربطه بسير أدوارد مونتاجو، فعين بيبز سكرتيراً له، (1660) ورافقه صمويل في الأسطول الذي قاده لإحضار شارل الثاني من المنفى. وقبل أن ينصرم هذا العام عين بيبز كاتباً للعمليات في إدارة البحرية. فثابر على دراسة الشئون البحرية بالقدر الذي سمح له به مطاردته للنساء. ومذ كان رؤساؤه منكبين أيضاً على هذه الرياضة القديمة، فأنه سرعان ما أصبح أكثر دراية بتفاصيل البحرية من أميري البحر كليهما (مونتاجو ودوق يورك) إلى حد أنهما اعتمدا على معلوماته. وفي أثناء الحرب مع هولندا (1665-1667) نجح نجاحاً مشهوداً في تموين الأسطول، وعند تفشي الطاعون لزم عمله في الوقت الذي فر فيه معظم موظفي الحكومة. وفي 1668 حين حمل البرلمان على إدارة الأسطول، وكل إلى بيبز أمر الدفاع عنها، وبفضل خطابه الذي استمر ثلاث ساعات في مجلس العموم برأت إدارة الأسطول تبرئة لا تستحقها. وبعد ذلك كتب بيبز لدوق يورك ثلاث مذكرات عرض فيها وجوه النقص والخلل في هيئة البحرية، وقد لعبت هذه المذكرات الثلاث دوراً في إصلاح الأسطول. وبذل بيبز جهداً جباراً، وكان يصحو من نومه عادة في الرابعة صباحاً(52). ولكنه وجد أنه كان يستعين على راتبه الذي يبلغ 350 جنيهاً في العام، بالهدايا والعمولات والمنح التي يمكن أن يسمى بعضها رشوة، ولكنها كانت في هاتيك الأيام اللطيفة تعتبر زيادات إضافية مشروعة. وكان رئيسه لورد مونتاجو نفسه قد أوضح له "أنه ليس مرتب أية وظيفة هو الذي يجعل شاغلها غنياً، ولكن فرصة الحصول على الأموال وهو يشغلها(53). وكل ما ارتكب بيبز من أخطاء مدون بصراحة خالصة تامة نسبياً. وليس واضحاً أمام أعيننا السبب الذي من أجله احتفظ بها بمثل هذه الأمانة إنه أخفاها في حذر وعناية طوال حياته، ودونها بطريقة الاختزال الخاصة به، مستخدماً 314 حرفاً مختلفاً، ولم يضع ترتيباً خاصاً لنشرها بعد وفاته. وواضح أنه وجد لذة ومتعة فأستعرض أنشطته اليومية والاضطرابات في أعضاء جسمه وشجاراته الزوجية، ومغازلاته وعبثه، وعلاقاته النسائية الشائنة. إنه - إذا أعاد قراءة هذا السجل - بينه وبين نفسه - لابد أن يشعر بما نشعر به نحن من رضا خفي إذا نظرنا لأنفسنا في المرآة. وهو يروى لنا كيف أنه جعل زوجته تحلق له شعره "فوجدت في رأسي وجسمي نحو عشرين قملة" وهذا في اعتقادي، أكثر مما وجدت في هذه السنوات العشرين(54). وتعلم أن يحب زوجته، ولكن بعد مشاجرات كثيرة، تميز في بعضها غيظاً، وكثيراً، على حد قوله، ما أساء معاملتها، وفي إحدى المرات "جذبها من أنفها(55)". وفي مرة أخرى "لطمتها على عينها اليسرى لطمة جعلت البائسة المسكينة تصرخ من شدة الألم، ولكنها اهتاجت وحاولت أن تعضني وتخدشني بأظافرها، ولكني تظاهرت بالخجل مما فعلت حتى أمسكت هي عن العويل(56)" ووضع على عينها ضمادة، وانصرف للقاء إحدى خليلاته. وعاد إلى البيت لتناول العشاء، ثم غادره، حيث لقي "زوجة باجول، فصحبتها إلى إحدى حانات الجعة، وهناك لاطفتها كثيراً، ثم افترقت عنها إلى امرأة أخرى حاولت أن أعانقها وأقبلها، ولكنها لم ترغب في شيء من هذا، مما ضايقني كثيراً". وقد يبعث على العجب والدهشة أن يكون للرجل مثل هذه الطاقة الحيوية، فاستبدل العشيقة كل بضعة شهور، وطارد النساء حتى صددنه عنهن بالدبابيس(57). واعترف بأنه "وقع في أسر الجمال إلى حد غريب(58)". وقال "كنت استمع في كنيسة وستمنستر إلى عظة، وقضيت الوقت (سامحني الله) محدقاً النظر في مسز بتلر(59)" وكان يتطلع في شغف خاص ولهف جارف مما يكاد يكون خيانة عظمى - إلى ليدي كاسلمين (عشيقة الملك)، ومذ وقع نظر عليها في قصر هويتهول "استغرق في النظر إليها(60)". ولكنه قنع بثيابها المرصوصة في صف واحد، وفي هذا يقول "وكان من الخير لي أن أتطلع إلى هذه الثياب(61)"، فلما "عدت إلى البيت وتناولت العشاء وآويت إلى الفراش، تخيلت أني أغازل مسز ستيوارت (ليدي كاسلمين وأعبث معها. في نشوة غامرة من السرور(62)". ولكن نفسه لم تهف إلى فاتنات البلاط فحسب. فقد مرت ببابه يوماً مسز ديانا، إحدى جاراته، فجذبها "إلى البيت وصعدت بها الطابق الأعلى، وبقيت ألهو وأعبث معها فترة طويلة(63)". وأخذ مسز لين إلى لامبث (أحد أقسام لندن) "وبعد أن سئمت رفقتها "صممت" على إلا أعود لمثل هذا ما حييت(64)" وضبطته زوجته ذات مرة يعانق فتاة، فهددت بالانفصال عنه، فهدأ من روعها بالوعود والإيمان. وانطلق إلى آخر عشيقاته. ذلك أنه أغوى وصيفة زوجته - ديبورا ويللت - وكان يحب أن تمشط ديبورا له شعره، ولكن زوجته انقضت عليها أثناء مغامراته مع ديبورا. فعاد يقسم ويعد يتعهد من جديد، وطردت الوصيفة، وأخذ بيبز يتردد عليها وكأن زيارتها جزء من عمله اليومي. وظلت رغبته الجنسية على حدتها حتى حين ضعف بصرة. إن عادة القراءة والكتابة في ضوء الشمعة بدأت تضعف بصره في 1664. ولكن في سنوات العسرة التي تلت ذلك، بذل في العمل جهداً شاقاً بصفة خاصة، على الرغم من تفاقم علته. وفي 31 مايو دون آخر ما سجل في مذكراته: "وهكذا ينتهي ما أشك في قدرتي على المضي فيه إطلاقاً بنور عيني، ألا وهو تدوير مذكراتي. ومهما تكن النتيجة فليس لي ألا أن أتجلد وأحتمل. ومن ثم اعتزمت أن يدونه من حولي بطريقتهم في الكتابة العادية، ولذلك ينبغي أن أقنع بألا يسجل إلا ما هو صالح لأن يعرفوه ويعرفه العالم أجمع. وإذا كان هناك شيء - وهو ليس بالكثير، بعد أن ولت كل خليلاتي مع ديبورا، وقعد بي ضعف بصري عن الاستمتاع بأية ملذات أو مسرات - فلا بد أن أحاول أن احتفظ في كتابي بهامش، أضيف فيه، هنا وهناك، بعض الملاحظات بخط يدي، بطريقة الاختزال. وهكذا أروض نفسي على هذه الطريقة التي لا تقل مرارة عن أن أراني محمولاً إلى القبر الذي يتولى الله العلي العظيم إعدادي له، ولكل المتاعب والمشاق التي لا بد أن تنتابني عندما أفقد نور عيني. صمويل بيبز". وتبقى له من عمره يعد ذلك أربعة وثلاثون عاماً. وظل يتعهد في عناية بالغة ما بقى له من نور عينيه، ولم يعم بصره تماماً قط ومنحه الدوق والملك إجازة طويلة انقطع فيها عن العمل، عاد بعدها إليه. وفي 1673 عين سكرتيراً لإمارة البحر، وفي نفس الوقت تحولت زوجته إلى الكاثوليكية. ولما وقعت مؤامرة البابا على إنجلترا اعتقل بيبز وأودع سجن لندن (22 مايو 1679) للاشتباه في أن له ضلعاً في مقتل جودفري. ثم دحض الاتهام وأخلى سبيله بعد تسعة أشهر قضاها بين جدران المعتقل. وبقي بعيداً عن الوظيفة حتى 1684، حيث أعيد سكرتيراً لإمارة البحر كما كان، واستأنف العمل على إصلاح البحرية. ولما أصبح رئيسه (دوق يورك) ملكاً على إنجلترا - جيمس الثاني - كان بيبز في واقع الأمر على رأس إدارة القوات البحرية، ولكن عندما هرب الملك جيمس إلى فرنسا، أعيد بيبز إلى السجن ثم أفرج عنه وعاش أعوامه الأربعة عشر الأخيرة من عمره متقاعداً عن العمل وكأنه "مرشد البحرية العجوز". ووافته المنية في 26 مايو 1703، وقد بلغ السبعين، مكللاً بالإجلال والاحترام، مطهراً من الذنوب والآثام. وكم كان في هذا الرجل من خلال محمودة. لقد عرفنا حبه للموسيقى كما أنه تابع الحركة العلمية، وكان ضليعاً في الفيزياء. وأصبح عضواً في "الجمعية الملكية" وانتخب رئيساً لها في 1684 وكان مزهواً برجولته، وكان يقبل الرشوة، وضرب خادمه حتى جرح ذراعه(65) وقسا في معاملة زوجته، وكان فاسقاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ولكن كم كان له في الملوك والأدواق من أسوة أخزى وأقبح في مجال الدعارة والفجور، ومن منا يمكن أن يتمتع بسمعة طيبة لا تشوبها شائبة إذا ترك مثل هذه المذكرات الأمينة؟.
برامج -> عصر لويس الرابع عشر -> إنجلترا -> من دريدن إلى سويفت -> دانيال ديفو 6- دانيال ديفو 1659 - 1731 هناك امرأة أفلتت من يد بيبز، تستحق منا هنا انحناءة احترام في شيء من الحذر، بوصفها "أم القصة الطويلة" في فترة عودة الملكية، وأول امرأة إنجليزية تعيش على قلمها. إن افرا بن Aphra Behn جديرة بالذكر من عدة نواح: ولدت في إنجلترا، وترعرعت في أمريكا الجنوبية.وعادت إلى إنجلترا في سن الثامنة عشرة (1658، وتزوجت تاجراً لندنياً من أصل هولندي. وتركت انطباعاً قوياً في نفس شارل لدهائها وذكائها. وأوفدت في مهمة سرية إلى الأراضي الوطيئة، فقامت بها خير قيام، ولكنها تلقت أجراً زهيداً إلى حد أنها انصرفت إلى الكتابة، وسيلة لكسب العيش. وكتبت مسرحيات هزلية فاجرة لاقت نجاحاً ملحوظاً. وفي 1678 نشرت "أورونوكو" وهي قصة "رقيق ملكي" زنجي، وحبيبته امواندا. وكان مزيجاً أصيلاً من الواقعية والرومانسية أو الخيال. وكان الطريق ممهداً أمام قصة روبنسن كروزو، وللقصة الرومانسية. كذلك عاش ديفو على قلمه. وكان من أكثر الأقلام تعدداً للجوانب والبراعات: وكان أبوه جيمس ديفو قصاباً في لندن، شديد التمسك بمذهب البرسبيتريان. وكان من المتوقع أن يكون دانيال واعظاً، ولكنه آثر الزواج والعمل والسياسة. وأنجب سبعة أطفال، وأصبح تاجر جوارب بالجملة. والتحق بجيش دوق مونموت في الثورة (1685)، ثم انضم إلى جيش وليم في الإطاحة بعرش جيمس الثاني وفي 1692 أفلس وبلغت ديونه 17 ألفاً من الجنيهات، ثم دفع لدائنيه استحقاقاتهم كاملة تقريباً فيما بعد، وفيما هو يكسب ويخسر، أصدر كتيبات في طائفة من الموضوعات زاخرة بكنز مدهش من الأفكار الأصيلة. ففي مؤلفه "بحث في المشروعات" عرض مقترحات عملية متقدمة كثيراً عن زمانه، في المصارف، والتأمين، والطرق ومستشفيات الأمراض العقلية، والكليات الحربية، والتعليم العالي للبنات. وانتقل إلى Tilbary حيث أصبح سكرتيراً لمصنع للقرميد ثم مديراً، وفي النهاية مالكاً له. ولما قدموه إلى وليم الثالث عينه في وظيفة حكومية صغيرة، وأيد سياسة الملك تأييداً كبيراً إلى حد اتهامه بأنه هولندي أكثر منه إنجليزي، فدافع عن نفسه في قصيدة رائعة، عنوانها "الإنجليزي الصميم الأصيل" (1701) ذكر فيها الإنجليز بأن الأمة كلها مختلطة الدماء والأعراق، ولما كان هو نفسه من المنشقين فإنه في 1702 نشر كراسة غفلاً من اسم المؤلف، تحت عنوان "أقصر طريق مع المنشقين" استبق فيها أسلوب سويفت في التسفيه والتسخيف عن طريق المبالغة، وهاجم فيها اضطهاد الإنجليكانيين للمنشقين، باستحسانه إعدام كل منشق يقوم بالوعظ، وطرد المنشقين الذي يستمعون إليه من إنجلترا. وقبض عليه في فبراير 1703، وحكم عليه بالغرامة والسجن وعذب في المشهر. وأفرج عنه في نوفمبر، ولكن في نفس الوقت كان مصنع القرميد قد تخرب وتوقف العمل فيه. وكان الرجل الذي ساعد في الإفراج عنه هو الوزير روبرت هارلي الذي تحقق من مقدرة ديفو الصحفية، ومن الواضح أنه عقد معه اتفاقاً لاستغلال قلمه، ومن ثم التحق ديفو بخدمة الحكومة طيلة بقية حكم الملكة آن. وبدأ فور إطلاق سراحه في إصدار صحيفة ذات أربع صفحات ثلاث مرات في الأسبوع. اسمها "ريفيو" التي ظلت تظهر حتى 1713، وكان معظمها بقلم ديفو. وفي عام 1704slash1705 طاف ديفو بأرجاء إنجلترا على ظهر جواد، يدعو للمستر هارلي في الانتخابات. وفي تلك الأثناء جمع مادة كتابه "جولة في إنجلترا وويلز". وفي 1706-1707 عمل لحساب هارلي وجودولفين جاسوساً في إسكتلندة، وحظيت كراساته القوية بكثير من القراء كما جلبت إليه الكثير من الأعداء. واعتقل ثانية في 1713 وفي 1715، ومرة أخرى أطلق سراحه بناء على وعد بتسخير قلمه في خدمة الحكومة. وكان له قدرة على ابتكار كثير من الموضوعات الأدبية. وفي 1715 نشر بعض مقتطفات يفترض أن كاتبها من الكويكرز. وفي نفس السنة نشر "حروب شارل الثاني عشر" كما يرويها "اسكتلندي في خدمة السويد". وأصدر في 1717 رسائل يظن أن كاتبها تركي، يندد بالتعصب المسيحي. وأسهم في تحرير مجلة اسمها بحق الضباب "Mist"، بتوقيع مراسلين وهميين. وقلما وقع ديفو كتاباته باسمه. وكان إلى جانب هذه البراعة في تمثيل شخصيات مختلفة، جمع ديفو سعة الإطلاع في الجغرافيا، وبخاصة جغرافية أفريقية والأمريكيتين. وظاهر أنه أفتتن بكتاب وليم دامبيير "رحلة جديدة حول العالم" 01697)، وفي إحدى رحلات دامبيير ألقت سفينته المسماة "الثغور الخمسة" مراسيها في جزر جوان فرنانديز على بعد نحو أربعمائة ميل إلى الغرب من شيلي. وكان أحد البحارة الاسكتلنديين يدعى إسكندر سلكيرك قد تشاجر مع القبطان، فطلب إليه أن يتركه في إحدى الجزر الثالث، على أن يزوده ببعض الحاجيات الضرورية. وبقى البحار هناك وحيداً لمدة أربعة أعوام، حيث أعيد إلى إنجلترا، وهناك قص قصته على ريتشارد ستيل الذي كتبها في عدد "الرجل الإنجليزي The Englishman" الصادر في 3 ديسمبر 1713، كما رواها كذلك لديفو، وزعم أنه أعطاه بياناً مكتوباً عن مغامراته في الغربة والوحدة(66). وحول ديفو هذه الخلاصة إلى قطعة من الأدب. وفي 1719 نشر أشهر قصة في القصص الإنجليزي. وألهبت "حياة روبنسن كروزو ومغامراته العجيبة الدهشة" خيال إنجلترا. وظهرت منها أربع طبعات في أربع شهور. وهنا كان مفهوم جديد للمغامرة والصراع - لا صراع الإنسان ضد الإنسان، ولا صراع الإنسان التحضر ضد الإنسان المتوحش. بل كفاح الإنسان ضد الطبيعة، صراع رجل وحيد، يتملكه خوف حقيقي، لا يجد أي عون أو مساعدة، حتى جاء "التابع المخلص الأمين"، وبنى حياة من المواد الخام في الطبيعة. وتلك كانت تاريخ حضارة رجل واحد في مجلد واحد. واعتبرها كثير من القراء تاريخياً، حيث لم ترو قط في الأدب من قبل قصة جمعت بين مثل هذه الأشياء التي تحتمل الصدق والكذب في مثل هذه التفاصيل التي أخذ بعضها بخناق بعض بشكل عارض. إن تمرس ديفو في الخداع الأدبي رفعه من الصحافة إلى الفن. وعاش ديفو في شيء من بحبوحة العيش في لندن، ولكنه لم يتخل عن إنتاجه الذي لا يبارى. فبينما ظل يصدر الكراسات، أخرج كتباً في الحجم الطبيعي، تضم قصص صغيرة، فنشر في 1720 "تأملات جادة في حياة روبنسن كروزو ومغامراته المدهشة"، "حياة ومغامرات مسز دنكان كامبل" (وهي ساحرة مشعوذة صماء بكماء). وبعد ذلك بشهر واحد "مذكرات فارس" "وبن تروفاتو" وقد حسبه بت الأكبر تاريخاً وبعد شهر آخر أخرج "حياة القبطان المشهور سنجلتون ومغامراته وقرصناته" وهو كتاب حوى توقعات مدهشة عن كشوف في أفريقية. وفي 1722 أصدر "هناء وشقاء مول فلاندرز" و "صحيفة عام الطاعون"، و "تاريخا كولونيل جاك"، و "الغزل الديني"، و "التاريخ النزيه لبيتر الكسوفتش "قيصر المسكوف الحالي" - وهذه هي المرة الثانية التي يستبق فيها فولتير في كتابه سير الحياة. وقصد بهذه المجلدات الضخمة أن توفر سبل العيش لأسرته، ولكنها بفضل قوة خيال الكاتب وأسلوبه الفياض، أصبحت أدباً. وفي "مول فلاندرز" اندس ديفو إلى عقل بغي وقلبها، حتى أفضت إليه بقصتها بشكل يتضح معه صراحتها وإخلاصها ويدعو إلى تصديقها ولو ظاهرياً، حتى تركها في النهاية راضية "آمنة ومطمئنة في خير عافية" وهي في السبعين(67). أما "صحيفة عام الطاعون" فكانت مدعمة بأدق الوقائع والحقائق والإحصاءات، حتى اعتبرها المؤرخون تاريخاً. أما عام 1724 فلا يثير دهشة كبيرة: ذلك أن ديفو نشر إحدى أمهات قصصه "السيدة السعيدة الحظ" المعروفة باسم "روكسانا" وهي المجلد الأول من مجلدين يتناولان جولاته في ربوع جزيرة بريطانيا العظمى، و "حياة جون شبرد" وهو يوهم بأنه مخطوطة سلمها شبرد إلى صديق له قبل إعدامه. وكانت هذه إحدى السير القصيرة العديدة التي كتبها ديفو عن حياة المجرمين، ومهدت إحدى سير الحياة واسمها "وغد المرتفعات" (1724) الطريق لكتاب سكوت "روب روى" كما مهدت سيرة أخرى، هي "حياة جوناثان ويلد" الطريق أمام فيلدنج. والحق أن أي موضوع شعبي أسال قلم ديفو، وأفاض عليه الجنيهات من خزائن ناشري كتبه، من ذلك "التاريخ السياسي الشيطان" (1726)، و "خفايا السحر" (1720)، و "الكشف عن أسرار الدنيا الخفية"، أو تاريخ حقيقة الأشباح (1727-1728) أضف إلى هذا كله قصيدة في اثني عشر جزءاً "العدل الإلهي" يدافع فيها عن الحقوق الطبيعية لكل إنسان في الحياة وفي الحرية وفي التماس السعادة ووسط هبوط ديفو كثيراً إلى كمستوى ذوق الشعب وأخيلته، ترى أنه أسهم إسهاماً مخلصاً في أفكار جادة: مثل "التاجر الإنجليزي الكامل" (1725-1727)، و "خطة التجارة الإنجليزية" (1728)، والكتاب الذي لم ينته منه "الرجل الإنجليزي الكامل" فأنه في هذه الكتب جميعها قدم معلومات مفيدة ونصائح عملية، لم تتلاءم في كل الأحوال مع أخلاقيات الإنجيل. وقد لا نحبذ أخلاقيات ديفو أو سلوكه الأدبي، ولكنا نملك الإعجاب بمثابرته وجده، وربما لم يشهد التاريخ قط منذ إنجاب رمسيس الثاني 150 ولداً مثل وفرة ديفو في الإنتاج. والشيء الوحيد الذي يكاد لا يصدق في ديفو هو أنه الذي كتب كل ما كتب، لأننا كذلك يتولانا العجب كل العجب من نوعية عقل ديفو الذي سخرت فيه قوة الخيال وقوة الذاكرة لهذا العمل الشاق أو الجهد الجهيد، والذي أخرج هذه الأشياء الوهمية المقبولة شكلاً إلى أبعد حد في الأدب. وأننا لنعترف بعبقرية وشجاعة رجل استطاع مع ضخامة العمل والعجلة في إنجازه، أن يحتفظ بهذا المستوى الرفيع في المادة والأسلوب. في المائتين والعشرة مجلدات التي أخرجها (إذا صدقنا ما قيل) لا يكاد المرء يقع على صحيفة واحدة مملة باهتة، وإذا اتفق أن كان ديفو أحياناً بليداً غبياً فإنه كان يفعل ذلك عن عمد ليضيف إلى حكايته شيئاً من احتمال الصدق والكذب. ولم يبزه أحد في بساطة السرد ووضوحه، وفي كونه طبيعياً بعيداً عن التكليف إلى حد الإقناع. وهناك كانت عجلته ضرباً من ضروب الحظ السعيد له، حيث لم يكن لديه فسحة من الوقت للتنميق والزخرف. وأرغمه تدريبه الصحفي ونزعته الصحفية على الإيجاز والوضوح. وكان أكبر صحفي في زمانه بكل معاني الكلمة، ولو أن هذا الوصف ينطبق على ستيل وأديسون وسويفت. فإن صحيفته "ريفيو" مهدت الأرض التي أنبتت فيها صحيفة "سبكتاتور" بذوراً منتقاة بشكل أفضل. والحق أن هذا شرف أي شرف. ولكن أضيف إليه الشهرة العالمية الباقية على مر الدهور لقصة روبنسن كروزو، وأثرها على قصص المغامرات، حتى على قصة تختلف اتجاهاتها كل الاختلاف مثل "رحلات جلليفر" وإذا استثنينا مؤلف ذلك الاتهام الذكي للبني الإنسان (سويفت في رحلات جلليفر)، فإن ديفو كان أعظم عبقرية في رجال الأدب الإنجليزي في عصر زخر بهم.
برامج -> عصر لويس الرابع عشر -> إنجلترا -> من دريدن إلى سويفت -> ستيل وأديسون 7- ستيل وأديسون يحدد ريتشارد ستيل أكثر من أي إنسان غيره بداية عصر الانتقال في الأدب، من عودة الملكية الى حكم الملكة آن. واتصف في شبابه بكل صفات العربدة والصخب والفجور التي سادت فترة عودة الملكية. ولد في دبلن، وكان أبوه موثوقاً عاماً (كاتب عدل)، وتعلم في مدرسة تشارتر هاوس وأكسفورد وكان حساساً سريع الاهتياج كريماً، وبدلاً من الحصول على درجته الجامعية انضم الى جيش الحكومة في إيرلندة، وكان يسف في شرب الخمر اسفافا، ويبارز حتى يقارب أن يصرع خصمه. وأكسبته التجربة رصانة عابرة، فبدأ يحمل على المبارزة، وكتب مقالا عن "البطل المسيحي" (1701) جادل في امكان أن يكون المرء سيدا ماجدا مهذبا "جنتلمان" مع بقائه مسيحيا. ووصف الفساد الذي ساد العصر، وعاد بذاكرة قرائه الى الكتاب المقدس بوصفه منبع الإيمان الصادق والخلق القويم، وناشد الرجال أن يحترموا جمال النساء وعفتهن. وكان في التاسعة والعشرين، حين وجد أنه حتى الطبقة الوسطى التي ينتمي إليها، تتبرم به على أنه واعظ ممل، فعقد العزم على النهوض برسالته عن طريق الروايات، وامتدح تنديد جرمى كوليير بالخلاعة والفحش في المسرح، فانبرى في سلسلة من الملهيات يدافع عن الفضيلة يشن حملات صادقة على الأوغاد. ولكن هذا الإنتاج لم يلق نجاحا. فالحق أن المسرحيات حوت مشاهد حية ودلت على ذكاء وموهبة، ولكن جمهور النظارة تشككوا في حل عقدة الروية أو في نتيجتها، وطالبوا باللهو والتسلية على حساب الوصايا العشر مهما كان الثمن غاليا، على حين أن اللندنيين الحصفاء الذين قد يتعاطفون مع مشاعره، قلما كانوا يظهرون في المسرح. كيف الوصول إلى هؤلاء الناس ؟ وقرر ستيل أن يجرب وسيلة يواجههم بها في المقاهي. وفي 12 أبريل 1709 أخذ ورقة من صحيفة ديفو "ريفيو" وأصدر العدد الأول من صحيفة تصدر ثلاث مرات في الأسبوع، أطلق عليها ((The Tatler)) وحررها وكتب معظم مادتها تحت اسم مستعار "ايزاك بيكرستاف". ووجها إلى المقاهي، حيث أعلن: "كل ضروب البسالة والكياسة، والمسرات والتسلية، تلتقون بها في "مقهى هوايت للكاكاو" والشعر في "مقهى ول Will" والعلم والمعرفة تحت عنوان "جريشيان". والأنباء الخارجية والداخلية من "مقهى سان جيمس". أما سائر الموضوعات التي سأقدمها فمن عندي أنا. وكام مشروعاً بارعاً، أثار اهتمام رواد المقاهي، واستقى الأنباء والموضوعات من مناقشاتهم هناك، وأتاح لريتشارد ستيل أن يعبر عن آرائه دون مقاطعة أو نزاع، وفي العدد 25 الصادر بتاريخ 7 يونيه 1709 ذكر أنه تلقى رسالة من "سيدة شابة ... ترثى فيها لسوء حظ .. حبيبها الذي أصيب مؤخرا بجرح أثناء المبارزة" واستطرد ستيل ليبين سخف عادة تحتم أن يدعو الشخص الذي أوذي الشخص المسىء ليضيف ضغثاً إلى ابالة أو القتل إلى الإساءة فماذا تعني المبارزة أو التحدي إلا هذا!! سيدي، أن سلوكك الشاذ في الليلة الماضية، وتطاولك علي في جرأة وحرية طابت لهما نفسك، كل هذا يدفعني إلى أن أوجه إليك هذا الإنذار، لأنك مغرور أحمق غير مهذب .. سألتقي بك في هايدبارك في ظرف ساعة، حاملا مسدسا، وحاول أن تصوبه الى رأسي، حتى ألقنك درسا في آداب السلوك". وهنا كان صوت الطبقة الوسطى يسخر من الأرستقراطية. والحق أن الطبقة الوسطى أساسا هي التي زحمت المقاهي. وفي مقالات خرى سخر ستيل من بذخ الأرستقراطية ولغوها ومظاهرها الكاذبة وزينتها وملابسها، وتوسل إلى النساء أن يرتدين الثياب البسيطة، ويمتنعن عن الحلي والمجوهرات. فإن عقد اللؤلؤ فوق الصدر لا يضيف شيئاً لى الصدر العاجي الجميل الذي يحمله(68)". إن رقته مع النساء كانت تتبارى مع ولعه بالخمر. وألح على القول بأنهن بحق يتمتعن بالذكاء وسلامة البنية. ولكنه امتدح الكثير من تواضعن وطهرهن - وتلك صفات لم تعترف بها ملهاة فترة عودة الملكية. وقال عن إحدى النسوة "إن حبك لها يعني أنك تتسم بالتحرر في تعليمك" واعتبر كري "أن هذه العبارة ربما كانت أرق تحية قدمت لامرأة)69)". ووصف ستيل، في إحساس عميق، مباهج الحياة الأسرية، والوقع الجميل لأقدام الأطفال، وإقرار الزوج بفضل زوجته المسنة وعرفانه لجميلها: "إنها في كل يوم تدخل على قلبي سروراً أكثر بكثير مما عرفت فيها أيام كنت أستمتع بجمالها وأنا في نضارة الشباب، إن كل لحظة في حياتها تقدم لي أمثلة جديدة على تجاوبها مع ميولي ورغباتي، وحسن تدبيرها بالنسبة لمواردي في أوقات اليسر والعسر. إن وجهها أجمل بكثير مما رأيته لأول مرة وليس استطعت أن ألحظه منذ اللحظة التي حدث فيها نتيجة اهتمام شديد قلق بمصالحي ربما يعود علي بالخير .. إن حب الزوجة أسمى بكثير من ذلك الهوى التافه الذي يسمونه عادة بهذا الاسم (الحب)، بقدر هبوط مستوى ضحكات المهرجين العالية الماجنة عن مستوى المرح الهادئ الرشيق عند الأماجد المهذبين(70)". وكان ستيل قد تزوج مرتين عندما كتب هذا، وإن رسائله الى زوجته لهي نماذج للاخلاص والحب، ولو أنها سرعان ما تشتمل على اعتذارات عن عدم الحضور لتناول الطعام في البيت. إنه أخفق في أن يكون الرجل البرجوازي الفاضل الذي كان في نظره نموذجا للحياة، فإنه سكر كثيراً وأنفق كثيراً واستدان كثيراً، واجتاز الشوارع الجانبية ليتحاشى لقاء أصدقائه الذين أقرضوه المال. واختفى عن الأنظار تملصا من دائنيه ومراوغة لهم، ولكنه في نهاية الأمر أودع السجن بسبب الدين، وقارن قارئو صحيفته ((Tatler)) بين عظاته وتصرفاته. وأصدر جون دنيس نقدا لاذعا لآراء ستيل، وتناقص عدد المشتركين في الصحيفة واحتجبت عن الظهور في 2 يناير 1711، ولكنها تحتفظ بمكانتها في تاريخ الأدب الإنجليزي، لان بين جنباتها بدأت الأخلاقية الجديدة تعبر عن نفسها، وبدأت القصة القصيرة تأخذ شكلها الحديث، كما طور أديسون المقالة الحديثة حيث بلغ بها حدا الاتقان والكمال في صحيفة "سبكتاتور". وولد أديسون وستيل كلاهما في 1672، وكانا صديقين منذ كانا يدرسان معا في مدرسة تشارتر هاوس. وكان والد جوزيف أديسون قسيساً أنجليكانياً، أشرب ابنه من التقوى والورع ما قاوم به كل مساوئ ومفاسد فترة عودة الملكية. وكسبت له براعته في اللاتينية منحه دراسيه. وفي سن الثانية والعشرين أعجب إرل هاليفاكس بمواهبه، إلى حد أنه أقنع رئيس كليه ماجدلن بتحويل الشاب من سلك الكهنة الى خدمة الحكومة. وقال هاليفاكس "يقولون عني أني عدو للكنيسة، ولكني لن أعود للإساءة إليها قط، بعد أن أحتفظ بمستر أديسون بعيدا عنها(71)" ولما كانت المقدرة في اللاتينية غير مقرونة بمعرفة اللغة الفرنسية، وكانت الحاجة إلى معرفة اللغة الفرنسية أساسية عند الدبلوماسيين فإن هليفاكس خصص لأديسون ثلاثمائة جنيه سنويا لينعق منها أثناء إقامته في القارة. ولمدة عامين تجول أديسون على مهل في أرجاء فرنسا وإيطاليا وسويسرا. وبينما هو في جنيف ارتقت الملكة آن عرش إنجلترا فأبعد أصدقاؤه عن مناصبهم، وانقطع عنه راتبه. ولما لم يبق له إلا دخله الضئيل، فإنه اشتغل معلما ومرشدا خاصاً لسائح إنجليزي شاب، وطاف معه بأنحاء سويسرا وألمانيا والمقاطعات المتحدة. ولما انتهت هذه المهمة عاد إلى لندن 1703، وعاش لبعض الوقت في فقر يستره التعفف وحسن المظهر. ولكنه كان "مغناطيسياً" يجذب الثراء والحظ السعيد. ذلك أنه عندما انتصر دوق مالبورو في معركة بلنهيم في 13 أغسطس 1704 فتش جودولفين وزير الخزانة عن شخص يخلد ذكر هذا النصر شعرا. وأوصى هاليفاكس بأديسون للقيام بهذا العمل، واستجاب الشاب الموهوب بقصيدة رنانة "الحملة" ونشرت في نفس اليوم الذي دخل فيه مالبورو العاصمة دخول المنتصر الظافر، وساعد نجاح القصيدة على أن توطن انجلترا نفسها على مواصلة القتال. إن جورج وشنطن آثر الشعر المحلق عاليا الذي كتبه أديسون على سائر القصائد. وإليك أبياتا مشهورة منها: "إيه يا ربة القريض، أي شعر ترين أن أنشده القوات التي اشتعلت في نفوسها نيران الغضب، المتراصة في ميدان المعركة! إني ليخيل إلي أني أسمع دقات الطبول الصاخبة وصيحات النصر وأنات الموتى يختلط بعضها ببعض وطلقات المدافع المرعبة تشق أجواء الفضاء، وصيحات الحب تدوي مثل الرعد. وهنا أثبت مالبورو العظيم بروحه العالية أنه راسخ كالطود، لا يهتز لإلتحامات الجيوش المهاجمة، وفي غمرة لضجة والفزع واليأس، يشهد كل مناظر الحرب المروعة، ويشرف على ساحة الموت ثابت الجنان، يفكر في هدوء. ويرسل المدد في الوقت المناسب للفرق المتخاذلة، وينفخ في المحاربين المترددين من روحه فيدفعهم إلى الالتحام مع العدو، ويحدد للمعركة المتأرجحة أين تشتد وتحتدم. كما لو أن ملكا من السماء، بأمر من عند الله زلزل أرض الأعداء بريح عاتية (كما حدث مؤخرا لبريطانيا الواهنة). وفي هدوء ورصانة يسوق مالبورو العاصفة العاتية، ويطيب نفسا بتنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى، فيمتطي صهوة جواده وسط الرياح الهوجاء ويقود العاصفة ويوجهها كيف يشاء". وحقق البيت الأخير والتشبيه الملائكي لأديسون العودة سالما إلى وظيفة حكومية تدر عليه راتبا، بقي قيها طيلة السنوات العشر التالية. وفي 1705 عين عضوا في لجنة الاستئناف، خلفا لجون لوك. وفي 1706 وكيلا للوزارة. وفي 1707 ألحق ببعثة هاليفاكس إلى هانوفر، التي هيأت لأسرة هانوفر السبيل لارتقاء عرش انجلترا. وفي 1708 اتخذ مقعده في البرلمان، وبفضل خدماته الجليلة احتفظ به حتى الممات. وفي 1709 أصبح السكرتير الأول لنائب الملكة في إيرلندة. وفي 1711 أثرى إلى حد استطاع معه أن يشتري ضيعة في رجبي بعشرة آلاف جنيه. إن أديسون في أيام الرخاء لم ينس ستيل. فأنبه على أخطائه ولكنه هيأ له منصبا حكوميا، وأقضه مبالغ كبيرة من المال، وطالبه مرة واحدة أن يسددها(72). وعندما صدرت صحيفة ((The Tatler)) غفلا من الاسم، لاحظ إشارة إلى فرجيل كان قد لمح بها إلى ستيل، وفي "إيزاك بيكرستاف" عرف ثانية صديقه المترف المفلس وسرعان ما اشترك في الصحيفة. وفي 1710 سقطت حكومة الأحرار، وفقد ستيل وظيفته الحكومية، وفقد أديسون كل مناصبه باستثناء عضوية لجنة الاستئناف. واحتفلت صحيفة تاتلر بهذا العام بالاحتجاب عن الظهور. وشارك أديسون وستيل الواحد منهما الآخر آلامه وآماله، وفي أول مارس 1711 أخرجا أول عدد من أشهر الدوريات في تاريخ الأدب الإنجليزي. وظهرت صحيفة "سبكتايور" يومية - ماعدا يوم الأحد، في فرخ مطوي ذي أربع أو ست صفحات. وبدلا من تحديد المقالات من مراكز مختلفة. ابتدع المحرر المجهول الاسم نادياً وهمياً يمثل أعضاؤه قطاعات مختلفة من دنيا الانجليز: سير روجردي كوفرلي سيد من الريف، سير أندرو فريبورت يمثل طبقة التجار، ويتحدث الكابتن سنتري باسم الجيش، أما ول هنيكوم فهو الرجل العصري المتألق، أما المحامي في دار العدل فيمثل العلم والمعرفة" ويجمع مستر "سبكتاتور" نفسه بين وجهات نظرهم في إطار من المرح اللطيف والكياسة والذكاء، مما نفذت معه الصحيفة إلى بيوت الانجليز وقلوبهم جميعاً. وفي العدد الأول وصف مستر سبكتاتور نفسه، حتى جعل النوادي والمقاهي تحاول الكشف عن شخصيته بالحدس والتخمين: "قضيت سنواتي الأخيرة في هذه المدينة حيث يراني الناس كثيراً في معظم الأماكن العامة، ولو أن عدد الصفوة المختارة من الأصدقاء الذين يعرفونني لا يجاوز الستة، وسأتحدث عنهم في العدد القادم بشكل أدق. ولا يكاد يوجد مكان يأوي إليه الناس بصفة عامة إلا وظهرت فيه، فأحيانا يرونني أدس أنفي في حلقة من رجال السياسة في "مقهى ول"، مصغيا بأكبر اهتمام إلى ما يدور في هذه الاجتماعات الدورية. وأحيانا أدخن غليوني، وعلى حين غير منصت لشيء إلا ساعي البريد، فإني أسترق السمع إلى النقاش الذي يدور على كل مائدة من الغرفة. وفي أمسيات الأحد أقصد إلى مقهى سان جيمس، وانضم أحيانا إلى جماعة السياسيين الصغيرة في الحجرة الداخلية، بوصفي رجلا يذهب إلى هناك ليسمع ويستفيد. ووجهي كذلك معروف تمام المعرفة في "جريفان" وفي مقهى "شجرة الكاكاو" "وفي مسارح "دروري لين" و "هاي ماركت" على حد سواء. وكانوا يحسبونني تاجرا في "البورصة" طيلة هذه السنوات العشر أو أكثر. وأحيانا حسبوا أني يهودي من جماعة السماسرة الذين لا يوثق بهم في "جوناتان" وجملة المقول إني لا أرى حشدا من الناس إلا حشرت نفس في زمرتهم، ولو أني لا أنبس ببنت شفة إلا في النادي الخاص بي. وهكذا أعيش في هذه الدنيا متفرجاً، لا واحداً من الجنس البشري، وبهذه الطريقة جعلت من نفسي رجل دولة يطيل التأمل والتفكير، وجندياً وتاجراً، وصانعاً ماهراً، دون أن أمارس العمل في أي قطاع من قطاعات الحياة. كما أني على دراية تامة بشؤون الزواج والأبوة، وأستطيع تبين وجوه الخطأ في الاقتصاد وفي الأعمال وفي الانحراف، أفضل بكثير ممن يتولون هذه الأمور بأنفسهم، لأن المتفرجين يكتشفون أخطاء يمكن ألا تقع عليها أعين المشتركين في اللعبة. إني لم أناصر قط حزبا في اندفاع أو عنف. وإني عاقد العزم على أن أقف موقف الحياد الدقيق بين الأحرار والمحافظين، إلا إذا اضطررت إلى إعلان الانحياز إلى أي من الفريقين بسبب تصرفات غير وديعة من الفريق الآخر. وصفوة القول إني كنت طوال حياتي "متفرجاً" وتلك هي الشخصية التي أقصد ألا أحيد عنها في هذه الصحيفة". وبتقدم المشروع، جمعت "سيكتاتور" بين الموضوعات الاجتماعية ودراسات العادات والسلوك والأخلاق والنقد الأدبي واستعراض أحوال المسرح. وكتب أديسون سلسلة من المقالات عن ملتون أدهش بها انجلترا حين سما بقصيدة "الفردوس المفقود" فوق مرتبة "إلياذة" هوميروس، و "إنيادة" فرجيل. وتجنبت المناقشات الخوض في السياسة التي تثير العداوات والتقلبات، ولكن ألحت - واشترك في هذا أديسون عن طيب خاطر - على دعوة ستيل إلى الإصلاح الاجتماعي. وظهر من جديد شيء من الروح البيوريتانية هذبته المحنة، كرد فعل للنكسة التي اجتاحت فترة عودة الملكية، ولكنها لم تعد الآن انهماكاً لاهوتياً كئيباً مفزعاً في التخويف من الشيطان ومن الخطيئة المهلكة، بل دعوة إلى الاعتدال والاحتشام موسومة بالتفاؤل مغلفة بالدهاء والظرف. وعلى هذا النسق بدأ عدد 10 نوفمبر: "إنه لمما يبعث عن الرضا والارتياح أن أرى المدينة العظيمة تلح يوما بعد يوم على طلب صحيفتي هذه. وتستقبل مقالاتي الصباحية في جدية واهتمام مناسبين. ويقول الناشر أن ثلاثة آلاف نسخة منها توزع يومياً بالفعل. فإذا حسبت أن النسخة الواحدة يتداولها عشرون قارئا، وهو تقدير متواضع، لأحصيت من المريدين ستين ألفا في لندن ووستمنستر، آمل أن يلحظوا الفرق بينهم وبين القطيع الطائش من أخوانهم الجهلة الغافلين، ومذ حظيت بمثل هذا العدد الكبير من القراء فإني لن أدخر وسعا في أن يكون ما أزودهم به من علم ومعرفة مقبولا، ومن تسلية نافعاً مفيداً. ولهذا أحاول أن أحيي الأخلاق بالدعابة وألطف الدعابة بالفضيلة، لعل قرائي يشقون إذا أمكن، عن هذا السبيل أو ذاك، طريقهم إلى التأمل فيما يجري حولهم كل يوم، رغبة مني في ألا يكون حظهم من الفضيلة قليلا عابرا، أو مجرد ومضات متقطعة من التفكير، صح عزمي على أن أنعش ذاكرتهم وعقولهم بين الحين الحين، حتى أخرجهم من ظلمات اليأس والرذيلة والحماقة التي تردى في هذا العصر. فإن العقل الذي يخلد إلى الدعة والراحة ولو يوماً واحداً، يشب على الحماقات والسخافات التي لا يمكن اقتلاعها إلا بالمداومة على تثقيفه تثقيفاً جاداً مثابراً. ولقد قالوا عن سقراط أنه أنزل الفلسفة من السماء لتسكن بين الناس على الأرض، وكم تهفو نفسي أن يقال عني أني أتيت بالفلسفة من المخابئ والمكتبات والمدارس والجامعات، لتستقر في النوادي والجمعيات، وعلى موائد الشاي، وفي المقاهي. من أجل ذلك أوصي، بالنسبة لتأملاتي هذه، وبصفة خاصة، الأسرات التي ترعى النظام والدقة في حياتها، ن تخصص في كل صباح ساعة محددة لتناول الشاي والخبز والزبد، وأنصحها جديا، ولخيرها هي، أن تثابر على ثراء هذه الصحيفة، وتعتبرها جزءاً من تجهيزات الشاي". واتجهت صحيفة "سبكتاتور" إلى النساء والرجال سواء بسواء، فعرضت أن تعالج موضوع الحب والجنس، وتصور "الحب الزائف أقبح وأشد قتاماً من ... الخيانة في الصداقة أو النذالة والخسة في التجارة وسائر الأعمال(73). وكتب أديسون يقول: "سيكون من أعظم مفاخر هذه المهمة التي أنهض بها أن تهيئ هذه الصحيفة بعض الموضوعات التي يخوض فيها بعض السيدات العاقلات المفكرات على موائد الشاي(74)". وشجعت الرسائل وطبعت، وكتب ستيل نفسه سلسلة من الرسائل التي تشكو الحرمان من الحب والأحباب، كان بعضها موجها إلى خليلاته، وبعضها دبجه المحررون في أسلوب حديث جداً. وجمعت الصحيفة بين الدين والحب. وزودت باللاهوت المعتدل جيلاً بدأ يتساءل عن أثر تخلخل إيمان الطبقات العليا عن الأخلاق. وأهابت بالعلم أن يتابع طريقه، ويدع الكنيسة وحدها حارساً حكيماً محنكاً على الأخلاق، فأن حقوق الوجدان ومتطلبات النظام تدل على إدراك الفرد وعقله، فهو دوما في دور المراهقة. وخير للأخلاق ولسعادة الإنسان تقبل العقيدة القديمة في خشوع، وحضور صلواتها وخدماتها والالتزام بعطلاتها، والمساعدة على خلق الجو المناسب ليوم العبادة الهادئة في كل أبرشية. "إني لأجد السرور كل السرور في يوم الأحد في الريف، وكم أتمنى لو أن تقديس اليوم السابع والتعطيل فيه كان مجرد نظام إنساني، إذن لأصبح أفضل وسيلة فكر فيها الإنسان لتهذيب الجنس البشري وصقله وتمدينه، ومن المؤكد أن أهل الريف سيخطون سريعا إلى نوع من المتوحشين والمتبربرين إذا لم يعودوا دوماً إلى زمن محدد تجتمع فيه القرية كلها بوجوه باسمة في أبهى حلة ليتدارس أهلها فيما بينهم مختلف الموضوعات، وليوضح لهم ما ينبغي عليهم أداؤه من واجبات، وليجتمعوا معا لعبادة الله "الكائن الأسمى". إن يوم الأحد صدأ الأسبوع كله، لا لأنه يحي الأفكار الدينية في العقول. بل لأنه يجمع بين الرجال والنساء. والكل يبدو في أحسن صورة(75)". أما الأدب الذي كان مطية الإباحية والخلاعة طوال الأربعين عاماً الماضية، فقد انحاز الآن إلى جانب الأخلاق والإيمان. وأسهمت صحيفة سيكتاتور في انقلاب السلوك والأسلوب الذي استبق في عهد الملكة آن، بقرن من الزمان، روح أواسط العصر الفكتوري، التي قضت بألا يحترم إلا من هم حقا جديرون بالإحترام، وغيرت مفهوم الانجليز عن السيد الماجد "جنتلمان" من الرجل ذي اللقب الذي يحسن مغازلة النساء، إلى المواطن المهذب الكريم النشأة. وفي "سبكتاتور" وجدت فضائل الطبقة الوسطى من يدافع عنها دفاعا مهذبا مصقولا. وكان التعقل وحسن التدبير وعدم التبذير أجدى على المجتمع وثمن لديه من أناقة الثياب وسرعة الخاطر وكان التجار سفراء الحضارة إلى الشعوب المختلفة. وكانت عائدات التجارة والصناعة عصب الحياة للدولة. وأحرزت صحيفة سبكتاتور نجاحاً ومنزلة رفيعة ليس لهما مثيل في الصحافة الانجليزية وكان توزيعها ضئيلا، لا يكاد يجاوز أربعة آلاف، ولكن تأثيرهاً كان عظيماً إلى حد بعيد. وكان يباع من مجموعاتها المجلدة نحو تسعة آلاف نسخة سنويا(76)، وكأنما أدركت انجلترا فعلا أنها لون من الأدب. ولكن بمرور الزمن بليت جدثها وخبا بريقها، وبدأت شخصيات النادي تكرر نفسها، وفترت حيوية الكتاب المنهوكين ونشاطهم، وصبحت عظاتهم تبعث السأم في نفوس القراء. وهبط توزيع الصحيفة، وزادت المصروفات على الايرادات نتيجة ضريبة التمغة التي فرضت 1712. وفي 16 ديسمبر 1712 احتجبت الصحيفة عن الظهور. وواصل ستيل الكفاح في صحيفة "جارديان". وأحيا أديسون صحيفة سبكتاتور 1714. ولم يطل عمر الصحيفتين كلتيهما، لأن أديسون كان قد أصبح آنذاك كاتبا مسرحيا ناجحا، وأعيدت إليه وظائفه ورواتبه الحكومية. وفي 14 أبريل 1713 أخرج مسرح "دروري لين" مسرحية "كاتو" لأديسون كتب لها صديقه بوب مقدمة زاخرة بالحكم والأفكار التي عرفت عنه، مثقلة بالوطنية الثائرة المتفائلة معا، وأخذ ستيل على عاتقه أن يحشد لمشاهدة المسرحية كل "الأحرار" الغيورين المتحمسين، فلم يوفق في ذلك كل التوفيق، ولكن "المحافظين" انضموا إلى الأحرار في استحسان وقفة "كاتو" الأخيرة دفاعا عن "الحرية الرومانية" (46 ق. م.) وتبارت صحيفة المحافظين "اجزامنر" مع صحيفة ستيل "جارديان" في نشوة الابتهاج والاستحسان. واستمر العرض لمدة شهر كامل مع تزايد عدد المترددين على المسرح لمشاهدتها، حتى قال بوب "لم يكن كاتو محل إعجاب ودهشة روما في زمانه قدر ما هو موضع إعجاب ودهشة بريطانيا في أيامنا هذه"(77). واعتبرت كاتو في القارة أجمل مسرحية "تراجيدية" في اللغة الإنجليزية. وأعجب فولتير بالتزامها بالوحدات، وعجب كيف أن إنجلترا تطيق صبراً على شكسبير بعد مشاهدة رواية أديسون(78). ويهزأ النقاد اليوم بها على أنها خطابة تافهة مضجرة ولكن أحد القراء وجد أن انتباهه مشدود حتى النهاية بفضل الحبكة المحكمة البناء وقصة الحب المدمجة بشكل بارع في الصراع الأكبر. وازدادت الآن شعبية أديسون إلى حد قال معه سويفت "أعتقد أنه لو فكر في أن يختار للجلوس على العرض لكان من العسير أن يأبى عليه أحد هذه الرغبة(79)". ولكن أديسون الذي كان دوماً نموذجاً للاعتدال قنع بتعيينه وزيراً في الحكومة، لشئون إيرلندة آنذاك، ثم كبير مفوضي التجارة. وكان شخصية محبوبة جداً في النوادي، لأن إدمانه على الشرب منعه من أن يكون "الرجل الشاذ البشع غاية الباعة والشذوذ الذي لا يحبه الناس أبداً". ورغبة منه في تتويج مجده وعظمته، تزوج (1716) من كونتيسة، ولم يكن سعيداً في حياته مع السيدة المتعجرفة في "هولندهاوس" في لدن. وفي 1717 عين ثانية وزيراً، ولكن مقدرته كانت محل نزاع وشك. وسرعان ما استقال بمعاش قدره 1500 جنيه في العام. وعلى الرغم من تجلده وأدبه الجم انزلق في عراك مع أصدقاءه - ومنهم ستيل وبوب - الذي هجاه بأنه متزمت اعتاد "أن يلعن الناس بالإطراء الباهت الحقير، فهو: مثل كاتو يقدم للسناتو الهزيل القوانين، ثم يتخذ مقعده لينصت إلى ما يكال له من مديح(80). وكانت خاتمة حياة ستيل أقل عظمة وجلالاً من أديسون. أنه انتخب للبرلمان في 1713، ولكن الغالبية التي تنتمي إلى حزب المحافظين أخرجته بتهمة أن لغته محرضة مثيرة للفتنة. وفاز حزب الأحرار في السنة التالية، فحظي ستيل بعدة مناصب إدارية تدر عليه مالاً، وتعادلت لفترة من الزمن موارده مع نفقاته، ولكن ديونه طغت، وطارده دائنون، وآوى إلى ضيعة زوجته في ويلز، وهناك وافته المنية في أول سبتمبر 1729، بعد شريكه بعشر سنين. أنهما معاً: ستيل بأصالته وحيويته ونشاطه، وأديسون بذوقه الفني المصقول ارتفعا بالقصة القصيرة والمقال إلى آفاق جديدة من الجودة والإتقان، وأسهما في إبتعاث الأخلاق من جديد في ذاك العصر، وحددا طابع الأدب الإنجليزي وشكله لمدة قرن من الزمان باستثناء العبقرية البالغة القوة والعنف في هذا العصر.
برامج -> عصر لويس الرابع عشر -> إنجلترا -> من دريدن إلى سويفت -> جوناثان سويفت 8- جوناثان سويفت 1667 - 1745 كان سويفت يكبر ستيل وأديسون بخمس سنين. ولكنه عمر بعد أحدهما ست عشرة سنة، وبعد الآخر ستاً وعشرين. وكان بمثابة شعلة متأججة سرت من قرن إلى قرن، من دريدن إلى بوب. ولم يستطع قط أن يغتفر مولده في دبلن الذي كان عائقاً مثيراً للغضب في إنجلترا. وكم كان قاسياً عليه أن يقضي أبوه نحبه قبل ولادته، وكان الوالد قهرمان قصر الملك في دبلن. وعهد بالطفل إلى مرضعة حملته منها إلى انجلترا، ولم تعد به إلى أمه إلا عندما بلغ الثالثة من العمر، وربما ولدت هذه المغامرات والمخاطر في نفس الصبي شيئاً من قلق اليتيم. ولابد أن هذا الشعور ازداد عمقاً في نفسه، بانتقاله إلى عم له. سرعان ما تخلص منه، وهو في السادسة بإلحاقه بمدرسة داخلية في كلكني. وفي سن الخامسة عشرة التحق بترنتي كولدج في دبلن، حيث ظل بها سبع سنين. وشق طريقه في الكلية بصعوبة لأنه كان مهملاً في اللاهوت بصفة خاصة. وكثيراً ما قصر وعوقب، |